الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
68 - حَوْلَ " مَوَازِينِ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ
":
لقد ادعى أحد الكُتَّابِ أنه أثناء إعداده كتابًا في الأحاديث النبوية، اكتشف أن " صحيح البخاري " يحتوي على أحاديث ضعيفة وموضوعة، وطالب بإشهار ضعفها وبطلانها لأن عدم الإشارة إليها وفرزها عن الأحاديث الصحيحة سيكون في مصلحة أعداء السُنَّةِ من أدعياء المسلمين أو من بعض المستشرقين، ولأن السكوت على ذلك سيؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه للشك في كل الأحاديث النبوية ولا سيما إذا قاموا بتفنيدها وبيان تعارضها مع آيات القرآن الكريم ومع العقل والمنطق السليم (1).
ثم رتب الكاتب على هذه المقدمة أن يعرض الأحاديث النبوية على القرآن الكريم فقد علمنا كيف نقبل الخبر الصحيح ونرد الخبر الكاذب، ومن موازين القرآن للتمييز بين البريء والمذنب الاستناد إلى الأدلة العقلية والمنطقية في نظره.
وبهذه الموازين التي وضعها الكاتب ادعى بوجود أحاديث مكذوبة في " البخاري " و" مسلم " أشهرها في زعمه ما يتعلق بالقيامة وخلق الأرض.
استدل الكاتب على ذلك بما رواه " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ:«إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ.
ثم نقل الكاتب قول النبي في " صحيح مسلم " لمن سأله عن الساعة: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» .
ثم قال الكاتب: «ويظهر أن القيامة قد قامت منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام ونحن لا ندري؟» أم أن الغلام ما زال على قيد الحياة حتى الساعة.
هذا الكاتب لم يكلف نفسه عبء البحث في كُتُبِ السُنَّةِ عن معنى الحديث قبل أن يزعم أنه موضوع وأن البخاري ومسلم قد جمعا في " صحيحيهما " أحاديث مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد قال الحافظ ابن كثير في كتابه " [البداية والنهاية]: ص 31 في [كتاب] الفتن والملاحم
(1) هذه مقولة عز الدين بليق في كتابه " موازين القرآن والسنة للأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة: ص 79.
إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «سُئِلَ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى غُلَامٍ فَقَالَ: " لَنْ يُدْرِكَ هَذَا الهَرَمُ حَتَّى تَأْتِيَكُمْ سَاعَتُكُمْ "» (1).
ثم قال: «وَ [هَذَا] الكَلَامُ بِهَذَا المَعْنَى صَحِيحٌ
…
فَأَمَّا السَّاعَةُ العُظْمَى وَهُوَ اجْتِمَاعُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ [وَقْتِهِ]».
وفي " شرح النووي ": جـ 18 ص 90 لهذا الحديث: «قَالَ القَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَى الأَوَّلِ - وهو حديث عائشة - وَالمُرَادُ بِسَاعَتِكُمْ مَوْتِهِمْ وَمَعْنَاهُ يَمُوتُ ذَلِكَ القَرْنُ أَوْ أُولَئِكَ المُخَاطَبُونَ» .
قال النووي: «وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الغُلَامَ لَا يَبْلُغُ الهَرَمَ وَلَا يُعَمِّرْ» .
وفي " فتح الباري شرح صحيح البخاري ": ص 533 باب 95: ما يفيد أنه خاص بالمخاطبين لهذا فإن ابن حجر يؤيد القاضي عياض في أن المراد ساعتهم.
وبمثل هذا المنطق جاء آخر ونقل حديث " البخاري " عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» .
ولقد ادعى الناقد: «أن البخاري على جليل قدره ودقيق بحثه، [يثبت] أحاديث [دَلَّتْ] الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة» (2)(*).
وهذا الكاتب لو اطلع على الرواية الكاملة لهذا الحديث في " البخاري " في باب السمر بعد صلاة العشاء من كتاب الصلاة لعلم أن هذه الرواية فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» .
وقد أورد ابن حجر في كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة ": ج 1 ص 5 أن العلماء
(1) الحديث ورد في كتاب الرقائق، المجلد 11 ص 362، ورواه أحمد بصفحات: 392، 213، 228، 270 ج 3.
(2)
عن كتاب " ضحى الإسلام " للأستاذ أحمد أمين: ص 217.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) قارن بما ورد في الصفحة 279 من هذا الكتاب (قول أحمد أمين حول " صحيح البخاري " في كتابه " ضحى الإسلام ").
قد تقصوا من كان آخر الصحابة مَوْتًا فتبين أنه عامر بن واثلة الذي مات سَنَةَ مائة وعشرة هجرية.
وقد قال الإمام ابن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث ": ص 67: أن الحديث قد أسقط الرواة منه حرفًا أي كلمة وهي (مِنْكُمْ) فيكون النص: «لَا يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِنْكُمْ بَعْدَ مِائَةِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» .
والحقيقة أن هذا التأويل لا ضرورة له، فالرواية الكاملة للحديث في " البخاري " فيها:«لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» .
كما أن رواية جابر للحديث في " صحيح مسلم " هي: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» فاليوم بمعنى منكم.
لهذا قال الإمام النووي: هذه الأحاديث يفسر بعضها بعضًا وفيها علم من علوم النبوة. ولكن الكاتب المسلم قد بلغت به الجرأة للحكم على الحديث بالوضع وعلى رواته بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى " البخاري " بعدم الدقة في البحث.
وكل هؤلاء قد افترى عليهم هذا الكاتب وتعلل بضرورة مطابقة الحديث للعقل والمنطق وادعى أنه يخالف القرآن، وقد ابتدع موازين للحكم على الحديث أهمها ألا يخالف العقل وآخرها ألا يخالف القرآن، وهو يعلم أو يجب أن يعلم أن النبي يقول:«إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ، فالحديث مبين للقرآن بوحي من الله.
أما العقل الذي يريد الكاتب أن يجعله حاكمًا على الأحاديث النبوية، فوسيلته في المعرفة هي الحواس الخمس أو المعلومات السابقة والأحاديث النبوية لا تقضي أمورًا تخضع للحواس الخمس، أو لمعلومات الإنسان السابقة فأكثرها أحكام من الله تعالى عن الحلال والحرام أو الجنة أو النار أو الإخبار عن شيء لا يتصل بمعرفة الإنسان، وبالتالي لا يختص العقل بالحكم على هذه الأحاديث بالصحة أو البطلان لأنها تخرج عن اختصاص العقل، فقد ظن بعض الناس تعارض القرآن مع بعض النظريات العلمية وبعد ذلك تغيرت النظريات وكشف العلم صدق ما ورد في القرآن الكريم. الحديث والنص القرآني كلاهما من عند الله ويخرجان من مشكاة واحدة، قال تعالى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].