الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38 - المُعْجِزَاتُ بَيْنَ الدِّينِ وَالعَقْلِ:
إن المستقرئ لتاريخ الرسل والرسالات يجد أن هؤلاء الرسل إنما جاءوا بالعدل ومكارم الأخلاق، دون أن يكون لهم نفع مادي أو معنوي، بل كان تعرضهم للأذى وتحملهم المشاق في سبيل إنقاذ الناس وتحقيق الخير لهم ورفع الظلم عنهم.
هذه الدعوات تحمل للناس نفعًا محضًا لا شبهة فيه، ومن ثم فالعقول الصحيحة تسارع إلى تصديقها دون انتظار المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسالة. ولكن لأنها تضمنت الوعد بالجنة والوعيد بالنار في عالم آخر فيه حياة أبدية لا نهاية لها، فإن الله تعالى قد أقام الحجة على الناس، فأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وقال:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (1). كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (2).
بهذا أخبرنا القرآن الكريم أن كل رسول كان مؤيدًا من الله بالبينات والبراهين الدالة على صدقه وصحة رسالته، وكان مع كل رسول الكتاب
(1)[سورة الإسراء، الآية: 15].
(2)
[سورة الحديد، الآية: 25].
الذي يضم التشريعات التي تصلح أحوال الناس وتفصل بينهم في منازعاتهم وذلك بهذا العدل الإلهي المرموز إليه بالميزان.
والمعجزة هي أمر خارق للعادة أو لنواميس الكون وقوانين الحياة يظهره الله على يد نبي وذلك على وجه التحدي تصديقًا له.
ولقد كانت معجزة نبي الله عيسى عليه السلام هي ما أخبر القرآن عنه في وصف هذه الرسالة إذ قال الله عن المسيح {إِذْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1).
أما معجزة خاتم النبيين التي تحدى بها الإنس والجن فكانت القرآن الكريم وفي هذا قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (2). وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (3).
(1)[سورة آل عمران، الآيات: 45 - 49].
(2)
[سورة الإسراء، الآية: 88].
(3)
[سورة البقرة، الآية: 23].
وبجانب هذا القرآن المعجز في كلماته وآياته ومعانيه، فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معجزات أخرى أظهرها الإسراء والمعراج الوارد في القرآن والسنة، كما توجد خوارق للعادات والنواميس منها ما أخرجه " البخاري " و" مسلم " عن أنس بن مالك قال: حديث أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَحَانَتْ صَلَاة العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ (أي الماء الذي يتوضأون به)، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ (أي إناء للوضوء)، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فِي ذلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبَعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدَ آخِرِهِمْ» (1). ومن هذه الخوارق ما أخرجه " البخاري " و" مسلم " عن ابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ» ، وفي رواية أخرى:[انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْهَدُوا»](2).
إن المعجزات النبوية ترتبط بالإيمان فمن آمن برسالة خاتم النبيين يصدق ما أخبر به من أمور خارقة للعادة، ومنها الإسراء والمعراج، ومن كفر بهذه الرسالة رد هذه المعجزات، ولهذا كان حكم الله في المنافقين هو قوله تعالى:{إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (3).
ولكن هذا المنطق القرآني غفل عنه بعض المسلمين فاتبع أوهام بعض المبشرين والمستشرقين الذين زعموا أن رحلة الإسراء والمعراج لا يصدقها العقل البشري إلا إذا كان الإسراء بالروح.
(1) كتاب " اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": كتاب الفضائل - باب معجزات النبي: ص 598، طبعة وزارة الأوقاف بالكويت.
(2)
المرجع السابق: باب انشقاق القمر: ص 788.
(3)
[سورة المنافقون، الآية: 1].
ولقد تجاهل هؤلاء أن عقلهم هذا قد صدق معجزات رسول الله عيسى ومنها إحياء الميت ورد البصر للأعمى، كما صدق هذا العقل أن الله سبحانه وتعالى يتكون من ثلاثة أشخاص: هي الأب وهو ذات الله والابن وهو السيد المسيح بوصفه ابنًا لله في اعتقادهم الخاطئ، والروح القدس وهو الله الحي إذا ظهر كحياة (1).
إن منطق العقول السليمة يقضي بأن يكون الحوار مع هؤلاء المستشرقين والمبشرين في مسألة الإيمان بالرسالة والرسول وليس في الإسراء والمعراج، لأن الذي لا يؤمن بالإسلام لا مجال لإقناعه بما جاء في القرآن والسنة، وهذا هو الخطأ الشائع لدى من ناقش المستشرقين من المسلمين عندما [حَاوَرَهُمْ] في زعمهم أن الإسراء بالروح دون الجسد، وهم ما أشاعوا ذلك إلا للتوصل إلى تكذيب الرسالة والرسول وصرف الناس عنها ولهذا تعمد كبراؤهم الكذب، فادعى مارجليوث أن النبي محمدًا كان يمارس الشعوذة، وزعم القس لامانس أنه كان يسترسل في الشهوات والملذات، وفي ثنايا كتاباته تتضح خلفية هذه الأكاذيب حيث يقول رينيه:«إن لامنس في كتابه عن محمد صاح متأوهًا من أن القرآن عندما جاء صرف العرب عن الإنجيل بعد أن شرعوا في تذوق حلاوته» .
انظر " المقدمة " وكتاب " معالم تاريخ الإنسانية ": جـ 1 ص 36 تأليف هـ - ج ويلز.
(1) كتاب " الله واحد أم ثالوث " للأستاذ محمد مجدي مرجان (*): ص 9، 95.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) هو المستشار الدكتور المصري: محمد مجدي مرجان رئيس محكمة الاستئناف العليا
…
ولد فى أسرة متدينة مسيحية، وكان شماساً في الكنيسة، ثم اعتنق الإسلام، وكتب أربعة كتب فى إظهار الحق:" الله واحد أم ثالوث "، " المسيح إنسان أم إله "، " محمد صلى الله عليه وسلم نبى الحب "، " لماذا أسلمت؟ ".
يشغل الآن منصب رئيس محكمة الجنايات والاستئناف العليا، ورئيس منظمة الكتاب الأفريقيين والآسيويين؛ وتنشر جريدة " الأهرام " المصرية مقالاته.