المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - السنة بين النصارى والأعراب: - السنة المفترى عليها

[سالم البهنساوي]

فهرس الكتاب

- ‌مع الكتاب المفترى عليه:

- ‌هذا الكتاب بين الشكل والمضمون:

- ‌بين يدي هذا الكتاب:

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ الرَّسُولِ وَحَقِيقَةِ السُنَّةِ:

- ‌1 - حَقِيقَةُ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَانَتُهَا:

- ‌2 - نُزُولُ الوَحْيِ بِالسُنَّةِ:

- ‌3 - أَنْوَاعُ السُنَّةِ وَوَظِيفَةِ الرَّسُولِ:

- ‌4 - الجَمَاعَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ وَالمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ:

- ‌التَّطَرُّفُ وَتَلْبِيسُ إِبْلِيسَ:

- ‌5 - السُنَّةُ بَيْنَ النَّصَارَى وَالأَعْرَابِ:

- ‌6 - اسْتِقْلَالُ السُنَّةِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ:

- ‌الفَصْلُ الثَّانِي: الفِتْنَةُ وَشُبُهَاتٌ حَوْلَ تَدْوِينِ السُنَّةِ:

- ‌7 - كِتَابَةُ السُنَّةِ بَيْنَ التَّأْيِيدِ وَالمُعَارَضَةِ:

- ‌8 - التَّدْوِينُ الرَّسْمِي وَحِفْظُ السُنَّةِ:

- ‌9 - كِتَابَةُ السُنَّةِ فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ:

- ‌10 - الحَقِيقَةُ بَيْنَ العِلَّةِ وَالمَعْلُولِ:

- ‌السُنَّةُ وَالمُنَافِقُونَ حَدِيثًا:

- ‌11 - مِنْ وَسَائِلِ حِفْظِ السُنَّةِ:

- ‌طَرِيقَةُ حِفْظِ السُنَّةِ وَكُتُبِهَا:

- ‌12 - عُلُومُ الحَدِيثِ وَأَهَمِيَّتُهَا:

- ‌بِدَايَةُ عِلْمِ المُصْطَلَحِ:

- ‌13 - رَدُّ السُنَّةِ بَيْنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ:

- ‌أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ:

- ‌14 - مَتْنُ الحَدِيثِ وَمُشْكِلَةُ الوَضْعِ:

- ‌عَلَامَاتُ الوَضْعِ:

- ‌15 - مَدَى التَّوَقُّفُ فِي مَتْنِ الحَدِيثِ وَطُرُقِ التَّخْرِيجِ:

- ‌[زِيَادَةُ الثِّقَاتِ وَالإِدْرَاجِ]:

- ‌طُرُقُ التَّخْرِيجِ:

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثِ: السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى:

- ‌16 - السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى:

- ‌بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ:

- ‌17 - أَدَبُ الخِلَافِ وَالعِصْمَةِ الجَدِيدَةِ:

- ‌18 - الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ بَيْنَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالخَوَارِجِ:

- ‌آيَةُ التَّطْهِيرِ:

- ‌حَدِيثُ الثَّقَلَيْنِ:

- ‌مَصْدَرُ الأَئِمَّةِ فِي تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ:

- ‌19 - حَقَائِقَ عَنْ السُنَّةِ وَالعِصْمَةِ:

- ‌20 - الشِّيعَةُ وَبَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ:

- ‌الاِخْتِلَافُ حَوْلَ الأَئِمَّةِ:

- ‌بَيْنَ العِصْمَةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

- ‌أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

- ‌نَزَاهَةُ الأَئِمَّةِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ:

- ‌حَوْلَ تَحْدِيدِ آلِ البَيْتِ:

- ‌بَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ:

- ‌بَيْنَ الأَئِمَّةِ وَأُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍ:

- ‌الصَّادِقُ وَالعِصْمَةُ:

- ‌الصَّادِقُ وَالتَّقِيَّةُ:

- ‌الصَّادِقُ وَالقُرْآنُ:

- ‌21 - حَدِيثُ الغَدِيرِ وَأَصْلُ الخِلَافِ:

- ‌حَقِيقَةُ حَدِيثِ الغَدِيرِ:

- ‌22 - دَعْوَى التَّكْفِيرِ بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ:

- ‌[إِبَاحَةِ دَمِ النَّوَاصِبِ]:

- ‌23 - الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ:

- ‌الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ وَمَصْدَرُ تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ:

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعُ: السُنَّةُ وَشُبْهَةِ الظَنِّيَّةِ:

- ‌24 - تَقْسِيمُ السُنَّةِ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ:

- ‌25 - أَحَادِيثُ الآحَادِ بَيْنَ مَدْرَسَتَيْ الرَّأْيِ وَالحَدِيثِ:

- ‌حُجِيَّةُ أَحَادِيثِ الآحَادِ بَيْنَ العُمُومِ وَالخُصُوصِ:

- ‌26 - مَدَى الشَكِّ فِي ثُبُوتِ السُنَّةِ وَسَبَبِ التَّفْرِقَةِ بَيِْنَهَا:

- ‌26 - أَخْطَاءٌ وَجِنَايَةٌ ضِدَّ السُنَّةِ:

- ‌27 - السُنَّةُ وَالمُصْطَلَحَاتُ الحَدِيثَةُ:

- ‌28 - أَحَادِيثُ الآحَادِ بَيْنَ الظَنِّ وَاليَقِينِ:

- ‌28 - حَقِيقَةُ الظَنِّ المَنْسُوبِ لِلْسُنَّةِ:

- ‌29 - أَحَادِيثُ الآحَادِ وَالعِلْمِ اليَقِينِي:

- ‌30 - اِسْتِحَالَةُ العَمَلِ بِغَيْرِ اعْتِقَادٍ:

- ‌30 - أُمُورُ العَقِيدَةِ وَالتَّوَقُّفُ فِي بَعْضِ السُنَّةِ:

- ‌الفَصْلُ الخَامِسُ: سُنَّةُ الآحَادْ وَالمَذَاهِبُ الجَمَاعِيَّةُ:

- ‌31 - دَعْوَى تَقْدِيمِ القِيَاسِ عَلَى سُنَّةِ الآحَادِ:

- ‌32 - الأَحْنَافُ وَاشْتِرَاطُ فِقْهِ الرَّاوِي:

- ‌33 - السُنَّةُ وَأَسْبَابُ تَوَقُّفِ الأَئِمَّةِ:

- ‌34 - شُبْهَةُ تَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ:

- ‌35 - المَذَاهِبُ وَالخِلَافُ الفِقْهِيُّ:

- ‌36 - مُجْمَلُ أَسْبَابِ الخِلَافِ:

- ‌37 - الاِجْتِهَادُ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالعَوَامِّ:

- ‌الفَصْلُ السَّادِسُ: السُنَّةُ بَيْنَ المُعْجِزَاتِ وَالعَقَائِدِ:

- ‌38 - المُعْجِزَاتُ بَيْنَ الدِّينِ وَالعَقْلِ:

- ‌39 - الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأَعْدَائِهِمْ:

- ‌40 - المُعْجِزَاتُ وَأَخْطَاءُ الإِصْلَاحِيِّينَ وَالمُسْتَشْرِقِينَ:

- ‌41 - الغَزْوُ الفِكْرِيُّ وَبِدْعَةُ الإِسْرَاءِ بِالرُّوحِ:

- ‌41 - العِلْمُ وَالمُعْجِزَاتُ النَّبَوِيَّةِ:

- ‌الفَصْلُ السَّابِعُ: السُنَّةُ بَيْنَ العُمُومِ وَالخُصُوصِ:

- ‌42 - الدَّلِيلُ الظَنِّيُّ بَيْنَ العَامِّ وَالخَاصِّ:

- ‌التَّخْصِيصُ وَشُبْهَةُ التَّعَارُضِ:

- ‌43 - شُبْهَةُ التَّعَارُضِ بَيْنَ العَامِّ وَالخَاصِّ:

- ‌44 - بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ:

- ‌45 - شُبْهَةُ تَعَارُضِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ:

- ‌46 - نُقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ:

- ‌47 - مُفْتَرَيَاتٌ عَلَى المَرْأَةِ وَالفِقْهِ:

- ‌السُنَّةُ بَيْنَ العَدْوَى وَالوِقَايَةِ:

- ‌48 - الوَحْدَةُ الوَطَنِيَّةُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ:

- ‌49 - بِدْعَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ:

- ‌50 - أَهْلُ الكِتَابِ يُكَذِّبُونَ عُلَمَاءَ السُّلْطَةِ:

- ‌الفَصْلُ الثَّامِنُ: السُنَّةُ وَنَسْخُ الأَحْكَامِ:

- ‌51 - التَّعْرِيفُ بِالنَّسْخِ:

- ‌52 - نَسْخُ القُرْآنِ لِلْسُنَّةِ:

- ‌53 - الإِجْمَاعُ وَالنَّسْخُ:

- ‌الفَصْلُ التَّاسِعُ: العَقْلُ البَشَرِيُّ وَالتَّحْرِيفُ العِلْمِي:

- ‌54 - العَقْلُ البَشَرِيُّ وَالتَّحْرِيفُ العِلْمِيُّ:

- ‌55 - حَقِيقَةُ النَّقْدِ العِلْمِيِّ:

- ‌55 - وَسَائِلٌ جَدِيدَةٌ لِهَدْمِ السُنَّةِ:

- ‌56 - الطَّعْنُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ:

- ‌57 - الإِسْرَافُ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ وَشِفَاءِ العُيُونِ:

- ‌58 - الصَّحَابَةُ وَالإِكْثَارُ مِنَ السُنَّةِ:

- ‌59 - تَحْرِيفُ النُّصَوصِ بَيْنَ المُسْتَشْرِقِينَ وَعُلَمَاءَ الشُّهْرَةِ:

- ‌60 - التَّحْرِيفُ وَمُوَالَاةُ أَهْلِ الكِتَابِ:

- ‌الفَصْلُ العَاشِرُ: مَنْزِلَةُ السُنَّةِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

- ‌61 - السُنَّةُ وَتَفْسِيرُ القُرْآنِ:

- ‌62 - السُنَّةُ وَالمُذَكِّرَةُ الإِيضَاحِيَّةُ:

- ‌63 - شَهَادَةٌ مِنَ الغَرْبِ حَوْلَ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ:

- ‌64 - مُؤَلِّفُ التَوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ:

- ‌65 - مُقَارَنَةُ القُرْآنِ بِالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ:

- ‌66 - نَحْنُ وَالأَعْرَابُ وَالزُّعَمَاءُ:

- ‌الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ: السُنَّةُ وَالاِجْتِهَادَاتُ الخَاطِئَةُ:

- ‌67 - الدَّلَالَةُ الظَنِّيَّةِ بَيْنَ العِلْمَانِيِّينَ وَالقَوْمِيِّينَ:

- ‌68 - حَوْلَ " مَوَازِينِ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ

- ‌69 - التَّمْحِيصُ الكَاذِبُ وَاسْتِبْعَادِ السُنَّةِ:

- ‌70 - " المُسْلِمُ الحَزِينُ فِي القَرْنِ العِشْرِينْ

- ‌71 - أَحَادِيثُ الآحَادِ وَالحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ:

- ‌72 - رَدُّ العَقْلِ لِلْسُنَّةِ:

الفصل: ‌5 - السنة بين النصارى والأعراب:

‌5 - السُنَّةُ بَيْنَ النَّصَارَى وَالأَعْرَابِ:

إنَّ روح الإسلام ومنهاجه العملي يتمثَّلُ في التطبيق العملي للقرآن والسُنَّة: وهو التطبيق الذي لا ينكره إلَاّ الجاهل أو الحاقد.

لهذا فإنَّ من النصارى مَنْ طرح العصبية وشهد بما لا يجعله جاهلاً أو حاقداً، فشهد بمكانة السُنَّة وبموضعها الصحيح من القرآن والحياة.

يقول جيمس ميتشيز: «لقد اتهم الإسلام في ذلك العصر بأنه خلو من التفكير الاقتصادي، بل اتهم بالرجعية الرأسمالية. وسِرُّ اتهامهم له الجهل بالإسلام ونظمه وروحه ورسالته وتعاليمه السمحة. لقد جاء الإسلام في كافة نظمه وتشريعاته دعوة تحريرية على الجمود والضعف والرجعية المادية والعقلية فهو توازن وتعادل. لقد جاء في نظامه الاقتصادي بقوانين تُحقِّقُ التعاون بين الطبقات في ظل المحبة كما تكفل التطور الهادف

».

ويقول ماسينيون: «يحتل الإسلام مكاناً وسطاً بين نظريات الرأسمالية والبرجوازية ونظريات البلشفية والشيوعية، فالحياة الاقتصادية في الإسلام حياة تراحم وتعاون وتكافل ورحمة، حياة إنسانية لها مُثُلُها العليا، وتستمدها من رسالتها وعقيدتها بينما هي في النظرة الرأسمالية والشيوعية على السواء حياة صراع وتقاتل وسيطرة واستعباد، صراع تحترق فيه وتفنى كافة القيم العليا لتبقى قيمة واحدة هي قيمة الرأسمال الفردي والجماعي وبذلم نجد

ص: 35

الرأسمالية تنظر إلى الإنسان كسلعة وتنظر الشيوعية إليه كآلة مُسَخَّرة، وينظر الإسلام إلى المادة كشيء مُسَخَّرٌ لخدمة الإنسان».

ويقول جوستاف لوبون: «إِنَّ العَرَبَ المُسْلِمِينِ هُمْ سَبَبُ اِنْتِشارِ المَدَنِيَّةِ فِي بِلَادِ أُورُوبَا» .

ويقول الشاعر الألماني جيتة: «إذَا كَانَ هَذَا هُوَ الإِسْلَامُ فَنَحْنُ جَمِيعًا نَدِينُ بِالإِسْلَامِ» (1).

إنَّ الإسلام مع واقع المسلمين جعل جيتة وغيره يشك في إسلام العرب المسلمين الذي لا يعملون بالإسلام.

والجانب الاقتصادي في الإسلام الذي امتدحه ماسنيون وجيمس متشرز وغيرهما يرجع غالبه إلى السُنَّة النبوية، فهي التي بيَّنتْ أحكام الزكاة وشؤون المال. فلو أخذنا بالقرآن فقط لأمكن لقوم أنْ يُطوِّرُوا الإسلام ليصبح رأسمالياً أو اشتراكياً أو شيوعياً، ولكن السُنَّة هي التي حدَّدتْ معالمه، فكان مُتميِّزاً عن هذه النظريات جميعاً. وفي مقارنة بين المصادر الإسلامية وبين الكتب السابقة ومنها الأناجيل والتي تُسَمَّى كتب " العهد الجديد " يقول الدكتور موريس بوكاي:«إنَّ الأناجيل دُوِّنَتْ في القرن الرابع وتوجد بردية ترجع إلى القرن الثاني، ولكنها لا تنقل إلَاّ أجزاء منفصلة» ، كما يقول:«إنَّ أقدم مخطوطتين يونانيتين ترجعان إلى القرن الرابع» (2) ويقول أيضاً: «توجد نصوص أخرى قد استبعدتها الكنيسة وأخفتها من أنظار المؤمنين، وبرغم

(1) أقوال هؤلاء المستشرقين منقولة عن كتاب " الإسلام والرسول في نظر منصفي الغرب " للأستاذ أحمد بن حجر قاضي المحكمة الشرعية بقطر: ص 126 وما بعدها.

(2)

كتابه " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " ص 99.

ص: 36

ذلك هناك مؤلفات مثل أناجيل الناصريين والعبرانيين والمصريين و" إنجيل توما " و " إنجيل برنابا ". كما يقول وربما كان مما حذف مائة إنجيل وقد احتفظت الكنيسة فقط بأربعة أناجيل (1)، ولينتهي إلى أنَّ القرآن وحده هو الكتاب الثابت عن الله تعالى وأنَّ ما جاء به يطابق ما توصَّل إليه العلم الحديث.

إنَّ ما أدركه هؤلاء الغربيون المسيحيون لم يدركه بعض المسلمين، فزعم أحدهم أنَّ القرآن متناقض وادَّعَى آخر أنَّ الإسلام يصلح كشعائر للعبادات، أما في الجانب الاقتصادي فالماركسية هي الواجبة الاتباع. وقال ثالثٌ: إنَّ المرأة يجب أنْ تتساوى مع الرجل في الميراث، وبهذا يصدِّقُون «كرومر» في زعمه أنَّ الإسلام لا يصلح للحضارة، وأن السبيل الصحيح هو الفكر الغربي الذي تحمله الألسنة العربية (2).

ولقد أصيب أكثر القائلين بتناقض القرآن أو السُنَّة، بأمراض نفسية وعصبية، ثم ماتوا، ولم تنفعهم هذه الدعاوى. فهل يدرك هذا الذين ينظرون إلى الإسلام من خلال المناظير الأجنبية شرقاً أو غرباً. وهل آن لهم أنْ ينظروا إلى ما قدَّمُوهُ إلى الله ورسوله لأنه وحده الذي يبقى في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

إنَّ السُنَّة التي تركها بعضهم قد دُوِّنتْ وحُفظت من أفواه الصحابة الذين حفظوها من النبي صلى الله عليه وسلم، كما دوَّنَهَا العلماء الذين أخذوا

(1) نفس المصدر السابق، " الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ": ص 99.

(2)

الأول هو «بورقيبة» والثاني «أبو مدين» والثالث «زياد بري» أما إنكار السنة فيرجع إلى " الكتاب الأخضر " وفصلته " مجلة الزحف الأخضر " بقلم العقيد «حسن فتاح اشكال» الحاكم العسكري لسرت بليبيا، (العدد الثامن الصادر في: 3/ 3 / 1980).

ص: 37

عن الصحابة رضي الله عنهم بالكتابة أو الحفظ المباشر بغير انقطاع أو فارق زمني.

ومع هذا خضعت لنقد وتمحيص لم تشهده أية رواية في العالم حتى اليوم. ولقد شهد بهذا غير المسلمين أمثال «باسورث سميث» عضو كلية التثليث في أكسفورد وكارليل و «برناردشو» والدكتور «سبرنكر كان» فقد أعلنوا إعجابهم بطريقة جمع الأحاديث النبوية والعلم الخاص بذلك عند المسلمين، وهو علم الجرح والتعديل (1)، فالتحقيقات التي قام بها الذين جمعوا الأحاديث، والشروط التي وضعوها لقبول الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم تحوَّل دون تسرُّب الشك إلى السُنَّة. وفي هذا يقول الكاتب العالمي الدكتور موريس بوكاي: «قد نشرت أول مجموعة للأحاديث في العشرات من السنين التي تلت مباشرة وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت كمية الأحاديث التي جمعت في القرن الأول بعد وفاته محدودة

» (2).

ويقول (3): «لقد كانت معلومات هذا المصدر الثاني تعتمد على النقل الشفهي، لذلك كان الذين بادروا إلى جمع هذه الأقوال والأفعال في نصوص قد قاموا بتحقيقات تتسم دائماً بالصعوبة، ولهذا كان هَمُّهُم الأول في عملهم العسير ي مُدَوَّناتهم منصباً أولاً على دِقَّة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة النبي، وبكل قول من أقواله والتدليل على ذلك الاهتمام بالدِقَّة والضبط لمجموعات الأحاديث المعتمدة فإنهم قد نصُّوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وذلك بالصعود في الإسناد إلى الأول من أسرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن صحابته الذين قد نقلوا هذه المعلومات مباشرة منه نفسه، وذلك بعد الكشف على حال الراوي في جميع سلسلة

(1)" حياة محمد " للدكتور محمد حسين هيكل: ص 67.

(2)

و (3)" دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " ص 275.

ص: 38

الرواية، والابتعاد عن الرُواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية، ونحو ذلك من دلائل ضعف الراوي المُوجبة لعدم الاعتماد على الحديث الذي روي عن طريقة. وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيِّهِم صلى الله عليه وسلم.

وبعد فهذه أمثلة قليلة جداً مما كتبه المنصفون من غير المسلمين في بحوثهم وكتبهم، وقد يكون ذلك بدافع التجرد في البحث العلمي، أو لأنه ليس من الحكمة الطعن في أمر هو في الواقع من المسائل الظاهرة التي يعجز الجميع عن الطعن فيها، وقد يكون التجرد عن العصبية وراء هذه الكتابات.

وأيّاً كانت الدوافع لهذه الكتابات، فهي ليست تملُّقاً للمسلمين، لأنها قد كتبت في فترات ضعفهم وتخلُّفهم وزوال سلطانهم وقوتهم، ولا يبقى إلَاّ أنْ يدرك هؤلاء المسلمون الذين تركوا السُنَّة النبوية أنه لا محل لهذه الشُبهة عند غير المسلمين، وأنَّ كل مسلم يدرك أنَّ من ردَّ الحديث النبوي أو حُكماً من أحكامه يبعد المسلم عن دار الإسلام، ولهذا حارب الخليفة الأول من ردَّ حُكم الزكاة أو امتنع عن أدائها ولم يُفرِّق بين الصلاة والزكاة، لأنَّ الله تعالى لم يُفرِّق بين الشعائر التعبُّدية وبين الشرائع القانونية الاقتصادية، إذ أوحى إلى نبيِّهِ كما جاء في القرآن الكريم {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].

ولم يفرِّق بين القرآن والسُنَّة في الأحكام فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92] و [التغابن: 12] وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].

والالتزام بما ورد في القرآن والسُنَّة دون تفرقة بينهما مجمع عليه في الماضي والحاضر. قال الأستاذ محمد العفيفي في كتابه " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن الكريم " ص 5:

ص: 39

«فإنَّ القرآن والسُنَّة وحي من الله تعالى، يفسِّرُ بعضُها بعضاً، ويدل كل منهما على صدق الآخر.

وقد جعل الله سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بياناً للقرآن، وتطبيقاته في كل قول وعمل من أقوال الرسول وأعماله، ليكون الرسول هو الأسوة الحسنة كما يقول الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

وقال: ومن الدلائل الكبرى على أنَّ القرآن والسُنَّة يفسِّرُ بعضها بعضاً أنَّ القرآن مركب من آيات مرتبة، ترتيباً معجزاً، حتى يمكننا أنْ نصل إلى جديد من المعاني بكل آية أو بكل جزء من أجزائها، كلما تعدَّدتْ ارتباطاته بالقرآن كله»

وقد أورد الإمام بدر الدين الزركشي فصلاً في كتابه " البرهان في علوم القرآن "(1) تضمَّن إجماع الأمَّة على معاضدة السُنَّة بالقرآن فقال: «اعلم أنَّ القرآن والحديث أبداً متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى أنَّ كل واحد منهما يخصِّصُ عموم الآخر ويُبَيِّنُ إجماله، وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم بن برجان في كتابه المُسمَّى بـ " الإرشاد "» (2).

(1)" البرهان في علوم القرآن " للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي: جـ 2 ص 129.

(2)

هو الإمام عبد السلام بن عبد الرحمن الإشبيلي المعروف بابن برجان توفي سنة 627 هجرية وكتابه " الإرشاد في تفسير القرآن " من نسخة مصوَّرة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.

ص: 40