الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
16 - السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى:
لقد كان من آثار الفتنة التي ظهرت بين المسلمين أنْ نازع الصحابي معاوية (بصفته أمير الشام)، وخرج على الإمام عليٍّ مُتَّهِماً إياه بالتهاون في معاقبة قَتَلَةِ أمير المؤمنين عثمان، وكان الإمام عليٌّ قد آثر التروي وعدم الأخذ بالشُبهات عملا بقواعد الإسلام وأصوله.
ونتج عن الحرب التي وقعت بين الإمام عليٍّ والفئة التي وقفت مع معاوية أنْ انشق على الإمام علي طائفة حاربته وسُمِّيتْ بالخوارج لأنهم خرجوا عليه عندما قبل التحكيم بينه وبين معاوية.
كما ترتَّب على هذا أنْ اشتدَّتْ طائفة في مناصرتها للإمام عليٍّ وتشيَّعتْ له وعرفت باسم الشيعة.
وكان لهذا ولهذه الفتنة أثر بالنسبة للسُنَّة النبوية، إذا أنها لم تُدَوَّنْ في عصر النبي عليه السلام في كتاب واحد يجمع عليه المسلمون كما هو الشأن في القرآن الكريم، وهذا الأثر ينحصر فقط في المصدر الذي تؤخذ منه السُنَّة النبوية، ففي الوقت الذي حدثت فيه الفتنة كانت السُنَّة محفوظة ورُواتها محل ثقة، ولكن بسبب الفتنة وجدنا أنَّ الخوارج قد رَدُّوا الأحاديث النبوية التي رُوِيَتْ من غير أئمتهم ظناً منهم أنَّ جمهور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قبلوا التحكيم بعد انتصار الإمام عليٍّ لا يكونون محلَّ ثقة في تلقي الحديث
النبوي عنهم. كما وجدنا أنَّ الشيعة - فيما عدا الزيدية - أكثرهم يرُدُّون الحديث النبوية المرويَّ عن غير أئمتهم، لأنَّ عقيدتهم أنَّ من بايع أبا بكر وعمر وعثمان يكون قد خان وصيَّةَ الرسول صلى الله عليه وسلم باستخلاف الإمام عليٍّ من بعده، وهذه غير ثابتة عند أهل السُنَّة، وأيضاً أهل السُنَّة منهم من يتوقَّفُ في أخذ الأحاديث النبوية من مصادر الشيعة.
هذه الحواجز يجب أنْ تزول وأنّْ تُراجع الأحاديث في جميع هذه المصادر، لأنَّ من رحمة الله بالأمَّة، أنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة من الصحابة كثيرون حتى وجدنا أكثرها عند جميع الطوائف الإسلامية. والقول إنَّ الله تعالى أوصى أنْ يتولَّى الإمام (عليٌّ) أمر المسلمين من بعده (1) ولكن النبي لم يُبَلِّغْ ذلك خشية أنْ يقال أنه آثر ابن عمه، فنزل قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، هذا القول محل نظر لقصره السُنَّة على آل البيت.
بينما سياق الآيات القرآنية يُرَجِّحُ المعنى الآخر الذي أورده (أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي والشيعي)، والمُلَقَّبْ بشيخ الطائفة، إذ أورد المعنى السابق ثم قال: قلنا قال ابن عباس: معناه إنْ كتَمْتَ آية مِمَّا أنزل إليك فما بلَّغْتَ رسالته (2)، وبيان ذلك تجده بعنوان حديث غدير خُمْ.
(1) جاء في كتاب " عقيدة الشيعة الإمامية " للسيد هاشم معروف وكتاب " أصل الشيعة وأصولها " لكاشف الغطاء: ص 107 أنَّ قول الله {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] نزل عندما تخوَّفَ النبي في إظهار أمر الله بتولية الإمام عليٍّ بعد النبي ولكن بعد نزول الآية أمر بذلك يوم غدير خُمْ وهو مكان مَرَّ به الرسول عند عودته من حَجَّّةِ الوداع، وتروي بعض كتب الشيعة أنَّ النبي أوصى هناك بخلافة الإمام عليٍّ له. وأهل السُنَّة لم يثبت هذا لديهم لأنه لم يَصِحَّ في عصر الصحابة.
(2)
" تفسير البيان " لشيخ الطائفة الطوسي: جـ 3 ص 588.
وقوله له: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، معناه يمنعك أنْ ينالوك بسوء فعل أو شر أو قهر.
كما أنَّ الآيات السابقة واللاحقة خاصة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ولهذا قال الشهيد سَيِّدْ قُطْبْ: «يبدو من السياق قبل هذا النداء وبعده أنَّ المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هُمْ عليه وبحقيقة صفتهم التي يستحقُّونهاعما هم عليه ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء» (1).
إنَّ وصيَّة الرسول بخلافة عليٍّ، كما يرى الشيعة، يجب أنْ تزول آثاره، فإنها تنحصر في أمر لا يؤثِّرُ على السُنَّة النبوية، وقد زال سبب الخلاف حول أحقية الإمام عليٍّ بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وأولى بكل مسلم أن يأخذ كل ما ورد عن النبي، لأنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة إنما نقلوها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا مجال للزيادة أو النقص فيها، ولا يجوز رَدَّ رواية بعض الصحابة لمُجرَّدِ أنهم ليسوا من أهل البيت أو لم يكونوا من أئمة الخوارج، لسبب جوهري هو أنه قد جاءت صفاتهم في القرآن الكريم الذي يؤمن به أهل السُنَّة والشيعة والخوارج، وهو مصحف عثمان الموجود بين أيدينا جميعاً، لقد قال الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، والآية لم تُفرِّق بين الصحابة الذين حضروا بيعة الرضوان قبل فتح مكة، وهؤلاء جُلُّ الذين رويت عنهم الأحاديث النبوية. فالذين رضي الله عنهم لا ينبغي لمسلم أنْ يطعن فيهم، أو يَرُدَّ روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو رواية بعضهم، لأنهم ليسوا من أهل البيت أو من أئمة الخوارج أو لأنهم مُتَشَيِّعُونَ لأهل البيت أو كانوا مع الخوارج. فالواجب على المسلمين أنْ يَقْبَلُوا
(1)" في ضلال القرآن ": جـ 2 ص 806.