الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
33 - السُنَّةُ وَأَسْبَابُ تَوَقُّفِ الأَئِمَّةِ:
إن الذين يبتغون التقسيم المحدث للسنة النبوية ويقولون إن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت فلا يعمل بها في العقائد أو الشؤون الدستورية أو العقوبات أو الشؤون الاقتصادية أو المعجزات، لا ينكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أرسل أبدًا إلى قوم إلا آحادًا، وخولهم إبلاغ قومهم أمور الدين كله، بما فيها العقائد والحلال والحرام، كما أن الصحابة الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس وجاءهم فرد واحد أبلغهم بأن قرآنًا نزل وَحَوَّلَ القبلة إلى الكعبة، قبلوا هذا الخبر وتحولوا في صلاتهم على الفور.
إن الخلاف في شأن أحاديث الآحاد الذي من أجله نشأ التقسيم هو في طبيعة هذا الخبر، هل يوجب العلم به أم يوجب العمل دون العلم؟ فيرى بعض العلماء أنه قطعي الثبوت أي يوجب العلم به، ويرى الشافعي ومالك وأبو حنيفة، كما يرى آخرون أنه يوجب العمل ولا يوجب العلم، ولقد أجاب الأئمة أحمد بن حنبل وداود وابن حزم بأنه لا عمل بغير علم. ولكن الذين يوجبون العمل دون العلم أنه لا ارتباط بين وجوب العلم ووجوب العمل، إذ يكفي لوجوب العمل الظن الراجح والعلم لا يكون إلا باليقين (1).
(1)" الإحكام " للآمدي: جـ 2 ص 49، و" الإحكام " لابن حزم: جـ 1 ص 97 وما بعدها، و" المستصفى " للغزالي: ج 1 ص 92.
فتقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وكذا الخلاف بشأنه أمر نظري لا يؤثر على العمل، قال الإمام الغزالي:«وَمَا حُكِيَ عَنْ المُحَدِّثِينَ [مِنْ] أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ، فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُوبِ العَمَلِ؛ إذْ يُسَمَّى الظَّنُّ عِلْمًا» .
وهذا يؤكد أن الخلاف في المصطلح لا أثر له من الناحية العملية، فالكل يوجب العمل بأحاديث الآحاد (1) إذا توفرت فيها شروط الحديث.
فمثلاً الإمام مالك يرى أن عمل أهل المدينة هو بمثابة نقل جماعي عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي إن جاء حديث الآحاد مخالفًا لهذا العمل قَدَّمَ عمل أهل المدينة لأن الحديث لم يثبت عنده إذا تطرق الشك إليه، وهذا كان محتملاً بسبب الفتنة التي وقعت، أما عمل أهل المدينة فلم يتطرق إليه الشك وعليه فمن قال إن الإمام مالك يرد سنة الآحاد مطلقًا قد أساء وتعدى.
كما أنه في هذه الفترة نقل عن الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على أحاديث الآحاد. وحقيقة أنه لم يقدم القياس على أحاديث ثبت صحتها، لأنه كان يشك في بعض الرواة، واشترط للعمل بخبر الآحاد شروطًا لم يشترطها غيره، لأنه كان في الكوفة موطن الحروب والفتن آنذاك.
وما كنا بهذا لنلتمس للإمام عذرًا فنحن عيال على فقهه ومائدته، إنما نكشف عن الواقع والحقيقة، لقد قال الإمام أبو حنيفة:«كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مَنْ يَقُولُ إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ وَهَلْ يُحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَى القِيَاسِ» (2) كما قال: «لَوْلَا الرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ» . ولكن أبا حنيفة يرد خبر الآحاد إذا
(1)" أصول الحديث " للدكتور الخطيب: ص 303 تعليق بالهامش.
(2)
" الميزان " للإمام [الشعراني]: ص 51 و" مناهج الاجتهاد ": ص 601.
كان لديه شك في روايته، وعنده إذا خالف الراوي الخبر وعمل بنقيضه شك في الرواية، وإذا كان الخبر في أمر تعم به البلوى فالأصل أن يرويه جمع عن جمع، فإن رواه واحد، تطرق الشك في هذه الرواية وقدم القياس عليها، لأن الظن قد تسرب إلى هذا الخبر بينما القياس مستنده القرآن أو السنة المتواترة وهذه قطعية الثبوت، وبهذا لا يقال إن الإمام أبا حنيفة يقدم القياس على أحاديث الآحاد. قال ابن أمير الحاج:«إذَا تَعَارَضَ خَبَرُ الوَاحِدِ وَالقِيَاسُ بِحَيْثُ لَا [جَمْعَ] بَيْنَهُمَا، قُدِّمَ الخَبَرُ مُطْلَقًا عِنْدَ [الأَكْثَرِ] مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ» ، وإنما نسب القول بذلك في الجملة إلى أحد فقهاء الحنفية وهو عيسى بن [أبان](*) المتوفى سنة 221 هـ (1).
وقال الإمام الدهلوي: ويكفيك دليلاً على هذا قول المحققين إن هذا مذهب عيسى بن أبان ولقد زال سبب هذا الظن بتمحيص الروايات تمحيصًا لم يشهد التاريخ مثله، وقد شهد غير المسلمين بذلك أمثال برناردشو وكارليل وباسورث فقد أظهروا إعجابهم بطريقة علم مصطلح الحديث وخصوصًا علم الجرح والتعديل.
وقد أوضح هذا الإمام الشافعي إذ قال: إن بعض الأحاديث لم تبلغ علماء التابعين - أي الطبقة التالية للصحابة -، فأخذوا بالقياس والقواعد العامة واجتهدوا. ولهذا فإن الطبقة التالية لهم وهي طبقة تابعي التابعين - أي الطبقة الثالثة -، لم تعمل بهذه الأحاديث ظنًا أن التابعين تعمدوا عدم العمل بها لنسخها أو لعلة في بعض رواتها، واستمروا في أخذ الحكم الشرعي بطريق الاجتهاد على الرغم من وجود النص في المسالة.
وقد أعلن الشافعي أنه يجب طرح القياس وعمل أهل المدينة في المسائل
(1)" الإنصاف " للدهلوي: ص 92.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) انظر صفحة 177 من هذا الكتاب.
التي تثبت أن حكمها قد وردت به سنة صحيحة، لأن الصحابة والتابعين من بعدهم لم يكن لديهم ما ينسخ هذه الأحاديث أو يقدح فيها، ومن لجأ إلى أخذ الحكم الشرعي من عمل أهل المدينة أو القياس لم يكن لديه علم بهذه الأحاديث، أو لم يكن قد تأكد من صحة نسبتها إلى النبي بسبب الفتنة والخلافات.
وبعد تدوين السنة وزوال الفتن وتوفر الأحاديث وتمحيصها ومعرفة الصحيح والضعيف والموضوع زال سبب التوقف في العمل بأحاديث الآحاد.
فمثلاً حكم خيار البيع في مجلس العقد ورد به حديث نبوي ولكن لم يعرفه فقهاء المدينة السبعة، وأخذوا بالقياس، كما عمل أهل المدينة بخلافه، وبالتالي رأى مالك وأبو حنيفة أن عدم العمل بالحديث علة تقدح فيه، وقدم الأول عمل أهل المدينة عليه كما قدم الآخر حكم القياس، ولكن الإمام الشافعي توفر له وسائل تحصيل السنة وتمحيصها بسبب الرحلات العلمية وبسبب تدوين السنة وتمحيصها فقد الحديث وعمل به (1).
فهل يقبل من مسلم اليوم أن يرد الحديث ويقدم القياس عليه على الرغم من أنه قد روه البخاري ومسلم بلفظ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ» .
وهل يحل لمن يتولون تدريس الفقه الإسلامي بالمعاهد والجامعات أن يهدروا هذا النص استنادًا إلى القياس أو عمل أهل المدينة الذي لجأ إليه أبو حنيفة ومالك لعدم ثبوت الحديث في عصرهما، إن ذلك لا يجوز في دين الله تعالى.
(1)" الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " للإمام الدهلوي: ص 83.