الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - أَنْوَاعُ السُنَّةِ وَوَظِيفَةِ الرَّسُولِ:
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على خاتم النبيين ليكون معجزة للناس جميعاً إلى يوم القيامة، فهو معجز في كلماته ومعجز في الحقائق والمعاني التي تضمنها في هذه الكلمات.
ومن قبيل الإعجاز في المعنى أن الله تعالى قد قال: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].
وفي السنوات الأخيرة من هذا القرن فقط أثبت العلماء أنَّ قوة الجاذبية بين أجزاء الكون تقل بالتدريج بسبب تباعدها واتساعها.
وأيضاً قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
وفي السنوات الأخيرة فقط اكتشف العلماء أنَّ مادة الكون كانت جامدة ثم حدث فيها انفجار شديد ولقد تطرَّق العالم الفرنسي موريس بوكاي إلى الحقائق العلمية الواردة في القرآن الكريم كخلق الجنين وتطوره وما يتعلق بالسماوات والأرض وما يتعلق بالنبات والإنسان وانتهى في كتابه " الكتب المقدسة في ضوء العلم الحديث "، إلى أنَّ كل ما جاء به القرآن يتَّفق تماماً مع ما توصَّل إليه العلم الحديث.
ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أنْ يكون الرسول مبلِّغاً لهذا القرآن ومنفِّذاً لأحكامه، ومن ثم جعل الله للنبي صفة أخرى غير التبليغ وهي التبيان {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]. كما قال تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وصفة البيان كما تكون بإبلاغ القرآن للناس كافة، تكون بتفصيل أحكامه العامة وتنفيذها، ولهذا وردت الآية بطاعة الله أي أحكامه الواردة في القرآن الكريم، وبطاعة الرسول أي أحكامه التي بيَّنَها وهي السُنَّة النبوية.
ولهذا أوجب الله طاعة الرسول والتزام سُنَّته فقال عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
من أجل ذلك أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ السُنَّة من الله تعالى وهي مثل القرآن إذ يقول في الحديث الصحيح: «إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (1)
1 -
السُنَّةُ القَوْلِيَّةُ:
وبيان الرسول وإبلاغه للسُنَّة قد يكون بالقول مثل حديث: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ» رواه البخاري ومسلم وغيرهما وحديث: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا
(1)" سنن أبي داود ": 4/ 279، و" ابن ماجه ": 1/ 6، و" الترمذي ": 3/ 374، و" المستدرك ": 1/ 109، و" الدارمي ": 1/ 140، و" ابن حبان "(" موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " لليهثمي، تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة: حديث رقم 97 ص 55).
وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوانًا كَمَا أًَمَرَكُمْ اللهُ تَعَالَى، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه الإمام مسلم.
2 -
السُنَّةُ العَمَلِيَّةُ:
وقد يكون البيان النبوي بالعمل كما هو الحال في الوضوء والصلاة والحج، فقد توضَّأ الصحابة مثل وضوئه، وصلُّوا مثل صلاته وفعلوا مثله في مناسك الحج وسائر الأمور العظيمة، ثم روى هؤلاء الصحابة ذلك إلى غيرهم دون بيان الركن من الشرط أو الفرض من المندوب، لأنه لا احتمال عندهم أنْ يترك أحد شيئاً من الدين حتى يبحثوا عن الفرض والمندور في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. فقد قال فيما رواه البخاري:«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى» . وقال كما جاء في " صحيح مسلم ": «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» .
3 -
السُنَّةُ التَّقْرِيرِيَّةُ:
وتكون السُنَّة النبوية بتقرير حال أو السكوت عن أمر بما يدل على إقراره، ومثال ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر صحابته بالتوجه إلى بني قريظة لقتالهم بسبب خيانتهم في غزوة الأحزاب، وكان أمره هذا بقوله الوارد في البخاري ومسلم بلفظ:«لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ، ولكن الإسراع وليس إرجاء الصلاة عن ميقاتها، وفهم آخرون الأمر على ظاهره فالتزموا به فلا صلاة إلَاّ في بني قريظة ولو فات وقت العصر،
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاد الطائفتين، لم ينكر على أي منهما فدلَّ سكوته على إقرار الاجتهاد في تنفيذ الأمر.
ومن قبيل السنة التقريرية أيضاً ما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة شديدة البرودة فأشفقت إنْ اغتسلت أنْ أهلك فتيمَّمْتُ ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ذكروا ذلك له فقال صلى الله عليه وسلم:«يَا عَمْرُو صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» . فقلتُ: يا رسول الله ذكرت قول الله عز وجل {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فتيمَّمت وصليت فضحك رسول الله ولم يقل شيئًا.
بهذا السكوت أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم التيمم عند الخوف من حصول ضرر من الماء إما لمرض بالجلد، أو لبرد يضر الإنسان إذ استحمَّ بهذا الماء.
وأيضاً يستفاد من اختلاف الصحابة في فهم قول النبي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ومن اختلافهم في فهم قول الله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (*)[النساء: 43] و [المائدة: 6] أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ كل طائفة على اجتهادها في تنفيذ أوامر الشريعة.
والاجتهاد لا يكون في أصول الدين ومصادره (1) ولا يكون جَرْياً وراء الأهواء والمصالح ومن لا يجوز تأويل الفروع ووصفها بالأصول ليكون ذلك مبرِّراً للخلاف.
(1)" الإحكام في أصول الأحكام " للإمام علي بن حزم: جـ 2 ص 237 وما بعدها.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) ملاحظة: كتبت الآية خطأ في الكتاب المطبوع (فإن لم تجدوا ماء فتيمَّمُوا).