الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أ - فقد روى الخمسة عن بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» ، وقال البخاري:«هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ» . بينما روى الخمسة عن طلق أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يمس ذكره، هل عليه وضوء؟ فقال:«إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» .
لهذا قال الأحناف بعدم انتقاض الوضوء بهذا اللمس، ولكن ابن حزم قال: إن إسلام بسرة تأخر عن إسلام طلق، فيكون الحديث الموجب للوضوء قد نسخ الحديث الدال على عدم الوضوء.
ب - كما روى أحمد ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا بلفظ: «تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ولكن روى أبو داود والنسائي عن جابر قال: «كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» .
فدل هذا على أن الحديث الأخير نسخ حكم (الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ).
ج - ويكون ترك الوضوء قرينة على أن الأمر بالوضوء كان للاستحباب وليس للوجوب ويؤكد ذلك ما رواه " البخاري " و" مسلم " عن عمرو بن أمية أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [يَحْتَزُّ] مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
44 - بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ:
النسخ والتخصيص وصفان لأثر النص الذي يرفع الحكم الشرعي.
أ - فإذا كان رفع الحكم والنص مقارنًا في الزمان للحكم أي النص الأولى سمى ذلك تخصيصًا، كما في قول الله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، وهكذا حكم عام في عدة المتوفى عنها زوجها. ولكن ورد حكم آخر في عدة من كانت حاملاً، فقال تعالى:{وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. فقيل نسخ الحكم الأول بينما الآثار تدل على أن النص الأخير مخصص لعموم الحكم الأول، إذا استثنى منه عدة الحوامل. " نيل الأوطار ": جـ 7 ص 89، وابن كثير: جـ 4، و" [الإتقان] " للسيوطي: جـ 3 ص 46.
ب - وإذا كان الاستثناء نصًا متأخرًا في الزمن كان ذلك نسخًا، كما في قول الله تعالى:{الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]. والنسخ لا يكون إلا بدليل من القرآن والسنة.
فالنسخ والتخصيص يشتركان في رفع الحكم الشرعي والفرق بينهما أن الوصف بالنسخ يكون في الحالات التي يدل النص الوارد بشأنها أن الحكم الأول كان مرادًا من الله لأن النص كان يتناوله سواء ورد في القرآن والسنة، ثم جاء نص متأخر بحكم جديد وأبطل العمل بالأول ابتداء من تاريخ نزول الحكم الجديد، وما ورد في السنة النبوية عن أسباب نزول الحكم الجديد هو الفيصل في ذلك وفي هذا كتب الأستاذ محمد العفيفي: «لذلك كان النسخ في القرآن وثيق الصلة بأسباب النزول من جهة، كما هو وثيق الصلة من جهة أخرى بالسنة القولية والعملية.
ولذلك ربط الله تعالى بين القرآن والسنة في بيان الحكمة في نزول القرآن منجمًا.
وهنا نجد النسخ وأسباب النزول والقرآن والسنة في عمل جماعي متواصل يؤدي في النهاية إلى الإحاطة بكل ما هو عام أو خاص في حياة البشر في كل مكان وزمان (1).
أما تخصيص العام فهو استثناء بعض ما تناوله العام وإخراجه من الحكم الشرعي ونسمي ذلك رفعًا للحكم تجاوزًا مثل قول الله {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فهذا حكم عام في كل مطلقة ولكن قد استثنى من ذلك المطلقات قبل الدخول على الزوج إذ زال سبب العدة وهو احتمال الحمل، وفي هذا قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، فهذه الآية استثنت المطلقات قبل الدخول من حكم العدة ورفعت عنهن هذا الحكم، فمنذ البداية لا يسري في حقهن حكم الآية وذلك بخلاف النسخ حيث يظل الحكم الأول معمولاً به فقد كان المسلم مكلفًا به، ثم يتغير الحكم وينسخ بعد فترة بحكم جديد مثل حديث:«كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الآخِرَةَ» (2).
وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه يبحث فيما ظاهره التعارض من الأحاديث النبوية وأيضًا أنواع البيان الأخرى كبيان المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق، يزيل هذه الشبهات.
(1) عن كتابه " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن الكريم "، الباب الثالث، الفصل الثالث،: ص 132.
(2)
كتاب " الاعتبار " للهمداني: ص 24، وكتاب " الإتقان في علوم القرآن " للسيوطي: جـ 1 ص 83، و" تفسير ابن كثير ": جـ 4 ص 381.