الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأنفسهم، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد النبوي خوفا على الرسول، وأقاموا حراسا على مداخل المدينة بالليل.
مشاورة النبي أصحابه
ولم يكن بدّ من أن يتشاور النبي والمسلمون فيما دهمهم، فجمع النبي وجوه المهاجرين والأنصار وحضر معهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وكان ذلك في يوم جمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قصّها على أصحابه فقال:«إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة» ، وقد ورد في تأويل بقية الرؤيا أن النبي قال: «فأما البقر فأناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم
…
فهو رجل من أهل بيتي يقتل» «1» .
فمن ثمّ كان رأي رسول الله المقام بالمدينة والتحصن بها، فإن هم دخلوا عليهم قاتلوهم، ورأى هذا الرأي شيوخ المهاجرين والأنصار، ورأى هذا الرأي أيضا عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال:(يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين) .
ولكن الكثيرين ولا سيما الشباب ممن لم يشهد بدرا، أو شهدها وأمتعهم الله بالنصر قالوا: يا رسول الله: اخرج بنا إلى أعدائنا، ولا يرون أنا جبنّا عنهم وضعفنا، ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم.
وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم الجمعة، ووعظ الناس وذكّرهم وحثّهم على الثبات والصبر، ثم دخل بيته فلبس لأمته «2» ثم خرج عليهم، فلما راه الذين أشاروا بالخروج ندموا وقالوا: استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، يا رسول الله إن
(1) سيرة ابن هشام ج 3 ص 62 ط الحلبي.
(2)
عدة الحرب من درع ومغفر ونحوهما.
شئت فاقعد، فقال:«ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين أعدائه» .
وأذّن مؤذّن رسول الله بالخروج، فخرج في ألف من أصحابه واستعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وسار الجيش، وفي الطريق بصر النبي بكتيبة كبيرة فسأل عنها، فقيل له هؤلاء حلفاء ابن أبي من اليهود، فقال:«لا حاجة لنا فيهم، إنا لا نستعين بكافر على مشرك» ونعمّا فعل، فهم قوم مرنوا على الخيانة والنفاق فلا يؤمن جانبهم.
فلما وصلوا إلى الشوط «1» انخزل عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه وقال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع من اتّبعه من قومه من أهل النفاق والشك، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فقال: يا قوم، أذكّركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه. وفي هؤلاء المنخزلين نزل قول الله تعالى:
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ «2» .
ولما رجع ابن أبي وأصحابه همّت بنو سلمة وبنو حارثة أن ترجعا، ولكن الله ثبتهما وعصمهما، وفي ذلك نزل قوله سبحانه:
(1) الشوط: مكان بين المدينة وأحد.
(2)
سورة ال عمران: الايتان 166- 167.