الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النبي مع ربه
وكان صلى الله عليه وسلم أعرف الناس بربه، وأعلمهم بجلاله وكماله وصفاته، فمن ثمّ كان أشدهم تقوى، وأكثرهم عبادة، وقياما لليل. عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت: يا رسول الله لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ؟! فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» «1» ؟! وقالت: (كان عمل رسول الله ديمة «2» ، وأيكم يستطيع) وقالت: (كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم)«3» .
وكان الله سبحانه أمره في مبدأ أمره أن يقوم الليل إلا قليلا، قال تعالى:
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «4» .
فكان قيام الليل واجبا محتوما، قيل عليه، وقيل: عليه وعلى أمته، ثم خفّف عنه، فنسخ الوجوب وصار مندوبا.
ولم يحدد للقيام وقت محدود، بل ترك ذلك إلى القدرة والاستطاعة، قال عز شأنه:
(1) رواه البخاري.
(2)
المراد المواظبة على الطاعة، والعبادة في جميع أوقات العام، لا أنه يواصل الليل بالنهار بدليل الحديث الذي بعده وغيره. وديمة: بكسر الدال.
(3)
رواهما البخاري.
(4)
سورة المزمل: الايات 1- 4.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ الاية «1» .
وقال:
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «2» .
ومع هذا كان دائم العبادة والتهجد، وكان دائم التذكر لله، والتفكر في خلق الله والائه، لا يغيب قلبه عن الله، فإن حصل من ذلك شيء بسبب شواغل الدنيا وهمومها استغفر الله تعالى، وهذا هو المراد بقوله:«إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» رواه مسلم، وفي رواية البخاري:
ومع عبادته وتقواه كان أبعد الناس عن التشدد والمغالاة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا فترخّص فيه، فبلغ ذلك ناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه، وتنزّهوا عنه فبلغه ذلك، فقام خطيبا فقال:«ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخّصت فيه فكرهوه، وتنزّهوا عنه، فو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» «3» ، وفي حديث اخر له قال:«هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، وهم المتشددون في غير موضع التشديد.
وكان دائم الدعاء لله ولا سيما إذا اشتد الكرب، وتأزمت الأمور، وقد قدمنا لك دعاءه في بدر وأحد والأحزاب وغيرها، كما كان دائم الشكر لله، لا يطغيه النصر، ولا تبطره النعمة.
وما كانت تشغله عبادته عن دنياه، ولا دنياه عن عبادته، وهكذا راعى رسول الله الفضيلة والوسطية في العبادة، وكان الأنموذج الكامل للمسلم السمح
(1) سورة المزمل: الاية 20.
(2)
سورة الإسراء: الاية 79.
(3)
رواه مسلم.
الكريم، وليس أدل على هذا من هذه القصة: روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما- واللفظ للبخاري- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
(جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها «1» ، فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا «2» !! وقال اخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر!! وقال اخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا!! فجاء إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي «3» فليس مني» ) .
وفي رواية مسلم: (فقال بعضهم: لا اكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش)، وفي الصحيحين أيضا عن سعد بن أبي وقاص قال:(ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل «4» ، ولو أجاز له لاختصينا)«5» .
وهذا هو المنهج الوسط، الذي جاءت به الشريعة الوسط؛ للأمة الوسط التي هي خير أمة أخرجت للناس. والإسلام ليس دين رهبانية، فالرهبانية لا تليق بعمارة الكون، وليست من سنن الأنبياء، والذين اتبعوا الرهبانية من اليهود والنصارى ابتدعوها من عند أنفسهم، قال تعالى:
(1) تقالّوها: بتشديد اللام المضمومة: أي استقلوها.
(2)
هو قيد لليل لا لأصلي.
(3)
السنة: الطريقة المشروعة، وليس المراد السنة التي تقابل الفرض.
(4)
التبتل: ترك النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة.
(5)
الاختصاء: نزع الأنثيين حتى يفقد القدرة الجنسية.
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها «1» .
فهم مع ابتداعهم لها قصدوا ابتغاء رضوانه بالمبالغة في العبادة، فلم يقوموا بحقها ولم يلتزموا بما ألزموا به أنفسهم.
والإسلام- وهو الدين العام الخالد الصالح لكل زمان ومكان، ولإصلاح الدنيا والاخرة- لا يتفق والرهبانية، وهي نوع من التنطّع في الدين، وقد نبههم رسول الله كما سمعت، وفي رواية الطبراني أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه لمّا قال للنبي: ائذن في الخصاء، قال له:«إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة» وفي رواية أخرى أرشده إلى علاج ما يعاني من مشقة العزوبة فقال له: «لا، ولكن عليك بالصوم» وصدق الله في وصف الأمة المحمدية حيث قال:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «2» .
(1) سورة الحديد: الاية 27.
(2)
سورة البقرة: الاية 143.