الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تشريع الحجاب في الإسلام
وبنزول هذه الاية كان تشريع الحجاب في الإسلام بالنسبة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عدم إبداء شيء من أجسامهن للأجانب عنهن، وعدم محادثتهن أو طلب شيء منهن إلا من وراء حجاب، أي ستريكون بينهن وبين غيرهن، ولما نزلت قال الاباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله قوله:
لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً «1» .
ونزل أيضا في شأن نساء النبي في أدب الخطاب والإقامة في البيوت قوله تعالى:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «2» .
فَلا تَخْضَعْنَ: أي لا تلنّ أو تتكلمن بكلام مريب موهم. وَقُلْنَ:
أقمن والزمن بيوتكن. الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى: هي ما قبل الإسلام فهي كقولهم:
جاهلية جهلاء، فقد كان النساء لا يتحاشين كلام الرجال الأجانب، والتكسر في حديثهن، وإظهار بعض محاسنهن، كالعنق، والصدر، والساقين، والساعدين، فجاء الإسلام فأبطل ذلك، ومن العجب المؤلم أن تتجاوز جاهلية القرن العشرين الجاهلية الأولى في باب التبرج والسفور حتى أضحى عريا!!!
(1) سورة الأحزاب: الاية 55.
(2)
سورة الأحزاب: الايتان 32، 33.
وجمهور المفسرين على أن هذه الاية وإن كانت خطابا لأزواج النبي فحكمها لجميع نساء الأمة، وإنما خصّ نساء النبي لمنزلتهن وعظم فضلهن، ومكانهن من النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإمام الالوسي في تفسيره:(والمراد أمرهن رضي الله عنهن بملازمة البيوت؛ وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها» ، وأخرج البزار عن أنس قال: جئن «1» النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى» ، وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته، وخروجهن إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظنت فهي حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المرضى وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها)«2» .
يعني مع الاستتار وعدم إبداء الزينة وعدم مخالطة الأجانب، وعند أمن الفتنة، وقال الإمام القرطبي في تفسيره: (معنى هذه الاية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن؟
والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع) «3» .
وقد فصّل الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ما يتعلق بالنساء المسلمات: من غض البصر، وحفظ الفروج، وعدم إبداء مواضع الزينة من
(1) إما على لغة «أكلوني البراغيث» أو النون علامة جمع الإناث والنساء فاعل.
(2)
تفسير الالوسي، عند تفسيره هذه الاية.
(3)
تفسير القرطبي، ج 14 ص 179.
عنق وصدر وساق وعضد وساعد وشعر ونحوها من العورة الظاهرة إلا للمحارم، قال سبحانه وتعالى:
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «1» .
الْخَمْرِ بضم الخاء والميم: جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها وعنقها، والجيوب: فتحات الثياب من عند العنق، كنّ في الجاهلية يسدلن الخمر على ظهورهن فتبدو نحورهن وصدورهن وما حواليها، فأمرن بلفها على الأعناق والصدور كي لا يظهر شيء منها، وكنّ يضربن بأرجلهن ليتنبه الناس إلى أنهن ذوات خلخال فيلتفتوا إليهن، فنهين عن ذلك؛ وفي النهي عن الزينة نهي عن إبداء مواضعها بطريق أولى وأبلغ.
أما احتجاب المرأة بالنسبة إلى الأجانب منها فكل بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، ويستأنس لهذا بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال:«يا أسماء، إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا» ، وأشار إلى وجهه وكفيه. وجمهور الفقهاء على تقييد إظهار الوجه والكفين بأمن الافتتان بها وإلا فلا يجوز.
(1) سورة النور: الاية 31.
وكان النساء في أول الإسلام كما كنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار لا فرق بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة «1» يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل إلى قضاء حوائجهن في الخلاء، وربما تعرضوا للحرائر ظنا أنهن إماء، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإماء، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن فيغطّين الوجه والأعطاف فيعرفن ويهبن، ولا يطمع فيهن فاسق. قال تعالى شأنه:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «2» .
يُدْنِينَ: أي يرخين، ولذلك عدّي بعلى لأنه ضمّن معناه.
جَلَابِيبِهِنَّ: جمع جلباب وهو ما تلتف به المرأة فوق درعها وثيابها كالملاءة والملحفة، يحيث يستر جميع البدن، ولا يصفه ولا يشفّ ما تحته.
وقد بينت السنة النبوية كل ما يتعلق بالنساء من احتجاب وتصوّن وتعفّف، وعدم السفور والخلاعة والابتذال بما لا مزيد عليه، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام وندع التفصيل لمقام اخر.
(1) أهل الشطارة: أهل الهوى واللؤم والتعدي على الحرم.
(2)
سورة الأحزاب: الاية 59.