الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ماثر الأنصار الخالدة
إن المتأمل فيما قام الأنصار رضي الله عنهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه المهاجرين ليتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهب يتلمّس الأسباب، فلن يجد إلا سبب الأسباب، وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته، وصدق الله حيث يقول:
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ «1» .
فلم يلتق النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل، واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالا، ولم يكن بين دخولهم في الإسلام وقيامهم بهذه الماثر إلا أقل من عام!! وقد سمعت فيما مضى طرفا من لقائهم للرسول وإكرام وفادته.
ولم يكن شعورهم تجاه إخوانهم المهاجرين بأقل من هذا، فقد فتحوا لهم قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم حتى لم يجدوا بدا في بعض الأحيان من تحكيم القرعة بينهم، وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلا عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة بالإكبار والإعظام.
(1) سورة الأنفال: الاية 63.
روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فجاء سعد فعرض عليه أن يقاسمه ماله، وقال له: انظر أيّ زوجتيّ أحب إليك أتنازل لك عنها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فأبى عبد الرحمن وقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّني على السوق، فدلّه على السوق، فباع وابتاع حتى صار له مال، وتزوج امرأة من الأنصار بوزن نواة من ذهب، فقال له النبي:«أولم ولو بشاة» » .
وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلا فريدا في الإيثار، وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلا عاليا لعزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت عليه الدنيا بعد، فما توفي إلا وهو أثرى الأثرياء.
وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثلا من أمثلة الأنصار الكرام.
ويبالغ الأنصار في الإيثار والعمل على مقتضى هذه الأخوة، فيأتون إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه فيقولون:(اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل) .
فيقول لهم النبي: «لا» ، فقالوا لإخوانهم المهاجرين: تكفونا المؤونة- يعني السقي والعمل- ونشرككم في الثمرة، فقالوا:(سمعنا وأطعنا) رواه البخاري في صحيحه. وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين. فقالوا: إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها) قال: «إما لا «2» ، فاصبروا حتى تلقوني، إنه سيصيبكم بعدي أثرة» «3» .
(1) صحيح البخاري باب: «كيف اخى النبي بين أصحابه» .
(2)
إمالا: هي إن الشرطية المدغمة في (ما) الزائدة، ولا نافية، وفعل الشرط محذوف تقديره: تقبلوا.
(3)
أثرة: على وزن قصبة أي استئثار بالأموال دونهم.
وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكافئهم على ما قدّموا له وللمهاجرين من برّ ومواساة وإيواء، ولكن القوم سموا وأبوا إلا أن يكون عملهم لوجه الله، لا يريدون من أحد عليه جزاء ولا شكورا.
وإن شئت في باب الإيثار أروع من ذلك وأعجب، فإليك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئا من الغنيمة» فقالت الأنصار: «بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها» !! ذكره البغوي في تفسيره.
يا لله لهذه النفوس الكريمة الأبيّة، المؤثرة السخية!! لقد كان جزاؤهم من ربهم أن أنزل فيهم قرانا يتلى إلى يوم الدين، وصدق الله:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1» .
وأن قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه مشيدا بمناقبهم وفضلهم «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» وأن جعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق فقال:«اية الإيمان حب الأنصار، واية النفاق بغض الأنصار» وقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» . وأن أوصى بهم المسلمين بعده خيرا، فقد حدّث أنس بن مالك رضي الله عنه فقال:
«مرّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون،
(1) سورة الحشر: الاية 9.
فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي «1» ، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» رواها البخاري «2» .
(1) بطانتي وخاصتي، وموضع سري.
(2)
صحيح البخاري باب حب الأنصار من الإيمان وباب قول النبي فاقبلوا من محسنهم.