الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بيعة النساء
ولما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقّبة متنكرة، على ألايشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف، ولما قال النبي: ولا يسرقن قالت هند: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بنيّ، فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال لها:«خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف» . ولما قال:
ولا يزنين قالت هند: وهل تزني الحرة؟ ولما عرفها رسول الله قال لها: «وإنك لهند بنت عتبة؟» ، قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك.
وقد بايعن رسول الله من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:(لا والله، ما مسّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط)، وفي رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول: «إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة» «1» .
(1) البداية والنهاية، ج 4 ص 319.
أكان فتح مكة عنوة «1» أم صلحا؟
وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء، وأهل السير: إن مكة فتحت عنوة.
وقال الشافعي- ورواية عن أحمد- إنها فتحت صلحا.
وقد احتج الجمهور بأدلة منها:
1-
حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه، فقال أبو هريرة: لبيك يا رسول الله، قال:«اهتف لي بالأنصار» ، فلبوا سراعا، قال: فأطافوا به، ووبّشت قريش أوباشا لها «2» وأتباعا، فقالوا: نقدّم هؤلاء فإن كان لهم شيء- يعني من النصر- كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ترون إلى أوباش قريش، وأتباعهم» ، ثم قال «3» بيديه إحداهما على الاخرى «4» ثم قال:«حتى توافوني بالصفا» ، قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت
(1) قال في المصباح المنير: «عنا يعنو عنوة إذا أخذ الشيء قهرا
…
وفتحت مكة عنوة أي قهرا» .
(2)
أي جمعت جموعا من قبائل شتى لمحاربة جيش المسلمين.
(3)
قال: أشار.
(4)
يريد الإشارة إلى القتل.
خضراء قريش «1» ، لا قريش بعد اليوم!! ثم قال:«من دخل دار أبي سفيان فهو امن» «2» .
2-
وقوع القتال من خالد بن الوليد وجيشه، وهذا أمر ثابت في الصحاح وكتب السير.
3-
قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين-: «أحلت لي ساعة من نهار» ، ونهيه عن التأسّي به في ذلك.
4-
إذنه صلى الله عليه وسلم أن ينادى في الناس بقوله: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن ألقى سلاحه فهو امن» ، فلو كان دخولهم مكة صلحا لم يحتج إلى هذا.
5-
حديث أم هانىء- وهو في الصحيحين- حين أجارت رجلين من أحمائها أراد علي أخوها قتلهما، فأخبرت النبي بذلك، فقال:«قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء» ، فكيف يكون دخولها صلحا ويخفى على مثل عليّ؟!
واحتج الإمام الشافعي بأمور منها:
1-
ما قاله الإمام النووي من أنه احتج بالأحاديث المشهورة من أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة.
2-
لأنها لم تقسم بين الغانمين، ولم يملكوا دورها، بل بقيت على ملك أهليها.
وقد رد الجمهور بما يأتي:
1-
أي أحاديث مشهورة رويت في هذا؟! وما ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى- إن أراد به ما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان
(1) يعني جماعاتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد، والخضرة، ومنه السواد الأعظم.
(2)
صحيح مسلم- كتاب الجهاد والسير- باب غزوة الفتح.
فهو امن
…
» ، فإن ذلك لا يسمّى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة والسير أن قريشا لم يلتزموا ذلك، بل استعدوا للقتال، وجمعوا أوباش القبائل كما في حديث مسلم، وإن كان المراد بالصلح وقوع عقد بين النبي وبينهم فهذا لم ينقل قط.
2-
وأما عدم القسمة بين الغانمين، فإنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة، ويمن الإمام على أهلها، ويترك لهم دورهم، لأن قسمة الأرض المغنومة بين الغانمين ليس متفقا عليها بل الخلاف ثابت بين الصحابة فمن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة فلم تقسم، وذلك في زمن عمر وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة على ذلك بأمر يمكن أن تكون مختصة به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسكين- الحج والعمرة- ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرما امنا سواء العاكف فيه والباد.
وجنحت طائفة منهم الإمام الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة، لما وقع بينهم وبين خالد وجيشه من قتال، وإن كانت دارت عليهم الدائرة، وبعضها وقع صلحا. وقد قرر ذلك الإمام الحاكم في «الإكليل» .
والحق أن الراجح والصحيح أن فتحها كان عنوة، وبقوة السلاح، ولو أمكنهم أن يقاتلوا أيضا الجيش الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم لفعلوا، وقد ناوشوا جيش خالد، ولكنهم لم يلبثوا أن هزموا واستسلموا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم للاعتبارات التي ذكرناها، وتأليفا لقلوب من لم يدخل منهم في الإسلام يوم الفتح عاملهم معاملة من فتحت بلدهم بأمان وصلح «1» ، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام.
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، ج 12 ص 130، 131؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 8 ص 9، 10.