الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَتُزَكِّيهِمْ بِها
…
إلى قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «1» فأخذ رسول الله ثلث أموالهم وترك لهم الباقي.
الثلاثة الذين خلّفوا
وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه، فلذلك نزلت توبة هؤلاء وتأخرت توبة كعب وصاحبيه خمسين ليلة، وهم المرادون بقوله سبحانه:
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «2» .
وإليك خلاصة قصة هؤلاء الثلاثة، وسأحرص على إيراد لفظها لأنها قطعة من الأدب النفسي والقولي.
روى البخاري ومسلم وغيرهما- واللفظ للبخاري- «3» عن كعب قال:
لم أتخلّف عن رسول الله في غزوة غزاها إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلّفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلّف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد
…
حتى كانت تلك الغزوة التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفاوز وعددا كثيرا
…
والمسلمون مع رسول الله كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان-.
فتجهز إليها رسول الله، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا- خرجوا- ولم أقض شيئا،
(1) سورة التوبة: الايات 102- 105.
(2)
سورة التوبة: الاية 106.
(3)
صحيح البخاري- كتاب المغازي- حديث كعب بن مالك.
فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم- وليتني فعلت- فلم يقدّر لي ذلك.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا «1» عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.
ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال: «ما فعل كعب» ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه «2» ، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا.
قال كعب: فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل.
فجئته، فلما سلّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال:«تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرا» ؟
فقلت: بلى- والله- لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثا تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» .
ثم قلت: هل لقي هذا أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي.
(1) أي مطعونا عليه.
(2)
العطف: الجانب والمراد إعجابه بنفسه.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فقد استكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، واتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر «1» ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض.
حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت «2» جدار حائط- بستان- أبي قتادة- وهو ابن عمي وأحبّ الناس إلي- فسلمت عليه، فو الله ما ردّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي.
قال: وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط «3» أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه:(أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك) فقلت: وهذا أيضا من البلاء، فتيمّمت بها التنور- الفرن- فسجرته بها.
فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك،
(1) أنظر إليه خلسة.
(2)
أي: علا عليه ودخل.
(3)
جيل من الناس يسكنون سواد العراق.
فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه قال:
«لا، ولكن لا يقربك» فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومنا
…
قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع «1» يقول بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. واذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقّاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وهو يبرق وجهه من السرور-:«أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قلت: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال:«أمسك عليك بعض مالك فهو خير» قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
وقلت: يا رسول الله إنما نجّاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك
(1) بفتح السين وسكون اللام.