الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس في بيان مكائد الرافضة لإضلال الناس وميلهم عن الحق
اعلم أن الرافضة أحرص الناس عل تكثير سوادهم ورجوع المسلمين إلى مذهبهم، فيكيدون لذلك كيدا ويمكرون مكرا كبارا. وأكثرهم كيدا الإمامية، وهم أكثر فرق الرافضة اليوم، ولم يزالوا ينصبون للأنام شرك الشبه والأوهام كي يوقعوهم بما وقعوا فيه من ورطة الضلال ويجلبوهم إلى ما كلانوا عليه من رداءة الأحوال، مع أن ذلك منهي عنه عندهم، كما نبهوا عليه وأشاروا في معتمد كتبهم إليه. فقد روى الكليني عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال:"كفوا عن الناس ولا تدعوا أحد إلى أمركم".
هذا ولهم مكائد كثيرة ربما يعثر عليها بعض القاصرين فينخدع بها. فوجب التنبيه عليها وبيان تزويرها وافترائها، ولنذكر منها تسعا وسبعين مكيدة.
الأولى: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون أن يخل الله تعالى بواجب.
وهذا افتراء لأن أهل السنة أجمعوا على أنه تعالى لا يخل بالواجب، إذ لا واجب عليه كما سيجيء تحقيق ذلك في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى، وإنما يستلزم ذلك من أصولهم.
فإنهم قالوا إن الله تعالى أنظر إبليس إلى يوم الوقت المعلوم، ومكنه من إضلال المكلفين وخلق له قدرة على ذلك، والواجب عليه أن لا ينظره لأنه الأصلح للمكلف، وأن لا يمكنه إضلالهم فإن تمكينه إخلال بالواجب، وأن لا يخلق له تلك المقدرة فإن خلقها كذلك. ولأنهم زعموا أن الله سبحانه أمر محمد بن الحسن المهدي أن يختفي بعد أن خوّفه الأعداء ما يزيد ألف سنة في الكتاب المختوم بخواتم الذهب فحرم عباده من اللطف بسبب إخافة جمع من أهل بلد انقرضوا.
الثانية: يقولون إن أهل السنة يجوزون أن يفعل الله تعالى القبيح.
وهو افتراء أيضا، فإن مذهب أهل السنة أنه لا قبيح منه تعالى، بل ذلك إنما يلزم من أصولهم المؤسسة على شفا جرف هار، فإن من مكّن على فعل القبيح فهو كفاعله، كمن دفع سكينا إلى رجل يعلم أنه يمزق بطن نفسه، فإنه مما يذمه أهل العقول. وقد صرحوا بخلقه تعالى القدرة للعاصي على خلق أفعاله القبيحة، فإنه أيضا قبيح. وأيضا قواعد أصول القوم على أن الله تعالى يفعل القبيح، فإنهم لا ينكرون أنه تعالى يخلق للعاصي القدرة والإرادة ويمكّنه من الشر، وكل ذلك قبيح. وأنه تعالى أباح لحوم الحيوانات للإنسان وسلطه عليها فيأخذها ويعذبها، ولا شك أن الإنسان أكثرهم عصاة والحيوانات مطيعة وتسليط العاصي على المطيع قبيح، وأنه تعالى يبسط الرزق لكثير من عباده وهو يعلم أن الغنى أضر له من السم الواقع حيث إنه يتمكن بسببه من سفك الدماء والجور والظلم وسائر المنهيات، ويعلم أن منهم من يدعي الألوهية كنمرود وفرعون والمقنع وغيرهم، وأن منهم من يقتل الأنبياء والصالحين بغير حق، والتمكين من القبيح قبيح.
الثالثة: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون الظلم على الله تعالى، فأنى له أن يظلم عباده عندهم ويلومهم من غير جرم وإيصال عوض؟
وهذا باطل عندهم لا أصل له، فإن مذهب أهل السنة امتناع صدور الظلم منه تعالى، كما سيجيء ذلك في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى. بل إنما يلزم ذلك من مذهبهم، فإن قواعد أصولهم تنص على ذلك. روى ابن بابويه وغيره عن الأئمة: "أن أولاد
الكفار في النار"، وذلك ظلم وإيلام ومن غير جرم. ولأنهم اعترفوا بأن الله تعالى خلق السباع وجعل أقواتها لحوم الحيوانات الضعيفة وأنه سلطها عليها من غير جرم، وتسليط القوي على الضعيف ظلم بين. وإنه خلق الإنسان ضعيفا، وخلق له نفسا وخلق لها ما تلتذ به وما تنفر عنه وخلق لها ميلا إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورا عن التكليفات الموجبة لسعادتها، ومكن أكثرهم من تحصيل ما يريده ثم أمر بفعل ما ينافرها ونهاها عن ارتكاب ما يلائمها، وهو يعلم أن أكثرهم لا يأتمر بما أمره ولا ينتهي عما نهاه عنه، وقيض له عدوا يراه من حيث لا يراه ويوسوس له في صدره ويزين له سوء عمله، وخلق له القدرة على الوسوسة والتزيين، وهو لا يتمكن من دفعه، وهو سبحانه يعلم أنه يتبعه، ثم يعذبه. وكل ذلك صريح، فإن من حبس مسكينا ومنعه من الطعام والماء إلى أن بلغ جهده، ثم أحضر عنده ألوانا من لذائذ الأطعمة ووضعها بين يديه وخلى بينه وبينها ثم قال له: إن أكلت شيئا منها لأعذبنك عذابا شديدا، ثم قيض له قرينا عدوا له يدعوه إلى أكلها ويغريه عليه ويقول له: إن صاحب الطعام جواد كريم عفو، إن أكلت منها لا يؤاخذك به ويعفو عنك والجوع يرديك، فأكل منه شيئا يسيرا، وعذبه عذابا أليما، عده أولو العقول ظالما كما لا يخفى. وأما تجويز الإيلام من غير جرم وإيصال عوض فهو مذهب أهل البيت، وهم قدوة هؤلاء، وقد نص عليه أمير المؤمنين والسجاد زين العابدين كما سيجيء إن شاء الله تعالى في الإلهيات. والجواز لا يستلزم الوقوع، ومع ذلك يتقونه لأن الله تعالى وعد وعد الحق أن يكفر عن المتألم بالإيلام سيئاته أو يرفع له الدرجات على طريق الوجوب، إذ لا يجب عليه سبحانه شيء. هذا ويلزم ذلك هؤلاء الضلال بمقتضى أصولهم، وذلك لأن الله تعالى يبتلي الحيوانات العجم بالأمراض والموت بلا جرم وإيصال عوض، ولا فرق بين المكلف وغيره.
الرابعة: إنهم يقولون إن أهل السنة يزعمون أن الله تعالى عابث لاعب في أفعاله، حيث إنه يجوز عندهم أن يفعل سبحانه لا لغرض.
وهو أيضا افتراء وزور، فإن مذهب أهل السنة أن أفعاله تعالى كلها محكمة متينة مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى. وتلك الحكم والمصالح غايات لأفعاله تعالى ومنافع راجعة إلى المخلوقات. والعبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع، لكنها ليست أسبابا باعثة على إقدامه وعللا مقتضية لفاعليته، فلا تكون أغراضا وعللا نائبة لأفعاله، فإنه لو كان فعله تعالى لغرض لكان مستكملا بتحصيل ذلك الغرض، فإنه هو الآمر الباعث للفاعل على الفعل، فهو المحرك الأول له وبه يصير الفاعل فاعلا لغرض، فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس من عدمه، وإلا لم يصلح لأن يكون غرضا له فيكون الفاعل حينئذ بفعله مستفيدا لتلك الأولوية ومستكملا بغيره فيلزم انفصاله سبحانه عنه واستكماله به، ويلزم أيضا أن يكون تعالى محلا للحوادث. ولأن فعله سبحانه لو كان لغرضه لكان ناقصا لأن غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله كان ذلك الفاعل ناقصا في
فاعليته مستفيدا لها من غيره، ولا سبيل للاستكمال والنقصان إلى سرادقات جلاله وكبريائه سبحانه. ونحو قوله سبحانه:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} محمول على الغايات والمنافع المترتبة عليها دون الأعراض والعلل الغائبة. ومن قال من الفقهاء بتعليل أفعاله تعالى فقد أراد بالغرض ما ذكرنا، ولا مشاحة في الاصطلاح. هذا ثم إن هؤلاء القوم طعنوا في أهل الحق لإنكارهم التعليل ظنا منهم أنه يستلزم العبث وعموا عما صرحوا به في كتبهم، فإن القول به يوجب كونه تعالى عابثا في كثير من أفعاله، فإن الله تعالى كلف بالإيمان عن علم أنه لا يؤمن ويموت كافرا وتكليفه عبث، فإن الغرض من التكليف الانزجار عن القبائح عندهم، وكذا تكليف سائر من لا ينزجر عن المعاصي ولا يستمر بما أمر به ولا ينتهي عما نهي عنه.
الخامسة: إشاعتهم أن أهل السنة يزعمون أن الله تعالى لا يفعل ما هو الأصلح لعباده، بل ما هو فساد في الحقيقة.
وهو افتراء أيضا، فإن أهل الحق يقولون لا يجب على الله تعالى الأصلح، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يشأه لمصلحة أخرى تركه. وما رموا به هو مذهبهم، لأن الله تعالى ترك كثيرا مما هو الأصلح بزعمهم كما سبق، وكما سيأتي في مباحث وجوب الأصلح إن شاء الله تعالى.
السادسة: يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف المعدوم ومخاطبته، فيقول الله تعالى في الأزل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ولا شخص هناك.
ولا يخفى بطلانه، وهذا أيضا من افترائهم، لأن وجود المكلف عندهم شرط للتكليف الذي هو طلب الفعل من المكلف، لأن الطلب من المعدوم ممتنع.
نعم إنهم يقولون إن الأمر يتعلق بالمعدوم فإنه مكلف، ويريدون بذلك التعليق العقلي، وهو أن المعدوم الذي علم الله أنه يوجد بشرائط التكليف توجه عليه حكم في الأزل بما يفعله ويفهمه فيما لا يزال، فإذا وجد وصار مكلفا تعلق به ذلك الحكم من غير تجدد أمر آخر، كما في خطابات النبي صلى الله عليه وسلم بأوامره ونواهيه كل مكلف يولد إلى يوم القيامة واختصاصها بأهل عصره. وثبوت الحكم فيما سواهم بطريق القياس بعيد جدا. وليس المراد بتنجيز التكليف في حال العدم بأن يطلب منه الفعل حال عدمه.
السابعة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف من لا يفهم قبل فهمه.
وهو افتراء أيضا لأن تكليف من لا يفهم الخطاب لا يجوز، لأن فهم الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال شرط لصحة التكليف، لأن الامتثال بدون الفهم محال وتكليف لا لا يطاق، وهو ممتنع عند الجمهور. ومن جوزه قال لأنه لا يكون للابتلاء بالعزم وعدم الإعراض والبشر والكراهة وهو معدوم هاهنا.
الثامنة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا تكليف الرضيع والمجنون المطبق جنونه.
وهو أيضا افتراء، لأن مذهب أهل السنة أن القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق. والقول بجواز التكليف محال كما هو مذهب بعض الأشاعرة، وإن كان يوجب جوازه إلا أنهم أنكروا الوقوع والفساد، وإنما هو فيه دون الجواز.
التاسعة: إنهم يقولون إن أهل السنة كلهم جوزوا التكليف بالمحال، كتكليف الزمن الطيران إلى السماء.
وهذا افتراء لأن مذهب جماهير أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين من الماتريدية وأكثر الأشاعرة أن إمكان الفعل شرط التكليف به اقتضاء للطاعة، فإذا لم
يكن في الفعل طاعة لم يكن الاقتضاء متصدرا. وأما ما نسب للأشعري ما يشعر بذلك فلم يثبت، ومن جوزه من الأشاعرة وهم شرذمة قليلة فأكثرهم على عدم الوقوع للاستقراء في التكاليف، ولقوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، ولا فساد في الجواز. ومن ادعى الوقوع بناء على أن الله تعالى كلف من علم أنه لا يؤمن بالإيمان اعترف بندرته وقلة وقوعه. وهذه المسألة مفصلة في كتب أصول الفقه وعلم الكلام أتم أصيل.
العاشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون كون المأمور به حراما.
وهو أيضا افتراء، لأن مذهب جمهور أهل السنة أنه يستحيل كون الشيء الواحد من جهة واحدة مأمورا به وحراما، لأن مقتضى الأمر الفعل ومقتضى الحرمة الترك والجمع بينهما محال، وحين جوز التكليف بالمحال قال إنه ليس منه، بل هو تكليف وهو محال في نفسه، لأن معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه ولا يجوز وهو يناقض الأول.
الحادية عشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا المعاصي على الرسل، وهو قول يبطل الشرائع، فإنه إذا جاز صدور المعاصي منهم لا يبقى وثوق بأقوالهم فتنتفي فائدة البعثة.
وهذا أيضا من افترائهم، لأن مذهب الحنفية وجماهير الأشاعرة أنهم معصومون عن الكبائر عمدا وسهوا قبل النبوة وبعدها، وعمدا قبل النبوة عند جماعة منهم. وجوز بعضهم صدورها
عنهم قبل الوحي إذ لا دليل على الامتناع عقلا ونقلا. هذا والجواز لا يستلزم الصدور. وورد عند الإمامية عن أبي عبد الله وعلي بن موسى الرضا ما يدل على صدور كبيرة عن الرسل قبل البعثة كما سيجيء في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى. والأكثر على عصمتهم عن الصغائر بعد البعثة عمدا وسهوا، [و] الصغائر الخسيسة مطلقا، وهي ما يلحق فاعلها بالسفل والأرذال ويحكم عليه بدناءة الهمة، كسرقة لقمة وتطفيف حبة. ومن جوزه عقلا لا فساد فيه، إنما الفساد في الوقوع. وجوزت الإمامية صدور الذنب عنهم قبل البلوغ، كما ذكره المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة، وعليه حمل فعل إخوة يوسف به بعدما تعسف ومنع كون الأسباط هؤلاء. وقد روى جمع من الإمامية عن الأئمة صدور الكبيرة عن بعض الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بعد البعثة.
فقد روى الكليني بإسناد صحيح عن أبي يعفور عن الصادق أنه صدر عن يونس بن متى الذي هو من المرسلين ذنب كان الموت عليه هلاكا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
الثانية عشرة: إنهم يقولون إن أهل السنة جوزوا السهو على الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه، وهذا يستلزم إبطال الشرائع.
نعم جوزوا ذلك ولكن لا طعن فيه، فإن مذهب أهل السنة جواز السهو عليهم بشرط أن لا يقروا عليه بل يشعروا به ليرتفع الالتباس. وهذا الشرط يقطع دابر الاستلزام. وقد روى أصحاب الصحاح منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سهى في الرباعية فصلاها ركعتين. وذهب بعض الفقهاء من أهل السنة والصوفية إلى المنع وحملوا المنع على ما روي عنه عليه الصلاة والسلام في حديث ذي اليدين على القصد والعمد ليبين للناس حكم السهو، قالوا ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لم أفعل"،
وفي رواية: "لم يكن" حين قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت. وقال بعض المحققين إن سهو غير المعصوم من الغفلة وهو آفة، وأما سهوه فعن حضور فهو في حقه كمال وفي حق غيره نقصان. وقد أجاد من قال:
يا سائلي عن رسول الله كيف سهى
…
والسهو من فعل قلب غافل لاهي
قد غاب عن كل شيء سره فسهى
…
عما سوى الله في التعظيم لله
وقد بالغ الحلي الصيرفي ومن يحذو حذوه في الطعن على أهل السنة في رواية حديث ذي اليدين، وقد روته الإمامية في كتبهم كالكليني وابن جعفر الطوسي في التهذيب بأسانيد صحيحة عندهم. فطعنهم على
أهل السنة في ذلك مكابرة وعناد ظاهر.
الثالثة عشر: إنهم يقولون إن أهل السنة كفروا بقولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بما هو كفر من ثناء اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في سورة النجم وهو بمكة بمجلس قريش بعد قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ، بإلقاء الشيطان على لسانه:"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"، فلما ختم السورة سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون لما سمعوه يثني على آلهتهم.
وهذا أيضا من مفترياتهم لأن القول بأنه صلى الله عليه وسلم فاه به مما وضعته الزنادقة، وأورده بعض المفسرين الذين لا يميزون بين الغث والسمين والصحيح والسقيم. والصحيح أن الشيطان ألقاه في أسماع الكفار وقلوبهم، محاكيا نغمته صلى الله عليه وسلم حين وقف على {الْأُخْرَى} فظن الكافرون أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا. وقد روى ابن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها، ولذا لم يخبره أحد منهم أنه تكلم به
حتى أخبره جبريل بأن الشيطان ألقى ذلك في أسماع المشركين، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى عليه تسلية له:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} . وقد روى جمع من الإمامية ما ينبئ عن كفر بعض الرسل والأنبياء، كما سيجيء ذلك في مبحث النبوات إن شاء الله تعالى.
وأقول: إن هذا البحث مفصل أتم تفصيل في سورة الحج لجدنا روح الله تعالى روحه فراجعه.
الرابعة عشر: إنهم يقولون إن الصحابة كلهم إلا أربعة أو ستة منهم كانوا يقلون أهل البيت ولبغضونهم.
وهو أيضا من أكاذيبهم ومفترياتهم، فإن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كانوا يحبون أهل البيت أشد الحب، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارا في فضائلهم. وهذه كتب الحديث الصحيحة عند أهل السنة مشحونة بمآثرهم ومزاياهم. ولا يشك في ذلك إلا من أعمى الله بصيرته.
الخامسة عشر: إنهم يقولون إن في مذهب أهل السنة مخالفة لكتاب الله تعالى، كغسل الرجلين في الوضوء، والقرآن نص على المسح، فإنه قرئ بجر الأرجل ونصبها، وكلتا القراءتين تدل على المسح، أما النصب فإنه عطف على المحل، وأما الجر فعطف على اللفظ لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى (مع) فينصب ما
بعدها كما تقول: قام زيد وعمرا، واستوى الماء والخشبة.
وهذا باطل بل هو أيضا من مفترياتهم، لأن كلتا القراءتين تدل على الغسل. أما النصب فلأن الأرجل معطوف على الوجوه والأيدي، والفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية غير ممتنع بل جائز، وقد نقل أبو البقاء وغيره اتفاق النحاة على الجواز، والعطف على المحل -وإن كان جائزا- لكن العطف على اللفظ أولى بإجماع أئمة العربية، ولأن العطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، ولا يجوز ترك الظاهر إلا بدليل، لأن العطف على المحل مجاز فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولأن دليل العطف على المغسول ما تواتر من الأخبار، ولأن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس لا يقال:"ضربت زيدا ومررت بعمرو وبكرا"، بعطف بكرا على عمرو محلا. وقراءة الجر غير خاصة على المدعى. أو معطوف على فعل مقدر، وهو {فَاغْسِلُوا} واضمار الفعل في غير القرآن غير عزيز، والدليل عليه ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل رجليه من أول أمره إلى أن قضى نحبه. والعطف على البعيد جائز باتفاق البصريين والكوفيين. ويا للعجب أن هؤلاء الضالين يطعنون على أهل الحق بإيثارهم العطف البعيد، وهم يفسرون كثيرا من آي القرآن بما يضحك منه صبيان العرب وجهلة الأعراب كما سيجيء كثير من ذلك. ومنه تفسير الخطاب بالغيبة أو معطوف على محل رؤوسكم، فإن العرب جوزت حذف أحد فعلين متقاربي المعنى، ولكل متعلق، وعطف متعلق المحذوف على المذكور كأنه متعلقه. قال لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه في معلقته الشهيرة:
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت
…
بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي وباضت فإن النعام (بضم الهاء وفتحها) تبيض ولا تلد الأطفال، يريد أن الديار التي ذكرت في الأبيات السابقة مخضبة كثيرة العشاب قد علا بها فروع هذا الضرب من النبات وأصبحت الظباء والنعام ذوات الأطفال بجانبي وادي هذه الديار. وقال الآخر:
إذا ما الغانيات برزن يوما
…
يزججن الحواجب والعيونا
أي وكحلن العيون. وقال الأخر:
يا ليت زوجك قد غدا
…
متقلدا سيفا ورمحا
أي حاملا رمحا. وقال الآخر:
تراه كأن الله يجدع أنفه
…
وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أي ويفقأ عينيه. ومنه قول العرب: علفتها تبنا وماء باردا، أي وسقيتها. إلى غير ذلك من الشواهد. ولا يجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" لفقد القرينة. وإن الحجة ناهضة على خلافه لما سيجيء إن شاء الله تعالى. وأما الجر فعلى الجواز وهو جائز، وقد أثبته سيبويه والأخفش إماما العربية وأبو البقاء وجمع كثير من النحويين في النعت
وغيره وفي العطف وفي التوكيد وغيره. وللنحاة باب في ذلك، وقالوا: قد وقع الجر بالجوار في القرآن وكلام العرب من النظم والنثر كثيرا. فمن القرآن {عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} ، وحقه الرفع، {وَحُورٌ عِينٌ} على قراءة حمزة والكسائي ورواية الفضل عن عاصم، وهو عطف عام ب {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} لا على {وِلْدَانٌ} إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون. ومن النثر:"هذا حجر ضبٍّ خربٍ" بالجر، والأصل الرفع فإنه صفة جحر. ومن النظم قول النابغة:
لم يبق غير طريد غير منفلت
…
وموثق في حبال القد مسلوب
فخفض موثق بالمجاورة لمنفلت، وحقه الرفع إذ التقدير لم يبق إلا أسيرا وموثق. وقول امرئ القيس:
فظل طهاة الفحم من بين منضج
…
صفيف شواء أو قديد معجل
فإن قديد عطف على صفيف فخفض على الجوار وكان حقه النصب. وقول الأخر:
يا صاح بلّغ ذوي الزوجات كلهم
…
أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
بجر كلهم والأصل نصبه لأنه توكيد ذوي. وإنكار الزجاج الجر بالمجاور في غير النعوت، ومع العطف لا معتبر له إن ثبت بعد أن أثبته من هو أعلى كعبا منه ومن لا يشق الزجاج غباره كسيبويه والأخفش ووافقهما جماهير أهل العربية وورد في كلام البلغاء. مع أن شهادة الزجاج لو ثبتت نفي، وشهادة جمهور أئمة العربية إثبات، وهي مقبولة وشهادة النفي غير مقبولة. ودعوى قلة وقوعها في كلام العرب باطل، كيف وقد نص أبو البقاء وجمع من أئمة العربية على وروده في النظم والنثر كثيرا. ولو سلم قلته، والوقوع ليست بمانع من الحمل، وإنما المانع عدم وروده في كلام العرب. وقد حملت الإمامية الباء في {بِرُءُوسِكُمْ} على التبعيض ولم يلتفتوا إلى إنكار سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه، وأنكره أيضا أبو الفتح ابن جني وأبو البقاء العكبري وجماهير النحاة من الكوفيين والبصريين. واعترف جمع من عيون علماء القوم كابن المطهر الحلي والمقداد ومحمد بن حسن الطوسي شيخ الطائفة بصحة قول سيبويه. وقد بالغ الطوسي في عدم وروده في كلام العرب فقال في التهذيب:"وإفادتها للتبعيض غير موجودة في كلام العرب".
وقال المقداد في كنز العرفان: أنكر أهل العربية الباء للتبعيض، وما قيل إنه أثبته الأصمعي فلم يثبت، نعم قد توهم بعض المتأخرين من أهل العربية كالفارسي والقتيبي وابن مالك أن الباء في قوله تعالى:{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} للتبعيض، وكذا قول الشاعر:
فلثمت فاها آخذا بقرونها
…
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وهو وهم واضح وغلط فاضح، فإن الظاهر أن الباء فيهما للإلصاق، فلم يكن قولهم هذا شهادة حتى يسمع ولا يلتفت إلى قول سيبويه وجمهور أئمة الأدب. أو الأرجل معطوف على الرؤوس، والغسل والمسح في المعطوف بمعنى إمرار اليد المبتلة في المعطوف عليه بمعنى صب الماء. وقد جاء المسح بمعنى الغسل حقيقة. روي عن أبي زيد الأنصاري وغيره من أئمة العربية أنهم قالوا المسح في لغة العرب يكون غسلا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ وغسل أعضاءه قد تمسح، ويقال مسح الله عز وجل ما بك، أي غسل عنك وطهرك، ومنه
قولهم دخلت البحر فمسحت جسدي بالماء، وقولهم مسح المطر الأرض.
والدليل عليه أيضا الأخبار المتواترة معنى، ولا يلتفت إلى قول المنكر من الفرقة الضالة بعد ما ثبت عن أئمة اللغة، وكونه بمعناه مجازا لم ينكره أحد، ويجري إرادة المعنى المجازي في المعطوف والمعنى الحقيقي في المعطوف عليه. وقد نقل شارح زبدة الأصول على مذهب الإمامية عن بعض المهرة في العربية من علمائهم أنه صحح ذلك، وقال الصلاة في قوله تعالى:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، أي في المعطوف عليه على المعنى الحقيقي، وهو في الأركان المخصوصة، وفي المعطوف عليه على المعنى المجازي وهو موضع الصلاة أعني المساجد، وقال إنه نوع من الاستخدام. وفسرها به جمع من مفسري القوم وفقهائهم، وبعض فقهاء الشافعية. فيجوز أن يراد هنا في المعطوف عليه المعنى الحقيقي، وفي المعطوف المعنى المجازي، والدليل عليه ما تقدم. ولأن قراءة الجر لو دلت على المسح فقراءة النصب ناسخة، لأن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، أو متعارضة فحينئذ يجب المصير إلى ما في الأخبار المتواترة معنى. ولم يرو أحد من أهل السنة عن الأئمة إلا الغسل، ورواه عنهم الإمامية أيضا. روى العياشي عن علي بن
أبي حمزة قال: سألت أبا إبراهيم عن القدمين، قال: تغسلا غسلا. وروى محمد بن نعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله: إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم تغسل رجليك. وروى هذا الأثر جمع منهم كالكليني وأبي جعفر الطوسي وغيرهما بأسانيد صحيحة عندهم. وروى محمد بن الحسن الصفار عن زيد بن علي عن آبائه عن علي قال: جلست
أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غسلت قدمي قال: يا علي خلل بين الأصابع. إلى غير ذلك من الأخبار. فسند الغسيل من الأحاديث متفق عليه، وسند المسح مختلف فيه، فوجب طرحه على ما يقتضيه أصول القوم. والتقية باطلة كما سيجيء إن شاء الله تعالى. والنسخ لم يثبت عند أهل السنة، والآية لا تدل على ذلك فإن الناسخ يجب أن يكون ظاهر الدلالة بالاتفاق. وما رواه الصفار ناص على عدم النسخ.
هذا ولو لم يكن في هذه الآية دلالة الغسل لسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن مواظبة الغسل، وما ذكره الكراكجي: أنه روى المخالفون أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح رجليه، وأن عليا علم الناس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه؛ ففرية بلا مرية، وبهتان عظيم، وإنما الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم رووا أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل رجليه في الوضوء إلى أن قضى نحبه، وهم لا يكذبون عليه باتفاق الفريقين. وقد روت الشيعة ذلك عن أمير المؤمنين، وأورده الرضي في نهج البلاغة.
وما روى عباد بن تميم عن عمه أنه عليه السلام توضأ ومسح قدميه، فهو معل بتفرد الراوي ومخالفة الجمهور، ولأنه لا يحتاج إلى بيان سنده وبيان من أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، ولأنه يحتمل أن يكونا غير ثابتين، ولكن الراوي لما رآه من بعيد ظن أنه مسح رجليه. [وما روي] عن أمير المؤمنين:"أنه مسح رأسه ورجليه وشرب فضل ماءه قائما، وقال: إن الناس تزعم أن هذا مكروه، وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث". فإن صح فلا يدل على المدعى لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلا خفيفا فكذلك يحتمل أن يكون مسح رجليه كذلك، وهذه إشارة إلى الغسل الخفيف، يعني أن الناس تكره الغسل الخفيف ويرون الإسباغ.
ولو كان المسح لقال إن الناس تزعم أن هذا لا يجوز، ولأن المتنازع فيه وضوء من يحدث، ولأنه محتمل أن يكون المراد بالمسح إمرار اليد المبتلة في الأعضاء الخمسة. وقد صح عن أمير المؤمنين أنه كان يغسل رجليه في الوضوء ولا يمسح. روي عن أبي عبد الله الحسين أنه قال: دعاني أبي علي بوضوء فقربته إليه
…
إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى. وروى أبو داود والطحاوي وغيرهما أنه: دخل الرحبة فدعا بماء فأتاه غلام بإناء فيه ماء وطست فتوضأ وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا. وما قيل إن المسح مذهب جماعة من أعيان الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وسلمان وأبي ذر وأنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع من التابعين كأبي العالية وعكرمة والشعبي والحسن
البصري، إلا أنه كان يحب الجمع بين الغسل والمسح، وهو قول الناصر من أئمة الزيدية، وأن التخيير مذهب محمد بن جرير الطبري؛ فهو افتراء، فإنه لم يتثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بإسناد، وإنما حكاه من هو كحاطب ليل. والدليل على أنه كذب لا أصل له ما أخرجه الطحاوي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من الصحابة أنه مسح على القدمين؟ قال: لا.
ولأن ارتكاب أحد الأمرين يوجب مخالفة صاحب الشرع، فإنه
إذا كان يغسل رجليه من أول الأمر إلى أن قضى نحبه لا يجوز المسح، فالذين كانوا يلازمونه بالعشي والأبكار ولا يفارقونه آناء الليل وأطراف النهار ويأخذون الوحي عنه غضا طريا، وكان كل منهم عن الخلاف بريئا منه، كيف يخالفون فعل نبيهم عليه السلام وقد وعدهم الله تعالى الخلود في دار السلام. ومحمد بن جرير المذكور هو محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الشيعي صاحب الإيضاح والمسترشد في الإمامة، لا أنه محمد بن جرير بن غالب الطبري أبي جعفر صاحب التفسير والتاريخ الكبير من أهل السنة، فإنه لم يذكر في تفسيره إلا الغسل. هذا وعزو المخالفة إلى من لا يجوّز المخالفة أصلا بل يكفر المخالف افتراء منشأه العصبية والعناد، فإن حمل إعرابه على ما نص على جوازه عيون أئمة العربية، وليس من المخالفة في شيء، إنما المخالفة في إنكار كثير من كلماته كرم الله تعالى وجهه {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} و {إِلَى الْمَرَافِقِ} ، و {أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} ، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني والسادس. وفي ترك العمل بما دل عليه النص، وذلك في مذهب القوم كثير جدا كتخصيص الابن
الأكبر للميت بسيف أبيه ومصحفه وخاتمه وثياب بدنه إن ترك مالا سواها، وعدم توريث الزوجة من الأرض والعقارات والدور والسلاح والدواب، فإن القرآن دل عل التوريث مطلقا، والتخصيص مخالفة. وقد اعترف ابن المطهر الحلي في المختلف بتكفير الصحابة من المهاجرين والأنصار مع أن القران ناص على أنهم مؤمنون {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} . إلى غير ذلك من المخالفات. والرافضة يعيبون أهل الحق بعيوبهم، والمرء يولع بالذي يتعود.
السادسة عشر: إنهم يقولون إن مذهب أهل السنة مخالف للنبي صلى الله عليه وسلم، كتحريم المتعة وقد أباحها النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاة الضحى وقد روي عن عائشة أنها قالت: صلاة الضحى ما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا أيضا من مفترياتهم، فإن المتعة قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم -
بعد أن أباحها لجنوده خاصة في بعض الغزوات كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وأما صلاة الضحى فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح والطبراني في الدعاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بصلاة الضحى. وأخرج مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاذة بنت عبد الله: سألت عائشة: كم كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى؟ قالت: أربع [ركعات] ويزيد ما يشاء. وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الضحى ست ركعات" إلى غير ذلك من الأخبار.
قال الشيخ ولي الله العراقي: ورد في صلاة الضحى أحاديث كثيرة مشهورة، وقال محمد بن جرير الطبري: قد بلغت الروايات في صلاة الضحى مبلغ التواتر المعنوي. وما ورد في النفي فهو خبر واحد له معارضات، وشهادة الإثبات تهدم دجى النفي، ورواية النفي لا تقاوم أخبار الإثبات لكثرتها. ولو كان العمل بأحد الخبرين المتعارضين بسبب ترجيح أحدهما على الأخر مخالفة، فهو في مذهبهم أكثر من أن يحصى، فإن جميع آثارهم متعارضة كما سيجيء إن شاء الله تعالى. والمخالفة إنما هي في مذهبهم كترك صلاة الجمعة والجماعة وطهارة الودي والمذي وعدم انتقاض الوضوء من خروجه وطهارة البول بعد نثر الذكر ثلاثا وجواز الصلاة مع خروجه وسيلانه إلى الساق، إلى غير ذلك. وسيجيء نبذة عنه إن شاء الله تعالى.
السابعة عشر: إنهم يقولون إن أهل السنة شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، كالعمل بالقياس.
وهذا أيضا باطل وزور، فإنه قد تواتر عن أهل البيت والصحابة أنهم يقيسون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهم ذلك، وروت الزيدية عن أهل البيت جوازه. وجوزه من الإمامية أبو نصر هبة الله بن أحمد بن محمد وتابعوه، وهم الثالث عشرية، لما سنح لهم من الدلائل القاطعة من الروايات الصحيحة عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم.
وروت الفرقة الاثنا عشرية عن أمير المؤمنين ما ينص على أنه كان يقيس وعن غيره من الأئمة جوازه. من ذلك ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن أبي جعفر محمد الباقر أنه جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: توجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الختانان وجب الغسل. فإنه كرم الله تعالى وجهه قاس الغسل بالحد، وليس هذا من طريق الأولوية كما زعموا بناء على أن المجامعة بدون الإنزال إذا كان لها تأثير في أقوى الشقين -أي حد الزنا- كان لها تأثير في ضعفها بطريق الأولى، فإن السحق يوجب التعزير عند أهل السنة والحد عند الإمامية، ولا يوجب الغسل بالاتفاق. واللواطة وإن كانت إيغابا يحد عند فرقة من أهل السنة والإمامية، ويعزر عند غيرهم، ولا يجب على اللائط الغسل إن لم ينزل عند الإمامية. والمباشرة الفاحشة مع الأجنبية توجب أحد الأمرين ولا توجب الغسل. والأجنبيتان إذا وجدتا في إزار واحد عزرتا ولا يجب الغسل. وقولهم إن الروايات المذكورة توافق العامة فيجب طرحها من فرط العصبية والعناد، وهو يناقض قولهم إن المختلف فيه يطرح للمتفق عليه. وما رووه عن أهل البيت أنهم قالوا إذا ورد منا حكمان مختلفان:"خذوا بما خالف العامة ودعوا ما وافقهم" افتراء.
وقد اعترف شارح مبادئ الأصول الحلي أن الصحابة كانوا يقيسون، وخصص قياسهم ببعض أنواعه، ولم يجد به نفعا. وأجاز الباقر والصادق وزيد بن علي وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي الأخذ عنهم الفقه والحديث والقياس. وتفصيل دلائل جوازه وإبطال ما استدل به المنكرون في كتب الأصول.
الثامنة عشر: إنهم يقولون إن مذهب أهل السنة باطل ومذهب الإمامية حق، ويستدلون عل ذلك بأن الاثني عشرية قليلون وأهل السنة كثيرون، وقد مدح الله تعالى القليلين فقال:{وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} ، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} .
وهذا أيضا باطل لأن الله تعالى نص في كتابه على أن أصحاب اليمين من هذه الأمة كثيرون، فقال عز من قائل:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} ، وأن الله تعالى إنما يمدح كثير الشكر والذين يعملون جميع الصالحات، فإن صدر الآية:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، ولا شك أن الشكور بالنسبة إلى الشاكر وغير الشاكر، والذين يعملون الصالحات بالنسبة إلى من يعمل بعض الصالحات والذي لا يعمل شيئا منها، في غاية القلة، ولم
يمدح من عقيدته حقة. وذلك بين لا سترة فيه، ولو كانت القلة توجب الفضل لكان الحق مذهب الزيدية أو الناصبة أو الأفطحية أو الناوسية من الإمامية وغيرهم.
التاسعة عشر: إنهم يؤلفون كتبا في إبطال مذهب أهل السنة وذكر مثالبهم ومطاعن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وقد ألف جماعة منهم كالمرتضى وابن المطهر وابنه ومحمد بن الحسن الطوسي وسبطه ابن الطاوس وابن شهر آشوب السروي المازندراني وغيرهم، وأكثرهم تأليفا فيها ابن المطهر الذي هو أجهل من أبي جعدة، والمشهور منها منهج الحق ومنهاج الكرامة والألفين. وقد ردها فحول علماء أهل الحق، لا سيما شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية روح الله تعالى روحه في جنات النعيم.
والحلي هذا كان عندهم من العلماء المشار إليهم بالبنان، مع أنه أجهل من ابن يوم، كما يلوح من ظاهر عباراته. ومن طالع كتابه الذي سماه بالألفين -وهو كتاب مشحون بالأكاذيب والاستدلالات التي لا يخفى بطلانها على أحد- يتبين له صدق ما ذكرنا.
العشرون: إنهم يقولون إن الخلفاء الثلاثة حرفوا كتاب الله وأسقطوا منه آيات وسور كثيرة في الأحكام وفي فضائل أهل البيت والأمر باتباعهم والنهي عن مخالفتهم ووجوب محبتهم وذكر أسماء أعدائهم، ومن ذلك سورة الولاية، وهي بزعمهم سورة طويلة ذكر فيها ولاية أهل البيت وفضائلهم، وأن منها أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون.
وقد أضلوا بهذه المكيدة كثيرا من الناس، والأمر لله تعالى. وهذا أيضا من افترائهم وتزويرهم، إذ كيف يكون ذلك والله تعالى يقول:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وسيجيء إن شاء الله تعالى إبطال هذا القول الباطل بحيث لا يبقى قول لقائل.
الحادية والعشرون: إنهم يقولون إن ابن بابويه روى عن ابن عباس وغيره من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يعذب الله من والى عليا".
وهذه أيضا مكيدة عظيمة، إذ فيها سهولة وراحة توجب ميل الجهلاء إليها. وهذا القول أيضا باطل لأن الله تعالى يقول:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} .
الثانية والعشرون: إنهم ينقلون عن التوراة: "أن الله تعالى قال فيه بمادماد اثنا عشر أوصياؤه خلفاؤه بعده أولهم إيليا ثم قيذور ثم إبربيل ثم مشغور ثم مسهور ثم مشموط ثم رومر ثم اهزار ثم تيمور ثم نسطور ثم نوقش ثم قديمونيا".
وهذا أيضا من أكذوباتهم، فإنه ليس في التوراة التي عند القرائين علماء اليهود -كنى بهم عن علماء الرافضة منهم- ولا في التوراة التي عند النصارى، ولا في التوراة المنقولة من العبرانية إلى العربية. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ينكرون ذلك. وذكر بعض علماء الرافضة أنه سمع ذلك عن بعض علماء أهل الكتاب، فإن صح ذلك فلا يوثق به، فإنهم لا يزالون يبذلون جهدهم في تشتت كلمة أهل الإسلام وتفريق جماعتهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم. ومن ينكر نبوة الخاتم كيف يعترف بذلك ويتفوه بما يفحمه عند الخصام، فهل هذا إلا من كذبات أحد الفريقين، أهل الكتاب أو الرافضة، وليس في الكلام ما ينص أو يشير إلى أن أوصيائه من أهل بيته، مع أنه لا يدل على المدعى كما لا يخفى على أولي النهى.
الثالثة والعشرون: إن عصبة من علمائهم أظهروا أنهم من محدثي أهل السنة، بعد انتحال علم الحديث وسماعه من ثقاتهم وحفظ أسانيدهم، وملازمة التقوى والورع ليستيقن الطالب أنه منهم، فيأخذ عنه الحديث وهو يروي الأحاديث الصحاح والحسان، وقد يروي بإسناد صحيح ما وضعه من خبر يوافق مذهبه مثل جابر الجعفي، وقد انخدع بعض الثقات من
المحدثين فروى أخبارا لم يتفرد هو بها كالترمذي وأبو داود والنسائي. ومثل أبي القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي، فإنه كما ذكر الشيخ النجاشي: شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها. وقد قيض الله تعالى لها رجالا ميزوها وعرفوها لظهور آثار الوضع عليها من غرابتها ومخالفتها لصحيح الأخبار.
الرابعة والعشرون: إنهم وضعوا أخبارا زعموا أنها مأثورة عن أهل البيت في مثالب الصحابة، مثل أنهم نبذوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أهل ببته وراء ظهورهم وارتدوا عن دينه، وأن أهل البيت مظلومون ظلمهم الخلفاء ومن بعدهم وغصبوا حقهم، وأن غاصبهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن محبيهم معهم في النار، وأن محبي أهل البيت وشيعتهم مع النبي وآله في مقعد صدق
عند مليك مقتدر. فينخدع بها من ران على قلبه ما كان يعمل، فعمي عن سواء السبيل وضل، وسيجيء إن شاء الله تعالى إبطال ذلك.
الخامسة والعشرون: إنهم يضعون أخبارا تؤيد مذهبهم، مثل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"إن أولي العزم من الرسل كانوا يتمنون أن يكونوا من شيعة علي".
السادسة والعشرون: إنهم ينقلون أخبارا عن بعض كتب أهل السنة، مما رواه بعض محدثيها عن رجل يشاركه فيه غيره، في اسمه أو لقبه أو كنيته أحدهما صدوق والآخر كذاب، وترك ما يميز به أحدهما عن الآخر ليعلم أنه صحيح، كالسدي فإنه مشترك بين رجلين: أحدهما الكبير والآخر الصغير، والأول ثقة والآخر كذاب وضاع رافضي، فينخدع بذلك بعض من ليس له رسوخ في العلم.
السابعة والعشرون: إنهم يفسرون بعض آيات القرآن وكلماته بما يوافق مذهبهم، وعزوا ذلك التفسير إلى أئمة أهل البيت افتراء عليهم، كتفسير الرب بعلي والمؤمن بشيعته، والكافر بأهل الحق، والمنافق بكبار الصحابة، وغير ذلك.
الثامنة والعشرون: إنهم ينقلون ما يدل على مطاعن الصحابة وما يستدل به على بطلان مذهب غير الرافضة عن كتاب يعزون تأليفه إلى بعض كبراء أهل السنة، وذلك الكتاب لا يوجد تحت أديم السماء.
التاسعة والعشرون: إنهم ينقلون أخبارا دالة على مطاعن الصحابة عن كتب عزيزة الوجود لأهل السنة، ليس في تلك الكتب منها أثر، وبفرض أنها موجودة فبمخالفتها للأحاديث الصحاح لا يعتد بها. والأردبيلي أكثر ما ينقل في كشف الغمة من هذا القبيل، وكذا الحلي في
الألفين وابن طاووس وغيرهم.
الثلاثون: إنهم يقولون إن أهل السنة يبغضون أهل البيت.
وهذا من مفترياتهم الواضحة وأكاذيبهم الفاضحة، فإن أهل السنة أجمعوا على أن محبة ذوي القربى واجبة على كل مسلم مسلمة، ورووا في فضائلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما رووا، حتى إن صلاتهم لا تتم إلا بالصلاة عليهم رضي الله تعالى عنهم.
الحادية والثلاثون: إنهم يقولون إن عمر بن الخطاب حرق بيتا فيه سيدة النساء والحسن والحسنين وسادات بني هاشم، ورضي بذلك أبو بكر والصحابة، وأنه ضرب بمقدم سيفه بطن الزهراء حتى أسقطت ولدا كان في بطنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة.
وهذا أيضا من أقبح مفترياتهم وكذبهم، بل فيه طعن بأهل البيت ورميهم بالجبن، إذ أقل العرب تأبى غيرته ذلك، فكيف بأبي الحسنين كرم الله تعالى وجهه وصناديد بني هاشم يسكتون عن مثل ذلك؟ ولكن الرافضة قاتلهم الله تعالى لما عدلوا عن سواء
السبيل عادوا يخبطون خبط عشواء.
الثانية والثلاثون: إنهم يستدلون على أن مذهب الشيعة أحق بالاتباع بأنهم يتبعون أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ويتمسكون بهديهم، وغيرهم لا يتبعون، فالشيعة هم الناجون، وباقي الفرق هالكون، وخبر السفينة المتفق عليه ينص على ذلك.
وهذا أيضا كذب وزور ودون إثباته خرط القتال. بل الأحق باتباع أهل البيت هم أهل السنة، فإن فقهاءهم أخذوا الفقه عنهم كما سيجيء إن شاء الله تعالى، والشيعة يقتدون بالكذابين الذين يفترون عليهم الكذب، كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
الثالثة والثلاثون: إنهم يذكرون حكايات مكذوبة. من ذلك ما يحكون أن جارية سوداء حضرت مجلس الرشيد، وأخذت تكلمه في المذاهب وتذكر فضائح كل مذهب ومطاعن أهله، وتمدح مذهب الشيعة وأهله وتثبت أحقيته بالدلائل القاطعة من غير اكتراث بأحد، وكان مجلس الرشيد غاصا بالعلماء، فلم يقدر أحد منهم على إفحامها ولم يتمكن من إبطال دلائلها، فاستحضر الرشيد فحول علماء البلد، فحضر جم غفير منهم أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة ونظراؤه، فناظرتهم جميعا فأفحمتهم.
فيا للعجب من هؤلاء الذين افتروا على الله الكذب كيف يسوغ لهم ذكر مثل هذه
الحكاية التي لا يخفى كذبها حتى على الصبيان، ولا بدع في ذلك فإنهم كلهم أبناء متعة وأولاد زنا، فلا يأنفون من عار ولا يستحون من فعل كل قبيح، بحكم:«إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
الرابعة والثلاثون: إنهم يؤلفون بعض الكتب في إبطال مذهب أهل الحق وإثبات مذهب الرافضة وينسبونه إلى امرأة قليلة الممارسة بالعلوم ويشيعون أن علماء الفرق المخالفة عجزوا عن رده وإبطاله، وكتاب الحسنية الذي ألفه المرتضى وعزاه إلى جارية من جواري أهل البيت من هذا القبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الخامسة والثلاثون: إنهم يؤلفون بعض الكتب في إبطال مذهب أهل السنة وإثبات مذهبهم ويعزونه إلى بعض أهل الذمة. ومن ذلك الكتاب المعزى إلى يوحنا بن إسرائيل الذمي، وهو رجل مجهول لا يعرف، والكتاب قد ألفه المرتضى وعزاه إلى الذمي وذكر في مفتتحه سبب تأليفه: "أنه لما نور الله تعالى قلبه بنور العقل تسارع إلى طلب ما هو الحق من الأديان حتى ظهر له بعد برهة من الزمان أن الحق مذهب الإسلام، لكنه رأى في أهله اختلافا كثيرا، فإنهم افترقوا فرقا كل فرقة تدعي أنها على الحق، وأن مخالفيها على الباطل، فجمع كتب كل فرقة وكتب مخالفيهم من الفرق الأخرى، وأمعن النظر فيما فيها من النفي والإثبات، فظهر له أن الحق مذهب الإمامية، فلما تبين له الرشد من الغي طفق يدور في مجامع العلماء حتى ساقه القضاء يوما إلى أعظم مدارس البلد وقد اجتمع فيه عظماء العلماء من سائر الفرق فجاءهم وقال لهم: يا جهابذة الحل والعقد إنه رجل نصراني كان يفتش عن الحق
منذ عرف اليمين من الشمال حتى ظهر له بالدلائل القاطعة أن الحق دين الإسلام، لكن رأى فيه اختلافا، وقال: إني أطلب الحق فمنّوا علي واهدوني، فنهض كل إمام من الفرق الأربعة يدعي أن مذهبه حق ومذهب مخالفيه باطل، فتنازعوا وتشاجروا وكثر الشغب وكاد أن تقوم الحرب بينهم على ساق فقال لهم لا تنازعوا واسمعوا مني ما ظهر من الحق لي فتركوا المشاجرة وقالوا هات ما عندك، فقال الحق من المذاهب الإسلامية هو الذي رفضتموه ورميتم أهله بالرفض - وذكر لهم مما سنح له من البراهين في إثبات مذهب الشيعة وإبطال غيره من المذاهب، فما فاه بكلمة واحدة أحد من العلماء، قال: ثم حررت ما جرى بيني وبينهم من البراهين في إثبات الحق وإبطال الباطل رجاء نيل الثواب يوم الحساب وأن يهدي به إلى الحق من أخطأ طريق الصواب".
هذا وايم الله تعالى إن هذه عصبية ظاهرة من المرتضى وخدعة منه لا تخفى على أولي النهى، وإن كثرة الاختلاف هي في مذهب الرافضة، فإنهم اختلفوا في الأصول اختلافا كثيرا، حتى افترقوا إلى نيف وخمسين فرقة كما سلف، واختلفت كل فرقة منهم في الفروع اختلافا لا يحيط به الإحصاء. وأما أهل السنة فكانوا فرقة واحدة في الأصول، لم يكن بينهم اختلاف في أمهات المسائل الأصولية، ثم افترقوا بعد حين طويل فرقتين وما اختلفوا إلا في المسائل اليسيرة، وافترقوا في الفروع إلى أربع فرق واختلفوا في نيف وثلاثمائة مسألة من المسائل الاجتهادية. وقد اختلفت الإمامية في الفروع في أكثر من ألف مسألة مع وجود النص في أكثرها كطهارة الخمر ونجاستها، فإن كان في هذا الاختلاف مطعن فالكل مشتركون فيه، بل
هم أحق بها، وإن لم يكن فالقول السابق إنما نشا عن محض الجهل والغي، وأما الدلائل التي ذكرها الرجل في ذلك الكتاب فهي أوهن من بيت العنكبوت، وقد أبطلها علماء أهل السنة في كتبهم المؤلفة في هذا الباب، والله الهادي إلى سبيل الصواب. وقد ألف المرتضى كتبا أخرى مثل هذا الكتاب السابق ذكره مشحونة بالكذب والافتراء، وما ذاك إلا لشدة تعصبه وعناده على الباطل، عامله الله تعالى بعدله، ومع ذلك فقد لقبه أصحابه بعلم الهدى، وما دروا أنه علم الضلالة والردى، نسأل الله تعالى العصمة من الزلل، والتوفيق في القول والعمل.
السادسة والثلاثون: إنهم يبطلون مذاهب أهل السنة بأخذها سرا بضرب من الحيل، كما أن رجلا من علمائهم الذين هم شياطين الأنس أظهر للناس أنه على مذهب بعض الفقهاء الأربعة كالشافعي مثلا، وألف كتابا في الفقه على مذهب ذلك الإمام وذكر فيه مطاعن المذهب صريحا، وأورد فيه ما يدل على بطلان مذهب الإمام الشافعي دلالة وإشارة، كأن يذكر مسألة ويستدل عليها بالقياسات التي ينكرها غيره من الفقهاء والمجتهدين مثل قياس الطرد، وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مطرد، وقياس الشبهة، وهو أن يكون بين الأصل والفرع مشابهة صورة في الأحكام الشرعية، وقياس المناسب، وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مناسب؛ فإن العلماء اختلفوا في كون هذه القياسات حجة.
والمتفق عليه هو القياس المؤثر، وهو أن يكون بين الأصل الفرع معنى مشترك. وأنكر أبو حنيفة كون القياسات المذكورة حجة إلا القياس المؤثر. وقال الشافعي كلها حجة. ويستعمل قياس الطرد كثيرا كقياس المطعومات بالممصوصات للمشابهة بينهما في الطعم، وإن لم يكن الطعم مؤثرا في الزيادة بالمقدار كالكيل والوزن، وكتحمل العاقلة قليل الجناية لمشابهتها للكثيرة، وقياس الخل بالدهن في عدم إزالة النجاسة لتشابهمها في الصورة، ثم يذكر الحديث الذي يخالف القياس ويجيب عنه بأنه متروك بالقياس، وقد طعن في غير موضع من الكتاب على من ترك العمل بالحديث لأجل القياس. وهذه المكيدة ينخدع بها من ليس له قدم راسخة في العلم.
السابعة والثلاثون: إنهم يعزون بعض الكتب من مؤلفاتهم إلى بعض الأئمة من أهل السنة، وهو مشحون بالهذيانات والطعن على أهل الحق، كالمختصر الذي ألفه بعض هؤلاء الضلال وعزاه إلى مالك بن أنس أحد المجتهدين الأربعة، ومما ذكر فيه أنه يجوز للمالكي أن يلوط مع مملوكه لعموم قوله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فإن من طالع ذلك الكتاب من القاصرين ربما اغتر به.
قال المؤلف (عليه الرحمة): وإني سمعت بعض من يدعي العلم من أهل أصفهان يعزو تلك المسألة إلى أبي حنيفة، مع أن ذلك كذب مفترى بين ظاهر لا يخفى على أولي النهى. ألا لعنة الله على الكاذبين.
الثامنة والثلاثون: إنهم يدسون في كتب أهل السنة من التفاسير والأحاديث وغيرهما ما يقدح في الصحابة ويؤيد مذهب مخالفيهم من الرافضة حتى يغتر بها من يراها.
ولم يفدهم ذلك شيئا، لأن ما يدسون به إن كان من الكتب الصحيحة الشهيرة فلا يخفى على أحد ذلك، وإن لم تكن كذلك فلا اعتداد بها.
التاسعة والثلاثون: إنهم يخونون في النقل، فإن جمعا من علماء فرقتهم الضالة قد ألفوا كتبا ونقلوا فيها من كتب أهل السنة ما يوافق مذهبهم ويخالف مذاهب أهل السنة، فيستدلون به على مدعاهم، وليس في الكتب المنقول عنها أثر. ومقصودهم من ذلك إيقاع القاصرين في وهدة الضلال، وأكثر ما أورده الأردبيلي في كتابه كشف الغمة من هذا القبيل، وكذا ما نقله ابن المطهر الحلي في كتابه الألفين ونهج الحق ومنهاج الكرامة.
الأربعون: إنهم يؤلفون كتبا في فضائل الخلفاء الأربعة، ويذكرون ما ورد فيها من كتب أحاديث أهل السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء وإيراد بعض أخبار موضوعة في فضائل أمير المؤمنين مما يقدح في الخلفاء الثلاثة وينص على أن الإمام الحق بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه. فإذا رآه الغبي حسبه حقا، حيث يعتقد أن ذلك مذهب أهل السنة لما في ذلك الكتاب من فضائل الخلفاء ما فيه. ومثل هذه الكتب كثيرة، والله العاصم من مكر الشياطين.
الحادية والأربعون: إنهم ينقلون مسائل مفتراة على أئمة أهل السنة في كتبهم وهم براء منها، وذلك مثل جواز اللواطة مع المملوك ودخول الرجل أمه بعد أن يلف قضيبه بخرقة، فإن الأولى نسبوها إلى مالك بن أنس والثانية إلى أبي حنيفة. وقد أورد مثل هذه المسألة المفتراة على أهل السنة المرتضى وابن المطهر الحلي وابن طاووس.
أقول: وقد رأيت في كتب ابن المطهر الحلي الذي رده شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية (عليه الرحمة) أنه قال: "ذهب بعض أهل السنة إلى أن الله تعالى ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكبا على حمار، حتى أن بعضهم ببغداد وضع على سطح داره معلفا في كل ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا، لتجويز أن الله تعالى ينزل على حماره على ذلك السطح فيشتغل الحمار بالأكل ويشتغل الرب تعالى بالنداء: هل من تائب، هل من مستغفر؟ "، تعالى الله عن مثل هذه العقائد المروية في حقه تعالى علوا كبيرا.
قال: "وحكي عن بعض المنقطعين المباركين من شيوخ الحشوية أنه اجتاز عليه في بعض الأيام [نفاط] ومعه أمرد حسن الصورة قطط الشعر على الصفات التي يصفون ربهم بها، فألح الشيخ بالنظر إليه وكرره وأكثر تصويبه إليه، فتوهم النفاط، فجاء ليلا، وقال: يا أيها الشيخ رأيتك تلح النظر إلى هذا الغلام وقد أتيتك، فإن كان لك
فيه نية، فأنت الحكم فيه، فرد الشيخ عليه وقال: إنما كررت النظر إليه لأن مذهبي أن الله تعالى ينزل على صورته فتوهمت أنه الله، فقال له النفاط: ما أنا عليه من النفاطة أجود مما أنت عليه من الزهد مع هذه المقالة". انتهى ما هو المقصود من كلامه.
فانظر بالله تعالى عليك هل يتصور ممن يعلم أنه سيقف بين يدي الله تعالى أن يفتري بمثل هذا الافتراء عل أهل السنة مع أن كتبهم لو فرشت على البسيطة لغطتها، ولكن الحلي خبيث النفس بلا شك ولا شبهة، فلذا لم يستح بنقل مثل هذا الافتراء ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد أحسن شيخ الإسلام قدس سره في الرد عليه فقال:"هذه الحكاية وأمثالها أمر دائر بين أمرين، إما أن يكون كذبا محضا ممن افتراها عل أهل بغداد وبعض الشيوخ، وإما أن يكون قد وقعت لجاهل مغمور ليس بصاحب قول ولا مذهب، وأدنى العامة أعقل منه وأوفق. وعلى التقديرين فلا يضر ذلك أهل السنة شيئا، لأنه من المعلوم لكل ذي علم إنه ليس من العلماء المعروفين بالسنة من يقول مثل هذا الهذيان الذي لا يخفى بطلانه على صبي من الصبيان، ومن المعلوم أن العجائب المحكية عن شيوخ الرافضة أكثر وأعظم من هذا، مع أنها صحيحة واقعة. ومما يبين كذب ذلك أن هذا الحديث الذي ذكره كذب ولم يذكره أحد بل لا يوجد شيء في الآثار من مثل هذا الهذيان، بل ولا في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى ينزل إلى الأرض". وكل حديث روي فيه مثل هذا فإنه موضوع كذب مثل حديث الجمل الأزرق وأنه ينزل عشية عرفة فيعانق الركبان ويصافح المشاة، وحديث آخر أنه رأى ربه في الطواف، وحديث آخر أنه رأى ربه ببطحاء مكة، وأمثال ذلك.
وأما النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث اختلف في إسناده. ثم جمهور أهل السنة يقولون إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، فهم متفقون على أنه ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل ولا تمثل صفاته بصفات خلقه. وقد تنازعوا في النزول هل هو [صفة] فعل منفصل عن الرب سبحانه في المخلوقات أو فعل يقوم به على قولين معروفين لأهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والتصوف.
وكذلك تنازعوا في الاستواء على العرش هل هو فعل منفصل عنه يفعله في العرش كتقريبه إليه أو فعل يقوم بذاته على قولين:
فالأول قول ابن كلاب والأشعري والقاضي أبي يعلى وأبي الحسن التميمي وأهل بيته وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وابن الزاغوني وابن عقيل وغيرهم ممن يقول إنه لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته. والثاني: قول أئمة الحديث وجمهورهم كابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي
والبخاري وحرب الكرماني وابن خزيمة ويحيى بن عمار السجستاني وعثمان بن سعيد الدارمي وابن حامد وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن مندة وأبي إسماعيل الأنصاري وغيرهم. وليس هذا موضع سعة الكلام في هذه المسائل". انتهى كلامه الذي هو كالدر المكنون والجوهر المصون (عليه الرحمة) والرضوان.
الثانية والأربعون: إنهم يلحقون بعض الأبيات بأشعار كبار أهل السنة وأئمتهم مما ينص على صحة
اعتقادهم وبطلان عقيدة مخالفيهم من أهل السنة. من ذلك ثلاثة أبيات ألحقها بعضهم بشعر الشافعي في حب أهل البيت، أما الأبيات التي أنشأها الشافعي فهي:
يا راكبا قف بالمركب من منى
…
واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى
…
فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حب آل محمد
…
فليشهدالثقلان أني رافضي
وأما الأبيات التي ألحقت بهذه الأبيات فهي:
قف ثم ناد بأنني لمحمد
…
ووصيه وبنيه لست بباغض
وأخبرهم أني من النفر الذي
…
لولا أهل البيت ليس بناقض
وقل ابن إدريس بتقديم الذي
…
قدمتموه على علي ما رضي
فإنه إذا سمعها من لا يفرق بين غث الكلام وسمينه اغتر بها وصدته عن سواء السبيل. ومن له أدنى حظ من البلاغة يعلم أن هذه الأبيات ليست من شعر الشافعي، وأين الثرى من الثريا.
الثالثة والأربعون: إنهم ينظمون أبياتا على لسان أئمة أهل السنة تشعر بصحة اعتقاد الرافضة، ومن ذلك ما يعزونه إلى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو:
شفيعي نبي والبتول وحيدر
…
وسبطاه والسجاد والباقر المجدي
وجعفر والثاوي ببغداد والرضا
…
وفلذته والعسكريان والمهدي
ومن ذلك أيضا:
في جنة واقية من البلا
…
وجنة باقية بعد البلى
بطوس والكرخ وسر من رأى
…
وطيبة وكوفة وكربلا
وكذب ذلك ظاهر لا يخفى على من له أدنى روية وفهم، فإن الشافعي مات قبل العسكريين، ولم يشهد وفاة الجواد المدفون بالكرخ، فإن علي بن محمد النقي ولد سنة أربع عشرة ومائتين، ومات والده محمد بن علي الجواد سنة عشرين ومائتين، ومات الشافعي سنة أربع ومائتين في خلافة المأمون. وسر من رأى بلدة قريبة من بغداد، وتسمى سامراء، قد بناها المعتصم، ولم يدرك الشافعي خلافة المعتصم. ولم يذكر ذلك في كتبه ولا رواه عنه أصحابه ولا غيرهم، كما ذكر خلافة المهدي وظهوره واقتداء عيسى بن مريم عليه السلام به في الصلاة، فهل هذا إلا افتراء بلا مراء. نعم ذكر هو وغيره من فقهاء أهل السنة ومحدثيهم فضائل من أدركوا من أهل البيت ورووا عنهم الحديث، وسموا سند الحديث المروي عنهم سلسلة الذهب.
الرابعة والأربعون: إنهم يقولون قد أخبر بحقية مذاهب الشيعة العرب الموحدون في عهد الجاهلية،
الذين أخبروا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما رواه غير واحد منهم: "أن الجارود بن المنذر العبدي كان نصرانيا فأسلم يوم الحديبية وأنشد في رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
أنبأنا الأولون باسمك فينا
…
وبأسماء الأوصياء الكرام
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ فقال الجارود: كلنا يا رسول الله نعرفه غير أني من بينهم عارف بخبره وأقف على أثره، فقال سلمان: أخبرنا، فقال: يا رسول الله، لقد شهدت قسا وقد خرج من ناد من أندية إياد إلى ضحضح ذي قتاد وسمر وغياد، فدنوت منه فسمعته يقول: اللهم رب السموات الأرفعة والأرضين الممرعة، بحق محمد والثلاثة المحاميد معه والعليين الأربعة وفاطمة والحسنين الأبرعة وجعفر وموسى التبعة سمي الكلم الضرعة، أولئك النقباء الشفعة والطرق المعيهة ورثة الأناجيل ونفاة الأباطيل والصادقو القيل عدد النقباء من بني إسرائيل، فهم أول البداية وعليهم تقوم الساعة
وبهم تنال الشفاعة ولهم من الله فرض الطاعة، اسقنا غيثا مغيثا، ثم قال: ليتني مدركهم ولو بعد لأي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول:
أقسم قس قسما ليس به مكتتما
…
لو عاش ألفي سنة لم يلق منهم سئما
حتى يلاقي أحمد والنجباء الحكما
…
هم أوصياء أحمد أفضل من تحت السما
يعمي الأنام عنهم وهم ضياء للعمى
…
لست بناس ذكرهم حتى أحل الرجما
قال الجارود: فقلت: يا رسول الله أنبئني بخبر هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إلي أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ فقلت: علام بعثوا؟ قال: بعثتهم على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم عرفني الله تعالى بهم وبأسمائهم، ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارود أسماءهم واحدا بعد واحد إلى المهدي، ثم قال: قال لي الرب هؤلاء أوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي يعني المهدي". انتهى.
ولا يخفى كذب هذا الخبر، وأمارات الوضع لائحة عليه، فإن هذا الكلام المنقول عن قس بمعزل عن البلاغة كما هو ظاهر لمن له حظ من فن المعني والبيان، وإنما المروي عن جارود أنه لما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول". والصحيح من رواية قس بن ساعدة الإيادي ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن وفد بكر بن وائل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغوا من حوائجهم قال: هل فيكم أحد يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا:
كلنا نعرفه، قال: ما فعل؟ قالوا: هلك، فقال صلى الله عليه وسلم: كأني به على جمل أحمر بعكاظ قائما يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع وسقف مرفوع وبحار لا تغور وتجارة لن تبور، ليل داج وسماء ذات أبراج، وأقسم قس قسما لئن كان في الأرض رضى ليكونن بعده سخط، وأن لله عزت قدرته دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ ثم أنشد أبو بكر شعرا وهو:
في الذاهبين الأولين
…
من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا
…
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
…
تسعى الأكابر والأصاغر
وفي بعض الروايات:
لا يرجع الماضي إلي
…
ولا من الباقين عابر
أيقنت أني لا محالة
…
حيث صار القوم صائر
فكم من فرق بين العبارتين؟ وكم من شواهد تشهد بصدق ثانية القصتين؟ والبيان يطول، والبنان ملول. ولو صح ما رواه الرافضة من ولاية علي والأئمة من ولده وتعيينهم بأسمائهم لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك غيره واستفاض عنه، كما أخبر عن المهدي وصفاته غير مرة، وتواتر عنه غير ذلك، ولأخبر به من آمن من
النصارى واليهود وسمع عنه صلى الله عليه وسلم، وأخبر من العرب من سمع من الأولين، ولا سيما من كان من شيعة علي من الصحابة والتابعين، ولرواه عنهم وعن أهل البيت سائر فرق الشيعة، ولم يقع اختلاف في مسألة الإمامة، ولم تتنازع الأمامية في عددهم وتشخيصهم. وذلك أظهر من فلق الصباح. ويدل أيضا أن ما رووه اختلاق وكذب أن الأئمة بزعمهم لم يتمكنوا مدة عمرهم من نفي الباطل وأنهم لم يصدقوا قط في كلام، وأنهم حاشاهم لم يزالوا في إثبات الباطل وتقريره، وأنهم يكذبون تقية كل ذلك بزعمهم الكاسد واعتقادهم الفاسد. ونعوذ بالله تعالى من سوء الاعتقاد على البررة الأمجاد.
الخامسة والاربعون: إنهم يفترون على الله تعالى وعلى رسوله حيث يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تسأل شيعة علي عن ذنب، وإن سيئاتهم تبدل بالحسنات، وإنه صلى الله عليه وسلم كان يروي عن ربه جل شانه أنه قال:"لا أعذب من والى عليا وإن عصاني".
وهذا في البطلان أظهر لأولي الأبصار من الشمس في رابعة النهار، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} ، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقال:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} إلى غير ذلك من الآيات والآثار الصحيحة الروايات.
السادسة والأربعون: إنهم يقولون إن ما ورد في إمامة علي وفضائله من الأخبار متفق عليه بين الفريقين،
وما ورد في إمامة غيره من الخلفاء وفضائلهم مختلف فيه، والمختلف فيه يجب أن يترك للمتفق عليه فإنه أبعد عن الريب.
وهذا الكلام من الرافضة مناقض لما ذهبوا إليه من أن الحق من الأخبار المتعارضة ما خالف أهل السنة. فتبا لهم من فئة يقولون ما لا يفعلون. ويا سبحان الله إنهم قد شابهوا اليهود والنصارى حتى في أقوالهم وخيالاتهم الباطلة، فإن هذا القول كثيرا ما يحتج به أهل الكتابين من اليهود والنصارى على حقية مذهبهم، فيلزم على هذا أنهم على الحق ولا قائل به من الفريقين. سبحانك هذا بهتان عظيم وضلال وخيم:
لأهل الرفض تبا ثم سحقا
…
لقد فازوا بما فاه الحيارى
تراهم هائمين بكل واد
…
كأنهم اليهود والنصارى
السابعة والأربعون: إنهم يقولون إن مذهب الشيعة أحق بالاتباع لأنهم جازمون بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، وإن أهل السنة ليسوا بجازمين بل شاكون في أمرهم، والجازم أحق بالاتباع.
وهذا كذب وافتراء من الرافضة، لأن أهل السنة لا يرتابون في أن من مات على الإسلام دخل الجنة، لكن لما كانت العاقبة مجهولة والخاتمة مستورة لم يجزموا، فإن الجزم أمنٌ من مكر الله:{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} . ويؤيد ما ذكرنا بل يعينه ما ذكر في التفسير المنسوب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري المعتبر عند الشيعة. وليس كل جازم أحق بالاتباع، فإن اليهود والنصارى مثلا يجزمون بنجاتهم وليسوا بناجين بالاتفاق. وأيضا فرق الشيعة كلهم يجزمون بنجاتهم، وبلا شك أن منهم من هو على ضلالة من غير نكير.
الثامنة والأريعون: إن بعض علمائهم يظهرون للناس أنهم على مذهب أهل السنة وأنه يقلد أحد المذاهب الأربعة ويتولى بعض وظائفهم، فإذا حان حينه وقرب موته أظهر أن الحق هو مذهب الرافضة وأن عقيدته عقيدتهم وأوصى أن يتولى غسله وتكفينه ودفنه بعض علماء الرافضة. قال ابن المطهر الحلي في كتاب منهج الكرامة:"كان [أكبر] مدرسي الشافعية في زماننا حيث توفي أوصى بأن يتولى أمره وغسله وتجهيزه بعض المؤمنين وأن يدفن في مشهد الكاظم".
وهذه مكيدة عظيمة، فإنه إذا رأى ذلك منه تلامذته وأحباؤه وسمع من غيرهم من سفهاء الأحلام استيقنوا أن مذهب الشيعة حق، وإلا لما ذهب إليه مثل ذلك العالم الفقيه وترك مذهبه، فيزيغون عن الحق ويعدلون عن سواء الطريق. وما دروا أن ذلك ذئب تقمص ثوب شاة وشيطان ظهر للناس في زي الهداة.
التاسعة والأربعون: إنهم يقولون إن كثيرا من كبار علماء أهل السنة ومشايخهم كانوا على مذهب الإمامية. وقد ألف بعض الدجالة منهم المفترين على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كتابا في وفيات الأعيان من العلماء ومشايخ الطريقة، كالشيخ أبي يزيد البسطامي والشيخ معروف الكرخي والشيخ شقيق البلخي وسهل بن عبد الله
التستري وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وأورد فيه ذكر أحوال كل منهم ما يدل على أنهم من تلك الفرقة الضالة من الأقوال والأفعال بعد ذكر شيء من مناقبهم وكراماتهم. ومن هذا القبيل كتاب المجالس الذي ألفه بعض علماء الشيعة من أهل تستر، وقد اعترف أكثر علمائهم بأن فيه كثيرا من الأكاذيب، فمن تصفحه من القاصرين عن إدراك اليقين ظن أن ما فيه بلا شك ولا تمويه، فيهوي إذ ذاك في مهاوي الردى ويميل عن سواء السبيل والهدى. فالحذر الحذر من مثل هذا الكتاب الذي اشتمل ولو على كلمة مما يخالف أهل الحق والصواب.
الخمسون: إنهم يفترون على بعض أئمة أهل البيت الطاهرين ما لا يقبله ذو عقل، فضلا عن عباد الله المخلصين. من ذلك ما روى سهل بن [ذبيان] أنه قال: "دخلت على مولاي الرضا عليه السلام لأمر عرض لي في بعض الأيام، وذلك قبل أن يدخل عليه أحد من شيعته فقال: مرحبا بابن [ذبيان]، الساعة أراد رسولنا أن يأتيك [لتحضر] وهو ينكت الأرض بسبابته، فقلت: لماذا يا ابن رسول الله؟ فقال: منام أزعجني وأقلقني وأرقني، فقلت: ما هذا المنام؟ فقال: رأيت كأني نصب لي سلم فيه مائة مرقاة فصعدت إلى أعلاه، فقلت: أهنئك بطول العمر تعيش مائة سنة يا سيدي، قال: وكأني دخلت إلى قبة خضراء بعد ذلك يبين من باطنها ظاهرها، ومن
ظاهرها باطنها، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يمينه غلام حسن الوجه على ركبيته شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فيقال سلم على أبويك الحسن والحسين، فسلمت عليهما، ثم قال: سلم على أمك فاطمة الزهراء، فسلمت عليها ثم قال: سلم على شاعرنا وصاحبنا ونديمنا في الدنيا والآخرة إسماعيل بن محمد الحميري، فسلمت عليه، ثم قال الشيخ: عد بي إلى ما كنا فيه فأنشد يقول:
لأم عمرو باللوى مربع
…
طامسة أضلاعه بلقع
إلى قوله:
قالوا له لو شئت أعلمتنا
…
إلى من الغاية والمفزع
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقصر يا إسماعيل، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي إنك الشاهد عليهم أني قد أعلمتهم من الغاية والمفزع إليه، وأومأ بيده إلى أمير المؤمنين، ثم التفت إلي وقال: يا علي احفظ هذه القصيدة، ومر شيعتنا بحفظها، فمن حفظها [وأدمن قراءتها]، ضمنت له على الله تعالى الجنة. قال الرضا: فلم يزل جدي يكررها علي حتى حفظتها. والقصيدة هي:
لأم عمرو باللوى مربع
…
طامسة أعلامه بلقع
لما وقفت العيس في رسمها
…
والعين من عرفانه تدمع
ذكرت من كنت ألهو به
…
فبت والقلب شجن موجع
كأن بالنار لما شفني
…
من حب أروى كبدي تلذع
قالوا له لو شئت أعلمتنا
…
إلى من الغاية والمفزع
إذا توفيت وفرقتنا
…
وفيهم في الملك من يطمع
فقال لو أعلمتكم مفزعا
…
كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا
صنيع أهل العجل إذ فارقوا
…
هارون فالترك له أورع
وفي الذي قال بيان لمن
…
كان إذا يعقل أو يسمع
ثم أتته بعد ذا عزمة
…
من ربه ليس لها مدفع
أبلغ وإلا لم تكن مبلغا
…
والله منهم عاصم يمنع
فعندها قام النبي الذي
…
كان بما يأمره يصدع
يخطب مأمورا وفي كفه
…
كف علي نورها يلمع
رافعها أكرم بكف الذي
…
يرفع والكف التي ترفع
من كنت مولاه فهذا له
…
مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا
وضل قوم غاظهم قوله
…
كأنما آنافهم تجدع
حتى إذا واروه في قبره
…
وانصرفوا من دفنه ضيعوا
ما قال بالأمس وأوصى به
…
واشتروا الضر بما ينفع
وقطعوا أرحامه بعده
…
فسوف يجزون بما قطعوا
وأزمعوا مكرا بمولاهم
…
تبا لما كانوا به أزمعوا
لا هم عليه يردوا حوضه
…
غدا ولا هو فيهم يشفع
حوض له ما بين صنعا الى
…
أيلة أرض الشام أو أوسع
ينصب فيه علم للهدى
…
والحوض من ماء له مترع
والعطر والريحان أنواعه
…
زاك وقد هبت به زعزع
ريح من الجنة مأمورة
…
ذاهبة ليس لها مرجع
إذا دنوا منه لكي يشربوا
…
قيل لهم تبا لكم فارجعوا
دونكم فالتمسوا منهلا
…
يرويكم أو مطعما يشبع
هذا لمن والى بني أحمد
…
ولم يكن غيرهم يتبع
فالفوز للشارب من حوضه
…
والويل والذل لمن يمنع
والناس يوم الحشر راياتهم
…
خمس فمنها هالك أربع
فراية العجل وفرعونها
…
وسامري الأمة المشنع
وراية يقدمها حبتر
…
لا برد الله له مضجع
وراية يقدمها نعثل
…
كلب بن كلب فعله مشنع
وراية يقدمها أبكم
…
عبد لئيم لكع أكوع
وراية يقدمها حيدر
…
كأنه البدر إذ يطلع
إمام صدق وله شيعة
…
يرووا من الحوض ولم يمنعوا
بذاك جاء الوحي من ربنا
…
يا شيعة الحق فلا تجزعوا
انتهت هذه الأبيات المشحونة من الهذيانات والخرافات. ولعمري إن هذه القصة لمن أشنع مفترياتهم وأكذب كلماتهم على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وعلى الإمام موسى الرضا رضي الله تعالى عنه. يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لا يحفظ الشعر ولا ينبغي له، وليس في تلك الرؤيا ما يزعج الرأي ويقلقه ويجعله متفكرا. وكان الحميري شاعرا ماجنا لم يصحبه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينادمه ولا طرفة عين في الدنيا. وابن [ذبيان] كان لا يبالي من الفرية والافتراء. هذا والحميري قاتله الله تعالى ينادي في قصيدته هذه بأرفع صوت أنه تعالى ترك الواجب، وهو الأصلح، فإن الأورع هو الأصلح. وما هذى به في قصيدته من الكلمات السوء في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو معتقد جميع الرافضة والفئة الضالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى براءتهم من جميع ما رموهم به.
ولا بدع أن يصدر مثل ذلك عن الرافضة إخوان الشياطين وأعداء رب العالمين، وقد حكى الله سبحانه عن إخوانهم الكفرة ما هو أشد من ذلك، فقال تعالى عن اليهود:
{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ، وعن كفار قريش في النبي صلى الله عليه وسلم:{هَذَا سَاحِرٌ} ، وعن منافقي يثرب:{لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر.
ومما يقضى منه العجب أني رأيت بعض المجاميع المطبوعة في ديار إيران مما يعول عليه عندهم أن قراءة هذه القعدة بكيفية مخصوصة في وقت مخصوص من كل يوم من أجلّ الطاعات وأشرف العبادات، وأنها تزيد في الرزق وتطول العمر، إلى غير ذلك مما ذكروا من الخواص والإسرار. ورووا في ذلك روايات عديدة عن الأئمة الأطهار، سبحانك هذا بهتان عظيم وكفر وخيم، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} . ولعمري عبادة الأوثان والسجود لصنم أو حيوان ليس بأعظم من ذلك ولا أشد مما هنالك، إذ كلا الفريقين يتخذ الكفر عبادة ويفتري على الله الكذب وزيادة. نسأل الله تعالى العصمة من الزلل والتوفيق في القول والعمل.
الحادية والخمسون: إنهم ينسبون إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه أقوالا تؤيد ما هم عليه من الضلال وهو رضي الله تعالى عنه بريء منها. وقد جمع بعض الكبار من علمائهم كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه وخطبه ومواعظه ونصائحه وبدل فيها وغيّر ونقص وزاد، وحرف الكلم عن مواضعه بما يوافق مذهبه، ودس فيها ما ليس منها. من ذلك نهج البلاغة الذي جمعه السيد الرضي، وقيل أخوه المرتضى، والمشهور بين الجمهور هو الأول. وقد أسقط كثيرا من كلام الأمير مما يوافق مذهب أهل السنة ويخالف الرافضة، وزاد مؤلفه فيه ما يوافق مذهبه، وكنى عن العلم بفلان ليشتبه الأمر.
ومن ذلك أيضا كتاب رجب بن محمد البرسي الحلي وغير ذلك. ومن هذا القبيل التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري الذي جمعه ابن بابويه الكذاب، فقد شحنه من المفتريات التي يبرأ منها الإمام رضي الله تعالى عنه. ودعاء القنوت الذي يعزونه إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه، وهو المشهور عندهم بدعاء صنمي قريش، لأنه لقب فيه الشيخين بصنمي قريش وهو:"اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك وقلّبا دينك وحرّفا كتابك". وهذا أيضا افتراء بلا شك ولا افتراء. وكثير من عبارات نهج البلاغة المنسوبة إلى الأمير تكذب ذلك على ما لا يخفى على من راجعها.
الثانية والخمسون: إنهم ينظمون بعض الأبيات في مدح الأمير، وأن الحق مذهب الشيعة، وينسبون ذلك إلى شخص من اليهود أو النصارى. من ذلك ما ينسبونه إلى ابن فضلون اليهودي وهو:
علي أمير المؤمنين عزيمة
…
وما لسواه في الخلافة مطمع
له النسب العالي وإسلامه الذي
…
تقدم وفيه الفضائل أجمع
ولو كنت أهوى ملة غير ملتي
…
لما كنت إلا مسلما أتشيع
ومن ذلك أيضا:
حب علي في الورى جنة
…
فامحِ بها يا رب أوزاري
لو أن ذميا نوى حبه
…
حُصن في النار من النار
إلى غير ذلك.
الثالثة والخمسون: إنهم يكذبون على أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه ويقولون إنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نحن شجرة أنا أصلها وفاطمة فرعها وأنت لقاحها والحسن والحسنين ثمرتها والشيعة ورقتها". وقد نظم ذلك بعض شعرائهم فقال:
يا حبذا سدرة في الأرض نابتة
…
ما مثلها نبتت في الأرض من شجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمة
…
ثم اللقاح علي سيد البشر
والهاشميان سبطاه لها ثمر
…
والشيعة الورق الملتف بالشجر
هذا مقال رسول أدبه جاء به
…
أهل الرواية في عالي من الخبر
إني بحبهم أرجو النجاة بهم
…
والفوز في زمرة من أفضل الزمر
وهذه مكيدة عظيمة، فإن من سمع هذا الخبر من القاصرين اعتقده صحيحا، فإن من يسمع يخل فيرتدي حينئذ برداء الردى ويتقمص الرفض. وهذا الخبر مع أنه لا يصح لا يدل على ما يدعونه، فإن المراد بالشيعة غير الرافضة. روى الدارقطني عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت وشيعتك في الجنة، ألا إن ممن يزعم أنه يحبك أقوام يصغرون بالإسلام ويلفظونه يقرءون القران لا يجاوز تراقيهم له نبز يقال لهم الرافضة، فجاهدهم فإنهم مشركون، قال: يا رسول الله، ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف". وروى عن موسى [بن جعفر بن محمد] بن علي بن الحسين بن علي بن أن طالب رضي الله تعالى عنهم، وكان من كبار أهل البيت، أنه كان يروي عن أبيه عن جده أنه كان يقول:"إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل أعمالنا". ولا يخفى أن الرافضة قد عصوا الله تعالى وعملوا على خلاف ما كان يعمله أهل البيت كما سيحقق ذلك هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الرابعة والخمسون: إنهم يدعون أن لعلي حقا على جبريل. فقد روى كثير من علمائهم: أن جبريل كان
جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دخل عليه علي فقام جبريل وقال له: إن علي حقا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف ذلك؟ فقال: لما خلقني ربي جل جلاله سألني: من أنا ومن أنت وما اسمك؟ فتحيرت في الجواب وبقيت ساكتا، ثم حضر هذا الشاب وعلمني الجواب وقال: أنت الرب الجليل وأنا عبدك الضعيف واسمي جبريل، فلهذا قمت له وعظمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم عمرك يا جبريل؟ قال: نجم يطلع من العرش في كل ثلاثين ألف سنة مرة واحد وقد شاهدته طالعا ثلاثين ألف مرة.
ولا يخفى عليك أن هذه المقالة أيضا من خرافاتهم التي تضحك الثكلى. ومن يضلل الله فلا هادي له.
الخامسة والخمسون: إنهم يقولون إن كل من يموت من المؤمنين والفاجرين يرى أمير المؤمنين، فيمنع النار أن تعرض للمؤمن من شيعته ويسقيه ماء باردا ويترك الفاجر يعذب في النار. وقد نقلوا عنه أبياتا خاطب بها الحارث الهمداني، وهي هذه:
يا جار همدان من يمت يرني
…
من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني لحظة وأعرفه
…
بنعته واسمه ولما فعلا
أقول للنار حين تعرض للعبـ
…
د ذريه لا تقربي الرجلا
ذريه لا تقربيه إن له
…
حبلا بحبل الوصي متصلا
أسقيه من بارد على ظمأ
…
تخاله في الحلاوة العسلا
قول علي لحارث عجب
…
كم أعجوبة له مثلا
ألا لعنة الله على الكاذبين الذين يفترون على عباد الله الصالحين. نسأل الله تعالى العفو والعافية عن مثل هذا الداء العضال والزيغ عن الهدى والضلال بمنه وكرمه.
السادسة والخمسون: إنهم يقولون لا اعتداد بما يرويه أهل السنة من الأحاديث النبوية، لأنهم إنما يروون غالبها عن المنافقين، إذ لم يتميز المخلص من المنافق بعده صلى الله عليه وسلم، والشيعي يروي عن الذين أخلصوا دينهم لله وطهرهم سبحانه تطهيرا.
وهذه مكيدة ربما اغتر بها الجهلاء فيقعوا فيما يقعوا، مع أن من حقق النظر ودقق وجد هذا الكلام ظاهر البطلان، فإن مجتهدي أهل السنة قد أخذوا الشرائع والأحكام عن أهل البيت وغيرهم من الأئمة الكرام، وسيجيء إن شاء كلمته تعالى تحقيق ذلك وإثبات ما هنالك، وأن الذين رووا عن المنافقين هم الرافضة، وسيجيء أن رواتهم إما مجسمة وإما زنادقة وإما منافقون. وأن التمييز بين المنافق والمخلص قد حصل في زمنه عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} . ولأنه لم يكن أحد من المنافقين له علم ليروى عنه، بل إن التابعين إنما أخذوا العلم عن المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم. ولأن غلاة المنافقين قد ماتوا قبل وفاه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بقي منهم بعد ذلك أخلصوا لله تعالى دينهم،
كذا ذكره الرازي في تفسيره وغيره من أساطين العلماء. ولأن أهل السنة ما تركوا العمل بخلاف رواية الجمهور.
السابعة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يعتقدون أن الرجل لا يكون منهم حتى يكون في قلبه بغض [أهل البيت] على قدر بيضة الدجاجة.
وهذه المكيدة لا تروج على أحد ولا يقبلها إلا من كفر وجحد. فإن حب أهل السنة لأهل البيت ظاهر للعيان، وإن لأولئك السادة الأعلام مما لا ينتطح فيه كبشان، كيف لا وكبار أهل السنة إنما أخذوا العلم عنهم وغرفوا درر الفوائد منهم، ولذا أثنوا عليهم بما يضيق حصره نطاق هذا الكتاب. وقد ألفت فيه مؤلفات عديدة اشتملت على فصل الخطاب، وهذه كتب الشمائل والسير مملوءة من مزاياهم ومعطرة بعبير صفاتهم ورياهم، ولكن أهل العدوان لم يزالوا يهذون بالبهتان.
الثامنة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون في كتبهم ما يدل على أن للشياطين سبيل على النبي صلى الله عليه وسلم، كخبر ليلة التعريس.
وهذه مكيدة ينخدع بها من لم يطلع عل كتبهم، والا فكتبهم الصحيحة عندهم مشتملة على هذا الحديث، وقد ذكره الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب بطرق متعددة. ألا قاتل الله أهل الرفض والزور وذوي الخبث والغرور.
التاسعة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يوثقون الحرورية وأعداء أهل البيت ويعدلونهم ويروون عنهم في صلاحهم، حتى إن البخاري أخرج في صحيحه عن ابن ملجم لعنه الله تعالى.
وهذه مكيدة أيضا لا أصل لها عند أهل السنة، وقد افتراها عليهم ابن شهر آشوب الذي هو في الكذب والبهتان كابن بابويه. فإن أهل السنة لا يوثقون من يبغض عليا كرم الله تعالى وجهه. وقد طعنوا على من وثق [حريز] بن عثمان فإنه كان يبغضه. كيف والناصبة عندهم زائغون عن
نهج الهدى كالرافضة، ومن وثق [حريزا] لم يعلم أنه من مبغضي الأمير كرم الله تعالى وجهه. وابن ملجم من أشقى الأمة، بل لا علم له، فكيف يروي عنه مثل البخاري الإمام الجليل؟ وهذه نسخ البخاري بين أيدينا، فمن ادعى ذلك فعليه البيان والله المستعان. نعم روى البخاري عن عمران بن حطان بعض الأحاديث للاستشهاد، وقد ورد في كتب الرجال أجوبة عن ذلك فراجعها تفز بالصواب.
الستون: إنهم يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عليا أن ينطلق إلى بئر من آبار البادية فيدخلها، فإن فيها قبائل من الجن، فيدعوهم إلى الإسلام ويقاتلهم إن أبوا عن الإسلام، فانطلق إليها ودخلها ورآهم ودعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوا فقاتلهم فقتلهم. وقد عدت الرافضة هذه القصة من الخوارق الدالة على إمامة أمير المؤمنين بلا فصل.
وهي كذب وافتراء. وعلى تقدير صحتها لا تعرض لها للإمامة، بل تكون فضيلة من فضائله، وكم له من فضيلة رضي الله تعالى عنه. وقد وقع مثل هذه القصة لغير الأمير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد روي في الصحيح: "أن العزى شجرة سمر بنخلة لغطفان يعبدونها بدعائها لتشفع لهم خاصة، فبعث إليها صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه فقطعها بالفأس وهو يقول: يا عزى كفرانك لا
سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، فخرجت شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها. فلو اقتضى ذلك الإمامة لكان خالد بن الوليد أيضا إماما.
الحادية والستون: إنهم يقولون إن أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم كان من السابقين إلى الإسلام والمهاجرين وشهد المشاهد وبايع عليا وقاتل البغاة معه وكان من الإمامية، كذا ذكره النجاشي وغيره.
وهذه المكيدة كذب صريح وافتراء فضيح، فإن أبا رافع مات قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما ما ذكره أحمد بن علي النجاشي أنه شهد مع علي حروبه وكان صاحب بيت ماله في الكوفة، وكان ابناه عبيد الله وعلي كاتبيه؛ فمن افترائه وكذبه، وكذا ما يرويه من أن لأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا يوافق مذهب الإمامية، فهو أيضا كذب. ولم تزل هذه العادة
عند الرافضة إلى يومنا هذا.
الثانية والستون: إنهم ينسبون إلى بعض أئمة أهل السنة ما لا يمكن صدوره عن الجهلة قصد التنفير عن مذهبه. من ذلك ما روى العياشي بإسناده: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه فضحك، قال أبو عبد الله ما يضحكك؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك، قال: وكيف ذلك؟ قال: الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخ في التراب حتى يأخذ بعنقه، قال أبو عبد الله: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر عمى البصر. انتهى.
ولا يخفى كذب هذه القصة، بل هي مكيدة من شياطينهم، فإن أبا حنيفة أجل من أن يتفوه بمثل ذلك من الظهور بمحل، وكان أبو حنيفة يفتخر بخدمة الصادق وأخذ العلم عنه، وقد أرسل إلى عمه زيد بن علي اثني عشر ألف دينار حين ادعى الإمامة وخرج على هشام، وأفتى أنه أحق بالإمامة منه وحث الناس على مبايعته ونصرته. وكان ممن يميل إلى أهل البيت ويقول سرا وعلانية إنهم أحقاء بالإمامة ولا يخاف أحدا، ولذا سم في السجن. وقال لما سأله منصور الخليفة: ممن أخذت العلم يا نعمان
قال: من أصحاب أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه. وكان يهدي النواصب إلى الحق ويناظرهم ويفحمهم ويدعوهم إلى محبة أهل البيت. روي أنه كان له جار من الجارودية يكفر عليا فهجره ثم جاءه فقال: جئتك لأن رجلا كلمني أن أكلمك أن تزوجه ابنتك ولا بأس به إلا أنه يهودي، فقال: سبحان الله تكلمني أن أزوج ابنتي المسلمة ليهودي كافر، فقال له: ويحك أنت لا ترضى أن تزوج ابنتك ليهودي وتزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّج بنته كافرا، فانكب حيئنذ على قدميه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني. ثم إن القصة التي نسبوها إلى الإمام أبي حنيفة زورا وبهتانا هي التي وقعت بين نجدة الحروري وابن عباس، وذلك أن نجدة قال لابن عباس: إنك تقول إن الهدهد إذا نقر الأرض عرف مساحة ما بينه وبين الماء وهو لا يبصر شعيرة الفخ، فقال: إذا جاء القدر غشي البصر. انتهى.
ومن ذلك ما ذكره الطبرسي في الاحتجاج: أنه دخل أبو حنيفة المدينة
ومعه عبد الله بن مسلم فقال له: يا أبا حنيفة إن هنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد، فاذهب بنا نقتبس منه علما، فلما أتياه إذا هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث، فقام الناس هيبة له، فقال أبو حنيفة لابن مسلم: من هذا؟ قال: هذا موسى ابنه، قال: لأحيينه بين يدي شيعته، قال: مه لا تقدر على ذلك، قال: والله لأفعلنه، ثم التفت إلى موسى فقال: يا غلام أين يضع الرجل حاجته في مدينتكم هذه؟ قال: يتوارى خلف الجدار ويتوقى عين الجار وشطوط الأنهار ومسقط الثمار ولا يستقبل القبلة أو يستدبرها فحينئذ يضع حيث يشاء. انتهى.
وهذه القصة أيضا من أكاذيب الفئة الضالة. والصحيح على ما رواه أهل السنة وغير الطبرسي من الشيعة: أنه لما دخل المدينة وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أتى دار الصادق فجلس ينتظر خروجه فخرج ابنه موسى وهو صغير فقام ووقره، وقال: أين يضع الغريب حاجته في بلدكم؟ فأجاب بما ذكر، فقال أبو حنيفة:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
الثالثة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يتبعون أبا حنيفة والشافعي ومالكا وأحمد ولا يتبعون الأئمة وهم الأحقاء بالاتباع، كما ينص عليه خبر السفينة المتفق عليه.
وهذه مكيدة تخفى على كثير من القاصرين في العلم. ومن نظر بعين بصيرته رأى الحق مع أهل السنة، لأن اتباعهم لهؤلاء المجتهدين عين اتباعهم لأولئك الأئمة الأطهار، لأن مجتهديهم إنما أخذوا عنهم كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
والشيعة قاتلهم الله تعالى يدعون أنهم أتباع من يدعي الأخذ عن أهل البيت مع أنهم يخالفونهم في العقائد، كالهشامين وصاحب الطاق وابن الأعين وغيرهم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. على أن أهل البيت لم يلتفتوا إلى الاستنباط والاجتهاد لاستغراق أوقاتهم بالعبادة والطاعة والعزلة والخلوة، بل أمروا أصحابهم أن يصرفوا عنايتهم نحو تدوين الفقه واستنباط الأحكام وتفريغ الفروع عن أدلتها، فنظموا حسبما أمروا فرائده واقتنصوا أوابده وأسسوا قواعده وقيدوا شوارده وأحرزوا كنوز حقائقه وأبرزوا رموز دقائقه وألفوا وأفادوا وصنفوا فأجادوا، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء وخلد لهم جميل الثناء.
وقد اتبعت الإمامية في الأحكام الغير المنصوصة والمسائل الاجتهادية علماءهم الذين حسبوهم من أهل الاجتهاد، وما ذكره ابن الأثير الجزري أن عليا بن موسى الرضا كان مجدد مذهب الإمامية في المائة الثالثة، فمراده أنه مجدد علمائهم، فإنه كان ينكر ذلك ولا يعترف بما هنالك. وكذا عده أهل المذاهب من المجددين، فإنه مجدد على رأي صاحب المذهب ومستندهم، وإنما هو حسن الطوية بوفور علمه وشيوع أقواله ومؤلفاته في مذهبه، ولكنه من الظنون التي لا تغني عن الحق شيئا. فإن مبدأ التاريخ غير معلوم لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله يبعث على راس كل مائة سنة من يجدد أمر دينها" من غير تعيين المبدأ،
والتاريخ الهجري إنما وضعته الصحابة في عهد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحمل علماء الأمة ما ورد من الأخبار بالأمور المستقبلة على ذلك خطأ فاحش.
الرابعة والستون: إنهم يذكرون حكايات تدل على حقيقة ما هم عليه وصدق ما ذهبوا إليه، مع أنها أكذوبة صنفوها وخرافة زخرفوها، فعدلوا عن طريق الحق وعالوا عن منهج الصدق، فمن ذلك ما ذكره أهل السير منهم وصححوه: أن حليمة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم قدمت على الحجاج بالعراق وافدة، فألقت نار الغضب في كانون فؤاده زائدة، فقال لها: ما لي أراك فضلت عليا على الشيخين وتعاميت عن الصبح السائح لذي العينين؟ فأطرقت رأسها وحبست أنفاسها ثم رفعته قائلة وعن سنن الإنصاف غير عادلة: هو ورب موسى أفضل من آدم ونوح وإبراهيم وسليمان وموسى وعيسى، فازداد غضبه وترقب عطبه، فقالت حليمة: إن يكن قصدك بالظلم أسكن رمسي، فقم فهذا السيف ودونك رأسي، وإن كنت تبتغي البرهان فهاك أحاديث كالجمان. فقال: بم تفضلينه على آدم وهو أبو البشر والنبي الأقدم المأمور له بالسجود وخليفة الله تعالى
بلا جحود؟ قالت: بما قاله الله تعالى في حقه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} ووصف عليا وأثنى عليه في سورة {هَلْ أَتَى} وكذا في آية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} وما أحد تصدق بخاتمه سواه. فقال: وبم تفضلينه على نوح وترجحينه وهو الرسول الكريم صاحب السفينة؟ فقالت: لأن زوجة علي فاطمة بنت النبي الجليل وزوجة نوح كافرة كما في التنزيل، فقال: فبم تفضلينه على إبراهيم جد الأنبياء ذوي القدر العظيم؟ فقالت: دعى إبراهيم ربه فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، وقال علي: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا. فقال: وبم تفضلينه على سليمان رسول الرحمن وملك الزمان؟ فقالت: سليمان طلب من ربه الدنيا وملكها الذي هو كسراب فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ}، وطلق الأمير الدنيا ثلاثا مبتورة فقال: إليك عني يا دنيا طلقتك ثلاثا لا رجعة بعدها حبلك على غاربك غري غيري لا حاجة لي فيك.
فقال: وبم تفضلينه على موسى بن عمران صاحب اللوح والتوراة من الملك الديان؟ فقالت: لأنه فر من فرعون كما قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} ، ورقد الأمير ليلة الهجرة على فراش النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: وبم تفضلينه على عيسى بن مريم صاحب الإنجيل والرسول الأكرم؟ فقالت: يوم يحشر الناس في موقف الحساب يسأل عيسى النصارى هل عبدوك بقولك فيفتقر عيسى إلى الاعتذار كما قال تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ، والأمير لما قالت السبائية: إنه إله غضب عليهم وهددهم حتى اشتهر في مشارق الأرض ومغاربها أنه أظهر البراءة منهم. قال الحجاج: صدقت، وأرضاها وأمر لها بألف دينار، ثم قالت: يا حجاج اسمع نكتة لطيفة وقصة ظريفة، وهي أن مريم لما أخذها المخاض وكانت ببيت المقدس أمرها الله تعالى بالخروج إلى الصحراء كي لا يتلوث بيت المقدس، ولما أخذ المخاض فاطمة بنت أسد أوحى الله تعالى أن ادخلي الكعبة وشرفي بيتي، فانظر هذين المقامين، وتأمل في فحوى هذين الكلامين، فأطرق الحجاج وترك العناد واللجاج. انتهى.
وإذا سمعت ما تلوناه عليك وحققت ما نقلناه إليك، فاعلم هديت إلى سواء
الطريق وسقيت [مياه] التوفيق في كاسات التحقيق، أن هذه أكذوبة وقصة أعجوبة، لأن حليمة ما عاشت إلى هذا الزمن بإجماع المؤرخين، بل اختلف في أنها هل أدركت زمن البعثة أم لا، وهل آمنت أم لا. على أن هذه الأدلة المذكورة قشور لا لب لها. وقد ردت بوجوه:
الأول: إن تفضيل علي خلاف النصوص القرآنية، فإن المذكور فيها تفضيل الأنبياء على سائر المخلوقات في مواضع شتى.
الثاني: إن هذه الاحتجاجات قد عدت فيها زلات الأنبياء وقيست بمناقب الأمير ولم يذكر فيها مجاهداتهم وحسن معاملاتهم، ولو وزن مناقب الأنبياء وكمالاتهم بمناقب الأمير ثم رجح أحد الشقين على الأخر لكان هذا جديرا بأن يسمع وحريا بأن يقبل، وإلا فيمكن إجراء هذه الطريق من الاحتجاج في كل محل، فيقال إن نبي آخر الزمان عاتبه الله تعالى في {عَبَسَ وَتَوَلَّى} وفي أخذ الفداء من أسارى بدر وترك الاستثناء، وحمد الأمير
في سورة {هل أتى} ، فيكون أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم. ولا قائل بذلك ونستغفر الله مما هنالك. وأما ما استدل به من قصة آدم عليه السلام فهو باطل، لأن الآية لا تدل على أنه اقترف ذنبا، لأن المعصية بمعنى المخالفة والغي بمعنى الخيبة. قال المرقش الأصغر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
…
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
والنهي في قوله تعالى: {لا تقربا} للندب، ومن خالف من نهاه عن أمر واجبا كان أو مندوبا يسمى عاصيا، ولهذا يقال نهيت فلانا عن السفر فعصاني وخالفني، وإن لم يكن ما نهى عنه واجبا. وإذا لم يكن التناول من الشجرة ذنبا لم يلزم التفضيل. وتفصيل الكلام في هذا المقام يطلب من كتب التفسير.
الثالث: أن المستدل قد تمسك في مقام مفاضلة نوح والأمير بحال الأزواج وهو في معزل، لأن الأمور الإضافية والأوصاف النسبية غير معتبرة في إثبات كمال المضاف إليه ونقصه، وإنما المناط الصفات الحقيقية له، وهذا بين بالضرورة، فتفضيل زوجة رجل آخر غير مستلزم لتفضيل البعل، والاستدلال بذلك حماقة. ألا ترى أن زوجة فرعون كانت أفضل من زوجة نوح وزوجة لوط بالإجماع ولا قائل بالفضل. بل زوجة النبي
- صلى الله عليه وسلم عندهم كافرة، معاذ الله، فيلزم أن يكون الأمير أفضل من محمد عليه السلام، ولا قائل به أيضا.
الرابع: أن حديث: "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا" موضوع، لا ذكر له بسند في كتاب. وبعد تسليم صحته غير مفيد للتفضيل، فإنه كرم الله تعالى وجهه طلب مقاما لا يناله إلا الأنبياء، وهو مقام المشاهدة، وهو لا ينافي اليقين، كما أن زكريا طلب آية على توليد الابن مع تيقنه به بعد الإخبار من الله تعالى كما لا يخفى. والأمير كرم الله تعالى وجهه لما علم أن مثل هذا المقام لا يحصل له وأنه في مقام لا ينعكس منه إلى مقام الأنبياء قال: لو كشف لي الغطاء، أي عما أعلمه من مقامي ما ازددت يقينا فيه. وله توجيهات عديدة في كتب القوم.
الخامس: ما ذكره من مخافة موسى وفراغ بال الأمير مغالطة، لأن الأمير كان يعلم بأنه صبي صغير السن تابع للنبي صلى الله عليه وسلم، وعداوة الكفار له ليست بالذات والأصالة، فلم يقتله الكفار، فلم يكن له وجه من الخوف أصلا، ومع ذلك أخبره النبي صلى الله عليه وسلم وسكن قلبه بأنهم لن يضروك أبدا، ولأن أسباب العداوة من التجاذب والمقاتلة ما كانت متحققة فيما بينهم بعد، وأسباب المحبة من وجود القرابة وملاحظة رئاسة أبي طالب كانت موجودة، مع خوف الانتقام من حمزة
والعباس وأعمامه وإخوانه الآخرين. بخلاف موسى عليه السلام، فإن غالب ظنه على حساب العادة أن فرعون يقتله بدل القبطي، مع أن مشاورة رؤساء القبط في تدبير قتله قد قرعت سمعه برواية المعتبرين، وقد اطمئن قلبه بعدما وعده الله تعالى بالتأييدات والحماية حيث قال تعالى:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، وقال تعالى:{أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} . ومع ذلك فسطوة فرعون وجنوده معلومة، وكفار قريش بالنسبة إليه كالذرة إلى الفيل. وأقام موسى وأخوه عليهما السلام فيما بينهم أربعين سنة يصدح بما يؤثر ويصدح بما يؤمر، وهو بخلاف الأمين فإنه أقام في خلافة الخلفاء ذليلا حقيرا بزعم الشيعة.
السادس: أن ما ذكر من طلب سليمان عليه السلام للملك أي ضرر فيه، وأي نقص يعتريه، بل هو أعلى كعبا من تطليق الدنيا، إذ معه يتيسر من إقامة العدل والإنصاف وإرشاد خلق الله تعالى وهدايتهم ما لا يتيسر من التطليق. ثم تطليق الدنيا لا ينافي طلب الملك، لأن الأمير مع تطليقه الدنيا طلب الخلافة وسعى إليها سعيا حتى وقع القتال وكثر النضال، وما كان مقصوده حب المال والجاه، بل مراده القدرة على قتال من خالف أمر الله وغير ذلك من الأمور الشرعية والمقاصد البهية. فاشترك سليمان والأمير معا، ولكن الفرق بينهما أن سليمان طلب ذلك من الله تعالى بغير أهبة الأسباب الظاهرة والأمير طلبه بالتأهب من جمع الرجال وسفك الدماء والقتال. وأيضا يلزم من كون ترك الدنيا موجبا للتفضيل أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف والمهدي، معاذ الله من ذلك.
السابع: أن ما ذكر في تفضيل الأمير كرم الله تعالى وجهه على عيسى عليه السلام محصله أمران.: أحدهما تعزيره للغالين في محبته ومسامحة عيسى، والآخر سؤال عيسى عن فعله وافتقاره إلى الاعتذار، والأمير غير مسؤول. وفيهما بحث لأن في الأمير كان في زمنه، وفي عيسى كان بعد رفعه إلى السماء على ما قيل.
والذي يظهر من الكتاب المجيد أن الغلو في عيسى كان أيضا قبل الرفع، وكان عليه السلام يزجر القائل بذلك كما قال تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . نعم لعل التثليث وقع بعد ما رفع. وأما وقوع السؤال فمعلوم لذكره، وعدم السؤال غير معلوم، ولا يلزم من عدم العلم عدم الوقوع، والمدعى هو هذا. بل في القران ما يشير إلى سؤال الأمير مثل قوله تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} ، وهم يبينون أيضا ذلك العذر كما حكى الله تعالى عنهم بقوله:{سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} الآية، بل الملائكة أيضا يسألون، قال تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} ويعتذرون بما حكى الله تعالى عنهم وهو قوله: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون} . على أن شهادة النبي حجة دون الولي، فالسؤال كمال وهو صفة الأنبياء قال تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} ، فهذا يدل على أفضلية عيسى على الأمير، فانقلب الأمر. هذا لو سلمنا ما قالوه.
الثامن: أن ما ذكر في ولادة عيسى غلط محض ومخالف للتواريخ، وفي ولادته اختلاف كثير، والمشهور أن ولادته في بيت اللحم، وقيل في فلسطين وقيل في مصر وقيل في دمشق. وما قال أحد من المؤرخين أخذها المخاض في المسجد الأقصى، ولئن سلمنا فمن أين علم أنها أخرجت بالوحي؟ والظاهر أنه لما كان علوق عيسى عليه السلام
من غير أب كرهت واستقبحت إظهار الولادة في الناس، فلا جرم إن ذهبت إلى الصحراء. وما قيل إن فاطمة بنت أسد أوحي إليها: أن أدخلي وشرفي، فكذب صريح لأنه لم يقل أحد من الإسلاميين بنبوتها. فتأمل. والمشهور في ولادة الأمير عندنا هو أن أهل الجاهلية كانت عاداتهم أن يفتحوا باب الكعبة في يوم الخامس عشر من رجب ويدخلونها للزيارة، فممن دخل فاطمة، فوافقت الولادة ذلك اليوم. وعند الشيعة أن أبا طالب لما رآها في شدة الطلق أخذها استشفاء لها فرحمها الله تعالى، فولدت الأمير كرم الله تعالى وجهه فسماه أبوه أبو طالب عليا. وهذه الرواية نسبت في كتبهم إلى الإمام زين العابدين عن زيدة بنت عجلان الساعدية عن أم عمارة بنت عباد الساعدية. وبالجملة لو كانت الولادة في البيت موجبة لتفضيله على عيسى لكانت موجبة لتفضيله على النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، ولا قائل به. وأيضا قد ثبت في التواريخ الصحيحة أن حكيم بن حزام بن خويلد الذي هو ابن أخ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد قد ولد في الكعبة أيضا،
فلا بد أن يكون أفضل من عيسى على ما زعموا بل أفضل من جميع الأنبياء، وهذا مما لم يقل به أحد، بل لا تخفى شناعته. فتأمل في هذا المقال واستعن بذي العزة والجلال.
الخامسة والستون: إنهم يقولون إن عذاب القبر مخصوص بأهل السنة وغيرهم من الفرق غير الإمامية، وأما الإمامية فهم متنعمون في قبورهم حتى العصاة منهم.
وهذا الكلام باطل لا أصل له، لأن الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة التي رواها الفريقان عن أهل البيت وغيرهم ناصة عام أن عذاب القبر واقع للكفار وبعض عصاة المؤمنين، والتخصيص من أكاذيب القوم. فقد روى ابن بابويه القمي عن [عمرو] بن يزيد قال: "قلت لأبي عبد الله إني سمعتك وأنت تقول: كل شيعتنا في الجنة على ما كان منهم، قال: صدقتك والله كلهم في الجنة، قال قلت: جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبار وصغار، فقال: إما في القيامة كلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي، ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر حين موته إلى يوم القيامة.
السادسة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يحبون أعداء أهل البيت، ومن أحب عدو الرجل فهو عن الصداقة بمعزل، قال الشاعر:
قسم ناقص
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يعرف حق عترتي [والأنصار والعرب] فهو أحد ثلاثة: إما منافق وإما لزنية وإما لغير طهور". (1) وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: "أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله تعالى يوم القيامة يهوديا". (2) وأخرج الشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في نوادر الأصول في أخبار الرسول عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معرفة آل محمد براءة من النار، وحب أهل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب". (3) إلى غير ذلك من الأحاديث.
السابعة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة من فرط عصبيتهم رجحوا الجبان على الشجاع في الإمامة، لأن أبا بكر كان جبانا، يدل على ذلك قوله تعالى:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} ،
(1)[قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ: [فيه] زيد بن جبيرة منكر الحديث.]
(2)
[موضوعات ابن الجوزي]
(3)
[ليس في النوادر. الضعيفة 4917]
والحزن في المواقف دليل الجبن. وكان علي أشجع الصحابة، فهو أحق بالإمامة منه.
وهذا الكلام أيضا باطل، لأن وجوب كون الإمام أشجع ممنوع، وكذا كون علي أشجع من أبي بكر. بل هو أشجع منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره ليلة أسري به بأن الله تعالى جعله وصيه ووزيره وخليفته، كما رواه شيخكم أبو جعفر الطوسي في الأمالي، أو كان معه ليلة المعراج كما رواه صاحب نوادر الحكمة عن عمار بن ياسر والقطب الراوندي عن جريدة الأسلمي مرفوعا، فاطلع على ما هو المكتوب في اللوح المحفوظ،
وتيقن أنه يعيش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يكون خليفته بعده، وأنه يقتله ابن ملجم المرادي، وأنه لا يموت إلا باختياره، فكان إذا دخل الحرب ولاقى العدو لا يختار موته ويعلم أنه لا يتمكن الخصم من قتله؛ بخلاف أبي بكر، فإنه كان إذا لاقى العدى لا يدري هل يقتل أم لا. ولا شك أن من يدخل الحرب ولا يدري أمره ويقاسي من الشدائد والمحن ما يقاسي أشجع ممن يدخلها كأنه بات على فراشه لا يخاف أحدا ولا يخشى. وقد ثبت عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه قال خطبنا علي فقال: "أيها الناس من أشجع الناس؟ فقلت أنت يا أمير المؤمنين، قال: ذلك أبو بكر الصديق، إنه كان يوم بدر وضعنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم العريش فقلنا: من يقوم عنده لا يدنو عليه أحد من المشركين، فما قام عليه إلا أبو بكر وإنه كان شاهر السيف على رأسه، فكلما دنا عليه أحد هوى إليه أبو بكر بالسيف.
الثامنة والستون:
إنهم يقولون إن أهل السنة ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يخل بعلو قدره وعلو شرفه، حيث ثبت عندهم في الصحيح أن عائشة قالت:"كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم "، فكيف يرضى بذلك وبيته محل العبادة ومهبط الوحي والروح الأمين ومتردد الملائكة المقربين في كل وقت وحين، وقد ثبت عندهم أن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة مجسمة أو تماثيل، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رأى صورة إبراهيم وإسماعيل في الكعبة محاها.
فنقول لا نسلم أن كون تلك البنات كانت مصورة بصورة إنسان، فإنها ربما تصنع من غير صورة بأن يقطع من كرباج قطعة مثل دائرة كالقوارة ويجعل في وسطها قطعة ملفوفة كالبندقة، ويجمع أطرافها وتشد البندقة بخيط فيصير ما فوق العقدة كرأس إنسان وما تحت جسده من غير يد ورجل ثم يجعل عليه خمار. وعلى فرض كونها مصورة فيحتمل أن يكون ذلك قبل التحريم. وكذا العلم بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، فإن ذلك كان في بدء الأمر حين بنى النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة،
قسم ناقص
ذلك يطعنون على أهل الحق ما أعمى الله تعالى بصائرهم عن حقيته، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
التاسعة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبئ عن قلة الغيرة ورداءة الطوية، من ذلك ما رووه عن عائشة أنها قالت:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد"، فإن هذا الأمر لا يرضى به من له أدنى غيره وأقل حمية، ومع ذلك إن اللعب من الأمور المنكرة ولا سيما إذا كان في المسجد، فكيف يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو أغير الناس وأشدهم نهيا عن المنكر.
وهذه مكيدة عظيمة ربما اغتر بها بعض القاصرين ومن كان في قلبه مرض وصد
عن إدراك اليقين، وأما من نظر بعين بصيرته وجانب الهوى وشبهته فلا يلتفت إلى مزخرفات الأقوال ولا ينخدع بشبه أهل الضلال. فإن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن حينئذ مكلفة، ووجوب منع الغير مكلفة عن أمثال هذه الأمور ممنوع. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب ببعض نسائه في الغزوات، وكان النساء ينظرن إلى الرجال ولا يتحجبن عنهم قبل نزول آية الحجاب. ونزولها كان بعد أن نكح النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش كما رواه أبو داود والدارمي وغيرهما. ولعب الحبشة كان بالحراب، واللعب به كالرمي من عدد الحرب، فصار بالقصد عبادة. وزجر عمر رضي الله تعالى عنه من لعب به لظنه أنه من جملة اللعب الحرام، وذلك قبل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه سكت. ولا نسلم أن تقريره غير البالغة على النظر قبل النهي ينافي الغيرة، والنهي عن النظر إنما ورد بعد الأمر بغض الأبصار، وكان ذلك بعد مدة من تلك الواقعة. وقد ثبت عند هؤلاء الفرقة الضالة ما يروونه عن أبي عبد الله لصحبه أن "خدمة جوارينا لنا وفروجهن لكم". وهذا ينافي الغيرة ولا يرضى به السوقة الأوباش، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
السبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يفترون على النبي صلى الله عليه وسلم -
ويقولون إنه قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"، مع أن الأنبياء معصومون عن الكذب بالاتفاق.
وهذا القول باطل، لأن المراد بالكذب التعريض وليس المراد حقيقته، فسماه كذبا لأن المعاريض شبيهة بالكذب في إرادة ما ليس بمطابق للواقع، أو المراد به الكذب بحسب الظاهر، والمعنى لم يتكلم بما هو كذب بحسب الظاهر إلا ثلاث كلمات. فقوله {إِنِّي سَقِيمٌ} إما مجاز بالمشاركة وإما مرض لا يبدو أثره في الظاهر. وقوله:{هَذَا رَبِّي} بزعمكم، فإن قومه كانوا صابئين. وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} تهكم. ولأنه قد ثبت عندهم أن قوله إني سقيم كان كذبا، وإنما قال ذلك تقية. فإذا جاز كونه كذبا جاز أن يكون كلا القولين الآخرين كذبا لمصلحة دينية،
كإفحام عبدة الكواكب وإبطال عقيدتهم الزائفة، وإبداء فساد مذهبهم بأبلغ وجه. هذا وفي مرويات هؤلاء الفرقة ما ينص على [اعتذار] بعض الرسل عما أوحى الله تعالى إليه واتصافه بالحسد وارتكاب بعضهم ذنبا كان الموت عليه هلاكا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في مباحث النبوة. فالطعن على أهل السنة بما هو معتقدهم وقاحة وصلافة ظاهرة. نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
الحادية والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يفضلون عمر على الانبياء، حيث ثبت في الكتب الصحيحة عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال:"إن الشيطان يفر من ظل عمر"، مع أنه لم يفر من آدم وهو في الجنة محفوف بالملائكة، ولا من موسى حيث قتل القبطي وقال:{هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، ولا من أيوب حتى مسه {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} ، ولا من الأنبياء والرسل حتى ألقى في أمنيتهم إذا تمنوا.
وهذه مكيدة عظيمة تزل بها أقدام الجهلة ومن ليس له رسوخ في العقائد الدينية. وأما من له أدنى حظ معرفة العلم ويعرف أن المراد من الحديث ليس للشيطان عليه سلطان، لكنه صلى الله عليه وسلم كنى ذلك بما قال لأن الكناية أبلغ من التصريح، ولأن كثيرا ما يعبر عن شدة الخوف بالفرار. قال عز من قائل:{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} . والشيطان يخاف من الأنبياء أيضا.
وهو لم يوسوس لآدم ابتداء، وإنما وسوس لحواء وحواء وسوست لآدم؛ وإنما نسبت الوسوسة للشيطان لأنه السبب، أو لأن الله تعالى شجعه على ذلك وأزال الخوف عنه ومكنه من دخول الجنة ونهى الخزنة عن منعه من دخول الجنة لحكم ومصالح يعرفها من يعرفها، وإن كان الأصلح أضداد ذلك، فإنه يجوز ترك الأصلح لمصلحة، صرح به صاحب الكشاف من المعتزلة والمقداد وغيره من الإمامية. وقول موسى عليه السلام إنه {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} لا يدل على ذلك، لأن المشار إليه استصراخ الإسرائيلي المهيج لغضبه، أو عمل القبطي المقتول من عمل الشيطان، وهو ظلمه للقبطي وإيذاؤه له أو كفره وخلافه لله تعالى بذلك عن استحقاقه للقتل. وقوله:{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} إنما هو على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير في أداء حقوق خدمته وشكر نعمته وإن لم يكن هناك ذنب. وقوله: {فَاغْفِرْ لِي} أراد به تقصيري في حقوق نعمتك. ولأن قتل القبطي كان قبل بعثته وهو [لا] يعلم أنه يبعث نبيا. وأن من يبعث نبيا لا يمكن للشيطان منه. وأما قول أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فالمراد أن الشيطان يستفزه ويوقعه في الألم، وذلك لأنه يوسوس إلى قومه أن يبعدوه ويجنبوه لما كان عليه الأمراض المؤلمة فأخرجوه من البلد فزاد مرضه ونصبه، واللعين لم يزل يوسوس لزوجته بأن تبعد عنه ولا تباشره، وكانت تخدم قومه وتأخذ الأجرة منهم وتهيئ به مأكل زوجها ومشربه، ويوسوس أيضا لقومه أن لا يخدموا زوجته فإنها تباشر قروحه وتمس جلده، فهذه مضار ظاهرة، فأضاف إلى الشيطان ما فعل من الوسوسة.
وأما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ، فالمراد من الأمنية القراءة، والمعنى: وما من برسول ولا نبي إذا قرأ كتاب الله تعالى [إلا] ألقى الشيطان في قراءته ودس في كلامه محاكيا صوته ما يوافق عقيدة الكفرة ويسمعهم، ولا يقرب النبي بل يدنو من الكفار. وأيضا فإن الشيعة قد اعترفت بان الآيات المذكورة على ظاهرها فلا مطعن فيها حينئذ. والكلام عل هذه الآية طويل ألف فيه رسائل مفصلة، وأحسن من كتب في ذلك تقي الدين ابن تيمية رحمه الله.
الثانية والسبعون: إنهم يطعنون على أهل السنة بما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: دخلت الجنة فسمعت حس نعلي بلال مولى أبي بكر، ويقولون: إن هذا الكلام يدل على تفضيل مولى أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم لأن السابق أفضل من المسبوق.
وهذه مكيدة لا يخفى بطلانها على أحد فضلا عمن جد في العلم واجتهد، فإن السابق كثيرا ما يكون مفضولا. ألا ترى أن العبد يسبق مولاه إلى الرياض والقصور التي
بناها لسكناه. والسبق الموجب للفضل هو الدخول في دار الثواب للجزاء يوم القيامة، فإن الملائكة كانوا يدخلونها قبل الرسل، ودخلها إدريس قبل أولي العزم من الرسل، وكان إبليس يدخلها قبل خلق الرسل وقبل خلق آدم. ولأن الفضل لمن دخل الجنة في اليقظة بجسده دون من دخل بروحه، فإن الذين قتلوا في سبيل الله دخلوا الجنة ورزقوا من نعيمها قبل من هو أفضل منهم من غير نكير. لأن الحق كما يدل عليه سياق الأخبار أن الله تعالى أرى نبيه صلى الله عليه وسلم صورا مثالية من أمته ممن خلق ومن لم يخلق في الجنة ليعلم درجاتهم ومنازلهم فيها، فأراه مرة منزلة بلال وغيره من فقراء أمته وأغنيائهم. فقد أخرج الطبراني عن أبي إمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فسمعت حركة أمامي فنظرت فإذا بلال ونظرت إلى أعلاها فإذا فقراء أمتي وأولادهم، ونظرت في أسفلها فإذا فيهم الأغنياء". وأراه مرة أخرى منازل بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم.
الثالثة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نظر عشية يوم عرفة فتبسم وقال: "إن الله تبارك وتعالى باهى بعباده عامة وباهى بعمر خاصة"، (1) وهو يوجب التفضيل. وذلك يدل على أنه تعالى كان يباهي بعمر ويدع نبيه صلى الله عليه وسلم، فيكون عمر في الخاصة والنبي في العامة.
والجواب أنه ليس في الخبر ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان في العامة،
(1)[الضعيفة 3054]
وعدم ذكر المباهاة به خاصة لا يدل على نفيها، لأن المراد بالعباد أصحابه صلى الله عليه وسلم، والغرض من ذكرها بيان فضلهم واختصاص عمر لفضيلة استحق بها المباهاة خاصة. والاختصاص بفضيلة لا يوجب التفضيل. ولأنه يحتمل أنه تعالى باهى به صلى الله عليه وسلم خاصة إلا أنه لم يذكره. ولأن الغرض من المباهاة إبداء فضل من أراد من المؤمنين للملأ الأعلى، وكان صلى الله عليه وسلم مستغن عن ذلك فإنهم كانوا يعرفونه بأنه كان أفضل الخليقة وأكرمهم عند الله تعالى.
وأقول: قد تقرر في الأصول أن المتكلم يكون خارجا عن عموم كلامه، وإلا لزم كونه تعالى مقدورا ومخلوقا بقوله سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقوله تعالى:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، تعالى الله عن ذلك. على أن المباهاة به مرجعها إلى المباهاة بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه من أصحابه وأحد اتباعه.
الرابعة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يخل بعلو قدره، من ذلك ما رووا في كتبهم الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم:"أتى سباطة قوم فبال واقفا وتوضأ".
نقول نعم إنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لضرورة دعته إليه، فقد أخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال:"إنما بال قائما لجرح كان في مأبضه". ولأن كل ما يفعله فهو تشريع لجوازه. ولا قبح في البول قائما لا عقلا ولا عرفا.
ويا للعجب من هؤلاء الفرقة الضالة كيف يطعنون على أهل السنة بما لا طعن فيه عند أولي الأبصار، ومع ذلك ينسبون إلى الرسل ما لا تتقبله عقول الأخيار. وقد ذكر المرتضى وغيره من علماء الإمامية أن الخبر متى وجد له محمل صحيح لا يرد. فالحكم ببطلان الحديث بمثل هذه الشبهات مع أن له محملا صحيحا طعن في الدين واتباع للملحدين.
الخامسة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون اللعب بالشطرنج والغناء.
وهذه المكيدة كذب وافتراء وزور على علماء أهل السنة الأمناء. أما اللعب بالشطرنج فإنه حرام عند أبي حنيفة ومالك وأحمد على الصحيح. وورد في حرمته أحاديث وأثار صحيحة. وعند الإمام الشافعي مكروه في القول القديم، بشرط عدم إخراج الصلاة عن وقتها وعدم الإخلال بحفظ الواجبات بواسطة الاشتغال به وأن يخلو عن القمار وأن لا يصير سببا للنزاع والكذب وأن لا تكون آلاته بصورة بصورة الحيوانات، فإن فقد من هذه الشروط صار حراما وبالإصرار يصير كبيرة؛ كذا في الإحباء. وقد صح عن الإمام الشافعي أنه رجع إلى قول الأئمة الثلاثة، نص عليه
الإمام أبو حامد الغزالي. واللعب مطلقا حرام عند أهل السنة، إلا ملاعبة الرجل أهله وتمرين فرسه والرمي بالقوس. والإمامية يجوزون اللعب في المذاكير في الصلاة التي هي موطن المناجاة مع باري النسمات، كما ذكر الطوسي فيه التهذيب وغيره من علماء الإمامية.
وأما الغناء فهو حرام عند الأئمة الأربعة. وأساطين المشايخ وأهل الله لم يسمعوا الغناء ولا رغبوا إليه. قال سيد الطائفة الجنيد البغدادي قدس سره: الغناء بطالة. وقال الشيخ أحمد الشهير برزون: السماع حرام كالميتة. وإنما كانوا يسمعون من الإنشاد في بعض الأحيان عند القبور برفع الصوت والترنم والحداء من غير تلحين وأنغام موسيقية، فإن سماع الأشعار بحسن الصوت لم يرو منعه، بل هو جائز بشرط أن لا يكون من أمرد يخشى النظر إليه الفتنة أو امرأة غير محرم، وأن لا يكون في شيء من اللهو واللعب. وأما أن تكون الأشعار في ذكر الجنة والنار والتشويق إلى دار القرار وذكر العبادات والتشويق في الخيرات، أو يكون فيه من ذكر والهجر والوصل مما يقرب حمله على أمور الحق سبحانه من تلون أحوال المريدين ودخول الآفات على الطالبين. وإن أردت الوقوف على تفصيل هذا المقام فارجع إلى كتاب الغنية للشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وكتاب كف
الرعاع عن محرمات اللهو والسماعة للعلامة ابن حجر (عليه الرحمة). وقد ذكر شيخ الرافضة الشهير بالشيخ المقتول في كتابه الدروس أنه يجوز الغناء في العرس بشروط، فلا مطعن لمن جوزه لما سنح له من دلائل إباحته، والشروط هي أن يكون المسمع امرأة وأن لا يكون رجلا وأن لا يكون الشعر في الهجاء وأن لا يكون كذبا، كذا في شرح القواعد. مع أن السماع من المرأة أقبح. فانظر إلى هذه المناقضات وما أبدوا من فاسد الاعتراضات.
السادسة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون الوضوء بالنبيذ وهو ماء مقيد، والقرآن ينص على الماء المطلق، قال تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .
والجواب أن الوضوء بالنبيذ وهو الماء الذي فيه تمرات مخدوشة حتى يأخذ الماء حلاوتها لا يجوز عند مالك والشافعي وأحمد. واختلفت الروايات عن أبي حنيفة، ففي رواية يتوضأ به ولا يتيمم إذا لم يجد المصلي [إلا] نبيذ التمر وكان رقيقا كالماء ولم يشتد ولم يكن
مسكرا، فإذا صار لا يجوز به الوضوء اتفاقا، ولا مطبوخا، فإن الوضوء بالمطبوخ منه مطلقا لا يجوز، لأن النار غيرته لحديث ليلة الجن. وعن أحمد والترمذي وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي وعبد الرزاق في جامعه وغيرهم عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة الجن:"هل لك من وضوء؟ قلت: لا، قال: فما في إداوتك؟ قلت: نبيذ تمر، قال: تمرة حلوة وماء طيب. فتوضأ وتيمم". وهو قول محمد. وروى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة أنه يتيمم ولا يتوضأ، وهو قول أبي يوسف وفي خزانة المفتين، وهو الأصح وعليه الفتوى للآية. وقد جوز جمع من الشيعة الوضوء من ماء الورد مع أنه ماء مقيدا. فيا للعجب أنهم
جوزوا الوضوء من ماء كر بال فيه الكلب واستنجى به جمع ولو ظهرت فيه أجزاء النجاسة وزادت على أجزاء الماء، وكذا أباحوا الشرب منه، ومع ذلك يطعنون على أهل الحق بسبب الوضوء بالنبيذ عند فقد الماء المطلق، مع صحة وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد أحسن من قال فيما يناسب هذا الحال:
ألا أيها اللائمي في خليقتي
…
هل النفس فيما كان منك تلوم
فكيف ترى في عين صاحبك القذى
…
وتنسى قذى عينيك وهو عظيم
السابعة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة أباحوا اللواطة بالعبيد وأسقطوا الحد عن اللائط مع أن اللواطة أفحش من الزنا وأقبح منه.
وهذه المكيدة محض افتراء على أهل السنة. أما اللواطة بالعبيد فقد أجمعوا على حرمتها ورووا أحاديث كثيرة عن ذلك. منها ما رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط.
وما روى الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها"، قال المنذري هو صحيح الإسناد. وما روى الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وابن حبان في صحيحه والنسائي والبيهقي عن ابن عباس أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:"ملعون من عمل عمل قوم لوط" ثلاثا. إلى غير ذلك من الأحاديث. وأما الحد فقد اختلف الفقهاء في موجبه، فذهب الشافعي ومن تبعه إلى أن اللواطة زنا فيحد اللائط حد الزنا، وذهب أبو حنيفة ومن تبعه إلى أن اللواطة ليست بزنا لأنها لم يعهد لها حد ولم يثبت من أهل اللغة إطلاق الزنا على اللواطة وشاع الفرق بينهما في العرف، يقال هذا زنا، وليس بلواطة، ولواطة ليس بزنا، وهو لوطي ليس بزان، وزان
ليس بلائط. قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
…
وداوني بالتي كانت هي الداء
من كف ذات حر في زي ذي ذكر
…
لها محبان لوطي وزناء
وقال أحمد بن أبي نعيم:
قاض يرى الحد في الزنا
…
ولا يرى على من يلوط من بأس
فإذا كان الأمر كذلك لا يثبت فيه حد الزنا. ولذا اختلف الصحابة في موجبه، فقال بعضهم: أرى أن يحرق بالنار. وقال ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى منه منكسا ثم يرمى بالحجارة. وقال [ابن الزبير]: إنهما يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا نتنا. فلو كانت اللواطة زنا لم يختلفوا في موجبها، فإنهم أهل اللسان فصحاء.
وظاهر الكتاب يدل على أن موجب اللواطة غير الحد، قال تعالى:{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} ، فإن المراد بالفاحشة اللواطة لتثنية الضمير وتبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال. وحكم النساء الحبس كما في الآية المتقدمة وهي قوله تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} . والفاحشة لا تختص بالزنا حتى يكون إطلاقها على اللواطة ناصا على أنه الزنا، فإن الفاحشة هي الفعلة المتناهية في القبح. قال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، وقال تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} ، وكون اللواطة أفحش من الزنا ممنوع، بل كلاهما فاحشة، قال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} .
الثامنة والسبعون: إن أسلافهم كانوا يكثرون التردد إلى أئمة أهل البيت ويأخذون عنهم الفقه والحديث ليغتر بهم من يراهم، فيزيدون في الدين وينقصون افتراءً على الأئمة الأطهار، قصدا إلى إضلال الناس. ومن أشدهم كيدا وأعظمهم فتنة وأكثرهم سعيا في تلبيس الحق بالباطل: هشام بن الحكم الأحول وهشام بن سالم الأحول الملقب بشيطان الطاق وزيد بن جهم الهلالي ومرارة بن أعين والحكم بن عتيبة و [ابن] عروة التميمي، الذين
يدعون الرواية عن الإمام السجاد وابنه الباقر وحفيده الصادق، وعمن أتى بعدهم إلى آخر حياة أبي محمد بن الحسن، فإنهم أظهروا للمسلمين فرط محبتهم لأهل البيت وأكثروا التردد إليهم وواظبوا على خدمتهم وصحبتهم، فرووا حينئذ الأكاذيب المموهة والأحاديث المزخرفة في الأحكام الشرعية الأصولية والفروعية، ونسبوا إلى الأئمة بغض الصحابة وأمهات المؤمنين، ورووا عنهم في مدح الشيعة ما يضيق عنه نطاق الحصر، مع أن الأئمة الأطهار رضي الله تعالى عنهم كانوا يظهرون البراءة من هؤلاء الرواة ويقدحون في عقائدهم الزائغة، كما رواه الكليني وغيره من الإمامية عن أئمة الهدى، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وكان الإمام الأجل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يقول لهشام الأحول:"ألا تستحي فيما تقول عن أبي ما هو بريء منه"، حتى قال الأحول له يوما: إنك لست بإمام وإنما الإمام بعد أبيك أخوك محمد، فقال: "يا أحول إن أبي يعلمك مسائل الدين ولا يعلمني وهو يحبني حبا شديدا حتى كان يبرد الطعام ويجعله في في لئلا أتأذى من حره، فكيف يرضى أن أدخل النار، هذا لا يكون
أبدا". رواه الكليني وغيره من الإمامية. وكان من هؤلاء القوم جمع من الزنادقة الذين كان قصارى بغيتهم وغاية مطلبهم إلقاء العداوة بين المسلمين.
وكان من أخبث الزنادقة الذين يدعون الناس إلى مذهب الرافضة في زمن موسى بن جعفر وخلافة الرشيد إسحاق بن إبراهيم الملقب بديك الجن الشاعر، وكان لا يثبت صانعا ولا يقر ببعث ولا نبوة ويقع في الإسلام وأهله، ومع ذلك يظهر الإسلام ويؤيد مذهب الرافضة، وكانت الرافضة يعدونه من نقبائهم، كما ذكره شيخهم محمد بن محمد بن النعمان الملقب عندهم بالمفيد شيخ أبي جعفر الطوسي والمرتضى وتلميذ ابن بابويه القمي في كتاب المثالب والمناقب. وآخر هؤلاء القوم جماعة ادعوا السفارة بين محمد بن الحسن وشيعته، وأول من ادعى صحبة الأئمة من هؤلاء الغواة والرواية عنهم: هشام الأحول وهشام بن سالم وشيطان الطاق، وهؤلاء ومن نحا نحوهم كأبناء أعين وغيرهم من المنافقين الذين كانت قصارى أمنيتهم إيقاع ثلمة في الدين يفترون على أهل البيت ما هم براء عنه، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في الفصل الآتي.