المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المطلب الثالث في إبطال ما استدل به الرافضة على كون - السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

[محمود شكري الألوسي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌المقصد الأول في بيان سبب ظهور الرافضة وسبب افتراقهم وعدد فرقهم

- ‌الفصل الأول في بيان مبدأ ظهور الرافضة

- ‌وافترقت الشيعة حينئذ إلى أربع فرق

- ‌الفصل الثاني في بيان سبب افتراق الرافضة

- ‌الفصل الثالث في بيان فرق الشيعة

- ‌وأما الغلاة فأربع وعشرون فرقة

- ‌(فرق الزيدية)

- ‌(فرق الإمامية)

- ‌(فرق الإسماعيلية)

- ‌خاتمة لهذا الفصل

- ‌الفصل الرابع في بيان مدة بقاء كل فرقة من فرق الروافض

- ‌الفصل الخامس في بيان دعاة الرافضة وفرقهم

- ‌الفصل السادس في بيان مكائد الرافضة لإضلال الناس وميلهم عن الحق

- ‌الفصل السابع في بيان أسلاف الرافضة

- ‌الفصل الثامن في بيان أنه لا يمكن إثبات الدين المحمدي على أصول الرافضة

- ‌(الأدلة عند الشيعة)

- ‌الفصل التاسع في بيان من يدعي كل فرقة من الرافضة أخذ المذهب عنه وإبطاله

- ‌الفصل العاشر في بيان اختلاف الرافضة في الإمامة وتعيين الأئمة

- ‌الفصل الحادي عشر في بيان كثرة اختلاف الشيعة في أعداد الأئمة وشروط الإمامة

- ‌الفصل الثاني عشر في بيان اختلاف الشيعة فيما رووه عن أهل البيت

- ‌الفصل الثالث عشر في أقسام أخبار الشيعة

- ‌الفصل الرابع عشر في بيان احتجاج الرافضة بالأخبار التي لا يجوز الاحتجاج بها

- ‌الفصل الخامس عشر في بيان روايات الشيعة إلا الحميرية عن أهل البيت

- ‌الفصل السادس عشر في ذكر علماء كل فرقة من فرق الشيعة

- ‌الفصل السابع عشر في بيان كتب الشيعة

- ‌الفصل الثامن عشر في بيان أحوال كتب أحاديث الشيعة

- ‌الفصل التاسع عشر في أن معتقدات الرافضة وهميات

- ‌الفصل العشرون في بيان غلو الرافضة في مذاهبهم الباطلة

- ‌الفصل الحادي والعشرون في بيان من لقب هذه الفرقة بالرافضة

- ‌المقصد الثاني في الإلهيات

- ‌المطلب الأول في بيان أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا

- ‌المطلب الثاني في أن الله تعالى موجود حي عالم سميع بصير قادر

- ‌المطلب الثالث في بيان أن الإله واحد

- ‌المطلب الرابع في بيان أن الله تعالى متفرد بالقدم

- ‌المطلب الخامس في أن الله تعالى أبدي لا يصح عليه الفناء لا يشارك في ذلك

- ‌المطلب السادس في أن لله تعالى صفات ثبوتية أزلية

- ‌المطلب السابع في أن صفات الله تعالى قديمة

- ‌المطلب الثامن أن الله تعالى فاعل بالاختيار

- ‌المطلب التاسع في أن الله تعالى قادر على كل مقدور

- ‌المطلب العاشر في أنه تعالى عالم بما كان وما يكون

- ‌المطلب الحادي عشر في أنه تعالى يتكلم والكلام صفة من صفاته

- ‌المطلب الثاني عشر أن القرآن كلام الله تعالى ليس فيه تحريف ولا نقصان

- ‌المطلب الثالث عشر أن الله تعالى مريد

- ‌المطلب الرابع عشر أن إرادة الله تعالى متعلقة بكل كائن

- ‌المطلب الخامس عشر في أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد

- ‌المطلب السادس عشر في بيان أنه لا يجوز البداء على الله

- ‌المطلب السابع عشر في أنه لا يجب على الله تعالى شيء

- ‌المطلب الثامن عشر في بيان أن التكليف لا يجب على الله تعالى

- ‌المطلب التاسع عشر في أن اللطف لا يجب على الله تعالى

- ‌المطلب العشرون في بيان أن الأصلح لا يجب عليه تعالى

- ‌المطلب الحادي والعشرون في بيان أن العوض لا يجب على الله تعالى

- ‌المطلب الثاني والعشرون في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى

- ‌المطلب الثالث والعشرون في أن الله لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد

- ‌المطلب الرابع والعشرون في أن الله تعالى خالق الخير والشر

- ‌المطلب الخامس والعشرون في أن جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره

- ‌المطلب السادس والعشرون في أن قرب العبد إلى ربه ليس بقرب مكان

- ‌المقصد الثالث في مباحث النبوة

- ‌الفصل الأول في أن البعثة لطف من الله تعالى

- ‌الفصل الثاني في جواز خلو الزمان عن نبي ووصي

- ‌الفصل الثالث في أن الرسول أفضل الخلق ولا يكون غيره أفضل منه

- ‌الفصل الرابع في أن النبي لا يحتاج إلى غير النبي لا يوم القيامة ولا في الدنيا

- ‌الفصل الخامس في أن الأنبياء عليهم السلام كانوا عارفين بما يجب من اعتقادات

- ‌الفصل السادس في أن الأنبياء لم يصدر عنهم ذنب كان الموت عليه هلاكا

- ‌الفصل السابع في أن الأنبياء عليهم السلام كانوا منزهين عن الخصال الذميمة

- ‌الفصل الثامن في أن الأنبياء عليهم السلام أقروا جميعا يوم الميثاق بما خاطبهم الله تعالى

- ‌الفصل التاسع في أن نبيا من الأنبياء لم يعتذر عن الرسالة ولم يستعف منها

- ‌الفصل العاشر في أن المبعوث هو محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه

- ‌الفصل الحادي عشر في أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين

- ‌الفصل الثاني عشر في أن الله تعالى لم يفوض أمر الدين إلى أحد من الرسل والأئمة

- ‌الفصل الثالث عشر في أن المعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق

- ‌الفصل الرابع عشر في أن ما ورد من النصوص محمولة على ظواهرها

- ‌الفصل الخامس عشر في أنه تعالى لم يرسل بعد خاتم الأنبياء ملكا إلى أحد بالوحي

- ‌الفصل السادس عشر في أن النسخ من وظائف الشارع

- ‌المقصد الرابع في الإمامة

- ‌المطلب الأول في أن نصب الإمام ليس بواجب عليه تعالى

- ‌تتمة

- ‌المطلب الثاني في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق

- ‌(الأدلة القرآنية على خلافة الثلاثة)

- ‌(أخبار عترية في خلافة الخلفاء)

- ‌تتمة في ذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل إلى المطلوب بأدنى تأمل

- ‌المطلب الثالث في إبطال ما استدل به الرافضة على كون الخلافة للأمير بلا فصل

- ‌(الأدلة القرآنية)

- ‌(الأدلة الحديثية)

- ‌مطلب الأدلة العقلية

- ‌المطلب الرابع في بيان صاحب الزمان

- ‌المطلب الخامس في أن العدالة شرط في الإمامة لا العصمة

- ‌المطلب السادس في أن الإمامة لا تنحصر في عدد معين

- ‌المقصد الخامس في رد مطاعن الخلفاء الثلاثة وأم المؤمنين وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم

- ‌المطاعن الأولى في الصديق الأجل رضي الله تعالى عنه

- ‌المطاعن الثانية في حق الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه

- ‌المطاعن الثالثة في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه

- ‌المطاعن الرابعة في أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها

- ‌المطاعن الخامسة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين

- ‌المقصد السادس في المعاد

- ‌المطلب الأول في أن المعاد واقع

- ‌المطلب الثاني في أنه لا يجب على الله تعالى أن يبعث الخلق

- ‌المطلب الثالث في أن عذاب القبر حق

- ‌المطلب الرابع في أن الجنة والنار حق

- ‌المطلب الخامس لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت

- ‌المطلب السادس في أن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء

- ‌المطلب السابع أن غير الفرقة الناجية من الفرق لا تخلد في النار

- ‌المقصد السابع في بيان ما يدل على بطلان مذهب الشيعة

- ‌(الأدلة القرآنية)

- ‌(الأحاديث النبوية)

- ‌(الآثار المروية عن أهل البيت)

- ‌(الدلائل العقلية)

- ‌(تشريع فرق الشيعة ما لم يأذن به الله)

- ‌(مسائل الأعياد)

- ‌(مسائل الطهارة)

- ‌صفة الوضوء والغسل والتيمم

- ‌مسائل الصلاة

- ‌مسائل الصوم والاعتكاف

- ‌مسائل الزكاة

- ‌مسائل الحج

- ‌مسائل الجهاد

- ‌مسائل النكاح والبيع

- ‌مسائل التجارة

- ‌مسائل الرهن والدين

- ‌مسائل الغصب والوديعة

- ‌مسائل العارية

- ‌مسائل اللقيطة

- ‌مسائل الإجارة والهبة والصدقة والوقف

- ‌مسائل النكاح

- ‌مسائل المتعة

- ‌مسائل الرضاع والطلاق

- ‌مسائل الإعتاق والأيمان

- ‌مسائل القضاء

- ‌مسائل الدعوى

- ‌مسائل الشهادة والصيد والطعام

- ‌مسائل الفرائض والوصايا

- ‌مسائل الحدود والجنايات

- ‌المقصد الثامن في ذكر شيء من تعصباتهم ونبذ من هفواتهم

- ‌المطلب الأول في ذكر شيء من تعصباتهم

- ‌المطلب الثاني في ذكر شيء من هفواتهم

- ‌(التقية)

- ‌(التفسير)

- ‌(الكذب)

- ‌(ثواب المتعة)

- ‌(الرقاع والتوقيعات)

- ‌الخاتمة

- ‌قف على حال الإمامية من الشيعة

الفصل: ‌ ‌المطلب الثالث في إبطال ما استدل به الرافضة على كون

‌المطلب الثالث في إبطال ما استدل به الرافضة على كون الخلافة للأمير بلا فصل

اعلم أن الشيعة استدلوا على مطلوبهم بالكتاب والسنة وأقوال العترة والأدلة العقلية وبالمطاعن في الخلفاء الثلاثة.

(الأدلة القرآنية)

أما الكتاب فهي آيات أوردتها أهل السنة في رد الخوارج والنواصب فأخذوها وحرفوا بعض المقدمات وأوردوها فيما أوردوها:

فمنها قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون} ، تقرير الاستدلال أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع، فكلمة {إنما} مفيدة للحصر، والولي المتصرف في الأمور، وظاهر أن المراد ههنا التصرف العام المرادف للإمامة بقرينة العطف [على ولاية الله ورسوله] فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره للحصر وهو المطلوب.

الجواب: الحصر أيضا ينفي خلافة باقي الأئمة، ولا يمكن أن يكون إضافيا بالنسبة إلى من تقدمه، لأنا نقول إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا [إذا كان] حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر. وإن أجابوا بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات -وهو وقت إمامته لا وقت إمامة الباقي- فمرحبا بالوفاق، فإنا كذلك نقول هي محصورة فيه وقت إمامته لا قبله أيضا.

ودونك هذا التفصيل. فنقول أولا ما ذكر من إجماع المفسرين ممنوع. فقد روى أبو بكر النقاش صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر: أنها نزلت في المهاجرين

ص: 465

والأنصار. وقال قائل: سمعنا [أنها نزلت] في علي، قال الإمام: هو منهم. وهذه الرواية بصيغ الجمع.

وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر. ويؤيده الآية السابقة الواردة في قتال المرتدين.

وأورد صاحب لباب التفسير أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هودا على رغم عبد الله بن أُبي فإنه لم يتبرأ منهم. وهذا القول أنسب بسياق الآية، وهو قوله:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء} .

وقال جماعة من المفسرين إن عبد الله بن سلام لما أسلم هجرته قبيلته فشكى ذلك وقال: يا رسول الله إن قومنا هجرونا، فنزلت هذه الآية. وهذا القول باعتبار فن الحديث أصح الأقوال.

وأما القول الذي ذكروه فإنما هو للثعلبي فقط، وقد قالوا فيه حاطب ليل هذا.

وثانيا إن لفظ «الولي» مشترك بين المحب والناصر والصديق والمتصرف في الأمور، فالحمل على أحدها بدون قرينة لا يجوز. والسباق لكونه في تقوية قلوب المؤمنين

ص: 466

وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والسياق من قوله تعالى:{يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين} الآية، لأن أحدا لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما أيضا؛ قرينتان على إرادة الناصر والمحب كما لا يخفى. وكلمة «إنما» تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت النزول تردد ونزاع في الإمامة والولاية، بل كان في النصرة والمحبة.

وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما هو عند الجميع. واللفظ عام ولا ضرورة إلى التخصيص. وكون التصدق في حالة الركوع [وقع له] ولم يقع لغيره غير داع له، إذ القصة غير مذكورة في الآية بحيث يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم، بل جملة {وهم راكعون} عطف على السابق وصلة للموصول أو حال من ضمير {يقيمون} .

وعلى كل الركوع الخشوع. وقد ورد كقوله تعالى: {واركعي مع الراكعين} ولم يكن ركوع اصطلاحي في صلاة من قبلنا بالإجماع. وقوله تعالى: {وخر راكعا} وليس في الاصطلاحي خرور بل انحناء. إلى غير ذلك من الآيات، فهو معنى متعارف أيضا فيصح الحمل عليه كما هو مقرر في محله. وأيضا حمل {الزكاة} على التصدق [بالخاتم] كحمل لفظ الركوع على الخشوع، فالجواب هو الجواب. بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا لئلا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعدها مضر لكم، إذ في عرف القرآن يكون المراد بها الزكاة مفروضة لا الصدقة المندوبة. ولو حملنا الركوع على المشهور وجعلت الجملة حالا من ضمير {يقيمون} لعمت المؤمنين أيضا، لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع، وفي هذا التوجيه غاية لصوق بالنهي عن

ص: 467

موالاة اليهود الوارد بعد.

وأيضا لو كان حالا من ضمير {يؤتون} لم يكن فيه كثير مدح، إذ الصلاة إنما تمدح إذا خلت عن الحركات المقلقة بالغير وقطع صاحبها العلائق عما سوى الخالق المتوجه إليه الواقف بين يديه. ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في صحة الإمامة، فالتعليق به لغو ينزه الباري تعالى عنه. على أنها معارضة بما تقدم فافهم.

وتكلف صاحب إظهار الحق غاية التكلف وتعسف نهاية التعسف في تصحيح هذا الاستدلال وتنميق هذا المقال، فلم يأت إلا بقشور لا لب وكلمات لا يرتضيها ذو عقل ولب. فمن جملة ما قال: إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة، فكذا الأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة أيضا يكون بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متحدا أو متعددا أو متعاطفا لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين واجبة وثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين كافة المسلمين باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم متعذرة لكل واحد من المكلفين فضلا عن مودتهم. وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة. فالمراد به البعض وهو المرتضى. انتهى كلامه.

وهو كلام الوقاحة منه تفور والجهالة تروي عنه، إذ مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وإذا تعذر العام كيف يتعين الأمير وهو المتنازع فيه؟ واستنتاج المتعين من المطلق وقاحة وجهل محض كما لا يخفى.

ثم نقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان عام بلا قيد ولا جهة، وهي موالاة لإيمانهم في الحقيقة، والعداوة لسبب غير ضار في الموالاة من جهة الإيمان. ثم ماذا يقول في قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم

ص: 468

أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله}. ولو كانت الموالاة الإيمانية عامة لجميع المؤمنين فأية استحالة تلزمها؟ والملاحظة الإجمالية للكثرة بعنوان الوحدة لا شك في إمكانها. ألا ترى أنهم يقولون كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه، وكذا يقولون كل حيوان حساس، والكثرة فيهما ظاهرة. وليت شعري ما جوابه عن معاداة الكفار، وكيف الأمر فيها وهي هي كما لا يخفى.

نعم المحذور كون [أنواع] الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة كافيا، وليس فليس، إذ الأول أصل والثاني تبع والثالث تبع له، فالمحمول مختلف والموضوع كذلك، لأن الولاية العامة، وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشكيك في الحكم لا في جهته، فالباري وما سواه موجود في الخارج والوجوب والإمكان ملاحظ، وهذا قوله تعالى:{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله عليه وسلم مندوبة في غيره، وعليه الأصوليون. وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب [المحبة] ليس محذورا بل المحذور الاتحاد في المرتبة والأصالة وهو غير لازم. فتدبر.

ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال: «قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه» رواه الترمذي.

ص: 469

وهكذا استفسروا منه صلى الله عليه وسلم من يكون حريا بالإمامة. أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم» رواه أحمد، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية فلم يبطل مدلول «إنما» . انتهى.

وفيه أن محض الاستفسار لا يقتضي وقوع التردد. نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر وخالفوا ونازعوا بعضهم بعضا بعد ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم تحقق المدلول [لإنما]، وليس فليس. ومجرد السؤال غير مقتض لـ"إنما" على ما في كتب المعاني. وأيضا سلمنا التردد لكن لم يعلم أنه بعد الآية أو قبلها متصلا أو منفصلا سببا للنزل أو اتفاقيا، فلا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية وأنى ذلك. والاحتمال غير كاف في الاستدلال فلا تغفل. وليعلم أن الحديث الثاني ينافي الحصر صريحا، لأنه صلى الله عليه وسلم في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين فكيف الحصر؟ فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول القرآن أو بالعكس لزم التكذيب. والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما تقرر. ومع هذا تقدُّم كلًّ مجهولٌ فسقط العمل. وإن قيل الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في الإمامة، قلنا وكذلك لا يصح في مقام إثبات التردد الاستدلال به، وأيضا الاستدلال بالآية موقوف عليه فافهم. وأيضا الحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركَه، كما يفهم من الآية تركُه.

ومنها قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

ص: 470

تطهيرا}، تقرير الاستدلال أن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما.

ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها:

أما الأولى فلكون الإجماع ممنوعا. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في الأسواق أن قوله تعالى: {إنما يريد الله} الآية نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم. والسباق والسياق يشهدان له. على أن ذكر حال الغير في أثناء خطاب الأزواج بهذه الصورة مناف للبلاغة. وأيضا إضافة البيوت إلى الأزواج في {بيوتكن} يدل على أن المراد بأهل البيت إنما هن الأزواج المطهرات، إذ بيته صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون غير ما سكن فيه أزواجه.

وقال عبد الله المشهدي [الشيعي]: إن كون البيوت جمعا في {بيوتكن} وإفراد البيت في أهل البيت يدل على الغيرية. وفساد هذا ظاهر لأن "بيتا" اسم جنس يطلق على القليل

ص: 471

والكثير، والإفراد باعتبار الإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالبيوت بهذا الاعتبار بيت، والجمع في {بيوتكن} باعتبار الإضافة إلى الأزواج.

ثم قال: لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل} ثم قال بعد تمام هذه الآية {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال المفسرون: {وأقيموا الصلاة} عطف على {أطيعوا} انتهى.

وفيه غفلة عن محل النزاع، إذ الكلام في الفصل بالأجنبي باعتبار الموارد وهو المنافي للبلاغة، لا الأجنبي من حيث الإعراب. على أن في عطف على وأطيعوا بحثا، لأنه وقع {وأطيعوا} أيضا بعد {أقيموا} ، فيلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه، ولا احتمال للتوكيد لوجود حرف العطف. ثم قال كلاما لا ينبغي ذكره.

وأما إيراد ضمير جمع المذكر في {عنكم} فبملاحظة لفظ الأهل، كقوله تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل:{قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} وكذا قوله {لأهله امكثوا} الآية خطابا من موسى صلى الله عليه وسلم لامرأته.

وما روي في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا هؤلاء الأربعة ودعا لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: أشركني فيهم أيضا، قال:«أنت على خير وأنت على مكانك» . فهو دليل صريح على نزولها في حق الأزواج فقط، فقد أدخل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أيضا بدعائه المبارك في تلك الكرامة، ولو كان نزولها في حقهم لكان تحصيلا للحاصل. كذا قالوا.

ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات

ص: 472

ولكن بحكم «العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب» دخل في بشارتها الجميع، واختيار الأربعة هربا من توهم الاختصاص بالأزواج بمعونة القرائن كالسباق واللحاق.

وما قال عبد الله المشهدي: إن المراد بالبيت بيت النبوة، ولا شك أن أهل البيت لغة شامل للخدام من الإماء اللاتي يسكن البيوت أيضا، وليس المراد هذا بالاتفاق، فالمراد أهل العباء الذين خصصهم حديث الكساء؛ ففيه أن هذه الوسعة لا تضر أهل السنة لأن العصمة بالمعنى الذي يقول به الشيعة لا يثبتونها والغير غير ضار. وأيضا عدم كون هذا مرادا من أجل أن القرائن تعين المراد. وأيضا يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن كان يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال، ولم يكن التحول والتبدل جاريَين عادة فيهم كالأزواج والأولاد دون العبيد والخدام الذين هم في معرض التبدل والتحول من ملك إلى ملك بالهبة والبيع وغير ذلك، وإنما يدل التخصيص بالكساء على كون هؤلاء المذكورين مخصصين لو لم يكن للتخصيص فائدة، وهي ظاهرة.

وقيل الإرادة لا تستلزم الفعل عند الشيعة، فافهم وتدبر.

وأما الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على عدة أبحاث: أحدها كون كلمة {ليذهب عنكم الرجس} أي محل لها [من الأعراب] مفعول له ليريد أو به. الثاني معنى «أهل البيت» . الثالث أي مراد من «الرجس» . وفي هذه المباحث كلام كثير يطلب من الكتب المبسوطة في التفسير.

ص: 473

وبعد اللتيا والتي لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما البدريين قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم تارة: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} وتارة: {ليطهركم به وليذهب عنكم رجز الشيطان} وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا إتمام أدل على عصمتهم، لأن [إتمام] النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا صادقا لتظهر حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم.

أما الثالثة فلأن «غير المعصوم لا يكون إماما» مقدمة باطلة وكلمة عاطلة، يدرأها الكتاب وكلام رب العزة المستطاب. فتذكر ولا تغفل وتبصر.

ومنها قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} فإنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. رضي الله تعالى عنهم. فأهل البيت واجبو المحبة، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة، فعلي واجب الإطاعة وهو معنى الإمام. وغير علي

ص: 474

لا تجب محبته فلا تجب إطاعته.

وأجيب أولا بأن المفسرين اختلفوا في هذه الآية. فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا، ولكن ضعف ذلك الجمهور فإن السورة بتمامها مكية، ولم يكن هنالك الإمامان [الحسن والحسين]، وما كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها متزوجة بعلي رضي الله تعالى عنه. وروي أن القربى من بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة. وجزم قتادة والسدي الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية: إني لا أسألكم على الدعوة والتبليغ من أجر إلا المودة والمحبة لأجل قرابتي بكم. وهذه الرواية موجودة في صحيح البخاري عن ابن عباس: "وما بطن من قريش إلا وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قرابة بهم، فيذكرهم تلك القرابة" لأداء الحقوق، فالاستثناء منقطع. وهذا المعنى هو المناسب لشأن النبوة، لأن الأغراض الدنيوية ليست من شيم الأنبياء. قال تعالى:{قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله} وقال تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين} وقال تعالى: {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} والآيات كثيرة.

وثانيا لا نسلم الكبرى وهي «كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة» ، وكذا لا نسلم هذه «كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة والرئاسة العامة» . أما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزما لوجوب الإطاعة لكان العلويون كذلك لوجوب محبتهم كما ذكر ابن بابويه في كتاب الاعتقادات، ولكانت الزهراء إماما، بل لكان الأربعة أئمة في عهد

ص: 475

الرسول صلى الله عليه وسلم، واللوازم باطلة. وأما الثاني فلأنه يلزم أن يكون كل نبي في زمنه صاحب الرئاسة الكبرى، كأشموئيل وغيره، وهو ظاهر البطلان. وثالثا لا نسلم انحصار وجوب المحبة في [الأربعة] المذكورين عندنا، بل أبو بكر وعمر وعثمان كذلك بالروايات الصحيحة. والدليل إلزامي فلا بد من ملاحظة جميع روايات أهل السنة ولا تكفي الواحدة. وإن ألحوا فقوله {يحبهم ويحبونه} يشهد لنا، لأنه في حق المقاتلين وهؤلاء رؤساؤهم، والمحبوب واجب المحبة. هذا ثم لا يخفى أن التقريب غير تام لأن النتيجة شيء والمدعى شيء آخر. وأين العام من الخاص، وهذا المطلوب لا ذاك. فتدبر.

ومنها قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} الآية، فإنه لما نزلت خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منزله آخذا بيده الشريفة أهل العباء وهو يقول: إذا دعوت فأمّنوا. فعلم أن المراد بالأبناء الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبالنفس الأمير، وظاهر استحالة الحقيقة، فالمراد المساواة، فمن كان مساويا للأفضل فهو أولى بالتصرف بالضرورة فهو الإمام لا غيره.

وهذا أحسن تقريرهم في الآية كما لا يخفى على المتتبع. وللنواصب فيه كلام كثير ليس هذا محله.

وفي هذا الدليل نظر من وجوه: أما أولا فلا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير، بل نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم. والإمام داخل في الأبناء حكما كالحسنين، والعرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، والمنع مكابرة. والاعتراض بأن الشخص لا يدعو نفسه في غاية الضعف، فقد شاع وذاع قديما وحديثا [أن يقال] دعته نفسه، ودعوت نفسي، {فطوعت له نفسه

ص: 476

قتل أخيه}، وشاورت نفسي، إلى غير ذلك.

وأيضا لو قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق {أنفسنا} فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق {أنفسكم} مع الاشتراك في {ندعو} إذ لا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله {تعالوا} .

وأيضا قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين، كقوله تعالى:{يخرجون أنفسهم من ديارهم} أي أهل دينهم، {ولا تلمزوا أنفسكم} ، {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} فللقرب والألفة عبر بالنفس، فلا يلزم المساواة كما [لا يلزم] في الآيات.

وأما ثانيا فلزوم المساواة في جميع الصفات بديهي البطلان، لأن التابع دون المتبوع. وفي البعض لا تفيد المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف [بأن] تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة، فليتدبر.

ومنها قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قالوا: ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا المنذر وعلي الهادي» .

ولا يخفى ضعفه لأنه من رواية الثعلبي، ولا اعتبار لمروياته في التفسير.

ص: 477

وقد أوردها أهل السنة في مقابلة النواصب. والضعيف يُتمسك به في الفضائل.

وأيضا لا دلالة لها على إمامة الأمير ونفيها عن غيره أصلا، لأن كون رجل هاديا لا يستلزم أن يكون إماما. نعم الإمامة بمعنى القدوة مرادة وليست محل النزاع. قال الله تعالى:{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} ، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} الآية.

ومنها قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} قالوا: روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا قال: {وقفوهم إنهم مسئولون} عن ولاية علي بن أبي طالب.

ولا يخفى أن نحو هذا النحو من التمسك بالروايات لا بالآيات، وفي هذه الروايات كلام قوي لا سيما هذه إذ فيها المجاهيل والضعفاء. على أن نظم القرآن مكذب لها، لأن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل {وما كانوا يعبدون * من دون الله} . وما هي وعلي؟

ص: 478

وأيضا النظم يدل على أن السؤال عن مضمون الجملة الاستفهامية وهي {ما لكم لا تناصرون} فقط، ولهذا أجمعوا على ترك الوقف على {مسئولون} . ولئن سلمنا لكان المراد بالولاية المحبة، بدليل رواية الواحدي في تفسيره عن ولاية علي وأهل البيت. وظاهر أن جميع أهل البيت لم يكونوا أئمة. سلمنا أنها الزعامة الكبرى، لكن المفاد اعتقادها في وقت من الأوقات، وهذا مذهبنا لا مذهبكم. فأين التقريب.

ومنها قوله تعالى: {السابقون السابقون * أولئك المقربون} قالوا: روي عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: السابقون ثلاثة، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.

ولا يخفى أن هذا أيضا تمسك بالحديث، ومدار إسناده على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع. قال العقيلي: هو شيعي متروك الحديث. فالحديث منكر بل موضوع،

ص: 479

وأمارات الوضع عليه لائحة، لأن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله كما دل عليه النص، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع كما هو مقرر في محله. وأيضا انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول، فلكل نبي سابق لا محالة. وأيضا أية ضرورة أن يكون كل سابق إماما؟ وأيضا لو صحت الرواية لناقضت قوله تعالى في حق السابقين:{ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين} والثلة الجمع الكثير، ولا يمكن إطلاق الجمع الكثير على اثنين ولا القليل على الواحد أيضا، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفي أو إضافي شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل [آية]:{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} والقرآن يفسر بعضه بعضا.

وأيضا الثابت بإجماع الفريقين أن أول من آمن حقيقة خديجة رضي الله تعالى عنه. فلو كان مجرد السبق كافيا لصحة الإمامة لزم إمامتها وهو باطل. فإن قلت قد تحقق المانع فيها وهو الأنوثة، قلت المانع متحقق وهو وجود الثلاثة الذين كانوا أصلح للرئاسة من جنابه عند الجمهور من أهل السنة.

فانظر أيها المنصف الرشيد والفطن اللوذعي المجيد إلى حال هؤلاء جند الأهواء قد نسجت غشاوة التصعب على أبصارهم فهم عمون وحلت غواية الشيطان قلوبهم فهم في بيداء الضلالة يهرعون، استدلوا بما استدلوا ولم يعقلوا، وحلوا عقال التثبت بلاقع الزيغ ولم يعقلوا. فدونك أدلة سموم البطلان يهب من أرجائها ورسومها وخلب البروق يلوح في خلال غمومها وغيومها، مع أنها أقوى دلائلهم في هذا المقام وأعلى وأغلى تحريراتهم في صنوف الكلام. وقد كفيت شرها وأمنت حرها. والحمد لله على ما أولاه.

ص: 480