الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني عشر في بيان اختلاف الشيعة فيما رووه عن أهل البيت
اعلم أن الكيسانية رووا عن أئمتهم ما يخالف ما رواه الآخرون في الفروع، مع أن ما رووه عن محمد بن علي بن أبي طالب وولده أبي هاشم أكثرها كذب باتفاق سائر فرق الشيعة.
وأن الزيدية يروون عن الأئمة الأربعة: علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين كثيرا من الأحكام، بخلاف ما يرويه غيرهم من الشيعة عنهم، كالقياس؛ فإنهم رووا جوازه، وروى سائر فرق الشيعة إلا النصيرية عدمه.
وأن الإسماعيلية غير النزارية اختلفوا في الرواية اختلاف سائر فرق الإمامية.
أما النزارية فقد درسوا الأحكام الشرعية وأسقطوا التكاليف وأباحوا المحرمات، فهم كالأنعام أو أضل سبيلا.
وأما الإمامية فقد اختلفوا في روايتهم اختلافا كثيرا. وقد صرح شيخ الطائفة محمد بن الحسن في تهذيب الأحكام بكثرة اختلاف رؤساء القوم فقال: لا يوجد خبر إلا وفي مقابلته خبر آخر يضاده في الحكم. ثم قال: وقد اتفق القوم أن هذا لا يجوز أن يتعبد به العاقل ولا أن يعمل به اللبيب. ولذا قد رجع خلق كثير وجم غفير من العقلاء عن مذهب الإمامية بعد الاطلاع على ذلك.
وقد حكى أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن شيخه أبي عبد الله محمد بن النعمان البغدادي - المشهور عندهم بالمفيد - أن أبا الحسن الهاروني كان يعتقد مذهب الشيعة ويدين بطريق الإمامية، فرجع عنه لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره.
والمذهب الذي أسس على الأخبار الكاذبة باطل من غير نكير.
انظر إلى الاختلاف الجاري بين
الفرقة الاثني عشرية: فقد روى جمع منهم بإسناد صحيح عندهم أن خروج المذي ينقض الوضوء، وروى آخرون بإسناد صحيح أيضا أنه لا ينقض الوضوء. وروى جمع أنه يجب سجدتا السهو في الصلاة، وأن الأئمة كانوا يسجدون للسهو، وروى آخرون أنه لا يجوز السجود للسهو. وروى بعضهم أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، وروى آخرون أنه لا ينقض. وروى بعضهم عدم جواز عبث المصلي
ببعض أجزاء بدنه، وروى آخرون جوازه حتى بالمذاكير. إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا يحيط بها الإحصاء.
وقد تصدى محمد بن الحسن الطوسي للجمع بين الأخبار المتعارضة في التهذيب والاستبصار، فخبط خبط عشواء وركب متن عمياء، فأتى بالتكلفات البعيدة والتعسفات الغير السديدة، كحمل ماء الورد على الماء الذي فيه الورد. واضطر في التوفيق بين كثير من الأخبار المتضادة إلى التقية، التي هي عكاز أعمى وأوهى من نسج العنكبوت. ومن العجيب أنه حمل بعض الأخبار على التقية، مع أن المخالف لم يذهب إلى ما دلت عليه أو ذهب إليه جماعة شاذة! وأعجب منه أنه حمل جزء الخبر على التقية، وأهمل الجزء الآخر منه مع أنه أيضا يخالف مذهب أهل السنة! كما حمل تخليل أصابع الرجلين فقط على التقية في أمره صلى الله عليه وسلم بغسل الوجه مرتين وبتخليل أصابع الرجلين حين غسلهما، مع أن غسل الوجه مرتين مخالف أيضا
لمذهب أهل السنة.
وسيجيء إن شاء الله إبطال التقية بدلائل يقينية، بحيث لا تبقي للخصم كلاما، وتوجه عليه من الطعن سهاما.
وقد حملوا بعض الأدعية الصادرة عن أهل البيت على معان لا يقصدها الفصيح ومقاصد غير قابلة للتصحيح، من ذلك: ما حملوا قول السجاد رضي الله تعالى عنه: "إلهي ظلمت وعصيت فتوانيت" على معنى: إلهي إن شيعتنا ظلموا وعصوا وتوانوا، لكنهم رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فنحن نضيفهم في الدعاء إلى أنفسنا لأنهم منا وهم موالينا. وإنما اضطروا إلى هذا التأويل للقول بعصمة الأئمة؛ لأن هذا الكلام على تقدير صدقه وكذبه ينافي العصمة، مع أنه تأويل يبعد أن يقصده مثل هؤلاء
الأئمة الأعلام والفصحاء الكرام، فقد حمل فيه ياء المتكلم الواحد على الجمع، والتكلم على الغيبة، وإضافة فعل المتكلم إلى الغير. على أنا لو فرضنا صحة هذا التأويل الذي ليس له دليل؛ فما الذي أوجب ترك التصريح والمعنى الصحيح؟ وأي ضرر لو قال: إلهي إن شيعتنا وموالينا وأحب الخلق إلينا قد ظلموا أنفسهم، فاغفر لهم وارحمهم، وارفع درجتهم في الجنة، ونحو ذلك؟ مع أن التكلم بمثل ذلك الكلام موجب لإضلال الأنام؛ لأنه من أوضح الدلائل على عدم عصمة القائل. والتأويل المذكور بعيد عن الأذهان، لا يتبادر إلى أفهام ذوي العرفان. نسأل الله تعالى الهداية والعصمة من الضلالة والغواية.