الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الأدلة الحديثية)
منها حديث الغدير: إذ أخذ بيد الأمير وقال: يا معشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قالوا: إن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وهذا عين الإمامة.
فنقول أولا: لم يثبت كون المولى بمعنى الأولى. بل لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل أبدا. إلا أن أبا زيد اللغوي جوزه متمسكا بقول أبي عبيدة في تفسير {هي مولاكم} أي أولى بكم. وقد خطأوه قائلين: لو صح لزم أن يقال مكان فلان أولى منك مولى منك، وهو باطل منكر إجماعا. والتفسير بيان حاصل المعنى وهو النار مقركم ومصيركم.
وثانيا لو كان المولى كما ذكروا فمن أي لغة ينقل أن صلته بالتصرف؟ أفلا يحتمل [أن يكون المراد] بالمودة والتعظيم؟ وأية ضرورة في كل ما نسمي الأولى [أن] نحمله على ذلك؟ قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف.
وثالثا إن القرينة البعدية تدل على أن المراد الأولى بالمحبة، وهي قوله:«اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ، وإلا لقال: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك، ولما ذكر المحبة والعداوة. والرسول أعلم الناس وأفصحهم، وقد بين لهم الواجبات أتم تبيين، وهذه المسألة عماد الدين، فلمَ لم يفصح بالمراد وإرشاد العباد ويقول:"يا أيها الناس علي ولي أمري والقائم عليكم بعدي"، ومثل هذا نُقل عن السبط الأكبر.
وأما وجه تخصيص الإمام بالذكر فلما علمه صلى الله عليه وسلم من وقوع الفساد والبغي في خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته.
وقد تمسك بعض علماء الشيعة على إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع في صدر الحديث، وهو قوله:"ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم". وهذا هو الكلام القديم وعين الدعوى، فأية حاجة إلى هذا الحمل، بل هو ههنا أيضا بمعنى الأولى بالمحبة.
وحاصل المعنى: يا معشر المسلمين، إنكم تحبوني أزيد من أنفسكم، كذلك أحبوا عليا، اللهم أحب من يحبه وعاد من يعاديه. وهذا الكلام بمقام من الانتظام. وهذا اللفظ قد وقع في غير موضع بحيث لا يناسب معنى الأولى بالتصرف، كقوله تعالى:{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} والسوق شاهد كما لا يخفى. ولو فرضنا كون الأول في صدر الحديث بمعنى الأولى بالتصرف أيضا، لا يكون حمل المولى على ذلك مناسبا، إذ يحتمل أن يراد تنبيه المخاطبين بهذه العبارة ليستمعوا بآذان
واعية وقلوب غير لاهية وليعلموا أنه أمر إرشادي واجب الطاعة، كما أن الأب يقول لأولاده في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم، فافعلوا كذا. فالمعنى ألست رسول الله إليكم أو ألست نبيكم، والربط حاصل بهذه العبارة كما هو ظاهر.
ومن العجب أن بعض المدققين منهم أوردوا دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا. ولا يخفى فساده، إذ فرق بيّن بين بيان وجوب محبة أحد في ضمن عموم وبين إيجاب محبته بخصوصه. مثلا لو آمن أحد بجميع الأنبياء والرسل ولم يتعرض لاسم محمد صلى الله عليه وسلم في الذكر لم يكن إسلامه معتبرا. على أن وظيفة النبي توكيد مضامين القرآن، قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . وعلى ما قيل يلزم أن تكون التأكيدات من النبي في باب الصلاة والزكاة مثلا لغوا والعياذ بالله تعالى. وبالغوا أيضا التأكيد في التنصيص على إمامة الأمير، وقد قالوا به.
وسبب الخطبة على ما ذكره المؤرخون يدل صراحة على أن المراد المحبة، وذلك أن جماعة كانوا مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، فلما رجعوا شكوا عليا ولم يحمدوا سيرته ولم يحسنوا سريرته، فلما أحس النبي صلى الله عليه وسلم خطب هذه الخطبة.
ومنها ما روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه عليه الصلاة والسلام لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء والبنات، قال الأمير: يا رسول الله أتخلِفني في النساء والصبيان؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» . قالوا: المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثنى مرتبة النبوة ثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الإمامة وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن ذلك له في عهد موسى، فلو انقطعت بعده لزم العزل، وهو محال للزومه الإهانة المستحيلة، فثبتت هذه المنزلة للأمير أيضا وهي الإمامة.
هذا واعترضه النواصب. قالوا: هذا لا يدل إلا على استخلاف خاص لأهل البيت، وإلا لما قرر النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن سلمة عاملا على المدينة وسباع بن عرفطة عساسا فيها وابن أم مكتوم إماما للصلاة في مسجده بإجماع أهل السير. ويرد بما لا أظنه يخفى على أحد، فتدبر. وهو مع جوابه في المطولات.
ونحن نقول فيه اختلاف من وجوه: أما أولا فلأن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، بل هم صرحوا بأنه في نحو "غلام زيد" للعهد، وكيف يمكن العموم في نحو "ركبت فرس زيد" وليس غاية الأمر الإطلاق. وللعهد هنا قرينة "أتخلفني" إلخ. فالاستخلاف كالاستخلاف، فينقطع لانقطاعه، ولا إهانة، وهو واضح. والاستثناء لا يكون دليل العموم إلا متصلا، وهنا منقطع لفظا للجملية. ومعنى للعدم وهو ليس من المنازل. وأيضا بالعموم والاتصال يلزم كذب المعصوم، إذ من المنازل ما لا شك في انتفائه كالأسنيّة والأفطحية والشراكة في النبوة والأخوة النسبية، وأين هذا من الأمير.
وأما ثانيا فلأنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هارون، لأنه كان نبيا مستقلا، ولو عاش لبقي كذلك. وأين النبوة من الخلافة، وهل هذا الاستدلال إلا من السخافة.
وأما ثالثا فلأن ما قالوا من أنه لو زالت هذه المرتبة من هارون لزم العزل باطل. إذ لا يقال لانقطاع العمل عزل لغة وعرفا، ولا يفهم أحد من مثله إهانة كما لا يخفى على المنصف. وأيضا تشبيه الأمير بها دون المستخلف في الغيبة الثابت خلافة ما سواه كيوشع بن نون وكالب بن يوقنا بعد الوفاة يقتضي بموجب التشبيه الكامل عدم خلافة الأمير بعد الوفاة. فتدبر.
ولو تنزلنا عن هذا كله قلنا أين الدلالة على نفي إمامة الثلاثة ليثبت المدعى؟ غاية ما يثبته الحديث الاستحقاق ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة،
فالتقريب غير تام. والله تعالى أعلم.
ومنها ما رواه بريدة مرفوعا أنه قال: «إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي»
نقول هذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح، وهو شيعي متهم في روايته. على أنه غير مفيد إذ البعدية تحتمل الاتصال والانفصال وهي غير مطلقة، فلا يثبت المدعى فافهم.
ومنها ما رواه أنس بن مالك أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طائر [قيل إنه سهام وقيل حبارى وقيل حجل] قد طبخ له وأهدي إليه فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي» فجاءه علي.
نقول: قد حكم أكثر المحدثين بوضع هذا الحديث. وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزريي، وشمس الدين الذهبي في تلخيصه. ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب الناس الأحب في الأكل. ولا شك أن الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب موجب لتضاعف اللذة كما لا يخفى على من له ذوق. ولو سلمنا الإطلاق فلا نسلم كون أحب الخلق إلى الله تعالى هو صاحب الرئاسة العامة، وهذا زكريا ويحيى يشهدان لنا، وكذا أشموئيل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بالنص ينادي بهذا. وأيضا يحتمل أن يكون المراد بمن هو أحب الناس إليك بطريق التبعيض، وهو كثير كقولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم. وأيضا يحتمل غيبة أبي بكر إذ ذاك. وسؤال الخارق إنما هو عند التحدي
لا غير، وإلا لما احتاجوا في الحرب والقتال إلى سلاح ورجال، فتدبر.
وأيضا لا يقاوم مثل حديث: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» .
ومنها ما رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»
نقول: هذا الحديث أيضا مطعون [فيه]. قال يحيى بن معين: لا أصل له. وقال البخاري: إنه منكر وليس له وجه صحيح. وقال الترمذي: إنه منكر غريب. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه. وقال الشيخ محيي الدين النووي والحافظ شمس الدين الذهبي والشيخ شمس الدين الجزري إنه موضوع. فالتمسك بالأحاديث الموضوعة التي أخرجها أهل
السنة عن حيز الاحتجاج والتمسك بها في مقام إلزامهم دليل صريح على قلة فقه الشيعة. ومع هذا غير مفيد لمدعاهم، إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو صاحب الرئاسة العامة بلا فصل، غايته أن شرطا من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه ولا يلزم من تحقق شرط تحقق المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن هذا الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه برواية أهل السنة مثل:«ما صب الله شيئا في صدري إلا وقد صببته في صدر أبي بكر» ونحو: «لو كان بعدي نبي لكان عمر» فلا بد من ملاحظة جميع الروايات ليحصل الإلزام، ولا يكفي الرواية الواحدة كما لا يخفى.
ومنها ما رواه الإمامية مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في بطشه وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب» . وجه التمسك به أن مساواة الأمير للأنبياء العظام في صفاتهم الجليلة قد علمت به، والأنبياء أفضل من غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل، فيكون علي أفضل من غيره، والأفضل متعين للإمامة.
وفيه أما أولا، فإن هذا الحديث ليس من أحاديث أهل السنة بل أورده الحلي في كتبه
ونسبه تارة للبيهقي وتارة للبغوي أخرى وليس في كتبهما أثر منه. أفبالافتراء يحصل الإلزام وبالبهتان ينال المرام؟ وقد أوجب أهل السنة لقبول الحديث في غير الكتب الصحاح التنصيص من الثقة على صحته. فبمثل هذا لا يلزمون وينحوه لا يعبأون.
وأما ثانيا فهو محض تشبيه بلا شك ولا تمويه، كقوله:
لا تعجبوا من بلى غلالته
…
وقد زر أزراره على القمر
وقال المتنبي:
نشرتْ ثلاث ذوائب من شعرها
…
في ليلة فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها
…
فأرتني القمرين في وقت معا
وأقل ما يلزم مما لا بد منه الاستعارة، ومبناها على التشبيه وفهم المساواة منه كمال الحماقة. أفيدعي عاقل مساواة الكف للبرق في قوله:
أرى بارِقاً بالأبرقِ الفَرْدِ يومِضُ
…
يُذَهِّبُ ما بَيْنَ الدُّجى وَيُفَضِّضُ
كَأَنَّ سُلَيْمى مِنْ أَعاليهِ أَشْرَفَتْ
…
تَمدُّ لنا كفّاً خَضيباً وتَقْبِضُ
على أنه قد روي عند أهل السنة تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وموسى. رواه الحاكم عن ابن مسعود وصححه في قصة مشاروة النبي صلى الله عليه وسلم لهما في أسارى بدر، فإنه قال: "إن هؤلاء كانوا مثل إخوة لكم كانوا من قبلهم، قال
نوح: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} وقال موسى: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقال إبراهيم: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال عيسى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "
وأما ثالثا فلأن مساواة الأفضل في صفة لا تكون موجبة لأفضلية المساوي، لأن ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل.
وأما رابعا فلأن الأفضلية ليست موجبة للزعامة الكبرى كما مر غير مرة.
وأما خامسا فكتب العلم ملأى من مثل هذه الأحاديث في حق الشيخين، فلا يثبت التفضيل، فتصفح والله تعالى الهادي.
ومنها ما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال «من ناصب عليا في الخلافة فهو كافر» .
نقول لا أثر لهذا الأثر في كتب أهل السنة، بل نسب ابن المطهر الحلي روايته إلى الأخطب الخوارزمي. والحلي خوّان في النقل. والأخطب من غلاة الزيدية. ومع هذا لم يرد في كتابه المؤلف في مناقب الأمير.
وعلى التسليم فلا اعتبار به لمخالفته للأحاديث الصحيحة المروية في كتب الإمامية، من نحو قول الأمير في نهج البلاغة:«أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج» . ولئن اعتبر فمضمونه لا يتحقق إلا إذا طلب الأمير الخلافة وانتزعت عن يده،
وهو لم يطلبها في زمن الثلاثة، لأنه كان مأمورا بالسكوت والتقية كما هو محرر في كتب الإمامية. وأيضا قد سمى الله تعالى في كتابه منكر خلافة الثلاثة في آية الاستخلاف كافرا، قال تعالى:{ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} والمعنى من أنكر خلافة أولئك بعد استماع هذه الآية والعلم باستخلافهم فأولئك هم الكاملون في الفسق، والكامل فيه هو الكافر كما لا يخفى. فتدبر.
ومنها ما رواه الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين: فجزء أنا، وجزء علي بن أبي طالب» .
وهذا الحديث موضوع بإجماع أهل السنة، وفي إسناده محمد بن خلف المروزي. قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك ولم يختلف أحد في كذبه. ويروى من طريق آخر وفيه جعفر بن أحمد، وكان رافضيا غاليا كذابا وضاعا. والحديث
معارض بحديث: «أول من خلق الله نوري» و «أنا من نور الله وكل شيء من نوري» . (1) وأيضا قد ثبت اشتراك الخلفاء مع علي في رواية أحسن من هذه. وهي ما رواه الإمام الشافعي بإسناده عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما خلق أسكننا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى نقلني إلى صلب عبد الله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي طالب» .
وبعد اللتيا والتي لا يدل على المدعى أصلا، لأن اشتراك الأمير في نور النبي لا يستلزم وجوب إمامته بلا فصل فليبينوا ودونه خرط القتاد. ولا بحث لنا في قرب النسب وإنما الكلام في أن ذلك القرب موجب للإمامة بلا فصل أم لا. فلو كان مجرد القرب من النسب موجبا للتقدم في الإمامة لكان العباس أولى بالإمامة كما لا يخفى. فإن قالوا العباس لحرمانه من النور لم يحصل له لياقة للإمامة، قلنا: إن كان مدار التقدم في الإمامة على قوة النور وكثرته فالحسنان حينئذ أولى من الإمام. أما القوة فلأن النور حصة النبي صلى الله عليه وسلم وصلت إليهما ولا شك في قوتها. وأما الكثرة فلأنهما كانا جامعين لنوري النبي صلى الله عليه وسلم والأمير، وهو ظاهر.
ومنها ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه»
(1)[أشار إلى بطلانهما في الصحيحة 133 و 458.]
وهذا الحديث على الرأس والعين. لكن أين الملازمة بين المحبة والإمامة بلا فصل؟ وأيضا هذا الإثبات له لا ينفي عما عداه. كيف وقد قال تعالى في الصديق ورفقائه: {يحبهم ويحبونه} وفي أهل بدر: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ، ومحبوب الله تعالى محبوب الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي أهل قباء:{فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إني أحبك» . ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» قيل: ومن الرجال؟ قال: «أبوها» . ولما كان كلامهم إلزاميا كان للاستدلال بالمذكور محال فلا تغفل، والتخصيص هنا باعتبار المجموع، لأن الفتح في الأزل على يد الأمير، أو دفعا لشبهة أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أو للتمهيد بالمشترك كما تقول العرب: فلان رجل عاقل، مع أن المقصود إثبات العقل دون الرجولية، فافهم.
ومنها: «رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار»
هذا مسلم أيضا لكن أين الإمامة بلا فصل. وقد جاء في حق عمار بن ياسر: «الحق مع عمار حيث دار» وفي حق عمر أيضا: «الحق بعدي مع عمر حيث كان» ، والتفاوت بيّن، سيما عند الشيعة من أن الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير لازم الإجابة، فقد دعا ربه بجمع أصحابه على محبة علي فلم يحصل كما روى ابن بابويه القمي.
على أن البعض قد استدل بهذا الحديث على صحة خلافة الثلاثة بقياس المساواة، وهو الحق مع علي وعلي مع الثلاثة فالحق معهم. ودليل الكبرى صلاته معهم، وقد ثبت القضاء ومبايعته لهم ونصحه في أمور الرئاسة، فقد ذكر في النهج أن الأمير قال لعمر حين استشاره في غزوة الروم: «متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتكسر وتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، وليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فأرسل إليهم رجلا مجربا وأحضر معه البلاغة والنصيحة، فإن أظهره الله تعالى فذلك ما تحمد، وإن تكن
الأخرى كنت أنت درء الناس ومثابا للمسلمين». وقد مرت نصيحة أخرى حين أراد أن يخرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى دفع فتنة نهاوند، حيث قال له الأمير كرم الله تعالى وجهه:«إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة .. » إلخ.
والعجب من الشيعة [أنهم] يقولون هذا ونحوه لقلة الأعوان والأنصار، ثم يروون ما يناقضه، كما روى أبان بن عياش عن سليم بن قيس الهلالي وغيره أن عمر قال لعلي:«لئن لم تبايع أبا بكر لنقتلنك، قال له علي: لولا عهد عهده إلى خليلي لست أخونه لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا» . فهذه الرواية تدل بالصراحة على كثرة الأعوان وأن السكوت لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بصحة إمامة الصديق. والدليل العقلي يؤيده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يليق بمقامه أمر مثل الإمام بتعطيل أمر الله وحرمان الأمة من لطفه واتباع أهل الباطل. كيف وقد قال الله تعالى في زمان الكلفة والمشقة وقبل تمام الدين:{يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} أفيأمر أسد الله بعد تمام الدين بالجبن والخوف وإفساد أمر المسلمين وترك تبليغ الأحكام واتباع الفساق والظلام: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} حاشاه ثم حاشاه، أولئك مبرؤون مما يقولون.
وقال ابن طاوس سبط أبي جعفر الطوسي إن ترك منازعة الإمام وإظهار الرضى في الأحكام كان اقتداء بأفعال الله تعالى، وهي إمهال الجاني والتأني في المؤاخذة، والتأني محمود والعجول لا يسود.
وقد ارتضى هذا الجم الغفير ممن يدعي أنه شيعة الأمير. وهو مما يضحك المغبون ويتعجب منه العاقل والمجنون، كيف والاقتداء بأفعال الله تعالى فيما نهى عنه الشرع غير جائز فضلا عن أن يكون واجبا، إذ الباري قد ينصر الكفرة ويعين الفجرة ويخذل الصلحاء ويقدر الرزق على العلماء، أفيجوز الاقتداء بهذه
الأفعال؟ سبحانك ربنا هذا الداء العضال.
وأما ما قيل: «تخلقوا بأخلاق الله» (1) فبابه المكارم دون الأحكام، وإلا فمن لم يصل ولم يصم ولم يفعل الطاعات أينجو يوم القيامة؟ ثم ما قاله من التأني المحمود فهو في غير طاعة الملك المعبود. قال تعالى في مدح المتعجلين:{أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} وفي غيرهم: {وإن منكم لمن ليبطئن} . والإمام له منصب الهداية والإرشاد فكيف يجوز له التأني وبه تفوت كثير من الواجبات.
ولو قالوا: تأني الأمير كان بالأمر فلا يلزم ترك الواجبات، قلنا: إذًا إمامته غير متحققة، وإلا فالنصب والأمر [له بالتأني] غير معقول كما لا يخفى. وأيضا إذا كان الأمير مأمورا من الله تعالى بالتأني وإخفاء الإمامة وترك دعواها يكون المكلفون في ترك مبايعته وإطاعة الآخر معذورين، فلو خالفوا ونصبوا غيره لحفظ دينهم ودنياهم وتمشية مهماتهم في هذه المدة لا يكون للعتاب والعقاب لهم محل أصلا، فتدبر.
ومنها ما رواه زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي»
هذا مسلم أيضا لكن لا مساس له بالمطلوب. سلمنا، ولكن قد صح أيضا:«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» و «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» .
سلمنا، ولكن العترة في لغة العرب الأقارب، فلو دل على الإمامة لزم إمامة الجميع، وهو
(1)[الضعيفة 2822]