الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث في أن عذاب القبر حق
ذهبت المنصورية والحميرية والقرامطة والجناحية والكاملية والباطنية والخطابية والرزامية والمعمرية إلى أن عذاب القبر غير واقع.
وهو باطل. والحق ما ذهب إليه أهل السنة لقوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} فإنه يدل على أن دخول النار بعد الغرق في البحر بلا تراخ لمكان الفاء هو عذاب القبر لقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فإنه تعالى عطف عذاب القيامة على عرض النار عليها غدوا وعشيا، فهو لا محالة غيره وقبل يوم القيامة فهو إذا في القبر.
ولما رواه الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عذاب القبر حق". وأخرجا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وهو ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين".
وأما نعيم القبر فثابت أيضا بقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}
وقوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فإن حبيب النجار لما قتل قيل له ذلك. وقوله عليه الصلاة والسلام: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن يفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها". رواه أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب. إلى غير ذلك.
واحتج المنكرون بالنقل والعقل.
أما النقل فقوله تعالى في صفة أهل الجنة: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} فلو كان في القبر حياة أخرى وموت آخر لذاقوا موتين.
والجواب أنه ليس في القبر إحياء وإماتة، بل يخلق الله تعالى نوع حياة يدرك به اللذة والألم بسبب انعكاس الروح على الجسد. وأما قول الكفار:{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} فالمراد بالإماتتين إماتة الدنيا والصعقة التي تكون بين النفخة الأولى ونفخة الصعقة، ويكون الموت بين النفختين كالإغماء ولا يسمى ذلك موتا حقيقة ولا مجازا. والمراد بالإحيائين الإحياء في الدنيا والآخرة، ولأن المراد به الجنس لا العدد كما في قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} والجنس يتناول المتعدد. وليس في الآية نفي التعدد.
وأما العقل فإن إدراك اللذة والألم والتكلم لا يتصور بدون الحياة والعلم، ولا حياة مع فساد البنية وبطلان المزاج. ولو سلم فإنا نرى الملقى في الأرض والمصلوب يبقى مدة
إلى أن يبلى ولا يشاهد فيه إحياء ولا حركة ولا سكون ولا أثر عذاب أو نعيم، بل لو وضع على صدره كف من خردل يرى ولو بعد حين باقيا على حاله.
والجواب أن ذلك كله من الأمور الممكنة، وقد أخبر به الصادق. وأمثال ما ذكروه من الاستبعادات لا ينفي الإمكان. ولأن الله تعالى يخلق للميت نوع حياة يدرك بها اللذة ويفهم المسالة ويقدر على الجواب، ولكنها تخفى على الأحياء من الثقلين، كالنائم يرى أنه يأكل ويشرب ويجامع ويلتذ حتى يرى الأثر على جسده كالمني ويرى أنه وقع في النار واحترقت أعضاؤه ويدرك ألم الحرق ويخفى ذلك على المستيقظين. والله سبحانه قادر على إبقاء الخردل بحالها على صدر الميت وهو على كل شيء قدير. وقد رأى بعض الصلحاء أثر الحريق في بعض القبور. وروي أن مجوسيا جاء إلى عمر بن الخطاب ومعه ثلاث رؤوس فقال: يا عمر إن نبيكم كان يقول إن من خرج من الدنيا على غير الإسلام فهو يحرق بالنار، وتلا قوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} فقال عمر: بلى، فأخرج العلج الرؤوس: إن هذا رأس أبي وهذا رأس أمي وهذا رأس أخي وأنا أضع يدي على هذه الرؤوس فلا أرى فيها أثر الحريق، فاستحضر عليا فلما حضر قال للمجوسي: أعد السؤال، فأعاد فقال علي: ائتوني بحدر وحديد، فأتي به فقال للمجوسي: ضع يدك عليهما فقال: هل تجد أثر الحر؟ فقال: لا أجد بل هما باردان، فقال: اضرب الحديد على الحجر، فضرب فخرجت النار من بينهما، فقال للمجوسي: أفتنكر أن يكون وسط هذه الرؤوس نار وأنت لا تجد حرها؟ والله تعالى قادر أن يجعل بين أعضاء الميت وترابه نارا وأنت تجد حرها كما جعل في الحجر والحديد. وما ذلك على الله بعزيز.