الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطاعن الثالثة في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
منها أنه ولى أمر المسلمين من ظهر منه الخيانة.
والجواب أنا لا نسلم ذلك، بل إنه ولى من كان له حسن الظن به ولم يعلم الغيب، والمرؤ إنما يعرف بالمعاملة، ومن ظهر منه الخيانة عزله. ولأن أمير المؤمنين ولّى غير واحد ممن ظهر منه الخيانة، منه بعض بني أعمامه كما يدل عليه كتابه الذي في نهج البلاغة، وهو هذا: "أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل في أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الأمة قد فنكت (أي بعدت) وشغرت (اشتدت) قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن على بينة من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتبتغي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة واختطفت ما قدرت عليه من الحملة أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟ أوَما تخاف نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما
وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار" الخ.
ومنهم المنذر بن الجارود العبدي، وقد كتب له هذا الكتاب وهو في النهج أيضا:"أما بعد، فإن صلاح أبيك غرني وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رتي (أي رفع) لي عنك لا تدع لهواك انقيادا ولا تبقي لآخرتك عتادا، تعمر دنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ومن كان بصفتك، فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على جباية، فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله". مع أن عليا يعلم أحوال من يوليه لأن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة بإجماع الإمامية، فقد روى محمد بن يعقوب الكليني وغيره بأسانيدهم ما ينص على ذلك. وقد ولّى زيادا المتجسم من محض الفساد، بل هو بشهادته على نفسه وشهرة ذلك بين أبناء جنسه. ولو ذكرنا نبذة من قبيح أفعاله وشيئا من فحش أقواله لاسود وجه
القرطاس وهان فعل إبليس بالنسبة إلى فعله لدى الناس. ومن طالع مكاتبات الأمير كرم الله تعالى وجهه المذكورة في النهج تبين له حال عماله بأوضح حجج. ومع ذلك لم يتفوه أحد بالاعتراض على الأمير، وأنى يتسنى لأحد التصدي لمثل هذا الأمر الخطير. ولكن الرافضة قاتلهم الله تعالى يخبطون خبط عشواء ولا يستحون من الكلمة العوراء.
ومنها أنه أدخل الحكم أبا المروان ابن أبي العاص المدينة، وقد طرده النبي صلى الله عليه وسلم وأبعده عن المدينة وامتنع أبو بكر وعمر عن رده.
والجواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أخرجه لحبه المنافقين وتهييجه الفتن بين المسلمين ومعاونته الكفار وميله إلى الفجار، ولما زال الكفر والنفاق بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وقوي الإسلام في خلافة الشيخين لم يبق محذور من إرجاعه إليها. وقد تقرر لدى الفريقين أن الحكم إذا علل بعلة ثم زالت زال، وقد سبق ذلك. وعدم إرجاع الشيخين إياه لما حصل عندهما من ظن بقائه على ما كان عليه في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ارتفع ذلك عن عثمان زمن خلافته لأن الحكم كان ابن أخيه. على أن عثمان قال لما اعترضوا عليه بذلك إني كنت أخذت الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته على دخول الحكم المدينة. وعدم قبول الشيخين ذلك لعدم كفاية شاهد واحد. فلما آلت الخلافة إلى عثمان عمل بما علم.
ومنها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال ويقدمهم على غيرهم من الرجال.
والجواب على فرض التسليم أن عثمان بذل ذلك من ماله وكان كثير المال ثريا قبل أن يكون خليفة، حتى أنه رضي الله تعالى عنه كان يعتق في كل جمعة رقبة وكان يضيف المهاجرين والأنصار كل يوم. وقد روي عن الحسن البصري أنه قال:"إني شهدت على منادي عثمان ينادي: يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، فيغدون فيأخذونها وافية، حتى والله سمعته يقول: اغدوا على كسوتكم فيأخذون الحلل". ومن راجع كتب السير علم درجة كرمه. وهكذا شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها أنه حمى الحمى عن المسلمين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم سواء في الماء والكلأ.
والجواب أنا لا نسلم أن الأرض التي حماها مما لا يجوز حميها لأنه على ما روي أنه
حمى أرضا كانت ملكا له قد تركها للمسلمين ثم حماها لما سنح له، ولأنه حماها لأجل خيل المجاهدين سنة الجدب.
ومنها أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسرت أضلاعه، وقدم على عمار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق، وأنه ضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة.
والجواب أن ضرب عبد الله بن مسعود لم يثبت في كتب أهل السنة. وأما ضرب عمار فبغير علم عثمان، بل إنما ضربه بعض غلمانه حيث لم يعرفوا جلالة قدره ونباهة شأنه، حتى لما أخبر عثمان بذلك اعتذر منه حتى رضي رضي الله تعالى عنه، وحدوث الفتق من مفتريات الشيعة. وأما ضرب أبي ذر ونفيه إلى الربذة فلم يصح، وإنما خرج إلى الربذة باختياره، فقد ذكر الطبري وابن الجوزي وابن عبد البر أنه خرج بعد وفاة أبي بكر من المدينة إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي عثمان فكتب معاوية إليه يشكو أبا ذر لأنه كان قوالا بالحق وكان يغلظ في القول فكتب إليه عثمان يطلبه إلى المدينة فلما نصحه عثمان بحسن العشرة فقال أبو ذر أستاذن منك أن ألحق بفلاة من الأرض، فخرج من المدينة حاجا أو معتمرا فلما قضى نسكه رجع وسكن في الربذة غير منفي ومات بها.
ومنها أن الصحابة تبرؤا منه ولم يدفنوه بعد موته ثلاثة أيام ولم ينكروا على من أجلب عليه من الأمصار بل سلموه ولم يدافعوا عنه.
والجواب أن هذا كذب صريح، لأن الصحابة لم يقصروا في الذب عنه، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وقد جاءوا إلى عثمان وفيهم عبد الله وزيد بن ثابت وكل منهما متقلد سيفه فقال له زيد:"إن الأنصار يقولون إن شئت كنا أنصار الله، مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك". وكان معه في الدار الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وكل منهم شاكي السلاح، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزومهم بيوتهم فخرجوا وقال:"لئن أقتل قبل الدماء أحب إلي من أن أقتل بعد الدماء". ولما خرجوا من داره بعث أمير المؤمنين بنيه وأولاد أخيه جعفر ومولاه قنبر وكل منهم شاكي سلاحه، وبعث الزبير وطلحة وكثير من الصحابة
أبناءهم وعبيدهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، فقاموا على بابه حتى خضب الحسين بالدماء حين رمى عليه الناس بالسهام وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر، فلم يقدر أحد ممن أراد قتله أن يدخل عليه من باب داره فتسوروا من دار بعض الأنصار. وقد ثبت عن الفريقين أن أمير المؤمنين قال:"والله قد دفعت عنه" كما في نهج البلاغة. وذكر غير واحد من الشارحين أنه بالغ في الذب عنه وأنه كان يضرب محاصري عثمان ويغلظ عليهم في الشتم. وكان عبد الله بن سلام يدخل عليهم ويقول لا تقتلوه. وكان حذيفة يحذرهم من قتله. ذكر ذلك القرطبي في التذكرة. أما ترك الدفن فقد ذكر المحققون من أهل السنة ومنهم صاحب التحفة أنه لم يتأخر الدفن بل دفن بثيابه الملطخة بالدم ليلا، وقد شيع جنازته جمع من الصحابة والتابعين. فما نقل صاحب الأصل عن القرطبي من أنه رضي الله تعالى عنه ألقي على المزبلة فأقام فيها ثلاثة أيام لا يصح، وقد شنع عليه أكثر من واحد في إيراد ذلك.
ومنها أنه ترك القود الواجب على عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان ملك الأهواز، وكان مسلما.
والجواب أن الثقاة من المؤرخين ذكروا أن عمر لما قتله أبو لؤلؤة مولى المغيرة بن شعبة أُخبر عبيد الله ابنه أنه فعل ذلك بإشارة ملك الأهواز هرمزان، فلما رجع من
دفن أبيه دخل دار الهرمزان فقتله، فلما آل أمر الخلافة إلى عثمان استرضى أهله. وأقر ذلك الطبري وغيره من مؤرخي المحدثين. ولأن جميع ورثته لم يكونوا في المدينة. وقد ثبت أنه كان للهرمزان جماعة في فارس لم يقدموا عليه خوفا، نص عليه المرتضى وغيره من علماء الفريقين: ولأنه لم يكن عند قتله من يشهد عليه. ولأن عليا ترك القود الواجب على قتلة عثمان مع كثرة المطالبين به من الورثة وغيرهم حتى هاجت بسبب ذلك فتن كثيرة.
ومنها أنه غير الشريعة وخالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث صلى الظهر والعصر بمنى أربعا أربعا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين.
والجواب أن عائشة أم المؤمنين روت عن النبي صلى الله عليه وسلم كلا من الإتمام والقصر. ويؤيده قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . وقد صحح الدراقطني الإتمام عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين كمالك بن أنس والشافعي وأحمد والطحاوي وابن أبي شيبة وأبو عمر بن عبد البر. وروي أن عثمان لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه فقال: "يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم". وقد كان قبل يصلي ركعتين كما أخرج الشيخان عن حفص بن عاصم. والله الهادي إلى سواء السبيل.