الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع والعشرون في أن الله تعالى خالق الخير والشر
ذهبت الكيسانية والزيدية غير المخلصين والإمامية إلى أنه تعالى خالق الخير وليس بخالق الشر، بل خالق الشر إبليس وعصاة الثقلين. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أنه تعالى خالق كل شيء، لقوله تعالى:{لا إله إلا هو خالق كل شيء} ، {كل شيء خلقناه بقدر} ، {خلقكم وما تعملون}. ولما أخرجه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى: "أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدر على يده الخير، وويل لمن قدر على يده الشر".
ولما رواه محمد بن يعقوب الكليني وغيره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله أنه كان يقول: "مما أوحى الله إلى موسى وأنزل عليه في التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يد من أحبه، فطوبى لمن أجريته على يده". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أردته، فويل لمن أجريته على يديه". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير وخلقت الشر، فطوبى لمن أجريت
على يديه الخير، وويل لمن أجريت على يديه الشر". وروى علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي صاحب التفسير عن عبد المؤمن بن قاسم الأنصاري عن أبي عبد الله قال:"قال ربنا أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر". إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.
ولقد سلك علماء الرافضة في تأويل هذه الأخبار كل واد. فقال بعض المحققين منهم: "المراد من الخير ما يلائم الطبع، ومن الشر ما ينافره"، وهذا لا يجديه نفعا على ما لا يخفى. ولأن ما ذهبوا إليه يستلزم إثبات الشركاء لله تعالى الذي له الخلق والأمر، ولذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، فقال عليه الصلاة والسلام:«القدرية مجوس هذه الأمة» ، وذلك لأنهم زعموا أن للعالم إلهين: أحدهما خالق الخير وهو يزدان، والثاني خالق الشر وهو أهرمن.
واحتج من خالف أهل الحق بأنه تعالى لو كان خالق كل شيء لكان خالق أفعال العباد، واللازم باطل، لأنه لو خلق الكفر والمعصية في العبد ثم عذبه بذلك لكان ظالما، فالملزوم مثله.
والجواب أن الظلم مستحيل في حقه تعالى؛ لأنه إما تجاوز الحد، أو التصرف في ملك الغير، وكلاهما محال على الله تعالى كما سبق؛ ولأن الله تعالى يخلق للعبد إرادة وقوة، فإذا أراد أن يفعل فعلا خلق الله تعالى ذلك الفعل فيه والقدرة عليه، والتفصيل في كتب الكلام، وهذا هو الأمر المتوسط بين الجبر والتفويض، وهو الصراط المستقيم، والمروي عن أئمة أهل البيت.
روي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "قلت للإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله، هل فوض الله تعالى الأمر إلى العباد؟ فقال: الله تعالى أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد، فقلت: هل جبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك، فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الأمر بين بين، لا جبر ولا تفويض، ولا كره ولا تسليط". وروى الكليني عنه أنه قال: "لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين". وروى الكليني عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه وروى عن إبراهيم أنه قال: "سأل الرضا رجل: أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أفيقدرون على فعل كما يريدون؟ فقال: هم أعجز من ذلك"، كذا في الفصول وفي نثر الدرر. وسأل الفضل بن سهل علي بن موسى الرضا في مجلس المأمون قال:"يا أبا الحسن، الخلق يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب، قال: فمطلقون؟ فقال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه". ولأن القدرة والإرادة مخلوقتان لله تعالى بالاتفاق، نص عليه نصير الدين الطوسي في قواعد العقائد وغيره، ولا فرق بين خلق الفعل في العبد وخلق قدرة خلقه فيه.