الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السابع عشر في أنه لا يجب على الله تعالى شيء
ذهبت الشيعة قاطبة إلى أنه يجب على الله تعالى بعض الأمور، واختلفوا في معنى الواجب فقالت طائفة منهم: الواجب ما يستحق تاركه الذم عقلا، وقالت جماعة أخرى: الواجب ما قدره الله تعالى على نفسه أن يعطيه ولا يتركه. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه الفرقة الناجية وغيرهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، فإنه المتفضل بالتوفيق والخلق والرزق والثواب على الطاعة وغير ذلك، وليس شيء منها واجبا عليه سبحانه، وإنما هو فضل منه؛ إذ الألوهية تنافي الوجوب، والعبد المملوك لا يستحق أجرا ورعاية مصلحة، فإن أعطى فبفضله، وإن منع فبعدله، وهو محمود في كل فعاله.
وبطلان القولين في تفسير الواجب أظهر من الشمس. أما الأول فلأنه لا معنى للوجوب إلا عدم التمكن من الترك، وهو ينافي الاختيار. ولأنه لو وجب عليه شيء لزم أن يكون ناقصا لذاته، مستكملا بفعله، لأنه يستوجب الذم بتركه. ولأنه لو وجب عقلا لزم أن يكون بعض مخلوقاته حاكما عليه، وهو باطل. ولأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون بالاتفاق، فحينئذ لا يخلو إما أن يفعل ما يعلم أو لا، والثاني باطل لأنه ينقلب العلم جهلا، فتعين الأول فلا حاجة إلى القول بإيجاب الفعل له بعض الأشياء. ولأن الفعل إما واجب أو ممتنع غير مقدور عليه، وتاركه لا يستحق الذم، والواجب يقع البتة. ولأن ترك الواجب ممتنع كفعل الممتنع. وأما بطلان المذهب الثاني فلأن تقدير بعض الأشياء على نفسه عبث محض، والله سبحانه منزه عنه. ولأن ترك ما قدره على نفسه أن يفعله إن كان جائزا فات معنى الوجوب، وإن لم يكن جائزا بناءً على أن تركه مستلزم للذم عقلا فيرجع إلى المعنى الأول، وقد تقدم بطلانه آنفا، ولأن الوجوب على كلا المعنيين يدل على أن ترك الزجر عن القبائح وفعل القبيح والبخل والسفه والظلم كان جائزا له تعالى قبل الإيجاب وخلق
الفعل كما لا يخفى.
واستدل من فسر الواجب بما يستحق تاركه الذم عقلا بأن من الأفعال ما يستحق فاعله الذم عقلا، ومنها ما يستحق تاركه الذم عقلا، وكل ما كان كذلك فهو واجب الفعل والترك عقلا.
والجواب أن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى - على ما سبق بيانه في أول مطالب هذا المقصد - ولأن الواجب يقع والممتنع لا يقع من غير أن يحكم العقل شيئا فيهما؛ فجعل الله تعالى محكوما لبعض خليقته ضلال وزندقة. ولا حجة لهم بقوله تعالى: {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} قوله تعالى: {كان على ربك حتما مقضيا} لأن المراد من الآية الأولى تأكيد الحكم دون الإيجاب، والمعنى وعد بالرحمة وعدا مؤكدا وهو منجز البتة، ولاستحالة تطرق الخلف إلى وعده أجراه مجرى الواجب وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط. و {على} في الآية الأولى لتأكيد المحاسبة والمجازاة، وفي الثانية لتأكيد التفضل لا للإيجاب، وفي الثالثة لتأكيد ورود كل أحد النار. ومعنى {حتما} أمر مبرم، فإن الحتم إبرام الأمر وإحكامه، وقوله تعالى:{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} معناه: وكان ثابتا محققا بمقتضى الوعد، و {على} للتأكيد.
وأقول: لما كان هذا المقام مما تزل فيه الأقدام، لا بأس علينا أن نزيده بيانا ونورد له حجة وبرهانا، فإن حمل هذه الآيات على ما سمعت غير مرضي لدى المحققين، ومنتقد عند أرباب البصائر واليقين. وأحسن ما رأيته ما كتبه الأواه عمدة المحدثين وأحد الحفاظ المتقنين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بالحافظ ابن القيم رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه- في كتابه بدائع الفوائد، الذي هو في الحقيقة درر وفرائد، فقال بعد كلام له في هذا الباب:
فإن لم يتسع لهذا ذهنك، فسأزيدك إيضاحا وبيانا، وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا إيجاب منه على نفسه، فهو الموجب، وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح وكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح:«لما قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» ، وفي لفظ:«سبقت غضبي» . فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتابة، وصفة اليد، ومحل الكتابة، وأنه كتاب، وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش؛ فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد، وهو إيجاب منه على نفسه، ومنه قوله تعالى:{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} فهذا حق أحقه على نفسه، فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ {الحق} ولفظة {على}. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمعاذ:«أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار» . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم -
في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد. فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة: "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك"، فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه، لا أنهم أوجبوه ولا أنهم أحقوه، بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما، لا السائلون ولا العابدون، فإنه:
ما للعباد عليه حق واجب
…
كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عُذبوا فبعدله أو نعموا
…
فبفضله وهو الكريم الواسع
ومنه قوله تعالى: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه. ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه، نحو قوله تعالى:{فوربك لنحشرنهم والشياطين} وقوله: {لنهلكن الظالمين} وقوله: {قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} إلى أمثال ذلك مما أخبر أنه يفعله إخبارا مؤكدا بالقسم. والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع، بخلاف القسم على ما فعله تعالى، مثل قوله:{يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين} والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر، وهو من باب القسم المتضمن للتصديق، ولهذا يقول الفقهاء: النهي ما اقتضى حضا أو منعا، والخبر ما اقتضى تصديقا أو
تكذيبا، فالقسم الذي يقتضي الحض أو المنع، وهو من باب الطلب، لأن الحض والمنع طلب. ومن هذا ما أخبر به أنه لا بد أن يفعله لسبق كلماته به، لقوله تعالى:{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون} وقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} فهذا إخبار عما يفعله أو يتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير. ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه، لقوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم:«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم» ، فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب.
ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، التي لا يجزم الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها بالمراد منها، كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذلك كله هو إخباره به، ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه، وقوله:«حرمت الظلم على نفسي» أي أخبرت أنه لا يكون، ونحو ذلك مما يتيقن أن المراد به ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه، فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر، فإنه يتضمن إبطال الخبر. ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما، فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه، فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم، كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله. وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه؟ وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله، فإن محبته لفعله تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا
تمنع وقوعه. ففرق بين فعله سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله، فإن فعل عباده يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع. فتدبر هذا الموضع الذي هو مزلة أقدام الأولين والآخرين، إلا من عصمه الله تعالى بعصمته وهداه إلى صراط مستقيم.
انتهى كلامه المقصود نقله. ولولا ضيق المقام لنقلناه بأسره، فإني لا أظنك تجده في كتاب غيره، وإن أردت استيفاء البحث فارجع إلى ذلك الكتاب لتحظى بالصواب وترى العجب العجاب.