الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا يصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوةً، وَلَمْ يُقْسَمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ، وَنحْوِهَا، إِلَّا الْمَسَاكِنَ، وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاق فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وَهِيَ الْحِيرَةُ، وَأُلَّيْسٌ، وَبَانِقْيَا، وَأَرْضُ بَنِى صَلُوبَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقرَّهَا في أَيْدِى أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِى ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ. وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا.
ــ
صلى الله عليه وسلم: «لا تَبعْ ما ليس عِنْدَك» (1). حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه يَبِيعُ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، أشْبَهَ بَيْعَ الطَّيْرِ في الهَواءِ.
1561 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما فُتِحَ عَنوَةً، ولم يُقْسَمْ، كأَرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، ونحوِها، إِلَّا المساكِنَ، وأرْضًا مِن العِراقِ فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وهى الحِيرَةُ وأُلَّيْسٌ
(2) وبانِقْيا، وأَرْضُ بنى صلُوبَا؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقَفها على المُسْلمين، وأقَرَّها في أَيْدِى أرْبابِها بالخَراجِ
(1) تقدم تخريجه في صفحة 56.
(2)
أليس: الموضع الذى كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس في أول أرض العراق من ناحية البادية. وفى كتاب الفتوح: أُلَّيْسٌ: قرية من قرى الأنبار. معجم البلدان 1/ 354.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذى ضَرَبَه أُجْرَةً لها في كُلِّ عامٍ. ولم يُقَدِّرْ (1) مُدَّتَها؛ لعُمومِ المَصْلَحَةِ فيها) لا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأَرْضِ المَوْقُوفَةِ، ولا شِراؤُه؛ كأَرْضِ الشامِ، ونحوِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وقَوْلِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم عمرُ، وعَلِىٌّ، وابنُ عَبّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ (2)، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، وقَبيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى إسْحاقَ الفَزَارِىِّ (3). قال الأوْزَاعِىُّ: لم يَزَلْ أَئمَّةُ المُسلمينَ يَنْهَوْنَ عن شراءِ أَرضِ الجزْيَةِ، ويَكْرَهُه عُلَماؤُهم. وقال: أجْمَعَ رَأْىُ عمرَ، وأصحابِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، لَمّا ظَهَرُوا على أهلِ الشامِ، على إقْرارِ أهْلِ القُرَى في قُرَاهُم، على ما كانَ بأَيْدِيهم مِن أَرْضِهم، يُعَمِّرُونها، ويُؤدُّونَ خَراجَها إلى المُسْلِمِينَ، ويَرَوْنَ أنّه لا يَصْلُحُ لأحَدٍ مِن المُسْلِمينَ شِراءُ ما في أيْدِيهم مِن الأَرْضِ طَوْعًا ولا كَرْهًا،
(1) في الأصل، م:«تقدر» .
(2)
في ر 1: «عمر» .
(3)
إبراهيم بن محمد بن الحارث، الإِمام الثقة المأمون، توفى سنة خمس وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب 1/ 151 - 153.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكَرِهُوا ذلك؛ لِما كانَ مِنْ إيقافِ عمرَ وأَصْحابِه الأَرضِينَ المَحْبُوسَةَ على آخِرِ هذه الأُمَّةِ مِن المُسْلِمينَ، لا تُباعُ ولا تُورَثُ، قُوَّةً على جِهادِ مَن لم يُظْهَرْ عليه بعدُ مِن المُشْرِكِينَ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا أقَرَّ الإِمامُ أهلَ العَنْوَةِ في أرْضِهم تَوارَثُوها وتَبايَعُوها. ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن سِيرِينَ، والقُرَظِىِّ؛ لِما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِن دِهْقانَ أرْضًا على أنْ يَكْفِيَهُ جزْيَتَها (1). ورُوِى عنه أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن التَّبَقُّرِ (2) في الأَهْلِ والمالِ. ثم قال عبدُ اللَّهِ: وكيفَ بمالٍ براذانَ (3)، وبِكَذَا وكَذَا (4)! وهذا يَدُلُّ على أنّ له مالًا بِرَاذانَ (3). ولأَنَّها أرْضٌ لهم، فَجازَ بَيْعُها، كأَرْضِ الصُّلْحِ. وقد رُوِى عن أحمدَ أنّه قال: كان الشِّراءُ أسْهلَ، يَشْتَرِى الرَّجُلُ ما يَكْفِيهِ ويُغْنِيهِ
(1) الأموال، لأبى عبيد 78.
(2)
التبقر: التوسع والتفتح.
(3)
في ق، م:«بزاذان» .
وهى قرية بنواحى المدينة. ذكر ياقوت أنها جاءت في حديث عبد اللَّه بن مسعود. معجم البلدان 2/ 730.
(4)
أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 439. وذكره أبو عبيد، في غريب الحديث 2/ 51، 52.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن النّاسِ، وهو رَجُلٌ مِن المُسْلِمِينَ. وكَرِهَ البَيْعَ. قال شَيْخُنا (1): وإنَّما رَخصَ في الشّراء، واللَّهُ أَعلَمُ، لأنَّ بعضَ الصّحابَةِ اشْتَرَى، ولم يُسْمَعْ عنهم البَيْعُ، ولأَنَّ الشِّراءَ اسْتِخْلاصٌ للأَرضِ، ليَقُومَ فيها مَقامَ مَن كانت في يَدِه، والبَيْعُ أَخذُ عِوَضٍ عَمّا لا يَمْلِكُه ولا يَسْتَحِقُّه، فلا يَجُوزُ. ولَنا، إِجْمَاح الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ولا أرَضِيهم (2). وقال الشَّعْبِىُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا على شاطِئ الفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فيها قَصَبًا، فذَكَرَ ذلك لعمرَ، فقال: مِمَّن اشْتَرَيْتَها؟ قال: مِن أرْبابِها. فلمَّا اجْتَمَعَ المُهاجِرُونَ والأَنْصَارُ، قال: هؤُلاءِ أَربَابُها، فهل اشْتَرَيْتَ منهم شَيْئًا؟ قال: لَا. قال: فارْدُدْهَا على (3) مَن اشْتَرَيْتَها منه، وخُذ مالَكَ (4). وهذا قولُ عمرَ في المُهاجِرِينَ والأَنْصَارِ، بمحضرِ سادَةِ الصَّحَابَةِ وأَئِمَّتِهِم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولا سَبِيلَ إلى وُجُودِ إجماعٍ أقْوى مِن هذا وشِبْهِه، إذ لا سَبِيلَ إلى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحابَةِ في مَسْأَلةٍ، ولا إلى
(1) في: المغنى 4/ 193.
(2)
أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب في شراء أرض الخراج، من كتاب البيوع والأقضية. المصنف 6/ 211. وعبد الرزاق، في: باب كم يؤخذ مهم في الجزية، وباب المسلم يشترى أرض اليهود ثم تؤخذ منه أو يسلم، من كتاب أهل الكتابين. المصنف 10/ 330، 337.
(3)
في م: «إلى» .
(4)
الأموال 87.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَقْلِ قَوْلِ العَشَرةِ، ولم يُوجَدِ الإِجْماعُ إلَّا القولَ المُنْتَشِرَ. فإن قيل: فقد خالَفَه ابنُ مَسْعُودٍ بما ذُكِرَ عنه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ المُخالَفَةَ. وقَوْلُهم: اشْتَرَى. قُلْنا: المرادُ به اكْتَرَى. كذا قال أبو عُبَيْدٍ (1). والدَّلِيلُ عليه قولُه: على أن يَكْفِيَه جِزْيَتَها. ولا يكونُ مُشْتَرِيًا لها وجِزْيَتُها على غَيْرِه. وقد رَوَى عنه القاسِمُ أنَّه قال: مَن أقَرَّ بالطَّسْقِ (2) فقد أقَرَّ بالصَّغارِ والذُّلِّ (3). وهذا يَدُلُّ على أنَّ الشِّراءَ هنا الاكتِراءُ. وكذلك كُلُّ مَن رُوِيَت عنه الرُّخْصَةُ في الشِّراءِ محمولٌ على ذلك. وقولُه: فكيف بمالٍ بِرَاذَانَ. ليس فيه ذِكْرُ الشِّراءِ، [ولا أنَّ](4) المالَ الأرْضُ، فَيَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ مِن السَّائِمَةِ أو الزَّرْعِ أو نحوِه، ويَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ أَرضًا اكْتَرَاهَا، وقد يَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ بذلك غيرَه، وقد يَعِيبُ الإنْسانُ الفِعْلَ المَعِيبَ مِن غيرِه. جوابٌ ثانٍ، أنَّه تَناوَلَ الشّراءَ، وبقِىَ قولُ عمرَ في النَّهْى عن البَيْعِ غيرَ مُعَارَضٍ، وأمَّا المَعْنَى فلأنَّها مَوْقُوفَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الوقوفِ، والدَّلِيلُ على وَقْفِها النقلُ والمعنى؛ أمّا النَّقْلُ، فما نُقِلَ مِن الأخْبارِ أنَّ عمرَ لم يَقْسِمِ الأرْضَ التى افْتَتَحَها، وتَرَكَها لتكونَ مادَّةً للمسلمين الذين يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللَّهِ إلى يومِ القِيامَةِ، وقد نقلنا بعضَ ذلك، وهو مَشْهُورٌ تُغْنِى شُهْرَتُه عن
(1) في: الأموال 78.
(2)
الطسق: ما يوضع من الخراج على الجربان.
(3)
الأموال 78.
(4)
في م: «ولأن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَقْلِه. وأَمّا المَعْنَى فلِأَنَّها لو قُسِمَتْ لكانت للذين افْتَتَحُوها، ثم لِوَرَثَتِهِم (1) ولمَن انْتَقَلَتْ إليه عنهم، ولم تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بينَ المسلمين، ولأَنَّه لو قُسِمَتْ لِنُقِل ذلك ولم يَخْفَ بالكُلِّيَّةِ. فإن قيلَ: فهذا لا يَلْزَمُ منه الوَقْفُ؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها للمسلمين عامَّةً، فتكونُ فَيْئًا للمسلمين، والإِمامُ نائِبُهم، فيَفْعَلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، ويَحْتَمِلُ أنّه تَرَكَها لأرْبابِها، كما فَعَلَ النَّبىّ صلى الله عليه وسلم بمكَّةَ. قُلْنا: أَمّا الأَوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ عمرَ إنَّما تَرَكَ قِسْمَتَها لتَكُونَ مادَّةً للمسلمين كلِّهم، يَنْتَفِعُونَ بها مع بَقاءِ أصْلِها، وهذا مَعْنَى الوَقْفِ، ولو جازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بأَصْلِها، لكانَ الذينِ افْتَتَحُوهَا أحَقَّ بها، ولا يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَها أَهْلَها لمَفْسَدَةٍ، ثم يَخُصَّ بها غيْرَهم مع وجُودِ المَفْسَدَةِ المانِعَةِ. والثانِى أَظهَرُ فسادًا مِن الأَوَّلِ؛ لأَنَّه إذا مَنَعَها المسلمين المُسْتَحِقِّينَ، كيف يَخُصُّ بها أهْلَ الذِّمَّةِ المُشْرِكِينَ الذين لا حَقَّ لهم ولا نَصِيبَ؟.
فصل: وإذا بِيعَتْ هذه الأرْضُ، فحَكَمَ بِصِحَّةِ البَيْعِ حاكِمٌ، صَحَّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فصَحَّ بحُكْمِ الحاكِمِ، كسائِرِ المُختلَفاتِ. وإن باعَ
(1) في م: «لورثته» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِمامُ شَيْئًا لمَصْلَحَةٍ رَآها، مثلَ أن يكونَ في الأَرْضِ ما يَحْتَاجُ إلى عمارَتِه، ولا يَعْمُرُها إلَّا مَن يَشْتَرِيها، صَحَّ أَيضًا؛ لأنَّ فِعْلَ الإِمامِ كحُكْمِ الحاكِمِ. وقد ذَكَر ابنُ عائِذٍ (1) في كتابِ «فتوحِ الشامِ» قال: قال غيرُ واحِدٍ مِن مشايخِنا: إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عبدَ المَلِكِ، والوليدَ، وسليمانَ، أن يَأْذَنُوا لهم في شِراءِ الأرْضِ مِن أهلِ الذِّمَّةِ، فأذِنُوا لهم على إدخالِ أثْمَانِها في بَيْتِ المالِ، فلَمَّا وَلِىَ عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ أعْرَضَ عن تلك الأَشْرِيَةِ؛ لاخْتِلاطِ الأُمُورِ فيها؛ لِما وَقَعَ فيها مِن المَوارِيثِ ومُهُورِ النِّساءِ، وقضاءِ الدُّيُونِ، ولمّا لم يقدِرْ على تَخْلِيصِه ولا مَعْرِفَةِ ذلك، كَتَبَ كِتابًا قُرِئَ على النَّاسِ [سَنَةً مائةٍ] (2): إنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا بعدَ سنةِ مائَةٍ، فإنَّ بَيْعَه مَرْدُودٌ. وسَمَّى سَنَةَ مائَةٍ سَنَةَ المُدَّةِ، فتَنَاهَى النّاسُ عن شِرائِها، ثم اشْتَرَوْا أشْرِيَةً كَثِيرَةً (3) كانت بأيْدِى أهْلِها، تُؤدِّى العُشْرَ ولا جِزْيَةَ عليها، فلما أفْضَى الأمْرُ إلى المَنْصُورِ، ورُفِعَتْ إليه تلك الأشْرِيَةُ، وأنَّ ذلك أضَرَّ بالخراجِ وكَسَرَهُ، فأرادَ رَدَّها إلى أهْلِها، فقيلَ له: قد وَقَعَتْ في المَوارِيثِ والمُهُورِ، واخْتَلَطَ أمْرُها. فبَعَثَ المُعَدِّلين، منهم؛ عبدُ اللَّهِ بنُ يَزِيدَ إلى حِمْصَ، وإسْماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ (4) إلى بَعْلَبَكَّ،
(1) محمد بن عائذ بن عبد الرحمن الدمشقى الكاتب، ولى خراج غوطة دمشق للمأمون، وتوفى سنة ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين ومائتين. الوافى بالوفيات 3/ 181. تهذيب التهذيب 9/ 241، 242.
(2)
سقط من: م.
(3)
في م: «كبيرة» .
(4)
في م: «عباس» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهِضابُ بنُ طَوْقٍ، ومُحْرِزُ بنُ زُرَيْقٍ إلى الغُوطَةِ. وأمَرَهُم أن لا يَضَعُوا على القَطائِعِ والأشْرِيَةِ القَدِيمَةِ خَراجًا، ومَنَعُوا الخراجَ على ما بَقِىَ بأَيْدِى الأَنْباطِ (1)، وعلى الأَشْرِيَةِ المُحْدَثَةِ مِن بعدِ (2) سنةِ مائَةٍ إلى السَّنَةِ التى عدّلَ فيها. فعلى هذا يَنْبَغِى أن يَجْرِىَ (3) ما باعَهُ إمامٌ، أو بِيعَ بإِذْنِه، أو تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِه هذا المَجْرى (4) في أن يُضْرَبَ عليه خَراجٌ بقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهْ، ويُتْرَكَ في يَدِ مُشْتَرِيه، أو مَن انْتَقَلَ إليه، إلَّا ما بِيعَ قبلَ المائَةِ سَنَةٍ، فإنَّه لا خَراج عليه، كما نُقِلَ في هذا الخبرِ.
فصل: وحُكْمُ إقْطاعِ هذه الأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِها، في أنّ ما كان مِن عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أو ممَّا كان قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، فهو لأَهلِه، وما كان بعد المائَةِ، ضُرِبَ عليه الخراجُ، كما فَعَلَ المَنْصُورُ، إلَّا أن يكونَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فيكونَ باطِلًا، وذَكَرَ ابنُ عائِذٍ في كتابِه بإسْنادِه، عن سليمانَ
(1) الأنباط: فلَّاحو العجم.
(2)
سقط من: م.
(3)
في م: «يجزئ» .
(4)
في م: «المجزئ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنِ عُتْبَةَ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عبدَ اللَّهِ بنَ محمدٍ، أَظُنُّه المَنْصُورَ، سَأَلَه في مَقْدِمِه الشَّامَ سنةَ ثلاثٍ أو أرْبَعٍ وخمْسِينَ عن الأَرَضِين التى بأَيْدِي أبناءِ الصَّحابَةِ، يَذْكُرُون أنّها قَطائِعُ لآبائِهِم قَدِيمَةٌ. فَقُلْتُ: يَا أميرَ المُؤْمِنِين، إنَّ اللَّه تعالى لمّا أظْهَرَ المسلمين على بلادِ الشامِ، وصَالَحُوا أهْلَ دِمَشقَ وأهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أن يَتِمَّ ظُهُورُهم وإثْخَانُهم في عَدُوِّ اللَّهِ، وعَسْكَرُوا في مَرْجِ [بَرَدَى، بين المِزَّةِ](1) إلى مَرْجِ شعبانَ (2) جَنْبَتَىْ برَدَى، مُرُوجٌ كانت مُباحَةً فيما بينَ أهْلِ دِمَشْقَ وقُرَاهَا، ليست لأَحَدٍ منهم، فأَقَامُوا بها حتَّى أوْطَأَ اللَّهُ بهم المُشْرِكِين قَهْرًا وذُلًّا، فأحْيَا (3) كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهم (4)، وَهيَّئُوا فيها بناءً، فرُفِعَ إلى عمرَ، فأمْضَاهُ عمرُ لهم، وأَمْضَاهُ عثمانُ مِن بَعْدِه إلى وِلايَةِ أميرِ المُؤْمنين. قال: فقد أَمْضَيْنَاهُ لهم. وعن الأَحْوَصِ بنِ حكيمٍ، أنَّ المسلمين الذين فَتَحُوا حِمْصَ لم يَدْخُلُوها، وعَسْكَرُوا على نَهْرِ الأُرُنْدِ (5) فأَحْيَوْهُ، فأَمْضاهُ لهم عمرُ وعثمانُ، وقد كان أُناسٌ منهم تَعَدَّوْا
(1) في م: «بردان المرة» .
(2)
في ر 1: «عمان» .
(3)
في م: «فاختبأ» .
(4)
في م: «محلهم» .
(5)
في م: «الأوند» والأرُنْد: اسم نهر إنطاكية، وهو نهر الرستن المعروف بالعاصى. معجم البلدان 1/ 162.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذاك إلى [جِسْرِ الأُرُنْدِ](1)، الذى على بابِ الرَّسْتَنِ (2)، فَعَسْكَرُوا في مَرْجِه (3)؛ مَسْلَحَةً لمَن خَلْفَهُم مِن المسلمين، فلمَّا بَلَغَهُم ما أَمْضَاهُ عمرُ للمُعَسْكِرينَ على نَهْرِ الأُرُنْدِ، سَأَلُوا أن يُشْرِكُوهم في تلك القَطائِعِ، فكُتبَ إلى عمرَ فيه، فكَتَبَ أنْ يُعَوَّضُوا مثلَه مِن المُرُوجِ التى كانوا عَسْكَرُوا فيها على بابِ الرَّسْتَنِ، فَلم تَزَلْ تلك القَطائِعُ على شاطِئِ الأرُنْدِ، وعلى بابِ حِمْصَ، وعلى بابِ الرَّسْتَنِ ماضِيَةً لأهْلِها، لا خَراجَ عليها، تُؤَدِّى العُشْرَ.
فصل: وهذا الذى ذَكَرْنَاهُ في الأَرْضِ المُغِلَّةِ، أَمّا المَساكِنُ فلا بَأْسَ بحِيَازَتِها وبَيْعِها وشِرائِها وسُكْنَاهَا. قال أبو عُبَيْدٍ (4): ما عَلِمْنا أحَدًا كَرِه ذلك، وقد اقْتُسِمَتِ الكُوفَةُ (5) خُطَطًا في زمَنِ عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، بإِذْنِه، والبَصْرَةُ، وسَكَنَها أصحابُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكذلك الشامُ ومصرُ وغيرُهما مِن البُلْدانِ، فما عابَ ذلك أحَدٌ ولا أَنْكَرَه.
(1) في م: «حبس الأوند» .
(2)
في م: «الرتبتين» . والرستن: بليدة قديمة كانت على نهر الميماس، وهو المعروف بالعاصى، الذى يمر قدام حماة، والرستن بين حماة وحمص. معجم البلدان 2/ 778.
(3)
في م: «برجه» .
(4)
بنحوه في: الأموال 85.
(5)
في م: «بالكوفة» .