الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقنع وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيبِهَا.
ــ
واللَّفْظُ العامُّ أُرِيدَ به الخاصُّ؛ لأنَّه أمَرَ في رَدِّها بصاعٍ مِن تَمْرٍ، ولا يَجِبُ في لَبَنِ غَيرِها. ولأَنَّه وَرَدَ عامًّا وخاصًّا في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْمَلُ العامُّ على الخَاصِّ. فإنْ قُلْنَا بِرَدِّها، لم يَلْزَمْه بَدَلُ (1) لَبَنِها، ولا يَرُدُّ معها شَيئًا؛ لأَنَّ هذا اللَّبَنَ لا يُبَاعُ عادَةً، ولا يُعاوَضُ (2) عنه.
1628 - مسألة: (ولا يَحِلُّ للبائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِه، ولا كِتْمانُ عَيبِها)
لقَولِه عليه السلام: «مَنْ غَشَّنَا فليس مِنّا» (3). قال الترْمِذِيُّ: هذا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال عليه الصلاة والسلام: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ باعَ من أخِيهِ بَيعًا إلَّا بَيَّنَه» . رَواهُ ابنُ
(1) في م: «بذل» .
(2)
في الأصل، ق، م:«يعتاض» .
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 144.
فَإِنْ فَعَلَ، فَالْبَيعُ صَحِيحٌ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيبَ، فَالْبَيعُ بَاطِلٌ. قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
ــ
ماجَه (1). (فإنْ فَعَلَ، فالبَيعُ صَحِيحٌ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، بدَلِيلِ حَدِيثِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صَحَّحَه مع نَهْيِه عنه. (وقال أبو بكرٍ: إنْ دلَّسَ العَيبَ، فالبَيعُ باطِلٌ) لأَنَّه مَنْهِيٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفسادَ. (فقيلَ له: ما تقولُ في التَّصْرِيَةِ؟ فلم يَذْكُرْ جَوابًا) فدَلَّ على رُجُوعِه.
(1) في: باب من باع عيبا فليبينه، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 755. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 158.
فَصلٌ: الْخَامِسُ، خِيَارُ الْعَيبِ؛ وَهُوَ النَّقْصُ؛ كَالْمَرَضِ، وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ. وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالإبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِن مُمَيِّزٍ.
ــ
فصل: قال، رضي الله عنه:(الخامِسُ، خِيارُ العَيبِ؛ وهو النَّقْصُ؛ كالمَرَضِ، وذَهابِ جارِحَةٍ أوْ سِنٍّ، أو زِيادَتِها، ونحو ذلك. وعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِن فِعْلِه؛ كالزِّنا، والسَّرِقَةِ، والإِبَاقِ، والبَوْلِ في الفِراشِ إن كان مِن مُمَيِّزٍ) العُيُوبُ: النَّقَائِصُ المُوجِبَةُ لنَقْصِ المالِيَّةِ في عاداتِ التُّجّارِ؛ لأنَّ المَبِيعَ إنَّما صارَ مَحَلًّا للعَقْدِ باعْتِبارِ صِفَةِ المالِيَّةِ فما يُوجِبُ نَقْصًا فيها يكونُ عَيبًا، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العادَةِ في عُرْفِ التُّجَّارِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالعُيُوبُ في الخِلْقَةِ؛ كالجُنُونِ، والجُذَامِ، والبَرَصِ، والصَّمَمِ، والعَمَى، والعَوَرِ، والعَرَجِ، والعَفَلِ (1)، والقَرَنِ (2)، والفَتْقِ (3)، والرَّتَقِ (4)، والقَرَعِ، والطَّرَشِ، والخَرَسِ، وسائرِ المرَضِ، والإِصْبَعِ الزائدَةِ والنَّاقِصَةِ، والحَوَلِ، والخَوَصِ (5)، والسَّبَلِ؛ وهو زِيادَةٌ في الأجْفانِ، والتَّخْنِيثِ، وكونِه خُنْثَى، والخِصاءِ، والتَّزَوُّجِ في الأَمَةِ، والبَخَرِ (6) فيها. وهذا كُلُّه قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. قال ابنُ
(1) العفل: شيء مدور يخرج في فرج المرأة، وفي الرجل، شيء مدور كالبيضة، يخرج في الدُّبر.
(2)
القرن: شبيه بالعفلة، وقيل: هو كالنُّتُوء في الرحِم، يكون في النساء والشّاء والبقر. والقرن بالسكون اسم العفلة، والقرن بالفتح، اسم العيب. لسان العرب (ق رن).
(3)
الفتق: بروز جزء من الأمعاء من فتحة في جدار البطن.
(4)
الرَّتَق: بالتحريك مصدر قولك: رتقت المرأةُ رتقا، وهي رَتْقاء بينة الرتق: التصق ختانها فلم تُنل لارتتاق ذلك الموضع منها، فهي لا يستطاع جماعها. لسان العرب (ر ت ق).
(5)
الخوص: ضيقُ العين وصغرها وغورها، رجل أخوص بين الخوص، أي غائر العين. لسان العرب (خ وص).
(6)
البخر: الرائحة المتغيرة من الفم. لسان العرب (ب خ ر).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ في الجارِيَةِ تُشْتَرَى ولها زَوْجٌ، أنَّه عَيبٌ. وكذلك الدَّينُ في رَقَبَةِ العَبْدِ إذا كان السيِّدُ مُعْسِرًا، والجِنايَةُ المُوجِبَةُ للقَوَدِ؛ لأنَّ الرَّقَبَةَ صارَتْ كالمُسْتَحَقَّةِ؛ لوُجُوبِ الدَّفْعِ في الجنايَةِ، والبَيعِ في الدَّينِ، ومُسْتَحَقَّةَ الإِتْلافِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالقصَاصِ. والزِّنَى والبَخَرُ عَيبٌ في العَبْدِ والأمَةِ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: ليس بعَيبٍ في العَبْدِ؛ لأنَّه لا يُرادُ للفِراشِ والاسْتِمْتاعٍ به، بخِلافِ الأمَةِ. ولَنا، أنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَه ومالِيَّتَهُ؛ فإنَّه بالزِّنى يَتَعَرَّضُ لإِقامَةِ الحَدِّ عليه والتَّعْزِيرِ، ولا يَأْمنُهُ سَيِّدُه على عائِلَتِه، والبَخَرُ يُؤذِي سَيِّدَه ومَن جالسَه أو سارَّه. والسَّرِقَةُ والإِباقُ والبَوْلُ في الفِراشِ عيُوبٌ في الكَبِيرِ الذي جاوَزَ العشْرَ. وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: في الذي يَأكُلُ وَحْدَه ويَشْرَبُ وَحْدَه. وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق: ليس بعَيبٍ حتى يَحْتَلِمَ، لأنَّ الأحْكامَ تَتَعَلَّقُ به، مِن التَّكْلِيفِ ووُجُوبِ الحَدِّ، فكذلك هذا. ولَنا، أنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِن هذا عادَةً، كتَحَرُّزِ الكَبِيرِ، فوُجُودُه منه في تلك الحالِ يَدُلُّ على أنَّ البَوْلَ لداءٍ في باطِنِه (1)، والسَّرِقَةَ والإِباقَ لخُبْثٍ في طَبْعِه. وحَدُّ ذلك بالعَشْرِ؛ لأمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بتَأْدِيبِ الصَّبِيِّ على تَرْكِ الصَّلَاةِ عندَها، والتَّفْرِيقِ بينَهم في المَضاجِعِ (2). فأمّا
(1) في م: «بطنه» .
(2)
تقدم تخريجه في 3/ 19.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن دونَ ذلك، فتكونُ هذه الأُمُورُ منه لضَعْفِ عَقْلِه وعَدَمِ تَثَبُّتِه. وكذلك إنْ كان العَبْدُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْكَرُ مِن النَّبِيذِ. نَصَّ عليه أَحمَدُ؛ لأنَّه يوجِبُ الحَدَّ، فهو كالزِّنَى. وكذلك الحُمْقُ الشَّدِيدُ، والاسْتِطَالةُ على الناسِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّأدِيبِ. ورُبَّما تَكَرَّرَ فأَفضَى إلى تَلَفِه، ويَخْتَصُّ الكَبِيرَ دونَ الصَّغِيرِ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى فِعْلِه. وعدَمُ الخِتانِ ليس بعَيبٍ في العَبْدِ الصَّغِيرِ، لأنَّه لم يَفُتْ وَقْتُه، ولا في الأمَةِ الكَبِيرَةِ. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ فيها؛ لأنَّه زِيادَةُ ألمٍ، أشْبَهَتِ العَبْدَ. ولَنا، أنَّه لا يَجِبُ عليها، والألَمُ يَقِلُّ فيه، ولا يُخشى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه التَّلَفُ، بخلافِ العَبْدِ الكَبِيرِ. فأمّا الكَبِيرُ، فإنْ كان مَجْلُوبًا مِن الكفّارِ، فليس ذلك بعَيبٍ فيه؛ لأنَّ العادَةَ أنَّهُم لا يُخْتَنُونَ، فصارَ ذلك مَعْلُومًا عندَ المُشْتَرِي، فهو كَدِيِنِهِم، وإنْ كان مُسْلِمًا مَوْلِدًا فهو عَيبٌ فيه؛ لأنَّه يُخشى عليه منه، وهو خِلاف العادَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والثُّيُوبَةُ ليست بعَيبٍ؛ لأنَّها الغالِبُ على الجَوارِي، فالإِطْلَاقُ لا يَقْتَضِي خِلَافَها. هذا اخْتِيارُ القاضِي. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا أُطْلِقَ الشراءُ اقْتَضَى سَلامَتَها مِن الثُّيُوبَةِ وبقاءَ البَكَارَةِ، فالثُّيُوبَةُ إتْلَافُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُزْءٍ، والأَصْلُ عَدَمُ الإِتْلافِ، والثمَنُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فنقولُ: جُزْء يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ببقَائِه وزَوالِه، فَزَوَالُهُ عَيبٌ، كتَلَفِ بعضِ أجْزائِها. وتَحْرِيمُها على المُشْتَرِي بِنَسَبٍ أو رَضاع، ليس بعَيبٍ، إذْ ليس في المَحَلِّ ما يُوجِبُ خَلَلًا في المالِيَّةِ ولا نَقْصًا، والتَّحْرِيمُ يَخْتَصُّ به. وكذلك الإِحْرَامُ والصِّيَامُ؛ لانَّهُما يَزُولَانِ قَرِيبًا. وبه قال أبو حَنِيفةَ والشّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك عِدَّةُ البائِنِ. فأمّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فهي عَيبٌ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ لا يُؤمَنُ ارْتِجاعُها. ومَعْرِفَةُ الغِناءِ والحِجامَةِ ليس بعَيبٍ وحُكِيَ عن مالِكٍ، في الجارِيَةِ المُغَنِّيَةِ، أنَّه عَيبٌ فيها؛ لأَنَّه مُحَرَّمٌ. ولَنا، أَنه ليس بنَقْصٍ في عَييها، ولا قِيمَتِها، فهو كالصِّنَاعَةِ، وكونُه مُحَرَّمًا مَمْنُوعٌ. وإنْ سُلِّمَ، فالمُحَرَّمُ اسْتِعْمالُه، لا مَعْرِفَتُه. والعَسَرُ (1) ليس بعَيب، وكان شُرَيح يَرُدُّ به. ولَنا، أنَّه ليس بنَقْص، وعَمَلُه بإحْدَى يَدَيهِ يقومُ مَقامَ عَمَلِه بالأُخْرَى. والكفْرُ ليس بعَيبٍ. وبه
(1) العسر: العمل بالشمال دون اليمين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الشّافِعِيُّ. وهِو عَيبٌ عند أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه نَقْصٌ؛ لقَوْل اللهِ تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} (1). ولنا، أنَّ العَبِيدَ فيهم المُسْلِمُ والكافِرُ، والأصْلُ فيهم الكُفْرُ، فالإِطْلَاقُ لا يَقْتَضِي خِلافَ ذلك، وكوْنُ المُومِن خَيرًا مِن الكافِرِ لا يَقْتَضِي كوْنَ الكُفْرِ عَيبًا، كما أنَّ المُتَّقِي خيرٌ من غيرِه، قال الله تَعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (2). وليس عَدَمُه عَيبًا. وكَوْنُه وَلَدَ زِنًى ليس بعَيبٍ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ في الجارِيَةِ؛ لأنَّها ترادُ للافتِراشِ، بخلافِ العَبْدِ. قُلْنا: إنَّ النسَبَ في الرَّقِيقِ غيرُ مَقْصُودٍ، بدَلِيلِ أنَّهم يُشْتَرَوْنَ مَجْلُوبِينَ غيرَ مَعْرُوفِي النَّسَبِ. وكونُ الجارِيَةِ لا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أو الخَبْزَ ونحوَه، ليس بعَيبٍ؛ لأنَّ هذا حِرْفَةٌ، فلم يكُنْ فَقْدُها عَيبًا،
(1) سورة البقرة 221.
(2)
سورة الحجرات 13.