الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ،
ــ
حَدّادًا، أو كانتِ الشّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً، فَظَنَّها كَثِيرةَ اللَّبَن، فلا خِيارَ له، لأنَّ ذلك لا يَنْحَصِرُ فيما ظَنَّهُ المُشْتَرِي، لأنَّ سوادَ الأنَامِلِ قد يكونُ لوَلَغٍ، أو خِدْمَةِ كاتِبٍ أو حَدَّادٍ، أو شُرُوعٍ في الكِتَابَةِ، وانْتِفاخُ البَطْنِ يكونُ للأكْلِ، فظنُّ المُشْتَرِي غيرَ ذلك طَمَعٌ لا يَثْبُتُ به الخِيَارُ.
فصل: فإنْ أرادَ إمْساكَ المُدَلَّسِ مع الأرْشِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَجْعَلْ له في المُصَرَّاةِ أرْشًا، بل خَيَّرَه بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ مع صاعٍ مِن تَمْرٍ. ولأنَّ المُدَلَّسَ ليس بمَعِيبٍ، فلم يَسْتَحِقَّ له أرْشًا. فإنْ تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ بِتَلَفٍ، فَعَلَيه الثَّمَنُ؛ لأَنَّه تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ، ولا أرْشَ له، أشْبَهَ غيرَ المُدَلَّسِ. فإنْ تَعَيَّبَ عندَه قبلَ العِلْمِ بالتَّدْلِيسِ، فله رَدُّه ورَدُّ أرْشِ العَيبِ عندَه وأَخْذُ الثّمَنِ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ ولا شيءَ له. وإنْ تَصَرَّفَ في المَبِيعِ بعدَ عِلْمِه بالتَّدْلِيسِ، بَطَلَ رَدُّه، كما لو تَصَرَّفَ في المَبِيعِ المَعِيبِ، وإنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ، فحُكْمُه حُكْمُ تَأْخِيرِ رَدِّ المَعِيبِ، على ما نَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
1623 - مسألة: (ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صاعًا مِن تَمْرٍ
.
فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً، أوْ بَقَرَةً، أوْ شَاةً.
ــ
فإنْ لم يَجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُهُ في مَوْضِعِه، سواءٌ كانت ناقَةً، أو بقَرَةً، أو شاةً) إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ لَزِمَه ردُّ (1) بَدَلِ اللَّبَنِ، في قولِ كُل مَنْ جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، كما جاءَ في الحَدِيثِ. وهذا قَوْلُ اللَّيثِ، وإسحاقَ، والشّافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ. وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشافِعِيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِن قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعضِ الحديثِ (2):«ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ طَعامٍ» . وفي بَعْضِها: «ورَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا» . فجَمَعَ بين الأحَادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ لأَنَّه غالِبُ قوتِ البَلدِ في المَدِينَةِ، [ونصَّ على القَمْحِ] (3)؛ لأنَّه غالِبُ قوتِ بلَدٍ آخَرَ. وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فَيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلَفَاتِ. وحُكِيَ ذلك عن ابنِ أبي لَيلَى. وحُكِيَ عن زُفَرَ، أنّه يَرُدُّ صَاعًا مِن تَمْر أو نِصْف صاعٍ بُرٍّ، كقَوْلِهم في الفِطْرَةِ. ولَنا، الحَدِيث الصَّحِيحُ الذي أوْرَدْنَاهُ، وقد نصّ فيه على التَّمْرِ فقال:«إِنْ شاءَ رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ» . وللبُخَارِيِّ: «مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها،
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «الأحاديث» .
(3)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنْ سَخِطَها ففي حَلْبِها صاعٌ مِن تَمْرٍ». ولمُسْلِمٍ: «رَدَّهَا ورَدَّ صَاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْرَاءَ» (1). يَعْنِي لا يَرُدُّ قمْحًا. والمرادُ بالطَّعامِ في الحَدِيثِ التَّمْرُ، لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَينِ، مُقَيَّدٌ في الآخرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. وحَدِيثُ ابنِ عمرَ في رُواتِه (2) جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ التَّيمِيُّ. قال ابنُ نُمَيرٍ: هو مِن أكْذَبِ النّاسِ. وقال ابنُ حِبّانَ: كان يَضَعُ الحَدِيثَ. مع أنَّ الحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بالاتِّفَاقِ، إذْ لا قائِلَ بإيجابِ مثلِ لَبَنِها، أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوى، مع مُخَالفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وقِياسُ أبي يُوسُفَ مُخالِفٌ للنَّصِّ، فلا يُقْبَلُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشارِعُ بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا للخُصُومَةِ والتَّنَازُعِ، كما قَدَّرَ دِيَةَ الآدَمِيِّ ودِيَةَ أطْرَافِه. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ فلذلك أوْجَبَه؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هي الأثْمانُ لا التَّمْرُ. الثانِي،
(1) تقدم تخريجه برواياته في صفحة 347.
(2)
في م: «روايته» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ مِن الإِبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا مِن تَمْرٍ مع اخْتِلافِ لَبَنِها. الثالِثُ، أنّ لَفْظَه للعُمُومِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ إيجابُ الصاعِ؛ لأَنَّه القِيمَةُ التي عَيَّنَ الشارِعُ إيجابَها فلا يَجُوزُ العُدُولُ عنها. ويَجِبُ أنْ يكونَ صاعُ التَّمْرِ جَيِّدًا غيرَ مَعِيبٍ؛ لأَنَّهُ واجِب بإطْلاقِ الشارِعِ، فيَنْصَرِفُ إلى مَا ذَكَرْنَاه، كالصّاعِ الواجِبِ في الفِطْرَةِ. ويَكْفِي فيه أدْنَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الجَيِّدِ. ولا فَرْق بين أنْ تكونَ قيمَةُ التَّمْرِ أقَلَّ مِن قِيمَةِ الشاةِ أو أكْثَرَ أو مِثْلَها. نَصَّ عليه. وليس فيه جَمْعٌ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ؛ لأنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّارِعُ به، كما قَدَّرَ في يَدَي العَبْدِ قيمَتَه، وفي يَدَيهِ ورِجْلَيهِ قِيمَتَه مَرَّتَينِ، مع بقاءِ العَبْدِ على مِلْكِ السَّيِّدِ. وإنْ عَدِمَ التَّمْرَ في مَوْضِعِه، فعَلَيه قِيمَتَه في مَوْضِعِ العَقْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ عَينٍ أَتلَفَها، فَيَجِبُ عليه قِيمَتُها.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّاقَةِ والبَقَرَةِ والشَّاةِ فيما ذَكَرْنا. وقال داودُ: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ؛ لأنَّ الحَدِيثَ: «لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ» . فَدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بخِلافِهما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِياسُ لا تَثْبُتُ به الأَحْكَامُ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه:«مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً» . و «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً» (1). ولم يُفَصِّلْ. والخَبَرُ
(1) تقدم تخريجه في صفحة 347، 348.