الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا،
ــ
لأنَّه يُقصَدُ فيها (1) العِوَضُ، فأَشْبَهَت (2) سائِرَ عُقودِ المُعاوَضَاتِ.
1601 - مسألة: (ولِكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ ما لم يَتَفَرَّقَا بأبْدَانِهِمَا)
لِما ذَكَرْناه. ولا خِلافَ في لُزُومِ العَقْدِ بعدَ التَّفَرُّقِ، ما لم
(1) في م: «فيهما» .
(2)
في م: «فأشبها» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِى جَوازُه، مِثلَ أَنْ يَجِدَ في السِّلْعَةِ عَيْبًا، فيَرُدَّها به، أو يكونَ قد شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فيَمْلِكَ الرَّدَّ فيها، بغَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أَهْلِ العِلْمِ. وفى مَعْنى العَيْبِ أَنْ يُدَلِّسَ المَبِيعَ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، أو يَشْتَرِطَ في المبيعِ صِفَة يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، فَيَبِينَ بخلافِه، أو يُخْبِرَه في المُرَابَحَةِ بثمنٍ حالٍّ وهو مُؤجَّلٌ، ونحوُ ذلك. وقد دَلَّ على لُزُومِ البَيْعِ بالتَّفَرُّقِ قولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:«وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» (1). والمَرْجعُ في التَّفَرُّقِ إلى عُرْفِ النَّاسِ وعاداتِهم؛ لأَنَّ الشارِعَ عَلَّقَ عليه حُكمًا، ولم يُبَيِّنْه، فدَلَّ على أنَّه أرَادَ ما يَعْرِفُه الناسُ، كالقَبْضِ، والإِحْرَازِ. فإنْ كانا في فَضاءٍ واسِعٍ، كالمَسْجِدِ الكَبِيرِ، والصَّحْرَاءِ، فَبأَنْ يَمْشِىَ أحَدُهما مُسْتَدْبِرًا لِصاحِبه خُطُواتٍ. وقيلَ: هو أَنْ يَبْعُدَ منه بحَيْثُ لا يَسْمَعُ كَلامَه الذى يَتَكَلَّمُ به في العَادَةِ. قال أبو الحارِثِ: سُئِلَ أحمدُ عن تَفْرِقَةِ الأبْدانِ؟ فقال: إذا أَخَذَ هذا هكذا، وأخذ هذا هكذا، فقد تَفَرَّقَا. ورَوَى مُسْلِمٌ (2)، عن نافِعٍ، قال: فكانَ ابنُ عمرَ إذَا بايعَ (3)، فأَرادَ أَنْ لا يُقيلَه، مَشَى هُنَيْهَةً، ثم رَجَعَ. وإن كانَا في دارٍ كَبِيرَةٍ ذاتِ مَجالِسَ
(1) تقدم تخريجه في صفحة 265.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 267.
(3)
في م: «باع» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبُيُوتٍ، فالمُفَارقَةُ أَنْ يُفَارِقَه مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صُفَّةٍ، أو مِن مَجْلِسٍ إلى بَيْتٍ، ونحوِ ذلك. فإنْ كانَا في دارٍ صَغِيرَةٍ، فإذا صَعِدَ أحَدُهما السَّطْحَ، أو خَرَجَ منها، فقد فارَقَه. وإنْ كانَا في سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أحَدُهما منها ومَشَى، وإنْ كانت كَبِيرَةً صَعِدَ أحَدُهما على أَعْلَاها، ونَزَلَ الآخَرُ في أَسْفَلِها. وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. فإنْ كان المُشْتَرِى هو البائِعَ، مِثلَ أنِ اشْتَرَى لنَفْسِه مِن مالِ ولَدِه، أو اشْتَرَى لوَلَدِه مِن نَفْسِه، لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ المَجْلِسِ؛ لأنَّه يَتَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كالشَّفِيعِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فيه، كغَيْرِه. فعلى هذا، يُعْتَبَرُ للُزُومِه مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ العَقْدِ؛ لأَنَّ الافْتِرَاقَ لا يُمْكِنُ ههنا؛ لكَوْنِ البائِعِ هو المُشْتَرِىَ. ومتى حَصَلَ التَّفَرُّق لَزِمَ العَقْدُ، قَصَدا ذلك أو لم يَقْصِداه، عَلِماه أو جَهِلاه؛ لأَنَّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم عَلَّقَ الخِيارَ عِلى التَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ. ولو هَرَبَ أحَدُهما مِن الآخرِ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّهُ فارَقَه. ولا يَقِفُ لُزومُ العَقْدِ على رِضاهُما، ولهذا كان ابنُ عمرَ يُفارِقُ صاحِبَ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ. ولو أقاما في المَجْلِسِ وسَدَلَا بَيْنَهما سِتْرًا، أو بَنَيَا بَيْنَهُما حاجِزًا، أو نامَا، أو قامَا فمَضَيَا جَمِيعًا ولم يَتَفَرَّقَا، فالخِيارُ بحالِه وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ؛ لعَدَمِ التَّفَرُّقِ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (1)، والأَثْرَمُ، بإسْنَادِهما عنِ أبى الوَضِئِ، قال: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنَا فرَسًا بغُلامٍ (2)،
(1) في: باب في خيار المتابعين من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 245. وانظر ما تقدم في تخريج حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». في صفحة 7.
(2)
في ر 1: «لغلام» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم أَقامَا بَقِيَّةَ يَؤْمِهِما ولَيْلَتِهما، فلَمَّا أَصْبَحَا (1) مِن الغَدِ وحَضَرَ الرَّحِيلُ، قامَ إلى فَرَسِه يُسْرِجُهُ، فنَدِمَ، فأَتَى الرَّجُلَ، وأَخذَه بالبَيْعِ، فأبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَه إليه، فقال: بَيْنِى وبَيْنَكَ أبو بَرْزَةَ صاحِبُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأَتيَا أبا بَرْزَةَ في ناحِيَةِ العَسْكَرِ، فقالُوا له هذه القِصَّةَ، فقال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أقْضِىَ بَيْنَكُما بقَضَاءِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا» . وما أَرَاكُما افْتَرَقْتُما. فإنْ فارَقِ أحَدُهما الآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطلانُ الخِيارِ؛ لوُجُودِ التَّفَرُّقِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ في مُفَارَقَةِ صاحِبِه له، فكذلك في مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه. وقال القاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيارُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإِكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلاقُ. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْن. فعلى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطَاعَ الخِيارِ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهما على فُرْقَةِ صاحِبِه، انْقَطَعَ خِيارُ صاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، ويَبْقَى الخِيارُ للمُكْرَهِ منهما في المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه الإكرَاهُ فيه، حتى يُفَارِقَه. وإنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا، انْقَطَعَ خِيارُهما؛ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيارُه بفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ مِن صُوَرِ الإِكْراهِ، ما لو رَأيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِياهُ، فَهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهُما سَيْلٌ، أو فَرَّقَتْ بَيْنَهُما رِيحٌ. فإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إِشَارَتُه مَقامَ نُطْقِه، فإنْ لم تُفهَمْ إشارَته، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قامَ أبُوهُ، أو وَصِيُّه، أو الحاكِمُ،
(1) في م: «أصبحنا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقامَه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فصل: ولو ألْحَقَا في العَقْدِ خِيارًا بعدَ لُزُومِه، لم يُلْحَقْ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحَابُه (1): يَلْحَقُه؛ لأَنَّ لهما فَسْخَ العَقْدِ، فكان لهما إلْحاقُ الخِيارِ به، كالمَجْلِسِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَصِرْ جائِزًا بقَوْلِهما، كالنِّكَاحِ، وفارَقَ المَجْلِسَ، فإنَّه جائِزٌ، فجازَ إبْقَاؤُه على جَوازِه.
فصل: وقد رُوِى أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَائِعُ والمُبْتَاعُ بالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، فلا يَحِلُّ له أَنْ يُفَارِق صاحِبَه خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» . رَواهُ التِّرْمِذِىُّ (2)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقَوْلُه: «إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ» . يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ المَشْرُوطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهما؛ لكَوْنِه ثابِتًا بعدَه بالشَّرْطِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ الذى شَرَطَ فيه أَنْ لا يكُونَ فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ ين غيرِ تَفَرُّقٍ. وظاهِرُ الحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أحَدِ المُتَبَايِعَيْنِ لِصاحِبِه خَشْيَةً مِن فَسْخِ البَيْعِ.
(1) في م: «أصحابنا» .
(2)
في: باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى 5/ 256. كما أخرجه أبو داود، في: باب في خيار المتبايعين، من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 245. والنسائى، في: باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، من كتاب البيوع. المجتبى 7/ 221. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 183.