الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيمانُ: قولٌ وعمَلٌ واعتقاد؛ وبهذا يقولُ السلَفُ بإجماعِهم (1)، ولا يَصِحُّ واحدٌ مِن هذه الثلاثةِ إلا بالآخَر:
فمَن انتَفَى منه العمَلُ كلُّه؛ كمَن انتَفَى منه القولُ كلُّه، أو الاعتقادُ كلُّه، ومَن انتَفَى منه القولُ كلُّه؛ كمَن انتَفَى منه الاعتقادُ كلُّه، أو العمَلُ كلُّه، ومَن انتَفَى منه الاعتقادُ كلُّه؛ كمَنِ انتَفَى منه القولُ كلُّه، أو العمَلُ كلُّه؛ وانتفاءُ واحدٍ مِن الثلاثةِ بجميعِهِ كانتفاءِ الثلاثة.
ولكنْ ليس المرادُ مِن ذلك انتفاءَ أيِّ جزءٍ مِن الثلاثةِ؛ فهذا قولٌ يوافِقُ أصولَ الخوارج؛ فإنَّ السلَفَ وأهلَ السُّنَّةِ لا يكفِّرونَ أحدًا بتركِ شيءٍ معيَّنٍ مِن الباطِنِ أو الظاهِرِ، إلا بدليلٍ خاصًّ، ويفرِّقون بين التركِ الكُلِّيَّ وبين التركِ الجُزْئيَّ؛ كما كان يقولُهُ أئمَّةُ السَّلَفِ؛ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عُيَيْنةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، والحُمَيْديِّ، وأبي ثَوْر (2).
وقال الوليدُ بن مسلِم: "سَمِعْتُ الأوزاعيَّ، ومالكَ بنَ أنَسٍ، وسعيدَ بنَ عبد العزيزِ، يُنكِرونَ قولَ مَن يقولُ: إنَّ الإيمانَ قولٌ بلا عمَل، ويقولونَ: لا إيمانَ إلَّا بعمَل، ولا عمَلَ إلا بإيمان"(3).
*
حكمُ تاركِ العمل كلِّه:
ومَن آمَنَ بقلبِهِ، وأقَرَّ بلسانِهِ، ولم يَعمَلْ بأركانِهِ شيئًا مِن العمَلِ -: لم يَصِحَّ إيمانُهُ عند السلف، وكان الأئمَّةُ يعنِّفُونَ على مَن يقولُ بخلافِ ذلك.
(1) سبق عند الكلام على مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.
(2)
"أصول الاعتقاد"(1/ 57، 348، 4/ 848، 849، 5/ 886)، و"السُّنَّة" للخلال (3/ 570)، و"أصول السُّنَّة" للحميدي (ص 38)، و"السُّنَّة" لعبد الله بن أحمد (1/ 348)، و"فتح الباري" لابن رجب (1/ 21).
(3)
"شرح أصول الاعتقاد"(1586).
وكان أحمدُ لا يكفِّرُ مَن يَجعَلُ الإيمانَ قولًا واعتقادًا بلا عَمَلٍ، ويَصِفُهُ بالبِدْعةِ والإرجاء، ويقول:"أَدعُو لهم بالصلاح"(1).
وعن أحمدَ روايةٌ أُخرَى رواها حَنْبلٌ: أنَّ مَن ترَكَ العمَلَ كُلَّهُ حتَّى يموتَ، ولا يَرَى العَمَلَ كُلَّهُ له أَثَرٌ في ثبوتِ الإيمانِ ولا نَفْيِه:"أنَّه كافِرٌ باللهِ"(2)؛ وهو قولُ الحُمَيْدِيِّ (3).
والأحاديثُ التي فيها: أنَّ مَن نطَقَ بالشهادتَيْن، دخَلَ الجَنَّةَ، حمَلَها السلفُ على أنَّها قبلَ أن تُحَدَّ الحدودُ، وتَنزِلَ الفرائِضُ؛ قال ذلك الضَّحَّاكُ بن مُزَاحِمٍ (4)، والزهريُّ (5)، وأحمدُ (6)، وغيرُهم.
وقال أبو ثَوْرٍ: "فأمَّا الطائفةُ التي ذهَبَتْ إلى أنَّ العمَلَ ليس مِن الإيمانِ، فيقالُ لهم: ماذا أَرَادَ اللهُ مِن العبادِ؛ إذْ قال لهم: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]؛ الإقرارَ، بذلك، أو الإقرارَ والعمَلَ؟ :
فإنْ قالت: إنَّ اللهَ أرادَ الإقرارَ، ولم يُرِدِ العمَلَ، فقد كفَرَتْ عند أهلِ العلمِ؛ مَن قال: إنَّ اللهَ لم يُرِدْ مِن العبادِ أن يُصَلُّوا، ولا يُؤتُوا الزكاةَ!
وإنْ قالت: أرادَ منهم الإقرارَ والعمَلَ، قيل: فإذا كان أرادَ منهم الأمرَيْنِ جميعًا، لِمَ زَعَمْتُمْ أنَّه يكونُ مؤمِنًا بأحدِهما دُونَ الآخَر، وقد أرادَهُما جميعًا؟ !
أرأيتُمْ لو أنَّ رجلًا قال: أعمَلُ جميعَ ما أمَرَ به اللهُ، ولا أُقِرُّ به؛ أيكونُ مؤمنًا؟ :
(1)"السُّنَّة" للخلال (989).
(2)
"السُّنَّة" للخلال (1027)، و"شرح أصول الاعتقاد"(1595).
(3)
"السُّنَّة" للخلال (1027)، و "شرح أصول الاعتقاد"(1594).
(4)
"السُّنَّة" للخلال (1241)، و"الشريعة"(303).
(5)
"صحيح مسلم"(264).
(6)
"السُّنَّة" للخلال (3/ 564).