الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهل الكتابِ الذي دعاهم للقول بهذا الكلامِ هو أصلُ الفلاسفةِ المنتسبينَ للإسلام، الذين قالوا: إنَّ القرآنَ مخلوق!
*
أصلُ فِتنة خَلْق القرآن، والكلام النَّفْسي:
وكان أصلُ الفِتْنةِ في القولِ بخلقِ القرآنِ في المشرِقِ والمغرِبِ:
إنما هو في المسموعِ والمقروءِ والمكتوب، والمحفوظِ والمتدبَّرِ؛ وبهذا يقولُ الجهميَّةُ والمعتزِلةُ.
حتى جاء ابنُ كُلَّابٍ، وأثبَتَ الكلامَ النَّفْسيَّ، وقال بخلقِ ما عداه مِن المسموعِ والمقروءِ والمحفوظِ، والمكتوبِ والمتدبَّرِ، وظنَّ هو ومَن قال بقولِهِ: أنهم يُثبِتُونَ الكلامَ، وأنَّ قولَهم خارجٌ عن محلِّ النزاع؛ توهُّمًا أنَّ النزاعَ إنَّما هو في الكلامِ النَّفْسيِّ مع الجهميَّةِ والمعتزِلةِ فحسبُ، وإنما النزاعُ في الكلامِ كلِّه، وجرَى مع ابنِ كُلَّابٍ الأشاعرةُ؛ فأخَذُوا يُثبِتُونَ الكلامَ لله، ويريدونَ به: ما قام في النَّفْسِ، لا ما أدرَكَهُ الإنسانُ بسمعِهِ وبصَرِه، وقلبِهِ وعقلِه، وبلَّغه الإنسانُ بصوتِهِ ولسانِه.
وهذا التفريقُ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّاب، وكان الأئمَّةُ عند ظهورِ فتنةِ القولِ بخلقِ القرآنِ لا يفرِّقون، ويَعرِفُونَ أنَّ فتنةَ القولِ بخلقِ القرآن، كانت لشُبُهاتٍ مِن أعظَمِها: شُبْهةُ أنَّ المسموعَ والمقروءَ منفصِلٌ عن الذاتِ؛ فلا يكونُ منها؛ ولهذا قال أحمدُ بن حنبلٍ في "عقيدتِهِ" التي رواها عنه قاضي قُرْطُبةَ أسلَمُ بن عبد العزيزِ أبو الجَعْدِ: "أَشهَدُ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ، وقولُهُ الحَقُّ، خَلْقُهُ خَلْقٌ، وقَوْلُهُ بائنٌ مِن خَلْقِهِ عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]؛ فقولُهُ: {كُنْ} ليس بمخلوقٍ"(1).
(1)"أخبار الفقهاء والمحدثين"(ص 45 - 46).
فانظُرْ كيف ذكَرَ أحمدُ بَيْنُونةَ كلامِ اللهِ مِن خَلْقِهِ، ويريدُ بذلك: المسموعَ والمقروءَ وبقيَّةَ جهاتِه؛ لأنَّ الكلامَ النَّفْسيَّ لا حاجةَ للقولِ ببينونَتِهِ مِن خَلْقِه.
وهذا الكلامُ عن أحمدَ مما انفرَدَ به المَغارِبةُ عنه؛ ذكَرَهُ الخُشَنيُّ في "أخبارِ الفقهاءِ والمحدِّثينَ"(1)؛ مسنَدًا.
وعلى هذا جرَى تقريرُ أئمَّةِ السُّنَّةِ في القَيْرَوانِ وما وراءَها، ومنهم: ابنُ أبي زَيْدٍ؛ كما قال ابنُ أبي زَيْدٍ: "يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَسْمَعَ مُوسَى عليه السلام كَلَامَهُ القَائِمَ بِذَاتِهْ، لَا كَلَامًا قَامَ بِغَيْرِهْ"؛ نقَلَهُ عنه القَرَافيُّ في "الذَّخِيرة"(2)، وبنحوِهِ قاله هو في "الجامع"(3).
وقد قال ابنُ الحدَّاد: "كُلُّ مَن زعَمَ أنَّ موسى سَمِعَ الكلامَ مِن الشَّجَرةِ على الحقيقةِ، فقد كفَرَ؛ لأنه يعني: أنَّ اللهَ تعالى لم يكلِّمْ موسى، ولم يفضِّلْهُ بكلامِه"(4)، وقولُهُ هنا:"مِن الشَّجَرةِ على الحقيقةِ"؛ يعني: أنه يَقصِدُ الكلامَ المسموعَ؛ فاللهُ تكلَّم به، وأسمَعَهُ موسى حقيقةً، ولم يَخلُقْهُ في الشجرة، أو أمَرَها فتكلَّمَتْ به حقيقةً.
ويُخطِئُ طوائفُ مِن المتكلِّمينَ؛ حيثُ يظنُّونَ أنَّ خلافَ السلفِ مع أهلِ البِدَع، إنما هو في الكلامِ النَّفْسيِّ وحدَهُ، ويظنُّون أنَّهم بعيدونَ عن النزاعِ بإثباتِهم له، وقولِهم بأنَّ كلامَ اللهِ المسموعَ والمقروءَ والمحفوظَ مخلوقٌ، ويسمُّونه كلامَ اللهِ مجازًا؛ كما يقولُ بعضُ أهلِ الكلامِ؛ كالأشاعِرةِ.
(1)"أخبار الفقهاء والمحدثين"(ص 46).
(2)
"الذخيرة"(13/ 235).
(3)
"الجامع"(ص 107).
(4)
"رياض النفوس"(2/ 72).