المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ من حجج نفاة الصوت والحرف لله: - المغربية في شرح العقيدة القيروانية

[عبد العزيز الطريفي]

فهرس الكتاب

- ‌ فضلُ العلم وأفضَلُه:

- ‌ حفظُ العقلِ والنقلِ:

- ‌ فضلُ قُرْبِ الزمانِ والمكانِ الأوَّلِ:

- ‌ المَغرِبُ في زمَنِ الصحابةِ والتابعين:

- ‌ السُّنَّةُ والأثَرُ وعلمُ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أثَرُ المَشرِقِ على المَغرِب:

- ‌ فلسفة اليُونان وأثَرُها على المتكلِّمِين:

- ‌ اعتقاد أهلِ المغرب:

- ‌ وجودُ الاعتزالِ في المغرِبِ، وموقفُ العلماءِ منه:

- ‌ بدايةُ رَدِّ المغاربةِ على المشارِقةِ في الفروعِ لا في الأصول:

- ‌ أسبابُ تأخُّرِ ذيوعِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أسبابُ انتشارِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أثَرُ الاعتزالِ في قَبُولِ علمِ الكلامِ على طريقةِ الأشاعِرةِ:

- ‌ مراتبُ المخالفينَ تقتضي مدحَ الأقرَبِ واللِّينَ معه:

- ‌ كتابةُ أهلِ المَغرِبِ في العقائد:

- ‌ أصولُ مالكٍ وفروعُهُ، وأحوالُ أصحابِهِ في المَغرِب:

- ‌ الحديثُ والكلام، وأثرهما في الخلاف:

- ‌ ثباتُ أهلِ المغربِ، وامتحانُهم بعلمِ الكلام:

- ‌ التأويلُ والتفويضُ في كلامِ بعضِ أهلِ السُّنَّة:

- ‌ علمُ الكلامِ والإمامُ مالكُ بن أَنَس:

- ‌ الرأيُ وعِلْمُ الكلام:

- ‌ نهيُ مالكٍ عن علمِ الكلامِ، ومرادُه:

- ‌ الاسترسالُ في علمِ الكلامِ وأثُره:

- ‌ التعرُّف على الله بعلم الكلام يورِثُ الوحشة:

- ‌ اعتقادُ السلفِ في الصفاتِ:

- ‌ اللغةُ وعلمُ الكلام، وأسبابُ انتشارِ البِدْعة:

- ‌ خطأ المتكلِّمينَ في استعمال اللغة:

- ‌ سَعَةُ الحلال، وضِيقُ الحرام:

- ‌ بيانُ المؤلِّفِ لمُوجِبِ التأليف:

- ‌ فضلُ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومَواضِعُه:

- ‌ حكمُ الصلاةِ على غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌ مُجمَلُ اعتقِادِ أهلِ السُّنَّةِ في اللهِ تعالى:

- ‌ حكمُ التفكُّرِ في ذات الله:

- ‌ أنواعُ ظاهرِ الصفاتِ:

- ‌ معرِفةُ اللهِ بآياتِه الكونية:

- ‌ سببُ الوقوع في الشِّرك:

- ‌ عقيدةُ التفويض:

- ‌ تاريخ مَذهَبِ التفويض:

- ‌ نسبةُ التفويضِ للسَّلَفِ:

- ‌ الغُلُوُّ في التنزيهِ يؤدِّي إلى توهُّم التعظيم في التفويضِ والتعطيل:

- ‌ روايةُ الأئمة لأحاديث الصِّفات، واحترازُهم مِن سوء فهمِها:

- ‌ توهُّمُ اللوازمِ الباطِلةِ يُفضِي إلى التفويضِ والتأويلِ والتعطيل:

- ‌ العلوُّ والمَعِيَّة:

- ‌ نفيُ بعضِ الصفات لأجل توهُّم إحاطةِ المخلوقاتِ بالخالق:

- ‌ الاستواءُ على العَرْش:

- ‌ الكُرْسِيّ:

- ‌ إحاطةُ عِلْمِ اللهِ بكلِّ شيء:

- ‌ عودةٌ إلى الكلامِ على استواءِ اللهِ على العَرْش:

- ‌ الحذرُ مِن التشبيه، وحكمُ التعبيرِ عن الصفات بما لم يَرِدْ في الشريعةِ مِن الإشارةِ والكَلَام:

- ‌ الأسماء والصفات:

- ‌ ما وَرَدَ مِن الأسماءِ والصفاتِ عن الصحابةِ والتابِعِين:

- ‌ أسماءُ اللهِ:

- ‌ حقيقةُ الصفاتِ:

- ‌ الإقرار بإثبات الصفة يُبطِلُ التفويض:

- ‌ كلامُ اللهِ:

- ‌ شِدَّة مالك وأصحابِه على القول بخَلْقِ القرآن:

- ‌ ظهورُ القول بخَلقِ القرآن في المغرب:

- ‌ أصلُ فِتنة خَلْق القرآن، والكلام النَّفْسي:

- ‌ الحَرْفُ والصَّوْت:

- ‌ من حُجَجِ نُفَاةِ الصوت والحرف لله:

- ‌ الواقفةُ في خَلْقِ القرآن، وسببُ التشديد عليهم:

- ‌ مِن أدلة القائلينَ بخَلقِ القرآن:

- ‌ صفةُ التَّجَلِّي للهِ تعالى:

- ‌ صِفَةُ نُزولِ الله تعالى:

- ‌ القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق:

- ‌ الإيمانُ بالقَدَرِ:

- ‌ تقديرُ الخَيْرِ والشَّرّ:

- ‌ لا يُنسَبُ الشرُّ إلى الله:

- ‌ الجدالُ في القَدَرِ:

- ‌ أفعالُ العِبَادِ وخَلْقُها:

- ‌ أمرُ اللهِ ونهيُهُ وقدَرُهُ، وتوهُّمُ بعضِ النفوسِ الظُّلْمَ:

- ‌ العلمُ بالأسباب لا يُخرِجُ صاحبَه مِن قَدَرِ الله:

- ‌ عِلْمُ اللهِ بكلِّ شيءٍ:

- ‌ مشيئةُ اللهِ وقدرتُهُ على خلقِ أفعالِ العِبَادِ:

- ‌ المُخالِفونَ في القَدَر:

- ‌ الحتميَّةُ السَّبَبِيَّةُ:

- ‌ نفيُ القَدَر يَلزَمُ منه العجز:

- ‌ رسالةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكتابُه:

- ‌ خِتَامُ رسالةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للرِّسالات:

- ‌ حكمُ اتِّباعِ دِينٍ غيرِ الإسلام:

- ‌ والكفرُ -حينئذٍ- جاء مِن جهاتٍ، أعظَمُها:

- ‌ الإسلامُ وحُرِّيَّةُ الدِّين:

- ‌ شُبُهاتٌ في حُرِّيَّةِ تَركِ الإسلام:

- ‌ الإيمانُ بالكُتُبِ السماويَّة، والحِكْمةُ مِن إرسالِ الرسلِ:

- ‌ مصدرُ تفسير القرآن:

- ‌ الإيمانُ بالقيامةِ وما فيها:

- ‌ النَّفْخ في الصُّور:

- ‌ بعثُ الأجسادِ وجزاؤُها:

- ‌ أشراطُ الساعةِ:

- ‌ تنزيلُ أشْراطِ الساعةِ عَلَى الواقعِ:

- ‌ الحسابُ والعقابُ:

- ‌ حكمُ مَن ماتَ ولم يَتُبْ مِن ذَنْبِه:

- ‌ مصيرُ مَن دخَلَ النارَ مِن عُصاةِ المُسلِمِين:

- ‌ وخالَفَ في هذا الخوارجُ والمعتزِلةُ، والمرجِئةُ:

- ‌ الشفاعةُ وأحكامُها:

- ‌ رؤيةُ اللهِ في الآخِرة:

- ‌ الجَنَّةُ والنَّارُ، ولِمَنْ أَعَدَّهُما اللهُ:

- ‌ خَلْقُ الجَنَّةِ والنارِ:

- ‌ خُلود الجَنَّة والنار:

- ‌ صفةُ المجيءِ للهِ:

- ‌ المِيزَانُ والوَزْن:

- ‌ صحائفُ الأعمال، وكيفيَّةُ استلامِها يومَ القيامة:

- ‌ الصراطُ وأحوالُ الناسِ فيه:

- ‌ الحَوْضُ المورودُ:

- ‌ حقيقةُ الإيمان:

- ‌ والطوائِفُ المخالِفةُ في هذا البابِ على سبيلِ الإجمالِ طائفتان:

- ‌ أسبابُ الافتتانِ برَأْيِ الخوارِج:

- ‌ الصِّفَةُ الجامِعةُ للخَوارجِ:

- ‌ الموقِفُ عند اجتماع الضلالات:

- ‌ المُوازنةُ بين المُرجِئَةِ والخَوارجِ:

- ‌ زيادةُ الايمانِ ونقصانُه:

- ‌ زوال الإيمان وكماله:

- ‌ نُقصان الإيمان عند مالك:

- ‌ الاستثناءُ في الإيمانِ:

- ‌ الإيمانُ قولٌ وعمَل:

- ‌ حكمُ تاركِ العمل كلِّه:

- ‌ أَثَرُ إِخْرَاجِ العَمَلِ مِن الإِيمانِ:

- ‌ التكفيرُ بالذنوبِ، وأحوالُ الطوائفِ:

- ‌ أرواحُ المَوْتَى وأحوالُها:

- ‌ القَبْرُ وفِتْنَتُهُ:

- ‌ كتابةُ الأعمالِ على المكلَّفين

- ‌ الأرواحُ وقَبْضُها:

- ‌ فضلُ خيرِ القُرُون:

- ‌ معنى القَرْن:

- ‌ فضلُ الصحابةِ، وتفاضُلُهُمْ:

- ‌ الوقوعُ في الصَّحَابةِ:

- ‌ التفاضُلُ بين الصحابةِ:

- ‌ التوسُّع في التفضيل بين الصحابة:

- ‌ ظُهورُ الطَّعْنِ في الصحابةِ في المَغْربِ:

- ‌ ما شجَرَ بين الصحابة:

- ‌ امتحانُ أهلِ المَغْربِ بالصحابةِ:

- ‌ فِتْنةُ الرَّافضةِ إذا تمكَّنُوا:

- ‌ الطاعةُ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بالمعروفِ:

- ‌ الخُرُوجُ على الأَئِمَّةِ وأحوالُه:

- ‌ نُصحُ الأَئِمَّةِ:

- ‌ الخطأُ في نُصوص السَّمْع والطاعة:

- ‌ ابتلاءُ المُصلِح:

- ‌ تجرُّد المُصلِح:

- ‌ فضلُ السَّلَفِ واتِّباعِهم:

- ‌ سببُ تَفْضِيلِ السَّلفِ:

- ‌ تعظيمُ فقه الصَّحَابَةِ:

- ‌ الاستدلالُ بحديثٍ يخالِفُ الصحابةَ:

- ‌ حقيقةُ العملِ الذي يقدَّمُ عَلى الحديثِ:

- ‌ تركُ المِرَاءِ والجِدَالِ:

- ‌ طُرُقُ معرفةِ حقِّ الله:

- ‌ المجتهِدُ ببِدْعة:

- ‌ التحذيرُ مِن الجِدَالِ والمِرَاءِ في الدِّين:

- ‌ حسنُ القصدِ وسُوءُهُ، وأثَرُهُ على فهمِ القرآن:

- ‌ هَجْرُ الجِدَالِ والمِرَاءِ وأهلِهِ:

- ‌فهرس الآثار وأقوال الأئمة والعلماء

- ‌فهرس القواعد والكليات

- ‌معجم الموضوعات ورؤوس المسائل

- ‌فهرس المذاهب والأقوال

- ‌فهرس حكمة التشريع ومقاصد الشريعة

- ‌فهرس الحكم والأمثال ومأثور الأقوال

- ‌فهرس الفوائد

الفصل: ‌ من حجج نفاة الصوت والحرف لله:

ذلك، وحُكِيَ إجماعُ الخلقِ والعقلاءِ على إثباتِ الصوتِ والحرف، وأنَّ القولَ بنفيِهِ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّابٍ والقَلانِسيِّ، والصالحيِّ والأشعريّ، إلا ما كان مِن الجَهْميةِ والمعتزلة مِن نَفْيِهم لكلام الله كُلِّه.

قال أحمدُ بن حنبلٍ: "إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بالصَّوْتِ والحَرْفِ"؛ فكان يُبطِلُ الحكايةَ، ويُضِلُّ القائلَ بذلك؛ كما نقَلَهُ عنه عبدُ الواحدِ بنُ الحارِثِ التميميُّ في "اعتقاد أحمد"(1)، وقد نصَّ على ذلك البخاريُّ في كتابِهِ "خَلْقِ أفعالِ العباد" (2)؛ فقال:"صوتُ اللهِ لا يُشبِهُ صوتَ الخَلْق؛ لأنَّ صوتَ اللهِ يُسمَعُ مِن بُعْدٍ، كما يُسمَعُ مِن قُرْبٍ".

ولا يَمنَعُ صوتَ الله حواجز، ولا يحتاجُ في إبلاغه إلى هواء، وإنما يُسمِعُه اللهُ مَن يشاء، ويَحجِزُ عنه مَن يشاء.

وكان أحمَدُ يَجعَلُ نفيَ الصوتِ والحرفِ هو قولَ الجهميَّة؛ لأنه يؤدِّي إلى أصلٍ واحدٍ، وهو التعطيلُ (3).

وقد نقَلَ عبدُ الله، عن أبيهِ أحمدَ بنِ حنبلِ:"أنه سُئِلَ عن قومِ يقولونَ: لمَّا كلَّم اللهُ مُوسَى، لم يَتكلَّمْ بصوتٍ، فقال أبي: بل تَكَلّمَ بصَوْتٍ؛ هذه الأحاديثُ تُروَى كما جاءَتْ"(4)، ونقَلَ عنه عبدُ اللهِ والمَرْوَزِيُّ وصفَهُ مَن ينفي الصوتَ بالجَهْميِّ (5).

*‌

‌ من حُجَجِ نُفَاةِ الصوت والحرف لله:

وأعظَمُ ما جعَلَ طوائفَ المتكلِّمينَ يقولونَ بنفيِ الصوتِ والحرفِ: أنَّهم أصَّلوا قواعدَ كلاميَّةً تجري على المخلوقاتِ؛ فأرادوا إجراءَها على

(1)"اعتقاد أحمد"(ص 33 و 36).

(2)

"خلق أفعال العباد"(2/ 240).

(3)

"السُّنَّة" لعبد الله (534).

(4)

"السُّنَّة"(533).

(5)

"السُّنَّة" لعبد الله (534)، و "شرح العقيدة الأصفهانية"(ص 68).

ص: 144

الخالِقِ وصفاتِه؛ فعطَّلوا صفاتِ الخالِقِ، وأظهَرُ حُجَجِهم في هذا البابِ هي:

الأُولى: أنَّ الحروفَ والأصواتَ متعاقِبةٌ، وأنَّ الكلمةَ لا تكونُ كلمةً إلا وحروفُها متوالِيَةٌ، وهذا التعاقُبُ يعني حدوثَهَا، واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث؛ وهذا يَطَّرِدُونَ فيه، فيتصوَّرون التعاقُبَ في صفةِ الاستواءِ والنزول، والقَبْضِ والبَسْط، فينفون تلك؛ لأنها حوادثُ، واللهُ منزَّهٌ عنها، ولو اطَّرَدُوا، لنَفَوْا تعاقُبَ السمعِ والبصَرَ؛ لأنه على أصلهم فالنظَرُ يقتضي سماعَ اللهِ لكلامِ خلقِهِ متواليًا؛ فقولُ العبدِ:"يا رَبِّ" يَلزَمُ منه أنَّ السمعَ يَسمَعُ الياءَ قبل الألفِ والراءِ والباء؛ وهذا حدوثٌ في السمعِ، كما هو حدوثٌ في المسموعِ؛ وسَمْعُ اللهِ منزَّهٌ عن الحوادث، ومثلُهُ البصَرُ؛ فصلاةُ العبدِ ركعتَيْنِ؛ يُبصِرُ اللهُ ببصَرِهِ تكبيرةَ الإحرامِ قبل التسليمتَيْن؛ وهذا حدوثٌ في البصَر، كما هو حدوثٌ في المُبصَر؛ واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث.

وَيلزَمُ مِن هذا التأصيلِ: نفيُ السمعِ والبصَر، وجعلُ السمعِ والبصَرِ هو العلمَ فقطْ! ولكنَّ الله يَعلَمُ بالفِعلِ قبلَ حدوثِه، ويراهُ عند حدوثِه، ويَعلَمُ بدُعاءِ العبد له قبل حدوثه، ويَسمَعُه عند حدوثه.

وذلك التأصيلُ الفاسِدُ يَرجِعُ إلى أنهم اتخَذُوا قواعدَ تَجرِي على حوادثِ المخلوقين؛ فجعَلُوها تجري على اللهِ وصفاتِه، واللهُ يَفعَلُ ما يشاء، كيفما شاء، متى شاء، ومِن ذلك كلامُهُ؛ كما قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فعلَّق اللهُ الكلامَ بالمشيئة، وقال:{إِذَا} الدالَّةَ على المستقبَل.

الثانية: أنَّ إثباتَ الحرفِ والصوتِ يَلزَمُ منه إثباتُ الحَلْقِ واللسان، والحاجةِ للهواء؛ وهذا عَيْنُ التشبيهِ الذي يستقِرُّ في نفوسِهم؛ والحقُّ أنه لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الصوت والحرف حَتْمِيَّةُ إثباتِ تلك اللوازم، فاللهُ أثبَتَ

ص: 145

للمخلوقاتِ الكلامَ والنطقَ والإسماعَ بلا حاجةٍ لذلك، وهي جماداتٌ؛ كما قال تعالى عن السمواتِ والأرضِ:{قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، وقال عن الجِبال:{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79]، وقال عن الجوارحِ إنها تقولُ:{أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21]؛ وهذا في مخلوق؛ فكيف بخالِقٍ ليس كمثلِهِ شيءٌ؟ !

ثُمَّ إنَّ هذا التأصيلَ يَنسحِبُ على جميعِ الصفات؛ كالبصَر؛ فهل يَصِحُّ أن يقالَ: إنَّ البصَرَ يحتاجُ إلى حَدَقةٍ ونُور؛ كما يحتاجُ الكلامُ لحَلْقٍ وهَوَاء؟ !

وهؤلاءِ يتوهَّمون أنهم إنْ نَفَوُا الصوتَ والحرفَ، وأثبَتُوا الكلامَ النفسيَّ: أنهم يُثبِتُونَ صفةَ الكلامِ لله، وكما قال أحمدُ عن الجهميَّة:"قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن الله، وخلَقَ صوتًا، فأسمَعَ"(1).

وكلامُ متقدِّمي المالكيَّةِ يجري مَجرَى السلفِ؛ فكلامُهم جارٍ في إثباتِ أنَّ كلامَ اللهِ كلَّه غيرُ مخلوق، وقد سأل محمَّدُ بن سُحْنُونٍ مَن قالَ بخلقِ القرآنِ:"أرأَيْتَ كلَّ مخلوقٍ: هل يَذِلُّ لخالقِهِ؟ فسكَتَ الرجلُ! ثُمَّ قال ابنُ سُحْنُونٍ: إنْ قال: كلُّ مخلوقٍ يَذِلُّ لخالقِه، فقد كفَرَ؛ لأنه جعَلَ القرآنَ ذليلًا على مَذْهَبِهِ الذي يَرَى القرآنَ مخلوقًا، واللهُ يقولُ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42]، وإنْ قال: إنه لا يَذِلُّ، فقد رجَعَ إلى مذهبِ أهلِ الحقِّ"(2).

(1)"الرد على الجهمية"(ص 135 - 136).

(2)

"رياض النفوس"(1/ 448 - 449).

ص: 146

وكلامُهُ هذا كلُّه لا يجري على الكلامِ النَّفْسيِّ فحَسْبُ؛ لأنه استَدَلَّ بالكلامِ المكتوبِ المنزَّلِ؛ كما في الآية: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ} ، {تَنْزِيلَ} ، والمكتوبُ والمنزَّلُ على قولِهم، ليس هو الكلامَ المَعْنِيَّ القائمَ بالنَّفْس.

وهكذا في كلامِ أبي عَمْرو الدانيِّ في "منظومتِه":

وَالقَوْلُ فِي كِتَابِهِ المُفَصَّلْ

بِأنَّهُ كَلَامُهُ المُنَزَّلْ

عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ

لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقِ

مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَخْلُوقُ

أَو مُحْدَثٌ فَقَوْلُهُ مُرُوقُ

وَالْوَقْفُ فِيهِ بِدْعَةٌ مُضِلَّهْ

وَمِثْلُ ذَاكَ اللَّفْظُ عِنْدَ الجِلَّهْ (1)

وكلامُهُ: في الكلامِ المنزَّلِ أنَّه غيرُ مخلوق، بل بدَّع القائلَ بالوقفِ فيه.

وكلامُ اللهِ الذي كلَّمه لجبريلَ ولنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، هو ما نَسمَعُهُ ونَقرَؤُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، ولو كانت أصواتُ المخلوقِينَ وأفواهُهُمْ وألسنَتُهُمْ مخلوقةً؛ كما هم مخلوقون.

وقد كان الأئمَّةُ يُنكِرُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ لِعِلَّةِ كونِهِ مسموعًا في الأرض، ومنزَّلًا إليها؛ كما قال أسَدُ بن الفُرَاتِ، وهو مِن تلاميذِ مالكٍ:"وَيْحَ أهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا؛ يقولُ ذلك الكلامُ المخلوقُ: {أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]؟ ! "(2).

وأهلُ اللسانِ العَرَبيِّ يَعلَمُونَ أنَّ المقصودَ بكلامِ اللهِ غيرِ المخلوقِ: هو المنزَّلُ والمقروءُ والمسموعُ؛ ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ منهم؛ كأبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ: "أنَّ الرجلَ لو حلَفَ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ

(1)"الأرجوزة المنبهة"(ص 180 - 181).

(2)

"طبقات علماء إفريقية"(ص 82).

ص: 147