الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك، وحُكِيَ إجماعُ الخلقِ والعقلاءِ على إثباتِ الصوتِ والحرف، وأنَّ القولَ بنفيِهِ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّابٍ والقَلانِسيِّ، والصالحيِّ والأشعريّ، إلا ما كان مِن الجَهْميةِ والمعتزلة مِن نَفْيِهم لكلام الله كُلِّه.
قال أحمدُ بن حنبلٍ: "إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بالصَّوْتِ والحَرْفِ"؛ فكان يُبطِلُ الحكايةَ، ويُضِلُّ القائلَ بذلك؛ كما نقَلَهُ عنه عبدُ الواحدِ بنُ الحارِثِ التميميُّ في "اعتقاد أحمد"(1)، وقد نصَّ على ذلك البخاريُّ في كتابِهِ "خَلْقِ أفعالِ العباد" (2)؛ فقال:"صوتُ اللهِ لا يُشبِهُ صوتَ الخَلْق؛ لأنَّ صوتَ اللهِ يُسمَعُ مِن بُعْدٍ، كما يُسمَعُ مِن قُرْبٍ".
ولا يَمنَعُ صوتَ الله حواجز، ولا يحتاجُ في إبلاغه إلى هواء، وإنما يُسمِعُه اللهُ مَن يشاء، ويَحجِزُ عنه مَن يشاء.
وكان أحمَدُ يَجعَلُ نفيَ الصوتِ والحرفِ هو قولَ الجهميَّة؛ لأنه يؤدِّي إلى أصلٍ واحدٍ، وهو التعطيلُ (3).
وقد نقَلَ عبدُ الله، عن أبيهِ أحمدَ بنِ حنبلِ:"أنه سُئِلَ عن قومِ يقولونَ: لمَّا كلَّم اللهُ مُوسَى، لم يَتكلَّمْ بصوتٍ، فقال أبي: بل تَكَلّمَ بصَوْتٍ؛ هذه الأحاديثُ تُروَى كما جاءَتْ"(4)، ونقَلَ عنه عبدُ اللهِ والمَرْوَزِيُّ وصفَهُ مَن ينفي الصوتَ بالجَهْميِّ (5).
*
من حُجَجِ نُفَاةِ الصوت والحرف لله:
وأعظَمُ ما جعَلَ طوائفَ المتكلِّمينَ يقولونَ بنفيِ الصوتِ والحرفِ: أنَّهم أصَّلوا قواعدَ كلاميَّةً تجري على المخلوقاتِ؛ فأرادوا إجراءَها على
(1)"اعتقاد أحمد"(ص 33 و 36).
(2)
"خلق أفعال العباد"(2/ 240).
(3)
"السُّنَّة" لعبد الله (534).
(4)
"السُّنَّة"(533).
(5)
"السُّنَّة" لعبد الله (534)، و "شرح العقيدة الأصفهانية"(ص 68).
الخالِقِ وصفاتِه؛ فعطَّلوا صفاتِ الخالِقِ، وأظهَرُ حُجَجِهم في هذا البابِ هي:
الأُولى: أنَّ الحروفَ والأصواتَ متعاقِبةٌ، وأنَّ الكلمةَ لا تكونُ كلمةً إلا وحروفُها متوالِيَةٌ، وهذا التعاقُبُ يعني حدوثَهَا، واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث؛ وهذا يَطَّرِدُونَ فيه، فيتصوَّرون التعاقُبَ في صفةِ الاستواءِ والنزول، والقَبْضِ والبَسْط، فينفون تلك؛ لأنها حوادثُ، واللهُ منزَّهٌ عنها، ولو اطَّرَدُوا، لنَفَوْا تعاقُبَ السمعِ والبصَرَ؛ لأنه على أصلهم فالنظَرُ يقتضي سماعَ اللهِ لكلامِ خلقِهِ متواليًا؛ فقولُ العبدِ:"يا رَبِّ" يَلزَمُ منه أنَّ السمعَ يَسمَعُ الياءَ قبل الألفِ والراءِ والباء؛ وهذا حدوثٌ في السمعِ، كما هو حدوثٌ في المسموعِ؛ وسَمْعُ اللهِ منزَّهٌ عن الحوادث، ومثلُهُ البصَرُ؛ فصلاةُ العبدِ ركعتَيْنِ؛ يُبصِرُ اللهُ ببصَرِهِ تكبيرةَ الإحرامِ قبل التسليمتَيْن؛ وهذا حدوثٌ في البصَر، كما هو حدوثٌ في المُبصَر؛ واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث.
وَيلزَمُ مِن هذا التأصيلِ: نفيُ السمعِ والبصَر، وجعلُ السمعِ والبصَرِ هو العلمَ فقطْ! ولكنَّ الله يَعلَمُ بالفِعلِ قبلَ حدوثِه، ويراهُ عند حدوثِه، ويَعلَمُ بدُعاءِ العبد له قبل حدوثه، ويَسمَعُه عند حدوثه.
وذلك التأصيلُ الفاسِدُ يَرجِعُ إلى أنهم اتخَذُوا قواعدَ تَجرِي على حوادثِ المخلوقين؛ فجعَلُوها تجري على اللهِ وصفاتِه، واللهُ يَفعَلُ ما يشاء، كيفما شاء، متى شاء، ومِن ذلك كلامُهُ؛ كما قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فعلَّق اللهُ الكلامَ بالمشيئة، وقال:{إِذَا} الدالَّةَ على المستقبَل.
الثانية: أنَّ إثباتَ الحرفِ والصوتِ يَلزَمُ منه إثباتُ الحَلْقِ واللسان، والحاجةِ للهواء؛ وهذا عَيْنُ التشبيهِ الذي يستقِرُّ في نفوسِهم؛ والحقُّ أنه لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الصوت والحرف حَتْمِيَّةُ إثباتِ تلك اللوازم، فاللهُ أثبَتَ
للمخلوقاتِ الكلامَ والنطقَ والإسماعَ بلا حاجةٍ لذلك، وهي جماداتٌ؛ كما قال تعالى عن السمواتِ والأرضِ:{قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، وقال عن الجِبال:{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79]، وقال عن الجوارحِ إنها تقولُ:{أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21]؛ وهذا في مخلوق؛ فكيف بخالِقٍ ليس كمثلِهِ شيءٌ؟ !
ثُمَّ إنَّ هذا التأصيلَ يَنسحِبُ على جميعِ الصفات؛ كالبصَر؛ فهل يَصِحُّ أن يقالَ: إنَّ البصَرَ يحتاجُ إلى حَدَقةٍ ونُور؛ كما يحتاجُ الكلامُ لحَلْقٍ وهَوَاء؟ !
وهؤلاءِ يتوهَّمون أنهم إنْ نَفَوُا الصوتَ والحرفَ، وأثبَتُوا الكلامَ النفسيَّ: أنهم يُثبِتُونَ صفةَ الكلامِ لله، وكما قال أحمدُ عن الجهميَّة:"قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن الله، وخلَقَ صوتًا، فأسمَعَ"(1).
وكلامُ متقدِّمي المالكيَّةِ يجري مَجرَى السلفِ؛ فكلامُهم جارٍ في إثباتِ أنَّ كلامَ اللهِ كلَّه غيرُ مخلوق، وقد سأل محمَّدُ بن سُحْنُونٍ مَن قالَ بخلقِ القرآنِ:"أرأَيْتَ كلَّ مخلوقٍ: هل يَذِلُّ لخالقِهِ؟ فسكَتَ الرجلُ! ثُمَّ قال ابنُ سُحْنُونٍ: إنْ قال: كلُّ مخلوقٍ يَذِلُّ لخالقِه، فقد كفَرَ؛ لأنه جعَلَ القرآنَ ذليلًا على مَذْهَبِهِ الذي يَرَى القرآنَ مخلوقًا، واللهُ يقولُ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42]، وإنْ قال: إنه لا يَذِلُّ، فقد رجَعَ إلى مذهبِ أهلِ الحقِّ"(2).
(1)"الرد على الجهمية"(ص 135 - 136).
(2)
"رياض النفوس"(1/ 448 - 449).
وكلامُهُ هذا كلُّه لا يجري على الكلامِ النَّفْسيِّ فحَسْبُ؛ لأنه استَدَلَّ بالكلامِ المكتوبِ المنزَّلِ؛ كما في الآية: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ} ، {تَنْزِيلَ} ، والمكتوبُ والمنزَّلُ على قولِهم، ليس هو الكلامَ المَعْنِيَّ القائمَ بالنَّفْس.
وهكذا في كلامِ أبي عَمْرو الدانيِّ في "منظومتِه":
وَالقَوْلُ فِي كِتَابِهِ المُفَصَّلْ
…
بِأنَّهُ كَلَامُهُ المُنَزَّلْ
عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ
…
لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقِ
مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَخْلُوقُ
…
أَو مُحْدَثٌ فَقَوْلُهُ مُرُوقُ
وَالْوَقْفُ فِيهِ بِدْعَةٌ مُضِلَّهْ
…
وَمِثْلُ ذَاكَ اللَّفْظُ عِنْدَ الجِلَّهْ (1)
وكلامُهُ: في الكلامِ المنزَّلِ أنَّه غيرُ مخلوق، بل بدَّع القائلَ بالوقفِ فيه.
وكلامُ اللهِ الذي كلَّمه لجبريلَ ولنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، هو ما نَسمَعُهُ ونَقرَؤُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، ولو كانت أصواتُ المخلوقِينَ وأفواهُهُمْ وألسنَتُهُمْ مخلوقةً؛ كما هم مخلوقون.
وقد كان الأئمَّةُ يُنكِرُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ لِعِلَّةِ كونِهِ مسموعًا في الأرض، ومنزَّلًا إليها؛ كما قال أسَدُ بن الفُرَاتِ، وهو مِن تلاميذِ مالكٍ:"وَيْحَ أهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا؛ يقولُ ذلك الكلامُ المخلوقُ: {أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]؟ ! "(2).
وأهلُ اللسانِ العَرَبيِّ يَعلَمُونَ أنَّ المقصودَ بكلامِ اللهِ غيرِ المخلوقِ: هو المنزَّلُ والمقروءُ والمسموعُ؛ ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ منهم؛ كأبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ: "أنَّ الرجلَ لو حلَفَ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ
(1)"الأرجوزة المنبهة"(ص 180 - 181).
(2)
"طبقات علماء إفريقية"(ص 82).