الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَلقِه الدالِّ عليه" (1)؛ لأنَّ التفكُّرَ في الأسماءِ يؤدِّي لمعرِفةِ آثارِها، والعمَلِ بمقتضاها، وهو الإحصاءُ المقصودُ بقولِهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)(2).
وقد قال سُحْنُونٌ: "مِنَ العلمِ باللهِ: الجهلُ بما لم يُخبِرْ به اللهُ عن نفسِه".
وبنحوِهِ قال ابنُ أبي زَمَنِينَ.
*
أنواعُ ظاهرِ الصفاتِ:
وظاهِرُ الصفاتِ عند السلفِ نَوْعانِ:
النوعُ الأوَّلُ: ظاهِرٌ يليقُ بالمخلوقين؛ فهذا يَنفُونَهُ ولا يُثبِتُونَه؛ لأنَّ اللهَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
النوعُ الثاني: ظاهِرٌ يليقُ بالخالِقِ، وهذا الذي يُثبِتُونَهُ ولا يَنفُونَه.
وإثباتُهم لهذا النوعِ مِن ظاهرِ الصفاتِ، لا يعني مشابَهةَ الخالقِ للمخلوقِ، وإنما يُريدونَ: أنْ يجعلوا للصفةِ حقيقةً تليقُ بالله، لا تفسيرًا غيرَ الظاهرِ بتأويلِهِ إلى معنًى آخَرَ؛ كتفسيرِ الوجهِ بالذاتِ، واليَدِ بالقُدْرة؛ فهم يَجعَلُونَ صفةَ الوجهِ صفةً حقيقيَّةً تليقُ بالله، لا تشابِهُ المخلوقَ، واليدَ صفةَ حقيقيَّةً تليقُ بالله، لا تشابِهُ المخلوقَ، وينفون عِلْمَهُمْ بالكيفيَّة، ويقولون: إنَّ نفيَ الكيفيَّةِ لا يعني عدَمَ وجودِها، ولكنْ عدَمَ عِلمِها؛ فلا يَعلَمُها الناسُ.
وظنَّ بعضُ المتكلِّمينَ: أنَّ إثباتَ حقيقةِ الصفاتِ اللائقةِ باللهِ،
(1)"جامع بيان العلم"(1769).
(2)
سبق تخريجه.
وعدَمَ تأويلِها، هو أخذٌ بلوازمِ الجِسْميَّةِ والتحيُّز، ثم فرَّعوا عن ذلك إحاطةَ المخلوقِ بالخالِق، وغيرَ ذلك مِن التصوُّراتِ.
وإنما حمَلَهُمْ على ذلك لوازمُ التشبيهِ؛ فالمخلوقُ حينما تُثبِتُ له صفةً حقيقيَّةً، فأنت تُثبِتُ له هذه الأشياءَ واللوازمَ، فأرادوا نفيَ حقيقةِ الصفاتِ وتعطيلَها؛ هروبًا مِن تشبيهٍ انقدَحَ في أذهانِهم، فوقَعُوا فيما أنكَرُوهُ على مَن أثبَتَ الحقيقةَ اللائقةَ بالله؛ حيثُ زعَمُوا أنَّهم يشبِّهونَ المخلوقَ بالخالِقِ للاشتراكِ في الحقيقةِ واللوازم.
والسلفُ حينما يقولونَ: إنَّ لصفاتِ اللهِ حقيقةً لا تشابِهُ حقيقةَ صفاتِ المخلوقِينَ، فإنَّهم تبعًا لذلك لا يَلتزِمُونَ بشيءٍ غيرِ ما ورَدَ، وإنْ صحَّ لازمٌ عندهم، فإنَّهم يَجعَلُونَ اللوازمَ لا تشابِهُ لوازمَ المخلوق؛ فلا يُحمَّلُ قولُهم ما لا يَحتمِلُونَه، وهم جعَلُوهُمْ يقولونَ بلوازمَ تشابِهُ المخلوقَ، فرجَعُوا إلى الحقيقةِ بالنفيِ التامّ.
* * *
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (يَعْتَبِرُ المُتَفَكِّرُونَ بِآيَاتِهْ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ ذَاتِهْ):
مائيَّةُ الشيءِ: كيفيَّةُ الشيءِ، ويُقالُ أحيانًا: مائيَّةٌ، وماهيَّةٌ (1)، وللحارِثِ المُحاسِبِيِّ: كتابُ "ماهيَّةِ العَقْل"، ويُسمَّى أحيانًا:"مائيَّةَ العقلِ"؛ يعني: حقيقتَهُ وكيفيَّتَهُ التي هو عليها، وفي بعضِ نسخِ "الرسالة":"مائيَّة"، بدلَ:"ماهيَّة"؛ وهذه الكلمةُ ليست مضافةً للهِ في كلامِ الصدرِ الأوَّل، فضلًا عن نصوصِ الوحيَيْن.
(1)"التعريفات"(ص 195).