الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنْ قالوا: بأنَّه خلَقَ الخَلْقَ خارِجَ نَفْسِه، وهم على ذلك، فقد سلَّموا بالحقِّ عقلًا.
واللهُ تعالى تجلَّى للجَبَل، ويَطَّلِعُ على خَلْقِه، ويباهي بهم يومَ عَرَفةَ، وإذا كان تجلَّى للجَبَلِ -وعَرَفةُ فيه، وهو فيها- فكيف يَصِحُّ التجلِّي لشيءٍ هو فيه؟ ! ولكنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِهِ ويتجلَّى لشيءٍ ليس فيه سبحانَه.
والآياتُ التي يستَدِلُّونَ بها على أنَّ اللهَ في كُلِّ مكانٍ هي دالَّةٌ بنَفْسِها على خلافِ ذلك، وأنَّ اللهَ على عرشِهِ، وهو مع الناسِ بعِلْمِه؛ فقولُهُ تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]؛ يعني: بالعِلْمِ؛ فليس هو في الوريدِ؛ فقد قال: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} [ق: 16]، فبدَأَ بالعِلْمِ؛ ليبيِّنَ أنَّه هو المقصودُ بالقُرْبِ.
وكذلك قولُهُ تعالى: {هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]؛ يريدُ: بعِلْمِه، وبهذا استفتَحَ اللهُ الآيةَ، وختَمَها؛ ففي أوَّلها قال:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المجادلة: 7]، وفي آخِرِها قال:{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، ولم يَقُلْ: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاتِه، وإنَّما بعِلْمِه.
*
نفيُ بعضِ الصفات لأجل توهُّم إحاطةِ المخلوقاتِ بالخالق:
لا يَلزَمُ مِن إثبات العلوِّ والاستواءِ والنزولِ لله إحاطةُ مخلوقاتِه به، واحتواؤها له، لا مُنفرِدةً ولا مجتمِعة؛ لأنَّه سبحانه وتعالى أكبَرُ مِن كلِّ شيء، ويَتوهَّمُ مَن ينفي تلك الصفاتِ أن في إثباتِها لزومَ إحاطةِ المخلوقات به، وهذا باطلٌ عقلًا وشرعًا:
- أمَّا بطلانُه عقلًا: فإنه لا يَصِحُّ أن يَحوِيَ الشيءُ ويُحيطَ بما هو أكبَرُ منه، وهذا معلومٌ في كلِّ المحسوسات، فلا يُمكِنُ أن تُتصوَّرَ إحاطةُ الأرض بالسموات، ولا إحاطةُ النَّمْلَة بالجَبَل، ولا إحاطةُ الذَّرَّةِ بكَفِّ الرجلِ يَقبِضُها، فإذا كان دافعُ النُّفَاةِ توهُّمَ الإحاطة كما في المخلوقات فهذا غيرُ لازمٍ حتى فيها، مع أنَّ اللهَ ليس كمِثلِه شيء، والسمواتُ تُحيط بالأرضِ ولكنَّ الأرضَ لا تُحيط بها، فإذا كان الله تعالى أكبَرَ مِن كل المخلوقات مجتمعةً، فكيف يُقَالُ بإحاطتِها به عقلًا، ويُروى في الحديث:(مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ، إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ)(1)، ويُروى في بعضِ ألفاظِه:(وَمَا جَمِيعُ ذَلِكَ فِي قَبْضَةِ اللهِ عز وجل إِلَّا كَالحَبَّةِ وَأَصْغَرُ مِنَ الحَبَّةِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزُّمَر: 67])(2)، وللحديثِ طُرُقٌ وألفاظٌ تَدُلُّ أن له أصلًا.
- وأما بطلانُه شرعًا: فلأنَّ الله ليس كمِثْلِه شيءٌ في ذاتِه، كما قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فكلُّ ما أخبَرَ اللهُ به عن نَفْسهِ فيجبُ إثباتُه له على الحقيقة، والتوقُّفُ عن لوازِمه التي تقتضي التشبيه، فإذا لم يُشبِهْهُ أحدٌ في ذاته فكيف يُشبِهُه أحدٌ في صفاتِه ولوازمِ صفاته؟ ! ولو أنَّ أذهانَ المعطِّلة خَلَت مِن القياسِ لَخَلَتْ مِن التعطيل.
(1) ابن حبان (2/ 76).
(2)
"العظمة" لأبي الشيخ (2/ 635).