المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الاستواء على العرش: - المغربية في شرح العقيدة القيروانية

[عبد العزيز الطريفي]

فهرس الكتاب

- ‌ فضلُ العلم وأفضَلُه:

- ‌ حفظُ العقلِ والنقلِ:

- ‌ فضلُ قُرْبِ الزمانِ والمكانِ الأوَّلِ:

- ‌ المَغرِبُ في زمَنِ الصحابةِ والتابعين:

- ‌ السُّنَّةُ والأثَرُ وعلمُ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أثَرُ المَشرِقِ على المَغرِب:

- ‌ فلسفة اليُونان وأثَرُها على المتكلِّمِين:

- ‌ اعتقاد أهلِ المغرب:

- ‌ وجودُ الاعتزالِ في المغرِبِ، وموقفُ العلماءِ منه:

- ‌ بدايةُ رَدِّ المغاربةِ على المشارِقةِ في الفروعِ لا في الأصول:

- ‌ أسبابُ تأخُّرِ ذيوعِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أسبابُ انتشارِ علمِ الكلامِ في المَغرِب:

- ‌ أثَرُ الاعتزالِ في قَبُولِ علمِ الكلامِ على طريقةِ الأشاعِرةِ:

- ‌ مراتبُ المخالفينَ تقتضي مدحَ الأقرَبِ واللِّينَ معه:

- ‌ كتابةُ أهلِ المَغرِبِ في العقائد:

- ‌ أصولُ مالكٍ وفروعُهُ، وأحوالُ أصحابِهِ في المَغرِب:

- ‌ الحديثُ والكلام، وأثرهما في الخلاف:

- ‌ ثباتُ أهلِ المغربِ، وامتحانُهم بعلمِ الكلام:

- ‌ التأويلُ والتفويضُ في كلامِ بعضِ أهلِ السُّنَّة:

- ‌ علمُ الكلامِ والإمامُ مالكُ بن أَنَس:

- ‌ الرأيُ وعِلْمُ الكلام:

- ‌ نهيُ مالكٍ عن علمِ الكلامِ، ومرادُه:

- ‌ الاسترسالُ في علمِ الكلامِ وأثُره:

- ‌ التعرُّف على الله بعلم الكلام يورِثُ الوحشة:

- ‌ اعتقادُ السلفِ في الصفاتِ:

- ‌ اللغةُ وعلمُ الكلام، وأسبابُ انتشارِ البِدْعة:

- ‌ خطأ المتكلِّمينَ في استعمال اللغة:

- ‌ سَعَةُ الحلال، وضِيقُ الحرام:

- ‌ بيانُ المؤلِّفِ لمُوجِبِ التأليف:

- ‌ فضلُ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومَواضِعُه:

- ‌ حكمُ الصلاةِ على غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌ مُجمَلُ اعتقِادِ أهلِ السُّنَّةِ في اللهِ تعالى:

- ‌ حكمُ التفكُّرِ في ذات الله:

- ‌ أنواعُ ظاهرِ الصفاتِ:

- ‌ معرِفةُ اللهِ بآياتِه الكونية:

- ‌ سببُ الوقوع في الشِّرك:

- ‌ عقيدةُ التفويض:

- ‌ تاريخ مَذهَبِ التفويض:

- ‌ نسبةُ التفويضِ للسَّلَفِ:

- ‌ الغُلُوُّ في التنزيهِ يؤدِّي إلى توهُّم التعظيم في التفويضِ والتعطيل:

- ‌ روايةُ الأئمة لأحاديث الصِّفات، واحترازُهم مِن سوء فهمِها:

- ‌ توهُّمُ اللوازمِ الباطِلةِ يُفضِي إلى التفويضِ والتأويلِ والتعطيل:

- ‌ العلوُّ والمَعِيَّة:

- ‌ نفيُ بعضِ الصفات لأجل توهُّم إحاطةِ المخلوقاتِ بالخالق:

- ‌ الاستواءُ على العَرْش:

- ‌ الكُرْسِيّ:

- ‌ إحاطةُ عِلْمِ اللهِ بكلِّ شيء:

- ‌ عودةٌ إلى الكلامِ على استواءِ اللهِ على العَرْش:

- ‌ الحذرُ مِن التشبيه، وحكمُ التعبيرِ عن الصفات بما لم يَرِدْ في الشريعةِ مِن الإشارةِ والكَلَام:

- ‌ الأسماء والصفات:

- ‌ ما وَرَدَ مِن الأسماءِ والصفاتِ عن الصحابةِ والتابِعِين:

- ‌ أسماءُ اللهِ:

- ‌ حقيقةُ الصفاتِ:

- ‌ الإقرار بإثبات الصفة يُبطِلُ التفويض:

- ‌ كلامُ اللهِ:

- ‌ شِدَّة مالك وأصحابِه على القول بخَلْقِ القرآن:

- ‌ ظهورُ القول بخَلقِ القرآن في المغرب:

- ‌ أصلُ فِتنة خَلْق القرآن، والكلام النَّفْسي:

- ‌ الحَرْفُ والصَّوْت:

- ‌ من حُجَجِ نُفَاةِ الصوت والحرف لله:

- ‌ الواقفةُ في خَلْقِ القرآن، وسببُ التشديد عليهم:

- ‌ مِن أدلة القائلينَ بخَلقِ القرآن:

- ‌ صفةُ التَّجَلِّي للهِ تعالى:

- ‌ صِفَةُ نُزولِ الله تعالى:

- ‌ القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق:

- ‌ الإيمانُ بالقَدَرِ:

- ‌ تقديرُ الخَيْرِ والشَّرّ:

- ‌ لا يُنسَبُ الشرُّ إلى الله:

- ‌ الجدالُ في القَدَرِ:

- ‌ أفعالُ العِبَادِ وخَلْقُها:

- ‌ أمرُ اللهِ ونهيُهُ وقدَرُهُ، وتوهُّمُ بعضِ النفوسِ الظُّلْمَ:

- ‌ العلمُ بالأسباب لا يُخرِجُ صاحبَه مِن قَدَرِ الله:

- ‌ عِلْمُ اللهِ بكلِّ شيءٍ:

- ‌ مشيئةُ اللهِ وقدرتُهُ على خلقِ أفعالِ العِبَادِ:

- ‌ المُخالِفونَ في القَدَر:

- ‌ الحتميَّةُ السَّبَبِيَّةُ:

- ‌ نفيُ القَدَر يَلزَمُ منه العجز:

- ‌ رسالةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكتابُه:

- ‌ خِتَامُ رسالةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للرِّسالات:

- ‌ حكمُ اتِّباعِ دِينٍ غيرِ الإسلام:

- ‌ والكفرُ -حينئذٍ- جاء مِن جهاتٍ، أعظَمُها:

- ‌ الإسلامُ وحُرِّيَّةُ الدِّين:

- ‌ شُبُهاتٌ في حُرِّيَّةِ تَركِ الإسلام:

- ‌ الإيمانُ بالكُتُبِ السماويَّة، والحِكْمةُ مِن إرسالِ الرسلِ:

- ‌ مصدرُ تفسير القرآن:

- ‌ الإيمانُ بالقيامةِ وما فيها:

- ‌ النَّفْخ في الصُّور:

- ‌ بعثُ الأجسادِ وجزاؤُها:

- ‌ أشراطُ الساعةِ:

- ‌ تنزيلُ أشْراطِ الساعةِ عَلَى الواقعِ:

- ‌ الحسابُ والعقابُ:

- ‌ حكمُ مَن ماتَ ولم يَتُبْ مِن ذَنْبِه:

- ‌ مصيرُ مَن دخَلَ النارَ مِن عُصاةِ المُسلِمِين:

- ‌ وخالَفَ في هذا الخوارجُ والمعتزِلةُ، والمرجِئةُ:

- ‌ الشفاعةُ وأحكامُها:

- ‌ رؤيةُ اللهِ في الآخِرة:

- ‌ الجَنَّةُ والنَّارُ، ولِمَنْ أَعَدَّهُما اللهُ:

- ‌ خَلْقُ الجَنَّةِ والنارِ:

- ‌ خُلود الجَنَّة والنار:

- ‌ صفةُ المجيءِ للهِ:

- ‌ المِيزَانُ والوَزْن:

- ‌ صحائفُ الأعمال، وكيفيَّةُ استلامِها يومَ القيامة:

- ‌ الصراطُ وأحوالُ الناسِ فيه:

- ‌ الحَوْضُ المورودُ:

- ‌ حقيقةُ الإيمان:

- ‌ والطوائِفُ المخالِفةُ في هذا البابِ على سبيلِ الإجمالِ طائفتان:

- ‌ أسبابُ الافتتانِ برَأْيِ الخوارِج:

- ‌ الصِّفَةُ الجامِعةُ للخَوارجِ:

- ‌ الموقِفُ عند اجتماع الضلالات:

- ‌ المُوازنةُ بين المُرجِئَةِ والخَوارجِ:

- ‌ زيادةُ الايمانِ ونقصانُه:

- ‌ زوال الإيمان وكماله:

- ‌ نُقصان الإيمان عند مالك:

- ‌ الاستثناءُ في الإيمانِ:

- ‌ الإيمانُ قولٌ وعمَل:

- ‌ حكمُ تاركِ العمل كلِّه:

- ‌ أَثَرُ إِخْرَاجِ العَمَلِ مِن الإِيمانِ:

- ‌ التكفيرُ بالذنوبِ، وأحوالُ الطوائفِ:

- ‌ أرواحُ المَوْتَى وأحوالُها:

- ‌ القَبْرُ وفِتْنَتُهُ:

- ‌ كتابةُ الأعمالِ على المكلَّفين

- ‌ الأرواحُ وقَبْضُها:

- ‌ فضلُ خيرِ القُرُون:

- ‌ معنى القَرْن:

- ‌ فضلُ الصحابةِ، وتفاضُلُهُمْ:

- ‌ الوقوعُ في الصَّحَابةِ:

- ‌ التفاضُلُ بين الصحابةِ:

- ‌ التوسُّع في التفضيل بين الصحابة:

- ‌ ظُهورُ الطَّعْنِ في الصحابةِ في المَغْربِ:

- ‌ ما شجَرَ بين الصحابة:

- ‌ امتحانُ أهلِ المَغْربِ بالصحابةِ:

- ‌ فِتْنةُ الرَّافضةِ إذا تمكَّنُوا:

- ‌ الطاعةُ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بالمعروفِ:

- ‌ الخُرُوجُ على الأَئِمَّةِ وأحوالُه:

- ‌ نُصحُ الأَئِمَّةِ:

- ‌ الخطأُ في نُصوص السَّمْع والطاعة:

- ‌ ابتلاءُ المُصلِح:

- ‌ تجرُّد المُصلِح:

- ‌ فضلُ السَّلَفِ واتِّباعِهم:

- ‌ سببُ تَفْضِيلِ السَّلفِ:

- ‌ تعظيمُ فقه الصَّحَابَةِ:

- ‌ الاستدلالُ بحديثٍ يخالِفُ الصحابةَ:

- ‌ حقيقةُ العملِ الذي يقدَّمُ عَلى الحديثِ:

- ‌ تركُ المِرَاءِ والجِدَالِ:

- ‌ طُرُقُ معرفةِ حقِّ الله:

- ‌ المجتهِدُ ببِدْعة:

- ‌ التحذيرُ مِن الجِدَالِ والمِرَاءِ في الدِّين:

- ‌ حسنُ القصدِ وسُوءُهُ، وأثَرُهُ على فهمِ القرآن:

- ‌ هَجْرُ الجِدَالِ والمِرَاءِ وأهلِهِ:

- ‌فهرس الآثار وأقوال الأئمة والعلماء

- ‌فهرس القواعد والكليات

- ‌معجم الموضوعات ورؤوس المسائل

- ‌فهرس المذاهب والأقوال

- ‌فهرس حكمة التشريع ومقاصد الشريعة

- ‌فهرس الحكم والأمثال ومأثور الأقوال

- ‌فهرس الفوائد

الفصل: ‌ الاستواء على العرش:

*‌

‌ الاستواءُ على العَرْش:

قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهْ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهْ):

يجبُ إثباتُ استواءِ اللهِ على عَرْشِه، وذِكْرُ ابنِ أبي زيدٍ لاستواءِ الذاتِ في قولِهِ:"بذاتِهِ" دفعٌ لمقالةِ التأويلِ التي تنفي إثباتَ الاستواءِ حقيقةً بلا تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ممن يتوهَّمُ أنَّ إثباتَ الحقيقةِ لازمٌ للتشبيهِ والتكييفِ.

وقد قرَّر إثباتَ الاستواءِ على العرشِ حقيقةً المصنِّفُ في "الجامع"، فقال:"وَأَنَّهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ"(1).

وقد نَصَّ على استواءِ اللهِ بذاتِهِ السلَفُ، وجاء عن مالكٍ النصُّ على "الذاتِ"؛ حكاه غيرُ واحدٍ؛ قال أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ في كتابِهِ "الإبانة":"فأئمَّتُنا -كسُفْيانَ الثَّوْريِّ، ومالكٍ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، وحمَّادِ بنِ سَلَمةَ، وحمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، وفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحَنْظَليِّ -مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللهَ سبحانه بذاتِهِ فوقَ العرش، وأنَّ عِلْمَهُ بكلِّ مكان، وأنَّه يُرَى يومَ القيامةِ بالأبصارِ فوقَ العَرْشِ، وأنَّه يَنزِلُ إلى سماءِ الدنيا، وأنَّه يَغضَبُ ويَرْضَى ويَتكلَّمُ بما شاءَ؛ فمَن خالَفَ شيئًا مِن ذلك، فهو منهم بَرِيءٌ، وهم منه بَرَاءٌ"(2).

وقال أبو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ في كتابِه "الأصول": "أجمَعَ المسلِمونَ مِن أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ اللهَ استَوَى على عَرْشِهِ بذاتِه"(3).

(1)"الجامع"(ص 108).

(2)

"درء التعارض"(6/ 250)، و "مجموع الفتاوى"(3/ 222 و 262).

(3)

"اجتماع الجيوش"(2/ 142).

ص: 113

والأئمَّةُ يذكُرُونَ بعضَ الألفاظِ غيرِ الواردةِ بنصِّها في الوحيِ، لا لعدَمِ كفايةِ الوحيِ في الإفهامِ، وإنَّما لورودِ معنًى باطلٍ جديدٍ بعدَ انقطاعِ الوحيِ، فأرادوا دفعَهُ بلفظٍ جديدٍ، مِن غيرِ أن يؤثِّرَ على مَقصِدِ الشارعِ ومُرَادِه، ولو لم يُوجَدِ المعنى الجديدُ الباطلُ، لم يُوجَدِ اللفظُ الجديدُ؛ لأنه لا حاجةَ إليه.

وقد ذكَرَ لفظةَ "بذاته" غيرُ ابن أبي زيدٍ مِن الأئمَّة؛ لمَّا شاعَتْ مقالةُ التأويلِ والتعطيلِ، ممَّن يُثبِتُ لفظَ "الاستواء"، ويتأوَّلُ أو يعطِّلُ معناه؛ فكان إثباتُ اللفظِ القرآنيِّ للناس، مِن غيرِ زيادةٍ تَدفَعُ الباطلَ الجديدَ في الآذان، مُوجِبةً لهذه اللفظةِ عندَهم، وقد ذكَرَ أبو بكرٍ المُرادِيُّ القيروانيُّ في "الإيماءْ، في مسألةِ الاستواءْ"(1) جماعةً ممُّن نَصُّوا على ذكرِ استواءِ الذاتِ، ونسَبَهُ إلى ابنِ جريرٍ، والقاضي عبد الوهَّابِ، وظاهرِ كلامِ أبي الحسَنِ الأشعريِّ، والباقِلَّانيِّ.

وقد انتصَرَ ابنُ عبد البَرِّ وغيرُهُ لابنِ أبي زيدٍ (2): بأنَّ اللهَ أثبَتَ الفوقيَّةَ لنفسِهِ بقولِهِ: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وقولِهِ:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]؛ فدَلَّ على علوِّ ذاتِهِ واستوائِها على العرشِ على الحقيقةِ التي تليقُ به، لا كما تليقُ بالمخلوقِ.

والإتيانُ بألفاظٍ مطابِقةٍ لم تَرِدْ في الشرعِ لإثباتِ حقيقةِ الصفاتِ بلا تشبيهٍ عند مَن تعسَّف بتأويلِها لإفهامِهِ: شيءٌ، ومقابَلةُ الإفراطِ بالتأويلِ بالإفراطِ بالتشبيهِ: شيءٌ آخَرُ غيرُ جائز.

(1) حكاه عنه القرطبيُّ في "الأسنى شرح أسماء الله الحسنى"(2/ 123).

(2)

انظر: "التمهيد"(7/ 129 - 130 و 138 - 139).

ص: 114

وهذه اللفظةُ التي أورَدَها ابنُ أبي زَيْدٍ: "فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهِ" أخطَأَ في التعامُلِ مع قولِه: "بذاتِهِ" كثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ مِن الشُّرَّاحِ وغيرِهم؛ لأنَّها تُثبِتُ الاستواءَ حقيقةً، وكان خَطَؤُهم فيها على وجهَيْنِ:

الوجهُ الأوَّل: شكَّكوا في ثبوتِها عنه، وزعَمَ بعضُهم إقحامَها في كتابِه، منهم: أبو عَلِيٍّ البِجَائِيُّ؛ كما ذكَرَهُ الفاكِهانيُّ عنه (1)، وزَعْمُ إقحامِها عسيرٌ؛ فهي في كتبِ الشروحِ قديمِها وحديثِها، حتَّى شروحِ المتكلِّمين، ورَدَّ تلك الدَّعْوَى المتكلِّمُونَ أنفُسُهم؛ كابنِ نَاجِي التَّنُوخيِّ (2)، وهذه اللفظةُ:"بذاتِهِ" في الأصولِ الخَطِّيَّةِ لكتابِ "الرسالةِ"، وعليها سَمَاعاتُ الأئمَّة، وكثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ استنكَرَها على المؤلِّف، وتأوَّلها، ولم يقلْ: بأنَّها مدسوسةٌ؛ لاستحالةِ ذلك، ولو كان ثَمَّةَ بابٌ مُحتمِلٌ لكونِها مدسوسةً، لَأَظْهَرَهُ المحقِّقون منهم؛ فإنَّه أيسَرُ مِن تكلُّفِ التأويلِ.

وقد أثبَتَها طُلَّابُ ابنِ أبي زَيْدٍ والقَرِيبُونَ منه زَمَنًا في شَرْحِهم لها؛ كأبي بَكْرٍ محمَّدِ بنِ مَوْهبٍ، وأبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ، وعبدِ الوَهَّابِ البَغْداديِّ، ومَن جاء بعدَهم (3)، وهي عبارةٌ مستعمَلةٌ في زمَنِ ابنِ أبي زَيْدٍ وقبلَه.

وقد رأيتُها في نسخةٍ خَطِّيَّةٍ عتيقةٍ من "الرسالة"، لابن أبي زَيدٍ القَيرَوانيِّ، عليها سماعُ البقاعِيِّ عن ابنِ حجَرٍ العَسْقَلانيِّ بإسنادِهِ المتصِلِ

(1)"شرح الرسالة" لابن ناجي (1/ 24).

(2)

"شرح رسالة ابن أبي زيد" له (1/ 24).

(3)

"الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (2/ 123).

ص: 115

بالأئمَّةِ إلى المؤلِّفِ أبي محمَّدِ بنِ أبي زيدِ القَيْرَوانيِّ (1).

الوجهُ الثاني: تأوَّلوا معناها بتأويلِ إعرابِها، والمقصودِ منها؛ فجعَلُوا عُلُوَّ اللهِ: عُلُوَّ قَهْرِ وقَدْرٍ، وتأوَّلوا عُلُوَّ الذاتِ في كلام ابنِ أبي زَيْدٍ بتأويلَيْنِ:

الأوَّل: أنَّهم جعَلُوا لفظةَ "المَجِيدِ" صفةً لله، لا للعَرْشِ؛ فرَأَوْا أنَّه قد تَمَّ الكلامُ بقولِه:"فَوْقَ عَرْشِهِ"، وقولُهُ:"المَجِيدُ بِذَاتِهِ" كلامٌ مستأنَفٌ؛ فجعَلُوا المعنى: أنَّ اللهَ مَجِيدٌ بذاتِه، لا مستَحِقٌّ للمَجْدِ بغيرِه؛ فكان الكلامُ يتضمَّنُ صفتَيْنِ: صفةَ الاستواءِ، وصفةَ المَجْدِ لله، ولكنَّهم تأوَّلوا قولَه:"بذاتِهِ": أنَّه سبحانَهُ استَوَى بذاتِهِ بلا مُعِينٍ مِن مالٍ وأَعْوانٍ.

الثاني: أنَّهم جَعَلُوا اسمَ "المجيدِ" بالكَسْرِ صفةً للعَرْشِ، ولكنْ جعلوا الباءَ في قولِه:"بِذَاتِهِ" بمعنى "في"؛ يعني: في ذاتِهِ؛ يعني: أنَّ العَرْشَ عظيمٌ في ذاتِه.

(1) صورة للمخطوط عليه سماع مسلسل بالأئمة وفيه إثبات قول ابن أبي زيد: (بذاته).

ص: 116

وهذا كُلُّه غَلَطٌ، وتكلُّفٌ، وتحريفٌ للنصوصِ وتأويلٌ لها لا حَدَّ له؛ فإنَّ التحريفَ المتوهَّمَ بلَغَ القرآنَ وعلى أستارِ الكعبةِ زمَنَ ابنِ أبي دُؤَادٍ؛ حيثُ كُتِبَ عليها:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ"! فأبدَلَها عن قولِهِ تعالى: {السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؛ كُلُّ هذا لِيَنفِيَ صفةَ السمعِ والبَصَرِ عنِ الله؛ فكيف بكلامِ عالِمٍ في مذهبٍ متبوعٍ؟ !

والذي فَهِمَهُ تلامِذةُ ابنِ أبي زَيْدٍ: هو استواءُ اللهِ بذاتِهِ على الحقيقةِ؛ كما قال أبو بكرِ بن مَوْهَبٍ مبيِّنًا مرادَهُ: "ثُمَّ بيَّن أنَّ عُلُوَّهُ فوقَ عَرْشِهِ إنَّما هو بذاتِهِ؛ لأنَّه تعالى بائِنٌ عن جميعِ خَلْقِه

" (1)، وكان الطَّلَمَنْكِيُّ على هذا الاعتقادِ، وهو مِن أعلَمِ الناسِ بكلامِ شَيْخِهِ يقولُ: "وأنَّ اللهَ فوقَ السمواتِ بذاتِه، مُسْتَوٍ على عرشِه، كيفَ شاءَ" (2)؛ فقدَّم لفظَ الذاتِ على ذِكْرِ العرشِ؛ لأنه يعودُ إلى الله، بل هذا هو قولُ مالكٍ المنقولُ عنه؛ كما نقَلَهُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ عنه؛ أنَّه وغيرَهُ متَّفِقُونَ على أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى بذاتِهِ فوقَ العرشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مكانٍ.

وهذا لا يَحتمِلُ غيرَ حَمْلِ استواءِ الذاتِ لله على الحقيقةِ بلا تشبيهٍ، وعلى هذا المعنى حمَلَهُ جملةٌ مِن الأئمَّةِ في المغرِبِ وغيرِه؛ كابنِ جُزَيٍّ في "التسهيل"(3).

وقد كان جملةٌ مِن المخالِفِينَ لابنِ أبي زَيْدٍ مِن الأئمَّةِ، لم يتأوَّلوا

(1)"العلو"(592).

(2)

"بيان تلبيس الجهمية"(1/ 186 و 3/ 398)، و "العلو"(566)، و "اجتماع الجيوش"(2/ 142).

(3)

"التسهيل"(1/ 290).

ص: 117