الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
نُصحُ الأَئِمَّةِ:
ويجبُ مع السمعِ والطاعةِ: النصحُ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بعِلْمٍ وحِكْمة، ولا يَلزَمُ مِن منعِ الخروجِ عليهم في النصوصِ: تركُ النكيرِ عليهم بالقِسْط.
والفرقُ بين أهلِ السُّنَّةِ والمرجِئةِ في هذا البابِ: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَرَوْنَ الإنكارَ على مَن جار مِن الأئمَّةِ على حَقِّ اللهِ وحَقِّ المسلِمِين، ولا يَتخِذونَ الإصلاحَ بابًا للخروج، وأمَّا المرجِئةُ: فيَتخِذُونَ خوفَ الفتنةِ بابًا لإغلاقِ الإنكارِ على الأئمَّة.
والإصلاحُ يكونُ بعِلْمٍ وحِكْمةٍ وعَدْل، ولا يكونُ بذكرِ ما يُخفِيهِ الأئمَّةُ مِن عيوبٍ وذنوبٍ تَخُصُّهم، ولا تُتَّبَعُ زَلَّاتُهم، ولا تُذكَرُ عند مَن لا تَعْنِيهِ تلك الزَّلَّات؛ فتلك لا تكونُ إلَّا مِن أهلِ الهَوَى والغِلِّ، ويتوهَّمونَهُ إصلاحًا.
وجَوْرُ أئمَّةِ المسلِمِينَ وظُلْمُهم وأخطاؤُهم على نوعَيْن:
النوع الأوَّل: ما يَخُصُّهم مِن تقصيرٍ في حَقِّ اللهِ بفعلِ المحرَّم، وتركِ الواجب، ولا يَدْعُونَ إليه العامَّةَ، ولا يشرِّعونه فيهم:
فهذا يُشرَعُ إنكارُهُ عليهم عند العلمِ به، ويكونُ بين المُصلِحِ وبينهم؛ لأنه خاصٌّ لا عامٌّ، وكلُّ حاكمٍ مسلِمٍ، فلعِرْضِهِ حُرْمةٌ كالمسلِمِينَ بل أشَدَّ، ولا تجوزُ إلا بشروطِها المعروفة.
ومَن خَشِيَ أَذَى السلطانِ وضرَرَهُ في هذا البابِ، جاز له تركُ نُصْحِه؛ لأنَّ ضررَهُ خاصٌّ بفاعِلِهِ، لا عامٌّ للناس، والأذيَّةُ فيه مُضِرَّةٌ بالعالِمِ، ومَصلَحةُ الناسِ بالعالِم عامَّة؛ ومِن هذا قولُ مالك: "أدرَكْتُ
سَبْعةَ عشَرَ تابعيًّا؛ فما سَمِعْتُ أنَّهم قاموا إلى إمامٍ جائِرٍ يَعِظُونَهُ" (1).
وكان حَمْدِيسُ مِن أصحابِ سُحْنُونٍ يُسأَلُ عن الإمامِ الذي يَعمَلُ بالمعصيةِ: أكُنْتَ تأمُرُهُ وتنهاه؟ قال: "لا"؛ واحتَجَّ بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: " (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ)، قِيلَ: كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: (يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ) "(2)، ثم ذكَرَ عن مالكٍ قولَهُ السابق (3).
وهذا ليس في تركِ نصحِ الأئمَّةِ بكلِّ حال، وإنما مرادُهُ ما خصَّهم مِن ذنوبٍ، وقد قِيلَ لِحَمْدِيسَ:"فلو أنَّ إمامًا دعا إلى بِدْعةٍ، وأمَرَ بها؟ قال: نُجاهِدُهُ"(4)؛ يعني: لا نَدَعُهُ، بل يُجاهَدُ حسَبَ مقدارِ البِدْعةِ الواقعةِ منه على المراتِبِ المشروعةِ؛ ما لم تُخرِجْهُ البدعةُ مِن الإسلامِ؛ فيُجاهَدُ باللسانِ مع العدل، وما أخرَجَهُ مِن الإسلامِ، فيُجاهَدُ باليَدِ مع القُدْرة.
النوعُ الثاني: جَوْرُهُ وظلمُهُ المتعدِّي مِن نفسِهِ إلى غيرِه:
فيُنتصَرُ للظالِمِ عندَهُ بنصحِه، وعند المظلومِ ببيانِ حقِّهِ له بعَدْل.
وإنْ كان ظلمُهُ في حَقِّ اللهِ وإظهارِ الشرِّ والمنكَرِ، ودعوةِ الناسِ إليه، فهذا يقتضي أنَّ على القادِرِ بيانَ المُنكَرِ وحَدِّهِ في الشريعةِ عند مَن أخَذَ بقولِ السلطانِ؛ فللعامَّةِ تأثُّرٌ بتقليدِ السلطانِ ومحاكاتِه، ويكونُ ذلك ببيانِ المُنكَرِ ومنزلتِهِ في الشريعة.
ولا يَلزَمُ منه تسميةُ السلطانِ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بإزالةِ المنكَرِ، لا بتعيينِ فاعليه، وقد يكونُ في تعيينِ فاعِلِيهِ مِن الفِتْنةِ لهم ما يَدْفَعُهم للاستمساكِ
(1)"رياض النفوس"(1/ 489).
(2)
الترمذي (2254)، وابن ماجه (4016) من حديث حذيفة.
(3)
"رياض النفوس"(1/ 489).
(4)
الموضع السابق.