الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بها منصورٌ، ومَنْ ترَكَها واتَّبَعَ غيرَ سبيلِ المؤمِنِين، وَلَّاهُ اللهُ ما تَوَلَّى، وأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ، وساءت مصيرًا" (1).
قال مالكٌ: "أعجَبَنِي عَزْمُ عُمَرَ في ذلك"(2).
وكان الأئمَّةُ مِن التابِعِينَ ومَن بَعْدَهم يعظِّمونَ عمَلَ الصحابةِ، وخاصَّةً الخلفاءَ، ويقدِّمُونَهُ على ظاهِرِ الحديثِ؛ ليس لأنه أجَلُّ منه، ولكنْ لأنَّهم أعلَمُ الناسِ بتفسيرِه.
قال مالكٌ: "والعمَلُ أثبَتُ مِن الأحاديثِ؛ قال مَنْ أَقْتَدِي به: إنه لَضَعِيفٌ أن يُقالَ في مِثْلِ ذلك: "حَدَّثَني فلانٌ عن فلانِ"، وكان رجالٌ مِن التابِعِينَ تَبْلُغُهم عن غيرِهم الأحاديثُ، فيقولون: ما نَجهَلُ هذا؛ ولكنْ مضى العمَلُ على خلافِهِ"(3).
وكان محمَّدُ بن أبي بكرِ بنِ حَزْمٍ ربَّما قال له أخوهُ: لِمَ لَمْ تَقْضِ بحديثِ كذا؟ فيقولُ: "لم أَجِدِ الناسَ عليه"(4).
*
حقيقةُ العملِ الذي يقدَّمُ عَلى الحديثِ:
وليس كلُّ عمَلٍ متقدِّمٍ يقدَّمُ على الحديث، بل ما قَرُبَ مِن الوحيِ زمانًا ومكانًا؛ فليس قربُ الزمانِ وحدَهُ كافيًا في تقديمِ العملِ؛ فلا يقدَّمُ قولُ كلِّ بلدٍ -مهما تباعَدَ- على الحديثِ، ولا قُرْبُ المكانِ وحدَهُ كافيًا في تقديمِهِ على الحديث؛ فليس كلُّ عمَلِ أهلِ المدينةِ مهما تباعَدَ زمانُهُ وتأخَّرَ كافيًا في تقديمِهِ على الحديث، بل قد يكونُ تقديمُهُ ضلالةً وشرًّا.
(1)"مسائل حرب"(1958)، و"السُّنَّة" لعبد الله (766)، و"السُّنَّة" للخلال (1329)، و"شرح أصول الاعتقاد"(134).
(2)
"الجامع" لابن أبي زيد (ص 117).
(3)
"الجامع" لابن أبي زيد (ص 117 - 118).
(4)
الموضع السابق.
وإنَّما الذي يقدَّمُ مِن العمَلِ ما جمَعَ القُرْبَيْنِ: قربَ الزمانِ، وقربَ المكان؛ قال عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ:"السُّنَّةُ المتقدِّمةُ مِن سُنَّةِ أهلِ المدينةِ خيرٌ مِن الحديثِ"(1).
وليس هذا تأخيرًا للحديثِ، وإنَّما هو تقديمٌ لِفَهْمِهم على فَهْمِ غيرِهم؛ فإنَّ عمَلَ أهلِ المدينةِ المتقدِّمَ لم يفضَّلْ إلا لأجلِ الحديثِ؛ ففضلُهُ فرعٌ عن فَضْلِه، وإلَّا فمكَّةُ أفضلُ مِن المدينةِ، وليس فضلُها بمقدِّمٍ لها في فضلِ العمَلِ على غيرِها؛ فالمدينةُ مَنزِلُ أكثَرِ الحديثِ والعمَلِ به.
ومَن كان جاهلًا بعمَلِ الصدرِ الأوَّلِ وفِقْهِهم، كَثُرَ خَطَؤُهُ، وجاء بشذوذِ الأقوالِ، ولو كان معه ظاهِرُ الحديثِ؛ قال ابنُ عُيَيْنةَ:"الحديثُ مَضَلَّةٌ إلا للفُقَهاءِ"(2).
وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ في بيان ذلك: يريدُ: أنَّ غيرَهم قد يَحمِلُ شيئًا على ظاهِرِه، وله تأويلٌ مِن حديثٍ غيرِهِ، أو دليلٍ يخفى عليه، أو متروكٍ وجَبَ تركُهُ؛ غيرَ شيءٍ مما لا يقومُ به إلا مَن استبحَرَ وتفقَّه.
ومِن هذا قولُ ابنِ وهبٍ: "كلُّ صاحبِ حديثٍ ليس له إمامٌ في الفقهِ، فهو ضالُّ، ولولا أنَّ اللهَ أنقَذَنا بمالكٍ والليثِ، لَضَلَلْنَا"(3).
وربَّما أجمَعَ الصحابةُ والتابِعونَ على تركِ العمَلِ بحديثٍ، وهو صحيحٌ؛ لأنَّهم يَعلَمُونَ سببًا مشروعًا لتركِ العمَلِ وإنْ لم يبيِّنوه؛ فصار مجرَّدُ تَرْكِهم دليلًا مستقلًّا في ذاتِهِ على التركِ، لا أنَّ تَرْكَهم لذاتِه أفضَلُ مِن الحديثِ لذاتِه.
(1)"الجامع" لابن أبي زيد (ص 118)، و"مسند الموطأ"(56).
(2)
"الجامع" لابن أبي زيد (ص 118).
(3)
"الجامع" لابن أبي زيد (ص 119).
فلا يُمكِنُ أنْ يَجتمِعُوا على تركِ سُنَّةٍ، ولا أنْ يَجتمِعُوا على فعلِ خطأٍ، وقد قال ابنُ أبي زيدٍ في "جامعِهِ":"وَالتَّسْلِيمُ لِلسُّنَنِ لا تُعَارَضُ بِرَأْيٍ، وَلَا تُدَافَعُ بِقِيَاسٍ، وَمَا تَأَوَّلَهُ مِنْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ تَأَوَّلْنَاهُ، وَمَا عَمِلُوا بِهِ عَمِلْنَاهُ، وَمَا تَرَكُوهُ تَرَكْنَاهُ، وَيَسَعُنَا أَنْ نُمْسِكَ عَمَّا أَمْسَكُوا، وَنَتَّبِعَهُمْ فِيمَا بَيَّنُوا، وَنَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيمَا اسْتَنْبَطُوهُ وَرَأَوْهُ فِي الحَوَادِثِ، وَلَا نَخْرُجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أَوْ فِي تَأْوِيلِهِ"(1).
وكان ابنُ أبي زيدٍ معظِّمًا للسُّنَّةِ، بصيرًا بها، عالمًا بأقوال السلف، عارفًا بتاريخ البِدَعِ ونشأتِها، وقد كان يقولُ في بِدَعِ أصولِ الدِّين:"بنو أُمَيَّةَ لم يكن فيهم خليفةٌ ابتَدَعَ في الإسلامِ بِدْعةً"(2).
ولا تنتشِرُ البدعُ إلا عند مَن عطَّل الأثرَ وجَهِل منزلةَ الصحابةِ والتابعينَ في حِفظِ الدِّين، فمَن جَهِلَ الأثرَ استحسَنَ العملَ بالرأي فعَبَدَ اللهَ بذَوْقِه وما يُعجِبُه، حتى يَجِدَ مِن المَيْلِ والنشاطِ في عبادة الله بالبدعةِ أكثَرَ مِن السُّنَّةِ، حتى مِنهم مَن لا يزكِّي ولا يتصدَّقُ في الواجبات ويُنفِقُ الأموالَ الطائلةَ على الاحتفالِ بالمولِدِ النبوي، ويسوَّلُ له أنَّ مَن ينهاهُ عن ذلك لا يعظِّمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وما تعظيمُه إلا باتِّباع عملِه مِن صلاةٍ وصدقةٍ وصِلَةٍ وإحسانٍ، وتركِ ما يَكرَهُه مِن الأفعال، قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فإذا كانَتْ محبةُ الله -وهي أعظَمُ محبَّةٍ- لا تتحقَّقُ إلا باتِّباعِ فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ محبةَ نبيِّه مِن بابِ أَوْلَى.
(1)"الجامع"(ص 117).
(2)
الحجة على تارك المحجة (ص 497).