الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
معرِفةُ اللهِ بآياتِه الكونية:
والتفكُّرُ في آياتِ اللهِ مشروعٌ؛ فإنَّها تدُلُّ على عظيمِ صفاتِه، وحسنِ أسمائِه، وكلُّ عظيمٍ له آياتٌ، ولا أعظَمَ مِن آياتِ اللهِ ولا أكبَرَ؛ لأنَّه لا أعظَمَ مِن اللهِ ولا أكبَر، ومَن لم يَرَ آياتِ الله، ضَعُفَتْ عظمةُ اللهِ في قَلْبِه؛ لأنَّ عظمةَ الشيءِ تُعرَفُ برؤيتِهِ، أو برؤيةِ آياتِه، أو بهما.
وقد أمَرَ اللهُ بالتفكُّرِ في آياتِهِ الدالَّةِ عليه؛ حتى يَعرِفَ العبدُ عَظَمةَ اللهِ وقُوَّتَهُ وضعفَ غيرِه؛ فيَعرِفَ المستحِقَّ للتعظيمِ والعبادةِ ممَّن لا يَستحِقُّها، ففد أمَرَ اللهُ بالنظَرِ إليها، والتفكُّرِ فيها:
* فأمَرَ بالنظَرِ في السماءِ والأرضِ وما فيهما؛ فقال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
* وأمَرَ بنظَرِ الإنسانِ إلى أصلِهِ؛ فقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5].
* وأمَرَهُ أن ينظُرَ إلى مَعاشِهِ؛ فقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا. . .} الآياتِ [عبس: 24 - 25].
* وأمرَهُ بالنظَرِ في خصائصِ بعضِ المخلوقاتِ؛ فقال: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20].
* وأمَرَ اللهُ بأن يتفكَّرَ الإنسانُ في نفسِهِ؛ فقال: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].
*
سببُ الوقوع في الشِّرك:
وإنَّما وقَعَ الشركُ في الناسِ بسبَبِ جَهْلِهم بربِّهم، وعدَمِ معرِفةِ قَدْرِه؛ فقد يتوهَّمُ الإنسانُ عَظَمةَ ضعيفٍ عاجِزٍ؛ فيبذُلُ له مِن العبوديَّةِ ما يناسِبُ ما
توهَّمه مِن عَظَمة؛ ولذا يَقرِنُ اللهُ الجهلَ بقَدْرِهِ بعبوديَّةِ غيرِهِ مِن دونِ الله.
فلمَّا ذكَرَ الشركَ ذكَرَ جَهْلَهم بقَدْرِهِ؛ فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]، ثم قال:{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 74]؛ فبيَّن أنَّ سبَبَ شِرْكِهم هو جَهْلُهم بقَدْرِ ربِّهم، وفي الآيةِ الأخرى قال:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]؛ فذكَرَ عَظَمةَ ذاتِهِ؛ لتَدُلَّ على عَظَمةِ قَدْرِه، ثمَّ نزَّه نَفْسَه سبحانه عن شِركِ الذين لم يَقدُرُوه حقَّ قَدْرِه؛ فقال:{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67].
وجعَلَ التفكُّرَ في المَلَكوتِ مُوجِبًا لتنزيهِ الله عما يظُنُّه المُبطِلُون وسؤاله النجاةَ مِن عذابِهِ؛ فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191].
ولمَّا جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ، وعظَّمه بما يتضمَّنُ النقصَ في حقِّه تعالي، وتسوِيَتَه بالرسول صلى الله عليه وسلم، عرَّفه بآياتِ اللهِ وعَظَمَتِها، وفصَّل فيها؛ ليُدرِكَ الأعرابيُّ ما ضيَّعه مِن حقِّ اللهِ؛ كما رَوَى جُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ؛ قال: "أتى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ، فقال: يا رَسُولَ الله، جَهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَضَاعَتِ العِيَالُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ اللهَ عز وجل لنا؛ فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللهِ عَلَيْكَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ ! )، وَسَبَّحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: (وَيْحَكَ! إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى