الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالشرِّ وتشريعِه؛ فيكونُ المُصلِحُ في مِثْلِ هذه الحالِ عظَّم فسادَ الحاكِمِ ووسَّعه، ولم يُضعِفْهُ ويضيِّقْه.
وهذا كلُّه يُنظَرُ فيه: الزمانُ، وتغيُّرُ الحال، ومآلاتُ الأمورِ وتقديرُها، وعِظَمُ الشرِّ والخيرِ مِن الجهتَيْنِ زيادةً ونقصًا، وأحوالُ السلاطينِ، ونَوْعُ مُنكَرِهم وقَدْرُهُ، وسَعَةُ أخذِ الناسِ به وضِيقُه.
وهذا البابُ مِن أحوَجِ الأبوابِ للسياسةِ الشرعيَّة، وكثيرًا ما تؤثِّرُ فيه طبائعُ النفوسِ وهواها على العدلِ والإنصافِ بين أربعةِ حقوقٍ: حَقِّ الحاكِم، وحَقِّ الناصِح، وحَقِّ المحكوم، وحَقِّ الله.
*
الخطأُ في نُصوص السَّمْع والطاعة:
وعَدَمُ العَدْلِ في نصوصِ السمعِ والطاعةِ قد يَدخُلُ على طائفتَيْنِ مِن المتديِّنةِ:
طائفةٍ: تأخُذُ نصوصَ التحذيرِ مِن الدخولِ على السُّلْطانِ وإمامِ الجَوْرِ المُسلِمِ وما جاء في ذَمِّه، فتقَعُ في المحظورِ مِن جهةِ استحلالِ ما حرَّم اللهُ مِن عِرْضِهِ، وهَتْكِ سِتْرِه، والنُّفْرةِ مِن نصوصِ السمعِ والطاعةِ ولزومِ الجماعةِ، والزُّهْدِ فيها، والاقتصارِ على نصوصِ المنابَذةِ والمجاهَدة.
وطائفةٍ: تأخُذُ نصوصَ السمعِ والطاعةِ والصبرِ على إمامِ الجَوْرِ المُسلِمِ ومَنْعِ الخروجِ عليه، فتقَعُ في المحظورِ مِن جهةِ تعظيمِهِ وإطرائِهِ ومَدْحِهِ بما لا يستحِقُّهُ -أو يستحِقُّهُ، لكنَّه يَغُرُّهُ ويُفسِدُهُ ويُطغِيهِ- والزهدِ في نصوصِ النُّصْحِ له، والاقتصارِ على نصوصِ السمعِ والطاعة.
والمُرجِئةُ: يوالُونَ مَن كان شديدَ الوَلَاءِ للسلطانِ، ولو كان شديدَ العداءِ للهِ ودِينِه.
وأهلُ السُّنَّةِ: جعَلُوا الوَلَاءَ للإمامِ تحتَ الولاءِ لله؛ كما قال اللهُ عن بَيْعةِ الصحابةِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم وهو معصومٌ-: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10]، وجعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الطاعةَ بالمعروفِ لا في معصيةِ الله في أحاديثَ متواتِرةٍ.
وربَّما يبلُغُ ببعضِ غُلَاةِ المُرجِئةِ: بُغْضُ مَن يُبغِضُهُ السُّلْطانُ، وحُبُّ مَن يُحِبُّه، وقد يبلُغُ ببعضِهم عَقْدُ الولاءِ والبراءِ على السُّلْطانِ مَبْلَغًا أعظَمَ مِن عَقْدِهِ لله، ولو لم يَظْهَرْ ذلك مِن قولِهم، فربَّما ظهَرَ مِن فِعْلِهم؛ فيوالُونَ مَن والى الحاكِمَ ولو عادى اللهَ بالزَّنْدَقةِ والمُجُونِ، موالاةً أكبَرَ مِن الولاءِ لمَن عادى السُّلْطانَ ونابَذَهُ -سواءٌ كان مُصِيبًا أو مُخطِئًا- ولو كان مِن أهلِ الوَلَايةِ للهِ بالعلمِ والدِّيَانة، وقد كان ابنُ أبي دُؤَادٍ يوالي الجاحِظَ؛ لكونِهِ يوافِقُ السُّلْطانَ، ويعادي أحمدَ بنَ حَنْبلٍ؛ لأنَّه يخالِفُه.
مع كونِ الجاحِظِ -مع أَدَبِهِ وبَلَاغَتِه- مُتَّهَمًا بالزَّنْدَقة، وقد ذمَّه تلميذُهُ ابنُ قُتَيْبةَ ووصَفَهُ بأنَّه مِن أَكذَبِ الأُمَّة، وأَوضَعِهم لحديث، وأنصَرِهِم لباطِل (1)، وأنَّه لا يصلِّي ولا يصومُ، وقال بِعُذْرِ عَوَامِّ اليهودِ والنصارى والمَجُوسِ (2)، وكفَّر بعضَ أقوالِهِ جماعةٌ؛ كالباقِلَّانِيِّ، وابنِ قُدَامةَ (3).
ومع هذا يعادُونَ أحمدَ بنَ حَنْبلٍ، ويقرِّبُونَ الجاحِظَ، ويَلِينُونَ معه؛ لأنَّ ولاءَهم ليس لله؛ وإنَّما لِمَا عليه السُّلْطانُ، وإذا كان العالِمُ لَيِّنًا مع زِنْدِيقٍ، وشديدًا على عالِمٍ مجتهِدٍ، فتلك مِن أظهرِ علاماتِ الهَوَى، ولو سوَّد الصُّحُفَ بنصوصِ السُّنَّةِ والأَثَر!
(1)"تأويل مختلف الحديث"(ص 59 - 60).
(2)
"الفصل"(4/ 148).
(3)
"روضة الناظر"(2/ 350 - 351).
وربَّما فسَّر بعضُهُمُ الفِتْنةَ بمقدارِ ما يُسخِطُ الحاكِمَ، لا بمقدارِ ما يُسخِطُ اللهَ؛ فيتناقَضُونَ في تقديرِ أشياءَ مُتساوِيات، بل يَعكِسُونَ المُتبايِنات، فربَّما هان في أنفُسِهم ما أسخَطَ اللهَ، وعَظُمَ فيها ما أسخَطَ السُّلْطانَ.
وصِلَةُ المحكومِ بالحاكِمِ تؤثِّرُ فيها العِلَلُ النَّفْسيَّةُ والأطماعُ بطَرَفَيْها: الإفراطِ والتفريطِ:
فمنها: نفوسٌ تُحِبُّ التذلُّلَ والغُلُوَّ بتعظيمِ رؤوسِ الناسِ، ورُبَّما يَكسُونَ عِلَّتَهم النَّفْسيَّةَ وأطماعَهم بالدِّينِ والاستدلالِ بأدلَّته، وهذا يُوجَدُ في كلِّ مِلَّةٍ قديمًا وحديثًا؛ لأنَّ الله عظَّم الاجتماعَ لمصالِحِ الناسِ، فرأَوْا أنَّ هناك رعايةً إلهيَّةً للملوكِ، وليسوا محلَّا لتقويمٍ ولا اعتراضٍ مِن أَحَد؛ لأنَّ لديهم تفويضًا إلهيًّا؛ كما عند الرُّومَانِ واليُونَانِ! وفي اليابانِ: يَرَوْنَ المِيكادُو (المَلِكَ) هو اللهَ! وفي الهِندِ: يَرَوْنَ أنَّ للملوكِ سُلْطةً مِن الإلهِ الأكبَرِ (بَرَاهْمَا)! ونحوُهم الصِّينِيُّونَ، وفي مِصرَ: اعتقَدَ الفَرَاعِنَةُ المِلْكِيَّةَ الإلهيَّةَ (1)!
ويستَغِلُّ النصوصَ السماويَّةَ في السمعِ والطاعةِ سَلَاطِينُ وأتباعٌ لهم يَرَوْنَ طاعتَهُمْ دِينًا بلا استثناءٍ؛ كالحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ في الإسلام، وكان حَسَّانُ أبو المُنذِرِ حَجَّاجِيًّا؛ يقولُ:"مَن خالَفَ الحَجَّاجَ، فقد خالَفَ الإسلامَ! "(2).
(1) انظر: "الموسوعة الميسَّرة"(2/ 732، 985)، و"النظام الدستوري في اليابان"(ص 55)، و"نظرية الدولة"(ص 47).
(2)
"الثقات" لابن حبان (5/ 421).
وهذا في النصارى كذلك؛ فقد ذكَرَ لُويس الرابعَ عشَرَ في "مذكِّراتِه": أنَّ سُلْطةَ الملوكِ مستمَدَّةٌ مِن اللهِ، وهم مسؤولُونَ أمامَهُ وحدَهُ، لا مِن الشَّعْب، وكان يقولُ:"المَلَكيَّةُ وَكَالةٌ إلهيَّةٌ"! وبنحوِه يقولُ لُويس الخامسَ عشَرَ (1)، وكذلك غُلْيُومُ الثاني قيصَرُ ألمانيا (2).
ويقابِلُ تلك النفوسَ: نفوسٌ تُحِبُّ المخالَفةَ وإظهارَ الشجاعةِ والقُوَّةِ والتمرُّدِ تُجَاهَ كلِّ رأسٍ في الناس، وربَّما يَكسُونَ عِلَّتَهُم النَّفْسيَّةَ بالدِّينِ والاستدلالِ بأدلَّتِه؛ وهذا -كذلك- يُوجَدُ في كلِّ مِلَّةٍ، تَحمِلُ شجاعةُ الإنسانِ وحُبُّ الظهورِ والذِّكْرِ وحَمْدِ الناسِ: على الجُرْأةِ على الحُكَّامِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وإسماعِ الناسِ ما يريدونَ؛ كما يُذكَرُ أنَّ فاكِهةَ مجالسِ العامَّةِ الكلامُ في السلاطينِ، وتَحمِلُهُ شجاعتُهُ لاستدعاءِ مصالِحِ الخروجِ وأدلَّتِهِ وغيابِ مفاسدِهِ وأدلَّتِها، وتحضُرُ في نَفْسِهِ البدايات، وتَغِيبُ عنها النِّهايات؛ فقد يُبتَلَى الإنسانُ بالشجاعةِ في غيرِ موضِعِها؛ كما يُبتَلَى بالجُبْنِ في غيرِ موضعِه، ويَجِبُ على العاقِلِ أن يجاهِدَ نفسَهُ قبلَ أن يجاهِدَ بها غيرَه، وإذا اجتمَعَ في الإنسانِ العِلْمُ والتجرُّدُ، أصاب الحقَّ.
والناسُ في حاجةٍ إلى عالِمٍ متجرِّدٍ، لا إلى متجرِّدٍ جاهلٍ، ولا إلى عالِمٍ يَخافُ ويَطمَعُ؛ فالعالِمُ بلا تجرُّدٍ يعطِّلُ الأُمَّةَ بإحجامِهْ، والمتجرِّدُ بلا عِلْمٍ يُهلِكُ الأمَّةَ بإقدامِهْ، وأعظَمُ الشرورِ تأتي إذا قاد الناسَ جاهِلٌ غيرُ متجرِّدٍ!
(1) Barthelemy and duez، deals Ele stration of constitutional Law، Paris، 1933، p.65 ..
(2)
في خطابٍ ألقاه عام 1910 م.