الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5-
الجنوح إلى التنظيم والتنسيق الفكري، ما يكشف عن شخصيته.
6-
شيوع الاستطراد في معظم كتاباته، واتخاذه وسيلة لتوضيح الأفكار والتدليل على صحتها، ما يعرب عن اتساع ثقافته.
وهذا جزء من مقال له بعنوان "بعد قرار العلماء" يخاطب فيه الشيخ علي عبد الرازق، ويسخر من الحملات ضد كتابه "الإسلام وأصول الحكم" يقول:
"تعال نضحك
…
فقد كان كتابك مصدرًا لتنفير الأرثوذكسية في الإسلام1، ولست أنت الذي غيرها أيها الصديق المسكين، وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر نعم. كان أهل السنة وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين، وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك، فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السنة غضب عليك أهل الأزهر، ورموك بالابتداع والإلحاد. وأخذوا يقولون: إن الخلافة أصل من أصول الدين. وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة، ويستقر الأرثوذكسية الإسلام، فسبحان من يغير ولا يتغير! ".
أصبحت "القاهرة""كطهران" مركز الشيعة، وأنها بناء صلاح الدين! ولم لا؟! الشيعة هم الذين بنوا الأزهر وشيدوه، أليس الفاطميون هم الذين بنوا المدينة ومسجدها الجامع؟! فأي عجب أن تعود مدينة القاهرة شيعية كما كانت يوم أسسها الفاطميون؟! وأي عجب في أن يعود الأزهر شيعيا كما كان يوم بناه الفاطميون؟! 2.
وبهذا المقال وغيره من المقالات أخذ هيكل يدافع عن حرية الرأي، ويبلور مفهوم حرية الفكر بأسلوب موضوعي، يتسم بجمال التنظيم وروعة التنسيق، ويتخذ من الوسائل ما يكفي لتوضيح أفكاره.
1 يعني "المذهب السني" المحافظ.
2 راجع: السياسة الصادرة في 14 أغسطس 1925.
رابعًا: محمد التابعي 1895-1976
كاتب سياسي فذ، امتاز بحسن الدعاية وخفة الظل، يعتبر أستاذ الجيل الصحفي المعاصر. استهوته الصحافة وهو طالب بالحقوق. ترجم الروايات المسرحية التي مثلها يوسف وهبي، عرف منذ صغره بحب الابتكار. فجاء توقيعه -حندس- على مقالاته شيئا جديدا، مما لفت الأنظار إليه في الأوساط الصحفية والفنية.
أنشأ مع عبد المجيد حلمي مجلة "المسرح" وكانت جديدة في الأسلوب والخبر والتعليق، ونحت منحى الأسلوب الكاريكاتوري الذي يحمل رسم الشخصية التي يرسمها. وهو نفس الأسلوب الذي أدار به مجلة "روز اليوسف" منذ إنشائها 1926 مع أنها مجلة فنية تهتم بأدب المسرح، وتعنى بقضايا الأدب، وتولى رياسة تحريرها 1928، فانتقل بها من فن النقد المسرحي إلى فن النقد السياسي. وبذا ظهر أسلوب سياسي جديد في صحافة مصر في مواجهة صحف المعارضة، وظل بها حتى 1934 ثم تركها حيث أنشأ مجلة "آخر ساعة" مع علي ومصطفى أمين، شارك محمود أبو الفتح 1885-1985 وكريم ثابت في إنشاء جريدة "المصري"1936.
نقد التابعي في كتاباته الساسة والوزراء، ووصفهم بأوصاف لاذعة مثل وصفه لأحد الوزراء "وزير الفاصوليا" وآخر بأنه "وزير الأذية وقطع العيش" وثالث بأنه "وزير الإسبرين" وأطلق على إسماعيل صدقي بأنه "وزير الكليشيه" وعلى مصطفى النحاس بأنه "حامل عمامة التقى والورع".
أسلوب التابعي:
كتب التابعي العديد من المقالات السياسية منذ انخرط في سلك الصحافة، وعلى الرغم من مرضه 1965 ظل يتابع الكتابة حتى أقعده المرض تماما 1971. وحملت مقالات نقد لاذعة للساسة والوزراء. وتضمنت لمحات كاريكاتورية بارعة تعين أي رسام أن يفرغها في رسوم لماحة وأشكال موحية، في أسلوب سهل ممتع متجدد، يعتبر الأسلوب المتطور
للكتابة الصحفية المصرية والعربية الحديثة، وأهم ما ينفرد به من سمات ما يلي:
1-
البساطة والبعد عن التعقيد، قريب من الحديث العادي، مما جعل له جاذبية خاصة.
2-
تتسم مقالاته وكتاباته وخواطره بأسلوب متجدد.
3-
حول أسلوب النقد المسرحي إلى نقد سياسي.
4-
تميزه بعبارات يصف بها الساسة الذين كان ينقدهم أكثر من اشتهارهم بصفاتهم الأصلية.
كتب التابعي عن "الخلاف بين مصطفى النحاس ومكرم عبيد" فقال: "حسنين السياسي الداهية يزعم أنه سعى لدى فاروق حتى أقنعه بالموافقة على مقابلة مكرم عبيد رغبة منه في "تصفية الجو وتحسين العلاقات بين الوفد وفارق. هذا ما قاله أو زعمه حسنين غفر الله له. والحقيقة أن غرض حسنين كان أبعد ما يكون عن الصفاء والوئام والسلام. لقد كان غرض رئيس الديوان -في تنفيذ أو تحقيق سياسة الانتقام من مصطفى النحاس- كان غرضه أن يوقع بين النحاس ومكرم، وبين النحاس وأمين عثمان، أو بعبارة أخرى أن ينزع من رئيس الوفد ذراعيه الاثنتين يستند إليهما في إدارة شئون البلاد الداخلية والخارجية. ويا له من انتصار يمحو على هزيمة 4 فبراير، يوم ينجح حسنين في ضم مكرم وأمين عثمان إلى جانب القصر ضد الوفد ومصطفى النحاس، أو على أقل القليل، يوم يستطيع أن يستغل نفوذ مكرم عند النحاس في تحقيق أغراض السراي الموافقة على طلباتها، ويوم يستطيع أن يستغل حظوة أمين عثمان عند الإنجليز في إقناعهم بتعديل سياستهم الجافة أو موقفهم المتعنت المتشدد من القصر".
"كان هذا هو الغرض الحقيقي من هذه الخطوة التي خطاها حسنين وجمع فيها بين فاروق ومكرم، وبينه وبين أمين عثمان. ولقد نجح فوق ما كان يأمل، ويوم عرف مصطفى النحاس أن السراي قد حددت موعدًا
يتشرف فيه معالي وزير المالية مكرم عبيد باشا بمقابلة جلال الملك فاروق، قال النحاس باشا لجلسائه:"أنا عارف إنهم عايزين يفرقوا بيني وبين مكرم، ثم عاد وقالها لمكرم نفسه قال: "يا مكرم خذ بالك.. عاوزين يفرقوا بيننا".
"ومشت الحوادث سريعة تلتهب، خرج مكرم باشا من مقابلة فاروق مغتبطًا مسرورًا، واتصل به زميل له يعمل في "الأهرام" وسأله عن المقابلة وما دار فيها وأثرها في نفس "معاليه" وكان اتصاله بناء على إيحاء من حسنين باشا، وكان مكرم كما قلت مغتبطًا مسرورًا، ومن هنا أفاض في وصف العطف السامي الكريم الذي لقيه إلى آخره
…
وقال مكرم باشا: إنه سيملي الجريدة تصريحًا مكتوبًا، وكان هذا هو الفصل الثاني في المؤامرة أو الشباك التي نصبها أحمد حسنين لمصطفى النحاس، ومكرم عبيد، ولم تكن العادة قد جرت بأن يخرج الوزير -أي وزير من مقابلة الملك أي ملك في أي بلد- ويصف المقابلة مقال ينشر في الصحف. ولكن هذا هو ما حدث، فقد طالعت جريدة "الأهرام" في عددها الصادر بتاريخ يوم الجمعة 13 مارس 1942 وفيها الكلمة أو المقال التالي:
وزير المالية
…
في الحضرة الملكية:
"تشرف معالي الأستاذ مكرم عبيد وزير المالية بمقابلة صاحب الجلالة الملك بعد ظهر أمس، فعرض على المسامع الملكية بعض الشئون المالية والاقتصادية، فلقى من لدن جلالته كل عطف ورعاية، وقد أفضى معاليه إلى مندوب الأهرام بالتصريح التالي:
"تشرفت مساء أمس بمقابلة جلالة الملك المحبوب، وعرضت على مسامعه الكريمة أهم شئون التموين والسياسة التي ندرسها الآن تمهيدًا لإقرارها وتطبيقها على محصول القمح الجديد، كا عرضت على جلالته بعض التعديلات في الميزانية التي أعتزم عرضها على الوزراء، وفي مقدمتها المشروع الذي يرمي إلى تخفيف الأعباء المالية عن صغار الفلاحين والمزارعين ورفع مستوى معيشتهم وغير ذلك من المشاريع التي تؤدي أو أرجو أن
تؤدي إلى موازنة الميزانية موازنة حقيقية لا حسابية، بحيث لا تمهل المشاريع الحيوية وتكون جباية المال وإنفاقه في حدود العدالة الاجتماعية، ثم تشرفت بعرض ما تم في مسألة القطن والحبوب ومبلغ ما وفقت إليه حكومة جلالته في هذا الصدد، بالتعاون مع الدولة الحليفة.
"وأطلعت جلالته على نموذج من أوراق النقد الجديدة التي لوحظت في طبعها وإعدادها تعذر تزييفها، فنالت رضائه السامي.. وقصارى القول فقد تناول حديثي في حضرة جلالته حالة البلاد المالية من مختلف وجوهها -وهي حالة بفضل الله مرضية- ولقيت من جلالته لا مجرد عطف فحسب أو تشجيع فحسب -مما ألهج لساني بالشكر والحمد- بل لقيت ما هو أعظم من ذلك وأهم، فقد لقيت اطلاعًا واسعًا وإرشادًا، نافعًا ونظرة دقيقة وعميقة إلى جوهر المسائل المعروضة رغم تباينها وبعد نواحيها، فلم ألبث طويلًا حتى أدركت أن ملكنا الشاب، قد ملك زمام الأمور، بفضل ما أدى من رجولة مبكرة، وخبرة منوعة نادرة قلما أتيحت لملك من الملوك".
"ولذلك لم يلبث طويلًا حتى انتقلت دفته إلى يديه الكريمتين، فكان ينتقل من موضوع إلى آخر ومن نصح إلى عطف ووداعة وصراحة أخاذة ونفاذة معًا. وغاية القول أنه قد أتيح لي في هذه المقابلة الملكية السامية أن أعرف الرجل الملك، فكان الرجل في رجولته لا يقل جلالة عن الملك في مملكته، وقد تفضل جلالته فأكد لي في بساطة وديمقراطية أنه ملك الجميع، لا يفرق بين طوائف أو أحزاب أو طبقات في شعبه الوافي، وقد خرجت من لدنه وهذا اعتقادي بل يقيني1".
وقاوم التابعي طغيان "فاروق" وهو ملك وحاكم بأمره في مقال عنوانه "يحيا الظلم" جاء فيه: "نعم "يحيا الظلم"
…
ظلم كل جبار عاتية مغتر بسلطانه وسطوته، يدوس القوانين ولا يبالي، وظلم كل كبير
1 راجع: من أسرار الساسة والسياسة ص261-264 كتاب الهلال رقم 228 فبراير 1970.
فاسق وكل عظيم فاجر يسرق ولا يبالي، ويختلس ولا يبالي، ويثلم الأعراض ولا يبالي، ويهدد الكرامات ودم الوطن، ويجعل من مصر أمثولة السوء وبصفة كريهة في فم الزمان".
"نعم "يحيا الظلم" ظلم كل مطالب باحترام القائمون ولا يحترمه، وكل قادر على حماية القانون لا يحميه، وظلم كل عابث ماجن إباحي مستهتر يضرب للناس أسوأ الأمثال".
"نعم "يحيا الظلم" لأنه خير مربي للنفوس، ونفوس المصريين تجيش اليوم بمعنى واحد: لقد صبرنا، ولن نصبر بعد اليوم، وتحملنا كثيرًا، ولن نتحمل بعد اليوم"1.
يعتبر التابعي من أبرز الكتاب المعاصرين في فن النقد السياسي عرفته الصحافة المعاصرة. وقد اهتم منذ بداية كتاباته الصحفية بأسلوب جديد برسم السياسيين والوزراء في صور تعبر عما هم عليه، ويصفهم -كما قلنا- بأوصاف لاذعة، ظلت تلازمهم طوال حياتهم.
1 راجع: مجلة آخر ساعة، العدد الصادر في 11 أكتوبر 1950.
خامسًا: فكري أباظة 1897-1979
وطني غيور، وصحافي مبدع، وسياسي لامع، ابتدع ولم يتبع، وابتكر ولم يقلد، كان له أسلوب فريد فرض نفسه على أهل القلم، وسما به بين جهابذة الكتابة وأئمة الفكر والسياسية من كتاب الصفحة الأولى، بدأ العمل الصحفي خلال دراسته بكلية الحقوق في جريدة "المؤيد" والأهرام، موقعًا على ما يكتب "عابر سبيل".
تجلت مواهبه الصحفية في المقالات التي كتبها بمجلة "الهلال" وصور فيها الملامح الشخصية لرجال السياسة حينذاك من أمثال: مصطفى النحاس وإسماعيل صدقي ومحمد محمود، وأحمد حسنين وغيرهم.
وتناولهم بقلمه اللاذع في عفة ودقة، ونزاهة واعتدال، ومنذ انتقل من الأهرام إلى مجلة "المصور" عند إنشائها 1926 لم يتخلف عن مقاله الأسبوعي، يحلل فيه السياسة الدولية وآثارها على مصر وقضيتها الوطنية، ويؤكد من خلاله أن مصر لم تحل قضيتها إلا بالاعتماد على نفسها؛ لأن الدول الكبرى تساوم من أجل مصالحها الخاصة.
أسلوب فكري أباظة:
جاءت مقالات فكري أباظة مفاجأة لأصحاب الأساليب السياسية؛ لأنه قاد بها مدرسة صحفية لا تتحزب في التفكير، على الرغم من أنه من الحزب الوطني، ومع ذلك فله ملامحه المميزة، وسماته الواضحة كما يلي:
1-
يتسم بالعفة والرقة والمرح والسخرية التي شاعت فيه للبناء لا للهدم، والتقويم لا للتجريح.
2-
يتميز بالبساطة المدعمة بالحقائق والوقائع والأرقام، وبروح سمح جميل.
3-
له شكل ومضمون مميز، ففي الشكل عني بالنقط وعلامات التعجب والاستفهام، وفي المضمون اهتم بتقديم الموضوع السياسي في إطار حينًا، وعاطفي حينًا آخر.
4-
يفيض صدقًا وعذوبة وحيوية، ويكشف عن خصوبة فكره، وتبدو من خلاله شخصيته النقادة الواعية.
5-
ضاحك حينًا، وباك حينًا آخر، يجذب النفوس، ويثير فيها أصداء بعيدة المدى كأنه وقع موسيقي يصغي إليه من يسمعه.
وهذا جزء من مقاله الحماسي الذي رد فيه على مقال بجريدة: "التيمس" اللندنية، أكبر الصحف الإنجليزية، التي زعمت فيه أن ثورة 1919 ثورة أفندية يريدون الوظائف، فأثبت العكس، موضحًا السيطرة الأجنبية قبيل الثورة، وأن طلاب الوظائف بمصرهم شباب الإنجليز لا المصريين فقال:
"خيل إلي أن التيمس تقترض ضمنًا أن عدد الإنجليز في الوظائف الكبيرة بمصر ضئيل، أو على الأقل لا يذكر بجانب المصريين، بحثت وبحثت حتى وصلت إلى نتيجة وقفت أمامها مذهولًا متحيرًا
…
في مكتبات الوزارة كتيب صغير، غير الكتيب الأصفر، حصرت فيه أسماء الموظفين المصريين والأجانب، حدقت في كتيب منهما، وأخذت أجمع وأطرح، 150 مصريون
…
أي: إن عدد الإنجليز ثلاثة أضعاف المصريين، وقد وفد علينا في هذين ليومين جيش جرار من شباب إنجليز زاحمنا حتى في أصغر وظائف مصرنا العزيزة".
"وصارت حكومتنا مع الوافدين على النصف الثاني من المبدأ المشهور: "أحرار في بلادنا، كرماء لضيوفنا" فألحقتهم بالوظائف الفنية وغير الفنية
…
وترتب على ذلك خروج عدد من الموظفين المصريين، التجئوا للمحاكم طالبين العدل، وكان دفاع الحكومة، ولا يزال يتلخص في كلمتين "رفتناه للاستغناء" ولو أنصفت لقالت:"رفتناه للاستبدال""1.
وجاء المقال مفاجأة لأصحاب الأساليب الصحفية السياسية، وأخذ يتردد في الأوساط والأندية، مما جعل "تقلا باشا" صاحب الأهرام، يبرق إليه، ويضمه لأسرة التحرير في يناير 1920، وأخذ يزود الأهرام بمقال أسبوعي متتابع.
بهذا المقال وغيره جعل فكري أباظة من قضية الوطن قضيته الأولى الذي يهتم بها فوقف في البرلمان المصري -مجلس الشعب- يدافع عن الحرية والاستقلال، وهاجم في كتاباته الانحراف الحزبي والاستغلال للجامعة المصرية، وتبنى مشاكل العمال والفلاحين، فاستحق أن يكون -بحق- فارس المعارضة في البرلمان المصري، وفارس القلم النبيل في عالم الصحافة في جو تسوده الجهامة والجو المضطرب الصاخب في كل مظهر من مظاهر الحياة اليومية إذ ذاك.
1 راجع: الأهرام، العدد الصادر في 5/ 12/ 1919.
الفصل الثامن: المقال والأسلوب الساخر
مدخل
…
الفصل الثامن: المقال والأسلوب الساخر
الأسلوب الساخر وخصائصه:
يراد بالأسلوب الساخر الذي يعتمد على التحليل والتصوير، ويبرز المعاني التي يريدها الكاتب دون التعرض لعقاب أو لوم. وهو -بلا شك- له تأثيره العميق في التوجيه والتقويم وخلق القدرة على الكفاح في معركة الحياة، وبذا يكون أبلغ أثرًا، وأقوى تأثيرًا من الأسلوب الجاد.
برز هذا اللون في ظل الصحافة الهزلية منذ عهد إسماعيل، فقد أنشأ يعقوب صنوع 1839-1912 أول صحيفة هزلية "أبو نضارة" 1877، وأعقبه عبد الله النديم في "التنكيت والتبكيت" 1881، ثم "الأستاذ" في 1892.
وبعدها كانت مجلة "الأرغول" للزجال الأزهري محمد النجار، و"حمارة منيتي" 1908 لمحمد توفيق، وأصدر أحمد عباس "المسامير" 1908 وحسين علي "الشجاعة" 1908 واستمرت حتى 1910، ثم استبدلها بصحيفة "السيف". وأنشأ مصطفى القشاشي مجلة "أبو الهول" 1918، وأصدر بيرم التونسي مجلة "المسلة"1919.
عبرت هذه الصحف -خلال هذه الفترة- عن روح الشعب بالأسلوب الضاحك، وشغلت الناس عن همومهم بالدعايات الساخرة، والفكاهات الاجتماعية الموحية، والانتقادات اللاذعة، وأخذت تخاطب الجماهير بالرسم والخبر والمقال، وتتعرض لفساد الحكام والساسة
وغطرسة الإنجليز وتصرفات مندوبيها، وتناولت الجانب الخلقي والاجتماعي بالنقد والتحليل والسخرية كما اهتمت بنقد بعض الشخصيات البارزة.
وخلال الفترة من 1920-1940 وسعت الصحف اليومية بعض الفكاهات السياسية -في صحف الأحزاب- اللاذعة المتقنة تحريرًا وإعدادًا على يد نفر من كبار الأدباء وأمراء الفكاهة في مصر من أمثال: سليمان فوزي، ومحمد إبراهيم جلال، وعبد العزيز البشري، ومحمد الههياوي، وحسن شفيق المصري، وحافظ إبراهيم، وأحمد فؤاد، وإمام العبد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومحمد السباعي، وفكري أباظة، وغيرهم من فرسان الفكاهة، وأصحاب الأقلام الساخرة، والأسلوب الضاحك.
وأهم الصحف الفكاهية التي ظهرت في هذه الفترة، وكانت وعاء الأسلوب الساخر هي مجلة "الكشكول" التي أصدرها سليمان فوزي في 1921، و"خيال الظل" 1924 لأحمد حافظ عوض، ومجلة "الفكاهة" 1926 عن دار الهلال برياسة حسين شفيق المصري، ثم مجلة "ألف صنف والبغبغان" و"السيف والناس والمسامير" ثم أدمجت السيف مع الناس، وصدرًا باسم "السيف والناس" ولم تعمر طويلًا، ثم مجلة "الراديو والبعكوكة" 1934 لمحمد عزت المفتي، كذلك كانت مجلتا "الصرخة والمطرقة" من المجلات الفكاهية التي لقيت رواجًا كبيرًا بين القراء لفترة طويلة.
عبرت الصحف الفكاهية عن حياة الشعب المصري، ونقدت تقاليده البالية نقدًا لاذعًا، واتخذت الأسلوب الساخر السياسي وغير السياسي، واستهدفت من ورائه التنديد بالأغنياء والبخلاء والحكام المنحرفين، والساسة الذين يعملون لمصالحهم، واعتمد أصحاب الأسلوب الساخر -كتابًا ورسامين- على عدة أساليب أهمها:
1-
المبالغة في القول عن طريق المعر أو الفشر أو النتش.
2-
المغالطة التي تقوم على تصوير الأشياء على غير حقيقتها، إما جملًا أو تجاهلًا لها.
3-
المفاجأة وتكون بحدوث ما لم يكن في حسبان المخاطب.
4-
التلاعب بالألفاظ، أي: استخدام التورية، وهو الإتيان بكلمة لها معنيان: أحدهما ظاهر غير مراد، وآخر خفي وهو المراد.
ومن ثم كانت الصحافة الفكاهية مجال الأسلوب الساخر حينًا، والضاحك حينًا آخر، ونافذة تطل منها أوضاع المجتمع المضطربة، وتقدم النكتة الضاحكة، تفرج عن مكبوتات الشعب الذي يرى -أفراده- صورًا متفاوته بين غنى مسرف وفقر مدقع، وكان رجال الفكاهة وأصحاب الأقلام الساخرة فقراء غلبهم الفقر، فسخروا من الأغنياء، أو أذكياء أعماهم تفوق الأغبياء عليهم.
وعلى الجملة فقد سيطر الأسلوب الضاحك الساخر على صحافتنا خلال الثلاثينات، وما أحوجنا إليه اليوم بعد إطلاق الحريات، لنعالج به ظواهر التسيب وعدم الالتزام بعاداتنا وتقاليدنا الحسنة لدى بعض الأفراد والجماعات في وطننا الغالي.
أولًا: محمد السباعي 1881-1931
أديب متعدد المواهب، كان كاتبًا وشاعرًا ومترجمًا وقاصا، اتخذ من السخرية والفكاهة فلسفة له في الحياة، تهون العسير، وتجلو صدأ العيش، وتذلل الصعب، كان يفيض من فكاهاته على كل من يقع عينه عليه حتى في مواقف الأسى، ومواقع الأسف، ومواضع النكباء، وأماكن الهول، ولذا انفرد بالظرف وطيب المعاشرة وحسن المراضاة، ولم يؤثر من الأصدقاء إلا الظريف القادر على النكتة.
ترك أثارًا عديدة قيمة، منها كتاب "أسمر" و"الصور" وقد تضمنا وصفًا لصور مختلفة من الحياة بأسلوب تهكمي لاذع، وكتاب "خواطر في الحياة والأدب" ترجم فيه مختارت من روائع الأدب العالمية، وقصة "الفيلسوف" وغيرها من آثاره الخالدة التي تبدو فيها روحه الفكهة وخياله الخصب.
أسلوب السباعي:
قال الدكتور طه حسين عنه في مقدمة روايته "الفيلسوف": "ما أعرف أحدًا صور حياة القاهريين من أوساط الناس بين الحربين في لغة عربية كأفصح ما تكون اللغة العربية، عامية أحيانًا كأشد ما تكون العامية إيغالًا في الشعبية، في غير تكلف ولا جهد كما صورها أديبنا الكبير، وما أعرف أحدًا سخر من وزارة المعارف وأساتذتها وطلابها ودكاترتها الذين يعودون من أوروبا دون أن يتعملوا شيئًا إلا الرقص والعبث والتملق والتهويش، وأخذ المرتبات الضخمة آخر الشهر على هذا كله، ما أعرف أحدا سخر من وزارة المعارف والمثقفين في تلك الأيام في هذه اللغة الرائعة المضطربة مع ذلك بين الفصحى والعامية، كما سخر أديبنا الكبير"1.
ومع ذلك فأهم ما يميز أسلوب محمد السباعي ما يلي:
1-
يتسم بالمرح مما يحبب المثقف العادي فيه، ويجذب المتخصص إليه.
2-
متأصل في فكره، ناصع في بيانه، جزل في كلماته، رقيع في تراكيبه.
3-
لا يخرج عن الأسلوب الساخر المعروف مع قوة ونصاعة، واستساغة وبيان.
4-
بعيد عن التكلف، ويعرب عن محصول وفير، ومع قدرة واقتدار، وجمال وجلال.
5-
الاهتمام بالموضوعات الحيوية المرتبطة باهتمامات المواطن اليومية.
6-
الصدق وعدم المبالغة، وتجنب الالتواء أو اللف أو الدوران.
7-
يتجسد بشكل واضح في القضايا الاجتماعية التي تتطلب اتخاذ الموقف الحاسم.
وهذا جزء من مقالة جاء فيه: "أيها البراع.. إني أتعلق بك كما يتعلق الغريق في كسر من حطام السفين، أنت ملجاي في ذلك العباب
1 راجع: قصة "الفيلسوف" جـ7 طبعة 1957.
الأحم، وعصمتي من ذلك التلف المحيط، أنت ضئيل، ولكنك صلب القناة فاحملني على متنك، ونجني من الغرق".
"إن لمصائب الدهر آفاعي أنيابها في الأحشاء، ولكن أذنابها تحت قدمي فلا جعلتك أيها اليراع سكينًا أعض به أذناب المصائب، كلما عضت في كبدي الأنياب
…
ليس في الكون ما يذلل أنوفنا ولا القضاء والقدر، أنا ليضربنا القضاء بصرفه، فنضربه باحتقارنا، وتأكل فينا النوائب، فلا نلقاها إلا بإعراض المزدري أو سورة المصاول، لقد كانت لنا جلسات لهو فبادت، ولو عادت لنا لبادت مرة أخرى فما قيمة متاع هو أخدع من وميض المومس، وأسرع زوالًا، لقد رأينا النعيم عارية، سريعة المسترد، ورأينا المقيم الدائم هو البلاء، فأصبحنا مع كرهنا للشفاء نحترم منه الثبات والمصارحة، وأصبحنا مع ميلنا للنعيم نزدري منه التلون".
ولخير للعاقل أن يصارحه البلاء من أن يبيت سخرته وضحكته. فأطرفينا يا نائيات الليالي، ستجدين عندنا فراك من الحمية والشعب الجاهلي، وزلزلي بنا ما استطعت، ولتثر فينا عواطفك حتى يحلها الوهن، ويميتها الكد، إنك ستقطعين قواك على جانبنا الوعر، كما تتفتت الأمواج الطاغية على الساحل الصخري".
"سنصبر على الدهر، إنما الصبر ظهر، سيركبه الإنسان طوعًا أو قسرًا. من لم يسل حسبة واصطبارا، سلا غما واضطرارا. الوجود عبء لا مناص من حمله
…
والحياة تدفع جذرها سواء في النفس الغنية الخصبة، وفي النفس اليابسة التربة، والعيش مرحلة يسكلها المرء، وأن أضحت خلاء قواه
…
وهل للعطشان في البلد القفر إلا العزاء والتجمل"1.
لمحمد السباعي فلسفة فريدة في الضحك والمرح والسخرية، عبر المازني عنها بقوله:"كان فيه فكاهة حلوة تهون العسير، وتذلك الصعب، وتجلو صدأ العيش، وهي التي يسرت له أن يكون ذلك الرجل العارف بالحياة الذي لا يعدله أحد في الظرف وحسن المراضاة وطيب المعاشرة فقد كان ضحوكًا أبدا"2.
1 راجع: السمر ص100-101.
2 المصدر السابق.
ثانيًا: عبد العزيز البشري: 1886-1943
من رواد السخرية والتهكم ونقد المجتمع في أدبنا الحديث، ويعتبر من أرق الأدباء أسلوبًا، وأحلاهم دعاية، وألطفهم مجالسة، وأظرفهم نكتة، له قدرة على التصوير والتخيل والتعبير باللسان، والعلم بأحوال الهيئة والأشخاص والأزمان.
عاش في بيئة أدبية، تتسم بالظرف، ويسيطر عليها سلطان الفكاهة، وتفتحت عينيه على العديد من الصحف الفكاهية، وعاصر زعماء النوادر، ورواد الفكاهة في مصر من أمثال: حفني ناصف، وحسين الترزي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإمام العبد، وغيرهم من أرباب الفكاهات، وفرسان النكات، وأصحاب القفشات التي ترج ضحكاتها وقهقهاتها أرجاء المكان، لما تمتاز به من مرح وظرف ودعاية وسخرية.
يصف شوقي في كتابه "الفكاهة في مصر" فيقول: "الحق أن البشري أديب معروف، يحسن صناعة الفكاهة قولًا وكتابة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ترك لنا بكتبه متحفًا للضحك من كل شيء، ومن كل لون لذعًا ومرحًا ودعاية".
أسلوب البشري:
وصف جمال الدين الرمادي أسلوب البشري فقال: "رائق الأسلوب، ساحر العبارة، ساخر المعنى، يمثل الروح المرحة في أرق صورها وأرقى مظاهرها" و"الكتب التي ألفها البشري أو المقالات التي جمعها كانت فريدة في بابها. فكتابه "في المرآة" كان فتحًا جديدًا في هذا اللون من
الكتب في تصوير وتحليل الشخصيات، وكتابه "المختار" طريف يضم بحوثًا خصبة في الأدب، وتراجم ممتعة لأدباء اتصل بهم وتأثر بهم ونقل عنهم، أما كتابه "قطوف" ففريد في بابه؛ لأنه يضم دراسات إسلامية ممتعة، وانتقادات اجتماعية طريفة، وآراء فنية رائعة، لا تصل إلى ما وصلت إليه من روعة لو كتبها غير البشري من الكتاب أو الأدباء" وأهم ما يميز أسلوب البشري ما يلي:
1-
اعتماده على التصوير والتحليل والتعليل والتفصيل.
2-
يتسم بالعذوبة والسحر حينًا، والسخرية والضحك أحيانًا.
3-
تأتي سخريته من باب العطف والإعلاء، لا من ناحية التقرير والازدراء.
4-
يجمع إلى عذوبة الروح عذوبة الحديث، على الرغم من طرافته وروعة عبارته.
5-
ينقد الأوضاع الاجتماعية والتقاليد البالية، بروح مرحة، ودعاية حلوة، وحديث فكه.
6-
يتحلى -أحيانًا- بعبارات علمية، لا تشوه جماله، ولا تفض من قيمته.
يرسم البشري في مقال فريد بأسلوب ضاحك، ما كان يجري في المجتمع، ويشيع بين نوابه، ويهيمن على الباشوات وأصحاب الإقطاع فيه، ويدور حول كبير يطلب الشهرة، ويرغب في حديث الصحف عنه، وفي حوار لطيف وطريف سجل البشري ما دار بين الكبير وأحد محرري الصحف فقال:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأزكى تحياته.
- محسوبك فلان ناظر زراعة سعادة فلان باشا.
- تشرفنا.
- بس من فضلك.
- من فضلك إيه.
- من فضلك يعني.
- من فضلك. أنت عايز من فضلي إيه؟
- بس تسمح تنشرني في الجرنال.
- أنشرك بمناسبة إيه؟
- يعني تقول فلان؟
- أقول فلان ما له؟
- يعني تكتب فلان.
- يا سيدي فلان ده مبتدأ، وكل مبتدأ لا بد له من خبر، فلا بد أن نكتب فلان جرى له حاجة.
- نقول فلان جه عندنا في الإدراة.
- كل يوم بيجي في الإدارة خمسمائة واحد، ولا جرتش العادة بكتابة واحد منهم في الجرنال.
- أمال إيه الطريقة عشان تكتب.
- ذكر الأشخاص في الجرائد إنما يكون لمناسبة كالقيام بعمل عام أو خاص من إقامة حل عرس، أو لا سمح الله مأتم ونحو ذلك، فهل عزمتم على الزواج؟
- أنا متزوج.
- أعندك ولد قدمت على تزويجه، فتنشر لك نبأ عرسه؟
- ولدي ما زال صغيرًا.
- إذن فاختنه، واحتفل بختانه.
- سبق أن ختنته منذ مدة طويلة.
- لم يبق يا صاحبي إلا أن تمرض وننشر خبر مرضك وإبلائك.
- وحياة ابني، باين إن أشيتي عيانه.
- عيان بإيه؟
- يعني ما فيش مرض زي زمان!
- أنا لا أريد المرض الذي يلزم الفراش، ويستدعي الطبيب، وقلق الأهل والأصدقاء.
- طيب وأعمل إزاي في الحكاية دي؟
- قلت لي تعمل إزاي، وما عليك إلا أنك تروح من هنا على البلد، وتخليهم يحمو لك الفرن، وتفضل قدامه حتى يسيل عرقك، ثم تقوم فتستحم بماء بارد، ونحن ولله الحمد في صميم الشتاء، فتعيا بالحمى يومين أو ثلاثة، وتطيب بعدها، فنسوق خبر مرضك، ونزف للقراء بشرى شفائك.
- الله يخليك! الله يعمر بيتك؟ 1.
وهكذا صور البشري في مقاله الساخر قصة ناظر العزبة في براعة فائقة، وحوار شائق، وأسلوب أخاذ، وختمها -كما ترى- بدعاء الرجل للمحرر، ومن هنا جاءت كتابات البشري مزيجًا من الجد والفكاهة، تلتقي البساطة والرصانة في أسلوبه وكتاباته.
1 راجع: المقال في ص153 وما بعدها في العدد 24 من سلسلة أعلام العرب، الخاص بالمرحوم عبد العزيز البشري للدكتور جمال الدين الرمادي.
ثالثًا: حسين شفيق المصري المتوفى 1948
فنان أصيل متدفق الحيوية، وأديب مجدد غزير الإنتاج، وشخصية فريدة متعددة الجوانب والمواهب، قادرة على تقليد اللهجات العربية والمحلية، ومحاكاة المشاهير من الناثرين والناظمين في مواضع هزلية، فأجادها إجادة تامة، على الرغم من تركية والده ويونانية أمه، فقد نشأ وعاش بالقاهرة، يضرب في أعمال المجتمع المصري خلال النصف الأول من هذا القرن، فاكتسب معارف عصره واستلهم تجارب أيامه ولياليه، وتقلب في أعمال مختلفة، ومهن كثيرة حتى تفرغ للعمل في الصحافة محررًا لمجلة "الفكاهة" التي أصدرتها دار الهلال 1926.
تعد كتاباته المبدعة، وخواطره الشائعة، وأفكاره الرائعة، فتحًا جديدًا في عالم الأدب الضاحك، والفكر الساخر، وأبواب الصحافة
السياسية والفكاهية، فقد ابتكر الشخصيات الفكهة مثل شخصية الشاويش شعلان عبد الموجود، والأبواب الممتعة مثل:"محكمتنا العرفية" وما كان يكتبه كل أسبوع بعنوان "نظرات" و"ما قولكم" وغيرها من الكتابات التي تفيض بالصور المرحة، والفكاهة النادرة، والنقد الاجتماعي اللاذع، وبذا أخرج الفكاهة والسخرية من الدوائر الشخصية إلى المسائل العامة، فأضحك قراء العربية على مدى أربعين عامًا بأسلوب مضحك حينًا، وساخر أحيانًا.
أسلوب المصري:
خلف حسين شفيق المصري كنوزًا باهرة، ودررًا لامعة من فنون الشعر والزجل والفكاهة وأساليب الأدب الضاحك التي تتسم بطابع السخرية والنقد والإفحام. وأهم ما يميز أسلوب المصري في هذا اللون الساخر من الكتابة ما يلي:
1-
الفكاهة الممتعة اللاذعة، والطريقة المثيرة المقنعة، مع توهج المشاعر، والنبض الدافق بالحيوية.
2-
يجمع بين الجد والهزل، والدعابة والسخرية، ولا يخلو من عبرة التجربة والنصيحة الواعية.
3-
يستخدم الفكاهة والنكتة -كسلاح خطير- في معارك السياسة والفن والأدب بطريقة مبتكرة في الضحك والسخرية.
4-
يعبر عن الشوارع المزدحمة، والحواري الضيقة، والمقاهي الغاصة، وأسواق الدرب الأحمر العامرة في حيوية نابضة.
5-
يتميز بمرحه ودعاباته ولذعه وسخريته، وفيض إنتاجه، وتدفق معانيه، فجاء مدرسة وحدة لخصائصه الفريدة، وسماته المميزة، وقسماته الفارقة.
ومما يميز أسلوبه بكل خصائصه ومميزاته التحقيق الذي كتبه على الشاويش "شعلان" الشخصية التي ابتكرها، يقول في محضر التحقيق:
"في تاريخه أدناه وأعلاه.. أنا الشاويش شعلان عبد الموجود في الساعة كذا، وأنا قاعد في القسم، حضر قدامى جدع طويل عريض زي الشحط، متهم في جناية خطف فرخة، وبدأنا نعمل المحضر اللازم، آه يا ناري..! ".
فهذا نموذج حافل بالصور المرحة، والفكاهة اللاذعة، والنقد الاجتماعي.
وتناول حسين شفيق المصري قضية "الشعر الحر" بأسلوب نافذ مفحم، نال من دعاتها وسخر منهم دون أن ندرك تأييده لهم أو معارضته. كتب تحت عنوان "ما وراء الغيب" من قصائد الشعر المنثور فقال:
ها هي الأبدية فاتحة ذراعيها لاحتضان الأجيال
…
وها هي أمواج الحياة تنكسر على شاطئ الكينونة الدائمة
…
وفي هذا المحيط الأثيري يسبح كل شيء
…
وكل شيء يرسب ويطفو في هذا الأوقيانوس اللا نهائي
…
والذين يصلون إلى الشاطئ تحتضنهم الأبدية، وتأخذهم إلى العالم اللا معروف
…
وهناك وراء الغيب تقابلهم الطبيعة مبتسمة.
ويجلس الكل على يسارها، إلا المحبين
…
فإنهم يجلسون على اليمين
…
وقصيدة أخرى عنوانها "ليلة الزفاف".
الحياة تبتسم بشفتيها القرمزيتين.
والسعادة مقبلة تجرجر أذيال الفخر السندسية.
ذات النقوش البديعية
والهناء واقف باسط ذراعيه يريد احتضان الفتاة البللورية الجبين
…
ما أجمل هذه النجمة المتفردة في الشمال الشرقي.
فوق منزل حبيبتي.
ما اسمك أيتها النجمة البراقة؟
إني أطير إليك بروحي لا قبل فملك الضيائي:
تلألئي أيتها النجمة كالوجه الجميل عند ابتسامة الفوز والغبطة، وليدم صفاؤك في السماء.
وسواء تعمد حسين شفيق المصري أن يهاجم الشعر الحر وينال من شعرائه أم لا، فإن كتاباته في هذا المجال فيض متدفق متجدد، بطريقة عملية، وأسلوب ساحر ساخر، فقدم لخصوم الجديد سلاحًا نافذًا في الصميم.
ومن هنا جمع المصري في أسلوبه بين الجد والهزل، والدعابة وخفة الروح ولا يخلو من عبرة التجربة، وتقديم النصيحة الواعية في أسلوب فني ساخر، يمنع ويثير ويقنع.
رابعًا: إبراهيم عبد القادر المازني 1890- 1949
من أعلام الشعر والفكر والأدب المعاصر، نظم وألف وترجم وكتب في الوطنيات والسياسة والقصة، ومشكلات المجتمع والمرأة والحب والزواج أو العاطفة على مدى ثلاثين عامًا كاملة.
بدأت كتاباته منذ اشتعال الثورة المصرية 1919. وشارك الثائرين في كتابة المنشورات التي تؤجج أوارها حتى هددته السلطات بالنفي والتشريد، ومع ذلك ظل مشتغلًا بالسياسة والصحافة حتى آخر لحظات حياته.
في حياة المازني أحداث ثلاثة، لها أثرها في شخصيته وأعمال فكره وأدبه هي: موت أمه، وإصابه ساقه، وموت زوجته. فعن موت أمه يقول:"إن موتها هدني، فقد كانت أما وأبا وأخا وصديقًا" وعن ساقه يقول: "كان هذا في 1914 فتغيرت الدنيا في عيني، وزاد عمري عشر سنوات في لحظة، وأدركتني الشيخوخة في عنفوان شبابي، فاحتشمت وصدفت مضطرًا عن مناعم الحياة، وملاهي العيش، وغمرت نفسي مرارة كان يخيل إلي أني أحسها على لساني. وعن زوجته يقول: "وها أنا
الآن بين الأحياء لا يدري الناس أني مت منذ سنين، وأني غير متحرك كشمشون ملتون، أو جثة لم تجد من يدفنها، أو صورة باهتة لما كنته في حياتي".
وتحدثنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن شخصية المازني رغم هذه الأحداث التي نزلت به فتقول: "إنما تستمد قوتها وأسرها من روحه الأدبية وثقافته الممتازة، لا من مظهره الجسماني أو هيئته، لهذا كله لم تخلف العلة في نفسه المرارة التي خلفتها في نفس "بيرون" وأثارت نقمته على الحياة والناس، بل لعل ساقه التي هيضت في شبابه، كان من أسباب انزوائه واعتزاله وتفرغه للقراءة، مما أتاح له أن يظفر بقدر ضخم من الثقافة وإعمال الفكر والتأمل، وأن يكون واحدًا من الرواد الذين مهدوا لنهضة أدبنا المعاصر، يتميز إنتاجه الضخم بالأصالة والدقة والعمق"1.
أسلوب المازني:
تكشف آثار المازني عن أسلوب مشرق فكه ساحر وساخر، محبب إلى النفس، نابع من ثقافة عريضة، وموهبة قادرة على إذابة العامية في الفصحى، وينفرد بسخرية ناعمة، تجلوها روح الفكاهة المصرية العذبة الخالصة، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:
1-
البساطة في التعبير، واستخدام المألوف من الألفاظ، والمشهور من العبارات، وإظهار الألفاظ الدارجة في ثوب فصيح.
2-
العناية بالأمثال الشعبية، ورسم صورة للبيئة المصرية عامة، والقاهرية بصورة خاصة، وإيثار الدعابة المساخرة التي تمثل روحه.
3-
جمله قصيرة متلاحقة، وعباراته سلسلة شائقة.
4-
إيثار الألفاظ الغربية في معارض السخرية، أو إظهار المفارقة، أو الإضحاك، فنراه يخاطب المتعالي قائلًا:"أيها الفطحل" ويتحدث عن المتحذلق فيقول إنه من "الجهابزة" وعند امتلاء البطن يقول: "إنه شعر الكظة".
1 راجع: أدب المازني.
5-
تشبيهاته جديدة دقيقة وطريفة فتراه يقول: "أقدم من هرم خوفو" و"معدتي طاعنة في السن كمخلاة قديمة" و"الزواج يشبه لبس الحذاء" و"الأعزب كالذي اعتاد الحفا" و"كانت لا تريد أن تتزوج، وصدقت فما تزوجت لأنها ماتت" و"كان شديد السكر حتى إنه كان يمشي متزنًا" وغيرها كثيرة وعديدة.
6-
المحافظة على الإطار اللغوي في قواعده وتراكيبه ومفرداته.
وهذا جزء من مقاله "بين القراءة والكتابة" جاء فيه: "مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب؛ لأني كنت أقرأ والقراءة والكتابة عندي نقيضان، وقد كنت -وما زلت- امرءًا يتعذر عليه ولا يتأتى له، أن يجمع بينهما في فترة واحدة، ولكم أطلت الفكر في ذلك فلا يفتح الله علي بتعليل يستريح إليه العقل، ويأنس له القلب. وما أظن بي إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز "عربات الرش" التي تتخذها مصلحة التنظيم، وخزان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ، وكذلك أنا فيما أرى أحس الفراغ في رأس، وما أكثر ما أحس ذلك فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي هذا الذي خلقه الله خلقة عربات الرش كما قلت، حتى إذا شعرت بالكظة وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء، وقمت عنه متثاقلًا متثائبًا من التخمة، فلا يعجبني إلا أن أفتح الثقوب وأسح وهكذا دواليك، وأمري مع الكتب أغرب، كنت في أول عهدي بها أي منذ عشرين سنة، أو نحو ذلك أذهب في أول كل شهر إلى أحد باعتها، فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له وعلى شفته -دون عينيه- ابتسامة جهل وغباء ويهز لي رأسه أسفًا، فأنحيه عن الطريق، وأمضي إلى الوقوف، وأجيل عيني فيها، وآخذ منها ما يروقني، وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار، وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين، أن كان فوقها شيء يستحق الذكر.
ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب "كما يقول المثل العامي" وللعادة حكم لا يقوى المرء كل حين على مغالبته، والنفس لا تطاوع المرء دائمًا ما يريدها عليه الجمود والتبلد، وقد يزعج نفسه يقضي أيامه بطين الجسد وحده، أو بموتها على الأصح، فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد، لا ينقصها إلا الرمى، وما لا يصلح سلوى ومتعة قد يصلح دواء، ويسير على
من تعود أنه يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد، ويخلد إلى الركود، فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينًا بعد حين1".
وبذا وغيره كان المازني في فكاهاته وسخرياته فنانا رائدًا خلاقًا، عميق الغور، واسع الأفق، انطبعت مختلف مظاهر الحياة المصرية في نفسه، فعبر عن صورها في قوة ووضوح.
وبعد فلعلك أدركت من خلال فصول هذا الباب أن بلاد العروبة حفلت منذ الثلث الأخير من القرن الماضي ينفر من الرواد والمصلحين والأدباء، أثروا الفكر العربي بما بذلوا من جهود، وقدموا من أراء في إصلاح اللغة والدين والسياسة والمجتمع، وترخوا البساطة في التعبير عنها حتى تؤدي الغرض المنشود منها.
ومن الطبيعي أن تتنوع الأساليب وتختلف طرائق التعبير والتصوير، نظرًا لتنوع العلوم التي نهلوا منها، وتعدد الثقافات التي تأثروا بها، وتختلف في نفوس الأدباء، وتطورت تبعًا لها عقولهم، فكان فيهم العالم والأديب والناقد والقاص والمؤرخ والسياسي والمبدع.
ومن هنا برز في المجتمع الثقافي في شتى بلاد العروبة طوائف عديدة في التصوير والتعبير، وكان للغوي أسلوبه، وللمصلح اتجاهاته، ولرجل الدين منحاه، وللعلمي منهجه، وللفني طريقته، وللفلسفي نظرياته، وللساخر تعبيره؛ لأن كل واحد منهم له خطه من الثقافة، وله أسلوبه الذي يميزه عن غيره، وتتضح فيه سماته وقسماته الفارقة، ومميزاته الواضحة.
1 راجع: قبض الريح ص5 وما بعدها.
الباب الثالث: المقال في الصحف المعاصرة
الفصل الأول: المقال وقضايا الفكر
مدخل
…
الباب الثالث: المقال في الصحف المعاصرة
الفصل الأول: المقال وقضايا الفكر
بوادر حرية الرأي:
جرت الأحداث بسرعة بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، ففي السودان ثورة المهدي، وفي الحجاز ثورة الوهابيين، وفي ليبيا ثورة السنوسى، وفي مصر الثورة العرابية، وكلها تحمل طابع الدعوات الفكرية، وتستهدف التحرر من الاستبداد، وبرز دور الرواد، فكان مجلس الإمام محمد عبده في مصر يضم المصريين والشاميين والعراقيين وغيرهم من أمثال: عبد العزيز جاويش، وولي الدين يكن، ورفيق العظمة، وعبد الرحمن الكواكبي، ورشيد رضا، وطاهر الجزائري وعبد المحسن الكاظمي يتذاكرون أحاديث الإمام في الشورى1.
وفي الشام كانت مدرسة حسين الجسر، وطاهر الجزائري، وفي العراق كانت مدرسة محمود شكري الألوسي، وكلها مدارس حرة للفكر. وكانت مبادئ الثورة الفرنسية تسود المشرق العربي، يقول أنيس المقدسي:"فليس بغريب أن بعض الشباب المثقفين حتى في أواخر القرن الماضي، وفي إبان العهد الحميدي يندفعون إلى الجهر بحب الحرية والمساواة كما فعل إلياس صالح2". ولعل في تفسير أديب إسحاق للحرية والمساواة ما يؤكد
1 راجع: تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده جـ2 ص192 رشيد رضا طبعة 25/ 1931.
2 راجع: الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ص33-43.
تأثره بالثورة الفرنسية وآراء الفرنسيين، إذ اقتبس تعاريف "مونتين" و"منتسكو" و"جان جاك روسو1".
وأعنف كتاب نادى بالحرية هو "طبائع الاستبداد" للكواكبي، فقد وضح فيه أثر الاستبداد في فساد الأخلاق والدين والتربية، مبينًا طريق التخلص منه فيقول:"إن الأمة التي ضربت عليها الذلة والمسكنة حتى صارت كالبهائم لا تسأل قط عن الحرية، وقد تنقم على المستبد، ولكن طلبًا للانتقام من شخصه، لا طلبًا للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئًا، إنما تستبدل مرضًا بمرض كمغص بصداع، إذا كانت الغاية مبهمة في الأول، فلا بد أن يقع الخلاف في الآخر، فيفسد العمل أيضًا، وينقلب إلى فتن صماء، وانقسام مهلك، ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص، وإشهارها بين الناس، والسعي في إقناعهم، واستخلاص رضاهم بها، بل حملهم على النداء بها، وطلبها من عند أنفسهم2".
وارتبطت مصر -حسب منطق الأحداث- بأوروبا صاحبة أكبر قدر من أسهم قناة السويس، مما ترتب عليه ظهور تيارات اجتماعية، وظواهر أدبية وسياسة في المجتمع المصري بواسطة من يذهبون لأوروبا أو يأتون منها، وشغلت الفكر -لأول مرة- مسائل مثل: رأى الدين في شرب الخمر ومشاهد الرقص والتمثيل، ولبس الزي الأوروبي، وحرية العقيدة والفكر، ومكانة المرأة في المجتمع، وموقف الدين من تعلم العلوم التطبيقية وغيرها، مما لا يستطيع الكثير إذ ذاك أن ينظر إليها نظرة بعيدة عن الدين، ودار حولها جدل ونقاش بين الكتاب والمفكرين وأصحاب المسارح، كانت ثمرته مقالات "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي التي وضحت ما يجب أخذه أو تركه من الحضارة الأوروبية الوافدة.
ومع بوادر الحرب العالمية الأولى 1914 دخلت مصر مرحلة جديدة في صراعها مع الاحتلال وبدت واضحة في ثورة الشعب 1919 التي اقترنت بثورة
1 راجع: الدرر ص3-5 طبعة الإسكندرية 1886.
2 راجع: طبائع الاستبداد ص 172-177 الطبعة الأولى.
فكرية ازدهرت في ظل الدستور الذي كفل حرية التفكير باعتباره العنوان الصحيح على حضارة أي أمة من الأمم.
والمعروف أن مصر شهدت -خلال هذه الفترة- أحزابًا ثلاثة.
الحزب الوطني المحافظ الذي يحترم الدين ويتمسك بمبادئه، والحزب الوفدي الذي لم يصل إلى درجة الحزب الوطني في المحافظة، وحزب الأحرار الدستوريين الذي مال إلى التجديد والتحررح؛ لأن معظم أعضائه تعلموا في فرنسا، وأشربوا معاني الحرية التي جاءت بها ثورتها.
وخرجت بعض الصحف -السياسة- من نطاق الحزبية الضيق إلى آفاق أرحب من التجديد والتثقيف بمدرسة الشعب، وعمل فيها معظم محرري "الجريدة" من أمثال: الشيخ مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم من أشربوا روح الحرية، على أن أحمد لطفي السيد جعلها قاعدة لكل إنتاج فكري وإصلاح عام، ومن ثم بدت صحيفة "السياسة" مدرسة فكرية، لها اتجاهاتها ومثلها، تجمع الرواد والأنصار والمؤيدين، مما دفع صحف المعارضة إلى مهاجمة هذا الاتجاه مثل "الأخبار" لأمين الرافعي، و"المنار" للشيخ رشيد رضا، و"البلاغ" لعبد القادر حمزة.
وقادت "السياسة" النضال بين القديم والحديث في اللغة والأدب والدين، وصلته بالعلم والحكم على نظم البحث الحديثة التي تبدأ بالشك: وتنتهي باختيار المذهب الرائق، مما أحدث تطورًا في التيارات الفكرية والأدبية، ومفهوم الحرية والحياة الدستورية، مما حقق ثورة فكرية شاملة، تجلت في قضايا عدة أهمها:
1-
قضية المرأة. التي أثارها المرحوم قاسم أمين.
2-
كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
3-
كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين.
4-
قضية "التبشير" وبطلها الدكتور محمد حسين هيكل.
فالي هذه القضايا، نقف على أسبابها، ونوضح جوانبها، وتبرر موقف الصحف والكتاب منها، ودور المقال فيها.
أولًا: قضية المرأة
ظلت المرأة العربية قعيدة البيت، بعيدة عن التعليم حتى منتصف القرن الماضي، تحتم تقاليد المجتمع عليها أن تستتر بالحجاب عن أعين الرجال، وفي الثلث الأخير من القرن بدأ الحديث عن تعليم الفتاة يتردد في البيئة العربية على لسان رفاعة الطهطاوي المتوفى 1873 في كتابه "المرشد الأمين إلى تعليم البنات والبنين" ومما جاء فيه:
"فإن ذلك مما يزيدهن أدبًا وعقلًا، ويجعلهن بالمعارف أهلًا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم، ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش، مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها" وطبع هذا الكتاب في 1872. وترتب على دعوته أقامة مدرسة للبنات 1873، ضمت مائة فتاة، وبعد عام استقبلت أربعمائة يتعلمن القراءة والكتابة والقرآن والحساب وشيئا من الجغرافيا والتاريخ والتطريز1".
ورأى الشيخ محمد عبده: "أن من محاسن الإسلام مساواة المرأة بالرجل في الأمور الجوهرية. وأما تعدد الزوجات فإن الإسلام لم يجوزه إلا لضرورات حقيقية، ولذلك ينبغي إصلاح الحياة الاجتماعية فيما يحسن حياة المرأة"2. وتناول الموضوع نفسه عبد الله النديم على صفحات "الأستاذ"، وعلي مبارك في الجزء الثاني من كتابه "طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية".
وفي الشام شارك بطرس البستاني 1819-1883 الاهتمام بتعليم المرأة. ومن ثم بدأ الحديث عن تعليم المرأة ومساواتها بالرجل يتردد في الصحف والمجلات3.
1 راجع: عصر إسماعيل جـ1 ص210 للرافعي.
2 راجع: الإسلام والتجديد ص221-222.
3 راجع: المقتطف أعداد 1886.
وانحصرت الدعوة في تعليم الفتاة مبادئ القراءة حتى يمكنها الاطلاع على كتب الأخلاق، يقول الكاتب الحلبي فرنسيس فتح الله المراش:"ولا عجيب من جعل تربية النساء مقصورة على أبسط العلوم؛ لأن توغلهن في عباب العلوم، ينتهي إلى عكس المطلوب، بحيث تحذو حذو الرجال، وتصبح غير مكترثة لالتزاماتها نحو البيت والعيال، وربما عنّ لها أن تضع نفسها فوق الرجال1. ويقول أحمد فارس الشدياق: "فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي أنها محمدة، بشرط استعماله على شروطه، وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق، وتحسن الإملاء2".
وهكذا بدأت دعوة تعليم الفتاة تشيع في مصر والشام في أواخر القرن الماضي، ومن أجلها فتحت المدارس، ومن ثم أخذت الدعوة تشق طريقها في الشرق العربي حتى تلقفها المرحوم قاسم أمين، وتبين الدعوة لها، وضمنها مقالاته التي جمعت -فيما بعد- في كتابيه "تحرير المرأة" الصادر في 1899 و"المرأة الجديدة" الذي ظهر بعده بعام.
أثارت كتابات قاسم أمين عن المرأة وحقوقها جدلًا عنيفًا، شغل الرأي العام العربي خاصة في مصر والشام والعراق، لاصطدامها بالتقاليد الموروثة في بلاد العروبة إذ ذاك، ووقف الناس من دعوة قاسم أمين بين معارض ومؤيد.
"رمى المعارضون قاسم أمين على صفحات "اللواء" بأنه ممن تخطف زخاف التمدن بصائرهم، يرى المحاسن ولا يبصر المساوئ، ويقنع بأراء الدوق دراكور، ولا يقنع بمن هم أكثر شهرة وأوسع ثقافة وأوضح عقلًا من كتاب الغرب، مثل: جول سيمون وموليير ولامنس وزولا وهوجو وأمثالهم ممن هاجموا المرأة الأوروبية في حريتها التي عبثت بها3".
"وتساءل البعض على صفحات الجرائد كيف أمكن لليابان أن تصبح
1 راجع: الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث جـ1 ص59.
2 راجع: الساق على الساق جـ1 ص50.
3 راجع: اللواء الصادر في 24/ 1/ 1908.
إحدى الدول العظمى، والنساء فيها لم ينلن شيئًا من الحرية العربية؟ وأية امرأة مثقفة أوروبية اخترعت القطار أو اكتشفت الكهرباء"1.
"وفسحت صحيفة "المؤيد" المجال للمعارضين والمؤيدين معًا، فنشرت لمحمد فريد وجدي -كما نشرت اللواء له- بضع مقالات بدأها متسائلًا:
هل المرأة مساوية للرجل في سائر الحيثيات؟ ويجيب متسائلًا: وهل لدينا دليل حسي على هذا الجواب السلبي أصدق منذ وجود المرأة من ابتداء الخليقة للآن تحت سيطرة الرجل يوجهها كيف شاء، ويحكم عليها بما تقتضي أمياله، إذا كانت المرأة مساوية للرجل من الجهتين الجسمية والعقلية، فلماذا خضعت كل هذه الألوف من الأعلام لسلطان الرجل وجبروته2".
"ويتهكم أحد الكتاب بدعوة قاسم أمين، ويصور خروج المرأة إلى معترك الحياة، فإذا البيوت مقفرة، والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء، والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات، أما الزي فخليط عجيب امرأة بقبعة وامرأة بغيرها، والمقصى قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام، والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها، أهذا ما تريده؟ إن ما تريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء".
تلك صورة موجزة للثورة التي دارت بين الكتاب في مصر عقب كتابات المرحوم قاسم أمين حول تحرير المرأة من التقاليد التي فرضت عليها أن تعيش بعيدة عن التعليم، مكبلة بقيود الحجاب.
"ورأى أهل الشام أن دعوة قاسم أمين اقتداء بالغربية لا يقوم على حجة مقبولة؛ لأنها لم تناد بخروج المرأة إلى العمل والحرية المطلقة، وإنما الرجال هم الذين دفعوا المرأة إلى العمل للانتفاع بها، فكانت النتيجة أن هوت، وفقدت بيتها وأنوثتها، وإذا كان التاريخ استفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم دفعًا للعار، فكم يكون استفظاعه لحياة كثيرات من الفتيات في هذه المدينة التي يريد البعض أن يقتدي بها".
1 راجع: اللواء الصادر في 27/ 2/ 1908.
2 راجع: المؤيد الصادر في 30/ 9/ 1899.
"ومع ذلك فقد طالب أهل الشام بثقافة محدودة للفتاة ولا حاجة لها بالثقافة العريضة لمركزها في الأسرة كأم، واعتبروا مساواتها بالرجل خدعة كبرى، للاختلاف الطبيعي بينها وبين الرجل، والعلم نفسه أثبت ضعف المرأة1".
أما أهل العراق فقد رموا قاسم أمين بالفساد والخروج عن سنن الدين، محتجين بأن السفور يقود إلى المجون وهدم القيم، مما يترتب عليه تفكك الروابط الاجتماعية2 ولما كان شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي شغوفًا بالاطلاع على كل ما يدعو إلى التحرر الفكري والاجتماعي، فقد وجد في دعوة قاسم أمين نصرة المرأة والدفاع عنها، فلم تمض أربع سنوات على تلك الدعوة حتى بعث بمقال جريء إلى جريدة "المؤيد الأسبوعي" القاهرية، ونشر في 17 أغسطس 1910 بعنوان "المرأة والدفاع عنها" ناقش فيه موضوع الطلاق فقال:
"أجاز المسلمون أن يقسو الرجل فيطلق المرأة، ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع" ثم يتساءل قائلًا: "لماذا لم يجز المسلمون أن تطلقه لتنجو من شراسته، وقد قال تعالى في كتابه المبين بعد آية الطلاق {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} ؟ لماذا لا يكون لها هذا الطلاق مثلما هو عليها، لتعم المساواة، وتسود العدالة، كما هو مدلول الآية؟! ".
ثم ناقش "حقوق المرأة المهضومة" مناقشة صريحة فقال: "ليست المرأة المسلمة مهضومة من جهة واحدة، بل هي مهضومة من جهات عديدة: فهي مهضومة؛ لأن "عقدة الطلاق" بيد الرجل يحلها وحده، ولا أدري لماذا يجب رضاء المرأة في الاقتران، ولا يجب رضاها في الفراق الذي يعود تبعته عليها وحدها؟! وهي مهضومة؛ لأنها لا ترث من أبويها إلا نصف ما يرثه الرجل، وهي مهضومة؛ لأنها تعد نصف إنسان، وشهادتها نصف شهادة، وهي مهضومة؛ لأن الرجل يتزوج عليها بثلاث أخر، وهي لا تتزوج إلا به. وهي مهضومة؛ لأنها وهي في الحياة مقبورة في حجاب كثيف، يمنعها من شم الهواء ويمنعها من الاختلاط ببني نوعها".
وختم مقاله ببيان "مضار الحجاب" فيما يسببه من مشاق ومتاعب في المجتمع، وختم مقاله بقوله:"أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات! " فثار رجال الدين عليه ثورة عارمة، مما جعله يختفي في بيته خوفًا على حياته، واعتبره الشيخ سعيد النقشبندي -من كبار علماء بغداد- كافرًا زنديقًا، وألف رسالة في الرد عليه سماها "السيف البارق، في عنق المارق" وطالب البعض بعزله من وظيفته من والي بغداد "ناظم باشا" مما دفع جميل صدقي الزهاوي أن يتراجع عن رأيه وينكر كتابته للمقال.
ويلاحظ أن نقاش أهل الشام لقضية المرأة أهدأ من نقاش أهل العراق؛ لأن المرأة عندهم أكثر حرية من المرأة العراقية، لأثر الجاليات الأجنبية في الحياة الشامية.
أضافت المعركة التي أثيرت حول "قضية المرأة" إلى تراثنا العربي المعاصر مقالات عديدة، وكتب متنوعة، وبحوث مختلفة أهمها ما يلي:
1 جمع جميل صليب في كتابه "الاتجهات الفكرية في بلاد الشام" بعض هذه المقالات ص140 وما بعدها.
2 راجع: تنوير الأفكار، السنة الأولى 1328، ابتداء من العدد الثالث.
وهي مهضومة؛ لأن الرجل يتزوج عليها بثلاث أخر، وهي لا تتزوج إلا به. وهي مهضومة؛ لأنها وهي في الحياة مقبورة في حجاب كثيف، يمنعها من شم الهواء ويمنعها من الاختلاط ببني نوعها".
وختم مقاله ببيان "مضار الحجاب" فيما يسببه من مشاق ومتاعب في المجتمع، وختم مقاله بقوله:"أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات! " فثار رجال الدين عليه ثورة عارمة، مما جعله يختفي في بيته خوفًا على حياته، واعتبره الشيخ سعيد النقشبندي -من كبار علماء بغداد- كافرًا زنديقًا، وألف رسالة في الرد عليه سماها "السيف البارق، في عنق المارق" وطالب البعض بعزله من وظيفته من والي بغداد "ناظم باشا" مما دفع جميل صدقي الزهاوي أن يتراجع عن رأيه وينكر كتابته للمقال.
ويلاحظ أن نقاش أهل الشام لقضية المرأة أهدأ من نقاش أهل العراق؛ لأن المرأة عندهم أكثر حرية من المرأة العراقية، لأثر الجاليات الأجنبية في الحياة الشامية.
أضافت المعركة التي أثيرت حول "قضية المرأة" إلى تراثنا العربي المعاصر مقالات عديدة، وكتب متنوعة، وبحوث مختلفة أهمها ما يلي:
أولًا: كتب المعارضين
1-
تربية المرأة والحجاب لمحمد طلعت حرب.
2-
السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب لمحمد إبراهيم الغاياتي.
3-
الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس لمحمد أحمد حسنين البولاقي.
4-
خلاصة الأدب لحسين الرفاعي.
5-
نظرات السفور والحجاب لمصطفى الفلايني.
6-
قولي في المرأة لمصطفى صبري.
7-
رسالة "مشروعية الحجاب" لمصطفى نجا.
8-
رسالة "الفتى والفتاة" لعبد الرحمن الحمصي.
وغيرها من الكتب التي عارضت دعوة قاسم أمين في تحرير المرأة، وأهم هذه الكتب وأكثرها عنفا الكتاب الأول، ولذا سنقف عنده قليلًا، بدأ المرحوم محمد طلعت حرب كتابه -تربية المرأة والحجاب- بالحديث عن مستوى المرأة ووظيفتها خلص منه إلى أن الطبيعة فرقت بين عمل المرأة وعمل الرجل فقال:
"إن للمرأة أعمالًا غير ما للرجل، ليست بأقل أهمية من أعماله ولا بالأدنى منها فائدة، وهي تستغرق معظم زمن المرأة إن لم تقل كلمة: رجل يسعى ويكد ويشقي ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله، وامرأته ترتيب له بيته وتنظف له فرشه، وتجهز له أكله، وتربي له أولاده، وتلاحظ له خدمه، وتحفظ عينه عن المحارم، وهو يسكن إليها1".
وفي الباب الثاني يتناول "تربية المرأة" وما يكاد يبسط القول فيه حتى يسلم برأي قاسم أمين فيقول: "على أن لا شيء يمنع المرأة من التوسع في العلوم والمعارف إذا وجدت عندها قابلية من نفسها، وكان وقتها يسمح لها به كما أنه لا شيء يمنعها عند اقتضاء الحاجة من أن تتعاطى من الأعمال بعض ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقاتها2".
ويختم المؤلف كتابه بعد مناقشة موضوعية هادئة حول "مشروعية الحجاب" متمسكًا برأي قاسم أمين نفسه حين قال: "الحجاب أصل من أصول الأدب، إلا أن المطلوب أن يكون منطقيا على ما جاء به الشرع3".
ثانيًا: كتب المؤيدون
1-
المرأة في الشرائع والتاريخ - لمحمد جميل بهيم.
2-
تحرير المرأة في الإسلام - لمجدي الدين ناصف.
3-
رسالة نهضة المرأة المصرية والمرأة العربية - عبد الفتاح عبادة.
1 راجع: تربية المرأة والحجاب ص17.
2 راجع: المصدر السابق ص59.
3 راجع: المصدر السابق ص105.
4-
أكليل غار على رأس المرأة - لجورجي نقولا باز.
5-
النسائيات - لملك حفن ناصف.
وغيرها من الكتب التي ألفها النساء بعد ذلك في الدفاع عن قضية المرأة.
وكان أنصار قاسم أمين يقابلون تهكم المعارضين بتهكم أشد، وهجوم أعنف، مثل قول ولي الدين يكن:"قالوا إن تعليم البنات مهبع إلى إفسادهن وما القائلين بذلك من تعلمت أمة وعرفت فسادها، إن هو إلا لجاج مبين، أبى القدماء مزايلة عاداتهم فضلوا وأضلوا، وحسبوا عصر أبنائهم مثل عصرهم فشقوا وأشقوا، حتى إذا كانت العاقبة فإذا هم في أجدائهم راقدون لا يسمعون فنقص عليهم قصص من خلفوا، ولا يتعظ بمصارعهم من عاش بعدهم، ورأى خطأهم، ومن لم تعظه العبر لا تؤالمه وقعات الصروف1".
ولم تمض سنوات على دعوة قاسم أمين لتعليم الفتاة وخروجها للعمل حتى سارت بعده خطوات واسعة، ووجدت أعوانًا وأنصارًا: "لم يعد ذلك الذي دعا إليه قاسم أمين هو شغل الناس بعد الحرب، فقد أخذت الأمور تتطور تطورًا سريعًا حتى أصبحت دعوة قاسم أمين وقد استنفدت في وقت وجيز كل أغراضها، واندفع الناس إلى ما وراءها في سرعة غير منظمة، فقد خلعت المرأة النقاب، ثم استبدلت المعطف الأسود بالحبرة، ثم لم تلبث أن نبذت المعطف وخرجت بالثياب الملونة، ثم أخذ المقص يتحيف هذه الثياب في الديول وفي الأكمام وفي الجيوب، ولم يزل يجور عليها فيضيقها على صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها، ثم إنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئًا. ولم تعد عصمة النساء في أيدي أزواجهن، ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس من اليهود ومشيعي الفجور، وقطعت المرأة مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي، واقتحمت الجامعة مزاحمة فيما يلائمها وفيما لا يلائمها من ثقافات وصناعات،
1 راجع: الصحائف السود ص9 وكانت صحيفة "المنار" لمحمد رشيد رضا تؤيد قاسم أمين راجع العدد الصادر في 15/ 7/ 1899.
وشاركت في وظائف الحكومة، ثم لم تقف مطالبتها عند حد في الجري وراء ما سماه أنصارها "حقوق المرأة أو مساواتها بالرجل" وكأنما كان عبثًا أن خلق الله سبحانه الذكر والأنثى، وأقام كلا منهما فيما أراد، وامتلأت المصانع والمتاجر بالعاملات والبائعات، وحطم النساء الحواجز التي كانت تقوم بينهن وبين الرجال في المسارح وفي الترام وفي كل مكان، فاختفت المقاعد التي جرت العادة على تخصيصها للسيدات، بعد أن أصبحن يفضلن مشاركة الرجال1".
لعبت الصحف دورها في معركة تحرير المرأة بما كانت تنشره من استفسارات تبغي من ورائها الأنظار ومشاركة أنصار التحرر مثل رد الدكتور "فيليب متى" فيما تستبقيه المرأة الشرقية من أخلاقها التقليدية وما تقتبسه من المرأة الغربية يقول: "للمرأة كما للرجل سواء كانت المرأة شرقية أم غربية، الحق المطلق في الاستمتاع بكل الوسائل الضرورية لحفظ حياتها التامة ولنموها المستمر وتقدمها المطرد جسديا وعقليا وروحيا، وكل ما وقف في سبيل ذلك هو شر يجب إزالته، هنا تأتي مشاكل البرنيطة والحجاب والمشد وقص شعر الرأس والرقص والغناء والتياترات. ولعب الورق إلى آخر ما هنالك، من المسائل التي تشغل في هذه الأيام أفكارنا، كل هذه المشاكل -في نظري- يجب أن تقرر بموجب هذا المبدأ الأخير، هل هذه الأمور تساعد المرأة على النمو الجسدي والعقلي والأدبي، أو تعوقها عنه، لكل امرأة -ولكل رجل- أن تحكم نفسها أو يحكم نفسه، فإن كان لعب الورق مثلًا لا يقف عثرة في سبيل تقدم الفرد بل يساعده على النمو فهو جائز حلال وإلا فهو خطيئة، ولا نستطيع في أحوال كهذة أن نضع أحكامًا عامة تتناول الجميع، بل يجب الحكم في كل حادثة لنفسها، وعلى كل فرد لنفسه2".
تلك هي قضية تعليم المرأة التي أثارها المرحوم قاسم أمين، ولم تكن كما قال المرحوم شكيب أرسلان1 مسألة شعور وحجاب وتعليم وجهل. وإنما سلسلة متصلة دفع دعاة المدنية الغربية المجتمع إليها دفعًا حتى لا يكونوا في مجتمع يختلف تقاليده عن تقاليدهم التي اكتسبوها من معايشتهم لغيرهم من أبناء المجتمعات الأوروبية.
1 راجع: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر جـ2 ص225- 233 محمد محمد حسنين.
2 راجع: الهلال ص428 أعداد 1925.
ثانيًا: كتاب "الإسلام وأصول الحكم
"
مؤلف هذا الكتاب الشيخ علي عبد الرازق 1888-1966 تلميذ الإمام محمد عبده، والحائز على العالمية من الأزهر الشريف 1911.التحق بجامعة "اكسفورد" للحصول على درجة علمية في الاقتصاد والعلوم السياسية، لكن الحرب العالمية حالت دون تحقيق رغبته فعاد لمصر، وأقام زمنًا بالأسكندرية ألقى خلالها دروسًا في الأدب العربي وتاريخ الإسلام بالمعهد الأسكندري، وعمل بالقضاء الشرعي 1915، وظل به حتى فصل 1925 بعد نشر كتابه هذا، وتولى وزارة الأوقاف مرتين: الأولى في وزارة النقراشي والثانية في وزارة إبراهيم عبد الهادي 1947. كانت تربطه صداقة وطيدة بالدكتور محمد حسين هيكل، دعمها انتماؤهما لمدرسة التجديد التي ضمت أكثر المنادين بالتجديد والتحرر في الفكر الغربي الإسلامي.
أثار الكتاب منذ نشر 1925 معركة دينية وفكرية وسياسية؛ لأنه هاجم الخلافة الإسلامية والنظام الملكي في صراحة وجرأة، ومما جاء فيه:"والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة وعزة وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نص عليها، إنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة" واستند في هدم الخلافة على الأدلة التالية:
1 راجع: المنار ص206 الصادر في 21 يوليو 1925.
أولًا: الخلافة هي الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده مع الالتزام بحدود الشرع، مؤكدًا أن الأدلة في تأييد الخلافة لا تكفي لفرض هذا الحكم أو تأييده على الأقل1.
ثانيًا: خلو القرآن والسنة من العبارات التي تؤيد الخلافة تأييدًا صريحًا، بحيث يلتزم المسلمون، ويقرر أن الخلافة لم توجد بالإجماع، ولم تقم بعد أبي بكر وعمر وعثمان على الاختيار الحر، وإنما قامت على السيف "فلذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رءوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم، وذلك الذي يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذه من حياة البشر، ولا قوة إلا بما يغتال من قوتهم2".
ثالثًا: يرى أن الرأي القائل بتنصيب الإمام أو الخليفة، يتوقف على إظهار الشرائع الدينية وصلاح الرعية فيقول: "معاذ الله
…
لا يريد الله جل شأنه لهذا الدين الذي كفل له البقاء أن يجعل عزه وذله مرتبطين بنوع من الحكومة، ولا يصنف من الأمراء! ولا يريد الله جل شأنه بعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن لخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء3". ويذهب إلى أن القرآن الكريم لم يحدد شكلًا معينًا من أشكال الحكومة.
رابعًا: الأنظمة والقواعد التي شرعها الإسلام ليست من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وإنما هو شرع ديني خاص لمصلحة البشر الدينية، فلا حاجة لنا في الخلافة في أمور الدين أو الدنيا؛ لأن الخلافة كانت وما زالت نكبة على الإسلام والمسلمين.
1 راجع: الإسلام وأصول الحكم ص65-66.
2 راجع: المصدر الساق.
3 راجع: الإسلام وأصول الحكم ص65-66.
خامسًا: لا حاجة لزعيم يخلف محمدًا في زعامة إسلامية؛ لأنه رسول نبي فقط، واستدل من القرآن بخمس وأربعين آية منها:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} 1 وأكد من السنة النبوية أن محمدًا -كالرسل- ليس ملكًا ولا مؤسس دولة، وخلص إلى الأسباب التي أدت إلى تسمية أبي بكر ومن جاء بعده بلقب "الخليفة" ثم استغل من جاء بعدهم كلمة "الخلافة" لما يحيط بها من قداسة، فتمسكوا باللقب ليحموا مقاصدهم من الثائرين.
وختم المؤلف كتابه قائلًا: "وتلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلوهم عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الخير، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضًا استبدوا بهم وأذلوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعًا"2.
أثارت هذه الآراء عاصفة هوجاء، واشتد الجدل حولها، وهاجمت قوى عديدة الكتاب وصاحبه. وكانت بداية لكثير من الدراسات والمؤلفات عن مبادئ السياسة ونظام الحكم في الإسلام، ونشط رجال الدين فألفوا الكتب، ونشروا المقالات من أمثال:
1-
كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم لشيخ محمد الخضر حسين.
2-
كتاب "نقض علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لمحمد طاهر بن عاشور مفتي المالكية في تونس".
3-
كتاب "حقيقة الإسلام وأصول الحكم" للشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية.
1 راجع: المصدر السابق ص85-103.
2 راجع: المصدر السابق ص85-103.
4-
كتاب "نظام الحكم في الإسلام" لمحمد يوسف موسى.
5-
كتاب "النظريات الإسلامية السياسية" لضياء الدين الريس.
6-
كتاب "الحكومة الإسلامية" لمحمد حسين هيكل.
7-
كتاب "الإسلام والسياسة" لحسين فوزي النجار.
8-
كتاب "الدولة والإسلام" لخالد محمد خالد.
9-
كتاب "ثلاث معارك فكرية" لمختار التهامي. وتدور موضوعات هذا الكتاب حول كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
ومما أضعف موقف هؤلاء العلماء حرصهم على إرضاء الملك فؤاد. أهدى الشيخ محمد الخضر حسين كتابه على النحو التالي: "إلى خزانة حاضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم، راجيًا أن يتفضل عليه بالقبول، والله يحرص ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد" في الوقت الذي صدر علي عبد الرازق كتابه بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، ولا أخشى أحدا سواه".
وانتهى الأمر بمحاكمة علي عبد الرازق أمام هيئة من كبار العلماء بالأزهر، وإخراجه من زمرتهم، وإقصائه عن القضاء، وتجريده من العالمية التي تؤهله للوظائف الحكومية، ولعب المقال دوره في هذه المعركة الفكرية التي خاض غمارها نفر من الكتاب بين ميؤدين ومعارضين، كتب طه حسين مقالًا ساخرًا يهنئ الشيخ بخروجه من زمرة الأزهريين ونشرته صحيفة "السياسة" يقول فيه:"إيه أيها الطريد من الأزهر، تعال إلي نتحدث ضاحكين من هذه القضية المضحكة، قصة كتابك والحكم عليه وعليك وطردك من الأزهر. ما بال رجال الأزهر لم يقضوا على كتابك بالتمزيق، فقد كان يلذنا أن نرى نسخه في صحن الأزهر أو أمام "باب المزينين" -اسم حارة في حي الأزهر- أو في ناحية من هذه الأنحاء التي لا يأتيها ولا يصل إليها المنكر ولا يسمى الأخيار والأبرار، ثم تضرم فيها النار
…
ودعنا نتحدث في حرية ولا تكن أزهريا، فقد أخرجت من الأزهر، ثم تعالى نجد،
فقد آن لنا أن نجد، ما هذه الهيئة التي أخرجتك من الأزهر؟ وما سلطتها الدينية على أي آية من كتاب الله، أركن هي من أركان الإسلام كالإمامة، كلا إنما هي بدعة لا يعرفها القرآن الكريم، ولا تعرفها السنة المطهرة ولا النظم الإسلامية، وهي بدعة فليس تحكمها صفة دينية، ومن قال غير ذلك فهو آثم؛ لأن هذا النظام يشبه أن يكون من نظم النصارى لا من نظم المسلمين، للنصارى مجلس للأساقفة، ومجلس للكرادلة ولهم باب، أما نحن فليس لنا من هذا كل شيء، فسلام عليك أيها الطريد، وإلى اللقاء"1.
وكتب الشيخ علي عبد الرازق عقب حكم هيئة كبار العلماء عليه بصحيفة "السياسة" فقال: "لا جرم أننا تقبلنا مسرورين إخراجنا من زمرة العلماء، وقلنا كما يقول القوم الذين إذا خلصوا من الأذى قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الأذى وعافانا"2.
ودافع محمد حسين هيكل عن الكتاب وصاحبه فقال: "وماذا نقول في عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة في وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين، وكل أمير من أمرائهم في أن يكون خليفة؟ ثم ماذا تقول في عالم مسلم مصري يقول بوجوب ارتباط مصر وإنجلترا برباط الصداقة، ويذهب في ذلك مذهب المتطرفين ثم يقف في وجه إقامة خليفة، وأن يكون هذا الخليفة واحدًا من الملوك والأمراء الواقعين تحت نفوذها؟! أو لم يكن الأولى له والأجدر به أن يترك الخلق للخالق حتى ينام الخليفة فيرضى أمير، وأن غضب أمراء! وترضى إنجلترا. وقد يكون في رضاها ما يقرب المسائل المعلقة بيننا وبينها؟! ما أظن واحدًا من أصدقاء الشيخ علي عبد الرازق، بل ما أظن الشيخ نفسه إلا يرى أمام هذه الاعتبارات. أن الشيخ قد أخطأ خطأ بينا يستحق عليه المحاكمة؟! "3.
1 راجع: أخبار اليوم العدد 1825 الصادر في 3 مايو 1980.
2 راجع: المصدر السابق.
3 راجع: السياسة العدد الصادر في 23 يوليو 1925.
وأدرك الناس أن القضية سياسية في المقام الأول، ولكنها ليست ثوبًا دينيا، يقول المرحوم عبد الرحمن الرافعي في كتابه "في أعقاب ثورة 1919""أن كتاب الإسلام وأصول الحكم كان في ظاهره يعارض الخلافة الإسلامية، أما في حقيقته فإنه يعارض النظام الملكي، وقد هاجمه الملك والحكومة بأساليب تستثير العواطف الدينية، ولكن الرأي العام كان أنضج من أن يتأثر بالدعاية الدينية التي كثيرًا ما يستخدمها دعاة الحكم المطلق وسيلة للتضليل بالشعب، فلم يكترث لهذه الدعاية التي ليست من الدين في شيء، وذلك على تقدمه في الوعي السياسي والديني معًا، وظل منكرًا متهاونًا لهذا النظام الذي أهدر حقوقه السياسية".
وبلور الدكتور محمد حسين هيكل -في تلك الفترة- مفهوم "حرية الفكر" من خلال مقالاته التي نشرتها صحيفة "السياسة"، وأروع مقالاته المقال الذي كتبه بعد صدور الحكم على الشيخ علي عبد الرازق بعنوان "بعد قرار العلماء" خاطبه فيه في أسلوب ساخر فقال:"تعال نضحك فقد كان كتابك مصدرًا لتغير الأرثوذكسية في الإسلام1، ولست أنت الذي غيرها أيها الطريد المسكين، وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر نعم كان أهل السنة، وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين، وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك، فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السنة، غضب عليك أهل الأزهر، ورموك بالابتداع والإلحاد، وأخذوا يقولون: إن الخلافة أصل من أصول الدين، وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة ومستقر الأرثوذكسية الإسلامية، فسبحان من يغير ولا يتغير: أصبحت "القاهرة" "كطهران" مركز الشيعة، وإنها بناء صلاح الدين؟! ولم لا؟
…
الشيعة هم الذين بنوا القاهرة وهم الذين بنوا الأزهر وشيدوه، أليس الفاطميون هم الذين أنشئوا المدينة ومسجدها الجامع؟ فأي عجب أن تعود مدينة القاهرة شيعية كما كانت يوم أسسها الفاطميون؟! وأي عجب في أن يعود الأزهر شيعيا كما كان يوم بناه الفاطميون؟! "2.
واستمر هيكل يدافع عن حرية الرأي اعتمادًا على ما قرره الدستور، حتى تسود البلاد وتستقيم الأمور.
وعلى أي حال فقد كان كتاب "الإسلام وأصول الحكم" نقطة تحول في البحث عن الإسلام والسياسة بعد أن انقطع الحديث عنهما قرونًا منذ ابن تيمية وابن حزم وابن خلدون وغيرهم، وبدأت المكتبة المصرية تحفل بالكتب القيمة التي بسطت المبادئ والقواعد المتعلقة بشئون الدولة الإسلامية، كما كان الكتاب نقطة انطلاق شارك فيها علماء الدين وكبار الساسة وأصحاب الفكر بمقالاتهم، فاتسعت دائرة الجدل، ولم يعد الموضوع الأساسي هو الخلافة الإسلامية، وإنما أصبح موضوع الدولة في نظر الإسلام دينا وشريعة وتاريخًا.
1 يعني "المذهب السني" المحافظ.
2 راجع، السياسة الصادرة في 14 من أغسطس 1925.
ثالثًا: كتاب "في الشعر الجاهلي
"
مؤلف هذا الكتاب الدكتور طه حسين 1889-1973 أستاذ اللغة العربية بالجامعة المصرية بعد أن تحولت حكومية في 1924. كان متفتحًا للأراء المجددة في الأدب والحياة على الرغم من تنشئته في بيئة الأزهر المحافظة، ارتبط بعد عودته من باريس بأحمد لطفي السيد والمثقفين من حزب الأحرار الدستوريين، وبدأ ينشر في "السياسة" دراسات في شكل مقالات أسبوعية، جمعت -فيما بعد- في كتاب "حديث الأربعاء" منذ تولى التدريس بالجامعة، بدأ يدرس الشعر الجاهلي مطبقًا موازين النقد الأوروبي، مختارًا منهج "ديكارت" الفلسفي الذي يقوم على الشك حتى يصل الباحث به إلى اليقين، وانتهى من دراسته إلى نظرية انتحال الشعر الجاهلي، وأنه يمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر من حياة الجاهليين، وأن ما ينسب من شعر إلى امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم وغيرهم، إنما هو من انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صفة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين وعلماء الجدل، أو جاء لنشر دعوة سياسية أو إرضاء للعصبيات.
أثار كتاب "الشعر الجاهلي" حين نشر 1926 عاصفة سياسية،
انعكست على البرلمان الوفدي برياسة سعد زغلول ضد صاحبه، وكادت تعصف بوزارة عدلي يكن، وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب، وتقديم مؤلفه إلى القضاء للنظر في هذه القضية.
اتهم طه حسين بالطعن في الدين الإسلامي دين الدولة، وأنه أنكر وجود إبراهيم قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه وإسماعيل لم يبنيا الكعبة، لكن طه حسينا أنكر ما وجه إليه من تهم، وأنه مسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل، وما يتصل بهما مما جاء في القرآن الكريم، لكنه كباحث مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث العلمي الذي لا يسلم بالوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل إلا إذا أثبت وجودهما بالدليل الذي يقبله العلم.
وشرح طه حسين رأيه في صحيفة "السياسة الأسبوعية" فقال: "كل امرئ منا يستطيع لو فكر أن يجد نفسه شخصيتين متميزتين، إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل، وتغير اليوم ما ذهب إليه أمس، وتهدم اليوم ما بنته أمس، والأخرى شاعرة تلذ وتألم، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب وترهب، كل ذلك في غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما، فما الذي يمنع من أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة، وأن تكون الشخصية الثانية ممتعة مطمئنة وطامحة إلى المثل الأعلى"1.
رد كثير من الكتاب على كتاب طه حسين في الصحف باعتدال تارة، وعنف أخرى. جمعت مقالات الردود في كتب نشرت فيما بعد، فكان منها "الشهاب الراصد" لمحمد لطفي جمعة، وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، وكتاب "نقد كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، ونشرت مقالات هذه الكتب في صحف المعارضة للأحرار الدستوريين.
وعلى الرغم من إعادة طبع الكتاب بعد حذف أشياء منه، وأضافت
1 راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في 17 يوليو 1926.
أخرى عليه، وخرج باسم "في الأدب الجاهلي" فقد ظلت الثورة قائمة عليه نحو ما عرف عن أحمد الغمراوي في كتاب "النقد التحليلي في الأدب الجاهلي" ومصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن".
ناقش هؤلاء الكتاب طه حسين في تطبيقه لمنهج "ديكارت" على الشعر الجاهلي، وهل يجعل الشك وسيلة للشك نفسه، أم هو وسيلة لليقين، وراجعوه في بعض الفروض والنتائج والأدلة والبراهين؛ لأن طه حسين عدد دوافع الشك في الشعر الجاهلي فيما يلي:
1-
عدم تمثيله الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية.
2-
عدم تمثيله ما أشيع في الجنوب من اللغة الحمرية.
3-
لا يحتوي على ما يجري في لغة العدنانيين الشماليين من لهجات متفاوتة.
4-
رد أسباب الانتحال إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية واختلاف الرواة الوضاعين.
وحملت صحيفة "السياسة" اليومية والأسبوعية أمانة الفكر، ودافعت عن الكتاب ومؤلفه، وردت على مزاعم مهاجميه في الصحف الأخرى. ويؤيد محمد حسين هيكل طه حسين في حرية رأيه بعد تقديمه إلى النيابة للتحقيق، فيقول:"ما يميز البحث العلمي عن سائر البحوث إمكان تحقيقه، كما يكون التحقيق في العلوم الطبيعية بالتجربة أو الملاحظة فهو في العلوم النظرية وفي التاريخ بالرجوع إلى المصادر ودقة تفسيرها ومقارنتها بغيرها، وقد يستغنى عن هذا التثبت في بعض الآحايين بما يقتضيه البحث العلمي من الإشارة في هامش الكتاب1".
ويأخذ على المؤلف إهماله التثبت والإشارة في الهوامش فيقول هيكل: "والبحث العلمي يقضي إمكان تحقيقه علميا بتحقيق مراجعه والمقارنة بينها، ولهذا نرى العلماء لا يكتفون أكثر الأحيان بالإشارة في هوامش كتبهم
1 راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في 25 يونيو 1927.
إلى المراجع التي أخذوا عنها والتي يناقشوها بل يذكرون لك كذلك أسماء المراجع الأخرى التي قد تتفق في الرأي معهم، كما يذكرون المراجع التي تخالفهم1".
والخلاصة أن قضية الشعر الجاهلي أسفرت عن وضع أصول جديدة للبحث الأدبي، ترجع إلى جانب علمي يقوم على فحص النصوص الأدبية وتحقيقها واستنباط دلالاتها مع الدقة في التفسير، والتعليل في الأحكام، والتحليل السليم، ومعرفة ما يحيط بها من ظروف ومؤثرات، والجانب الآخر فني يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها، حتى يحيل التاريخ الأدبي إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور معًا.
ويمكن القول بأن قضية الشعر الجاهلي قد أسفرت عن طبيعة الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم، يؤكد هذا هيكل ويوجزه في أنه "خلاف على السلطة ونظام الحكم، وقد انتصر رجال العلم ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم به في كل أنحاء العالم المتمدن، وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام جوهر الدين في النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان2".
1 راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في 25 يونيو 1927.
2 راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في 24 يوليو 1926.
رابعًا: قضية التبشير
ترتبط هذه القضية بالفترة من 1930-1933 التي تولي إسماعيل صدقي الوزارة فيها، ضاقت البلاد خلالها من أساليب الفساد والتعسف والقهر والبطش والقوة وتعطيل الدستور وكبت الحريات وتكبيل الأفكار. ناهيك بالأزمة المالية التي اجتاحت البلاد، وكادت تعصف بجموع الأمة. وترتب على سياسة وزارة إسماعيل صدقي أن "اضطرب الجو وحفل ببواعث القلق ودواعي الخوف من المستقبل -القريب فضلًا عن البعيد- واكفهر الأفق، واكتظ بالاحتمالات المخيفة، فقبض أصحاب الأموال أيديهم،
وركدت الأسواق، ووقفت حركة التجارة، وبدت الوزارة أعجز ما تكون حتى عن علاح حالتها هي فضلًا عن حالة البلاد، وضعفت الثقة واشتد الخطب بما لجأت إليه الوزارة وانصرفت له من إنشاء حزبها وجمع المال له ومطاردة خصومها واضطهادهم1".
في هذه الأجواء المخيفة شهدت مصر الحملة التبشيرية، فارتاع الناس، وأخذوا ينظرون إلى موقف الحكومة منها، تألفت جمعية لمقاومة هذا التبشير، واتخذت دار الشبان المسلمين مقرا لها، وكان من أعضائها الشيخ محمد مصطفى المراغي، والدكتور محمد حسين هيكل وغيرهما.
اشتركت الصحف المصرية في مقاومة هذه الحملة، والوقوف في وجهها مهما كلفها ذلك سوى صحيفتي "الشعب والاتحاد2. قالت صحيفة "البلاغ" عن حوادث التبشير:"لقد كثرت حوادث المبشرين، ولم ينس الناس بعد حادث صمويل زوعر في الأزهر، ولا حادث خطف الفتاة من شبين القناطر، ولا نظن حكومة مهما ضعفت ترضى لنفسها ولشعبها هذا الهوان بدعوى الامتيازات الأجنبية، ولكن كيف يطمع أحد في أن تقف الوزارة الحاضرة موقفًا جادا إزاء هذه الحوادث، وهؤلاء المبشرون يلقون -باعتراف صحف الوزارة- في دور الحكومة كل مجاملة وكل مساعدة3".
وقالت صحيفة "الجهاد": "الواقع أن التبشير حركة استعمارية وليست حركة هداية إلى دين إلهي أيا كان الذي تدعو إليه، فإننا لا نعرف دينًا من الأديان يوصي بالفن والخيانة، إنها أحاييل للعيش ينصبها المستعمرون لخدمة المطامع السياسية، ويتوسلون إليها بإناس يرتزقون من هذه المواد4".
1 راجع: السياسة المصرية والانقلاب الدستوري ص 62 هيكل وآخرون.
2 راجع: الصحافة السياسية ص 606 أنور الجندي.
3 راجع: البلاغ العدد الصادر في 25 فبراير 1932.
4 راجع: الجهاد العدد الصادر في يونيو 1932.
واهتمت الصحف بكشف ما تستهدفه حركة التبشير من إضعاف معنويات الشعب، وزعزعة عقيدته، وتطالب الحكومة بحماية الناس من خطورتها لا سيما على السذج والصغار منهم. يقول هيكل:"إغراء الناس بالوسائل المادية لحملهم على تغيير مذهبهم أو عقيدتهم أو رأيهم، هو محاربة دنيئة لهذه الحرية، وهو استغلال للضعف الإنساني كاستغلال المرابي حاجة مدينه ليقرضه بالربا الفاحش، والتبشير فضلًا عن هذا مناف لقواعد الخلق، ما دام يتم في الظلام، ولا يصارح القائم به الناس برأيه ليناقشوه هذا الرأي، وليبينوا ما فيه من زيف أو إفساد1".
ووقفت صحيفة "السياسة" من حركة التبشير موقفًا عنيفًا، ففتحت صفحاتها لنفر من رجال الفكر والدين معًا، فنشرت عشرات المقالات التي دبجت في هذه الحملة مثل المحاضرة التي ألقاها الشيخ علي عبد الرازق عن الدين، تعرض فيها لحملة التبشير في جرأة بالغة، وقال فيها إن الإسلام قوي ولا يؤثر فيه التبشير2 وجاءت مقالاتها على النحو التالي:
- التبشير والسياسة التي تؤازره. 3
- حديث المراغي عن التبشير. 4
- التبشير بالتعذيب. 5
- حديث عن التبشير. 6
- حول التبشير. 7
- تصريح الحكومة عن التبشير. 8
1 راجع: مذكرات هيكل ص329.
2 السياسة في 13 يونيو 1933.
3 راجع: السياسة في 12 يونيو 1933.
4 راجع: السياسة في 13 يونيو 1933.
5 راجع: السياسة في 13 يونيو 1933.
6 راجع: السياسة في 15 يونيو 1933.
7 راجع: السياسة في 16 يونيو 1933.
8 راجع: السياسة في 18 يونيو 1933.
- انتشار مآسي التبشير.1
- رجال الدين والأزهر وموقفهم من التبشير.2
- تغريب الشرق والتبشير.3
- حوادث التبشير في مصر حلقة من سلسلة الغارات على العالم الإسلامي4.
- حركة التبشير، حملة على المبشرين ومؤيديهم.5
- غزو العقيدة الإسلامية غاية التبشير.6
- العذاب في سبيل العقيدة: حديث الأستاذ الأكبر عن التبشير.7
- خطر الحركة التبشيرية وعقد مؤتمر إسلامي.8
- تبعاتنا كمصريين عما يقع من التبشير. 9
- حديث عن التبشير مع إبراهيم الهلباوي.10
- مسئولية الوزارة الحاضرة عن حوادث التبشير.11
- ملايين الجنيهات للهيئات التبشيرية.12
- التبشير والأقليات
…
إلخ.13
1 راجع: السياسة في 19 يونيو 1933.
2 راجع: السياسة في 19 يونيو 1933.
3 راجع: السياسة في 20 يونيو 1933.
4 راجع: السياسة الصادرة في 21 يونيو 1933.
5 راجع: السياسة الصادرة في 22 يونيو 1933.
6 راجع: السياسة الصادرة في 23 يونيو 1933.
7 راجع: السياسة الصادرة في 26 يونيو 1933.
8 راجع: السياسة الصادرة في 26 يونيو 1933.
9 راجع: السياسة الصادرة في 27 يونيو 1933.
10 راجع: السياسة الصادرة في 27 يونيو 1933.
11 راجع: السياسة الصادرة في 28 يونيو 1933.
12 راجع: السياسة الصادرة في 29 يونيو 1933.
13 راجع: السياسة الصادرة في 30 يونيو 1933.
وكان من أثر حركة التبشير أن اندفع هيكل إلى مقاومتها بطريقة مثلى فرضت عليه أن يبحث حياة محمد ومبادئه بحثًا علميا، ويعرضه على الناس في صورة رائعة، وثوب قشيب، يرضي المسلم وغيره، فبدأ يقرأ كتاب الكاتب الفرنسي "أميل درمنجم" عن حياة محمد، ونشر عنه بحثًا في السياسة الأسبوعية1 فأقبل الناس عليه إقبالًا لا نظير له.
استمر محمد حسين هيكل أربعة أعوام يمحص حياة محمد وتعاليمه، فأزكى الثورة الأدبية والصحفية والدينية يقول هيكل:"ليقتحم أدبنا إذن ماضينا، وليقتحم هذا الماضي بأدوات البحث الأدبي وبأساليب الكتابة الحاضرة وليقتحم هذه الميادين غير هياب ولا متردد، وليقتحمها بروح الثورة التي اقتحم الأدب العربي تراث اليونان، وليقلب في هذا الماضي ما شاء له التقلب والتنقيب بروح البحث والتمحيص والحرص على الحق لوجه الحق وحده، الحق في أسمى صوره التي تلتمسه الإنسانية على الأجيال، فتكاد تلمسه أحيانًا حين يكشف عنه أنبياء الإنسانية وشعراؤها وكتابها، ثم لا يلبث أن يفلت من يدها لأول ما تقر بها المادة وتلهبها عن جادة هذا الحق الصحيح". وقال: "الحق الذي تقوم الحضارات على أساسه والذي يدعمه الأدب أسنة أقلام كبار الموهوبين من كتاب، هو الحق في صلة الإنسان بالوجود كله، بهذه الأقلام التي ترى، وبهذه السموات التي تغمرها، وبالروح الفياض بالضياء فالذي يحيط بذلك كله ويبعث إليه الحياة والنور، هذا الروح الذي لا نور ولا حياة ولا وجود من دونه، وصلة الإنسان بالوجود وبهذا الروح الذي ينتظم الوجود جميعًا، هي الحقيقة العليا التي يجب أن تكون مطمح كل باحث وكل كاتب2".
بهذا الأسلوب العلمي مضى هيكل يدافع عن الإسلام، ويرد حملات
1 راجع: ملحق السياسة في 10 يونيو 1931، 16 فبراير، 19 مارس، 18، 19 إبريل و23 مايو 1933. سلسلة من المقالات بعنوان "حياة محمد" عرض ونقد لكتاب "درمنجم".
2 راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في 11 مايو 1929. وثورة الأدب ص218.
التبشير عنه في سلسلة من المقالات في ملاحق "السياسة" تدور في فلك الدفاع عن الإسلام، وتكشف عن روحه الخالدة. من هذه المقالات:
- حول حياة محمد.1
- كيف ولماذا أكتب عن محمد.2
- أثر المستشرقين في البحث الإسلامي.3
- بين مصر وبلاد الشرق العربي.4
- الاجتهاد والتقليد
…
إلخ.5
كما كتب سلسلة من المقالات عن كتاب "وجهة الإسلام" الذي ألفه المستشرقون "جب، ماسينيون، كاسفاير، فرار6" وغيرهم من كبار المستشرقين بأوروبا.
وهكذا وقفت الصحافة وكتابها تدافع عن الإسلام ورجاله، وشغلت الرأي العام بما نشرت من مقالات ترتبط بالدعامات والأصول التي تستند إليها الشخصية المصرية عامة والإسلامية بصورة خاصة، وفي الوقت نفسه تدافع عن مكونات الأدب والفكر والثقافة، والعقيدة المرتبطة ببلاد العروبة والإسلام.
من هنا سخرت الصحافة الأقلام وحفلت بالمقالات في الدفاع عن كل ما يمس الشخصية الإسلامية، فاستيقظت المشاعر، والتهبت العواطف
1 راجع: ملحق السياسة الصادر في 13 مايو 1932.
2 راجع: ملحق السياسة الصادر في 23 مايو 1932.
3 راجع: ملحق السياسة الصادر في 17 مايو 1933.
4 راجع: ملحق السياسة الصادر في 7 يناير 1933.
5 راجع: ملحق السياسة الصادر في 14 أكتوبر 1933.
6 راجع: نفس المصدر السابق.
لدى الشباب الحائر، ودفعته إلى النهج القويم والطريق المستقيم الذي دعا رجال العالم الإسلامي إليه.
وعلى الجملة فقد شغلت هذه القضايا وغيرها الصحافة، وأطلقت الأقلام من عقالها، وأفسحت المجال أمام الكتاب الذين وقفوا من بعض هذه القضايا مؤيدين ومعارضيين مما أحدث نشاطًا فكريا، ساعد على تأججة حرية الفكر التي كفلها الدستور، ودور السياسة الحزبية في مثل هذا المجال.
الفصل الثاني: المقال المعاصر
مدخل
…
الفصل الثاني: المقال المعاصر
عرفنا من قبل أن الذين يخلدون إلى أنفسهم ويتأملون فيما يحيط بهم يحسون بمتعة فائقة، فغذا اجتازوا مرحلة التأمل والاستيعاب، انتقلوا إلى مرحلة التعبير والتصوير، وسبيلهم في ذلك المقال الذي لا يعدو أن يكون فكرة تصيدها من البيئة التي تحيط به، ثم انفعل بها وعبر عنها.
وإذا تأملنا الكتابات في بداية نهضتنا الصحفية الأولى نجد أن قالب المقال طغى على معظم المواد التي تؤلف الجريدة، فجاءت كل من المادة العلمية والأدبية على أنها مقال، ونشر الخبر الداخلي والخارجي على شكل مقال، كما برز الإعلان عن كتاب أو استقبال صحيفة جيدة على أنه مقال. وبذا اختلطت المواد التي تؤلف الصحيفة خلطًا لم يعرف التنظيم والتنسيق، ومرجع ذلك إلى أن رجال الصحافة الأول لم يدركوا المراد بالمقال الصحفي، ولم يفرقوا بين مادة المقال الصحفي ومادة الأخبار والإعلانات وغير ذلك من المواد التي تتألف الصحيفة منها.
ولما كان المقال تعبيرا عن وجدانيات غيرية أكثر منه تعبيرًا عن وجدانيات ذاتية، صعب على الباحث أن يخضعه لنظم معينة أو أسس ثابتة، يلتزم الكاتب بها، وليس بشرط أن يتضمن مقدمة وعرضًا وخاتمة، ولا يعني هذا أن المقال موضوعي إنشائي أو فصل من كتاب أو غير ذلك من الكتابات التي لا تخضع لضوابط تعين عليه وتحقق الغاية منه، وسيظل المقال "لمحة عقلية" كما قال جونسون الإنجليزي: "لا ينبغي أن يكون لها ضابط من
نظام، أو قطعة لا تجري على نسق معين، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها، وليس الإنشاء المنظم من المقالة الأدبية في شيء1".
ومع ذلك فيمكن مراعاة أمور عند كتابة المقال من مثل: القدرة على مشاركة من يتحدث عنهم، والعناية بأمورهم الصغيرة والكبيرة، والانفعال والتأثر بما يشعرون به من أمل وألم ورضا وغضب، والتعبير عنه بحيث يساق المقال كالحديث العادي في سهولة لفظه، وقرب معناه، وحسن عرضه، مع ضرورة إقناع القارئ بوجهة نظره، حتى يتخيل أنها وجهة نظر الرأي العام كله في الموضوع الذي يعرض، وعلى الرغم من أن الصحيفة لا تدع للكتاب مجالًا يلاحظ وينفعل ثم يكتب، لكن طول الممارسة يجعل الكتابة الصحفية حرفة لديه، وفنا يملك عليه نفسه، ويستأثر بمحبته.
وعلى الرغم من أن كاتب المقال يشارك الأديب في التأمل والاستيعاب، والانفعال والتأثير، إلا أن بينهما فرقًا كبيرًا، فإذا تأثر الأول بفكرة سجلها مقالًا صحفيا، يخاطب الجماهير به من خلال صحيفة لا تهمله لوحي يأتيه، وبجانب ذلك إلحاح مطبعة الصحيفة عليه ليقدم ما فاض به طبعه، وجاءت به قريحته، ولذا فهو مضطر -دائمًا- أن يظل قرطاسه بين يديه حتى يمد المطبعة والصحيفة بما لا غنى عنه من المادة الصحفية اللازمة. أما الأديب فيطلق العنان لخياله وشعوره وقلمه فيما يكتب لعنايته بنفسه أكثر من غيره، ويمكنه -دون غيره- أن يكتب متى شاء، ويستوحي عاطفته أو عقله متى أراد، ويعاود ما كتبه إذا شاء.
لذا يطلب من الصحفي غير ما يطلب من الشاعر؛ لأنه يخاطب الوجدان ويؤجج المشاعر، والخطيب الذي يلهب الحماس أو يعين برأي في قضايا المجتمع أو مشاكل السياسة، وكذلك الأديب الذي لا يحترف الصحافة؛ لأنه أقرب إلى الشاعر، وإنما يطلب منه أن يتحدث في هدوء ورزانة حديثًا يشعر
1 راجع: جنة العبيط ص6 زكي نجيب محمود.
القارئ بلذة، ويشركه معه في المسائل التي ترتبط بالحياة العامة، وبعرضها عرضًا يحس القارئ خلاله برضاه أو سخطه، ومن هنا اعتبر مؤرخو الأدب أن الصحافة وسط بين الأدب الخالص والحديث العادي، أو هي "أدب غير خالد" لأن قارئ الصحيفة اليومية يتركها دون رجعة، بينما قارئ الفصل الأدبي أو العلمي يعاوده مرة بعد أخرى، من وقت لآخر.
ويعنى المقال المعاصر بالألفاظ والأسلوب، وعلى كاتبه أن يكون سلس العبارة، عذب الحديث، واضح الفكرة، وأن يبتعد عما يجهد ذهن القارئ، أو يلوي عنان فكره. ويلاحظ على كتاب المقال في الصحف التي برزت بعد ثورة الشعب 1919 أنهم أدركوا واقع الحياة الزاخرة بالحركة الذاتية، والسرعة الفائقة، وتنوع الأعمال فيها، فلم يفرطوا في طول ما يكتبون، إذ لم يعد وقت لدى المحامي والطبيب والمدرس والمهندس والعامل والتاجر حتى يتصفحوا المقالات المسهبة في الطول. ومن ثم بدأ الكتاب يسايرون أحداث العصر وتطوره، فمالوا إلى المقالات المركزة التي تناسب فئات الشعب ومعظم طبقاته؛ لأن الصحافة "تحدثنا عن أمور تتصل بحياتنا العامة، وتصف لنا وقائعها، وتنقل إلينا صدى ذلك كله في الناس على اختلاف طبقاتهم، وهي بهذا كله لسان "الرأي العام" وترجمان "الوعي القومي" فإذا أقبلنا على قراءة عدد من أعداد صحيفة من الصحف لم تلبث أن تترك هذا العدد إلى غير رجعة1".
ولقد حفلت فترة ما بين الحربين العالميتين بنفر من الكتاب اهتموا بمجالات الفكر والأدب، عني بعضهم بالمضمون والصورة مثل مصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات وغيرهما، واهتم آخرون بالتحليل في كتاباتهم أكثر من الصورة واللفظ من مثل: عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهما، وأثرت مجموعة ثالثة الصورة الفنية على المضمون من مثل: محمد حسين هيكل، وطه حسين وغيرهما. كما برزت جماعة تعتبر أساتذة الجيل الصحفي المعاصر من أمثال: محمود أبو الفتح 1885-1958، ومحمود عزمي 1889-1954 الذي أسس معهد الصحافة بكلية الأداب، ومحمد التابعي 1895-1976، وفكري أباظة 1897-1979 شيخ الصحفيين المصريين، وعلي أمين 1914- 1977 صاحب "فكرة" في الأخبار وأخبار اليوم، وحافظ محمود المولود في 1917ولا زال يواصل عطاءه الصحفي حتى اليوم، وقد أمد تاريخ الصحافة والإعلام بمؤلفات عدة أهمها: أسرار الصحافة المصرية، وذكريات صحفية، وأسرار الماضي في السياسة والصحافة، ومعارك صحفية.
ويغلب على المقال منذ مطلع هذا القرن أن يكون عرضيا أو نقديا أو نزاليا، وسنضع أمام ناظريك تعريفا ومثالًا لكل لون من هذه الألوان.
1 راجع: أدب المقالة الصحفية جـ1 ص215 عبد اللطيف حمزة طبعة 1964.
أولًا: المقال العرضي
الذي يعرض الكاتب فيه فكرة عرضت له، ويحاول من خلال صحيفته أن يحللها بطريقته الخاصة، ويقدمها لقراءة بأسلوبه المعروف.
خصت صحيفة "الأهالي" 1910-1921 التعليم بسلسلة من المقالات، وجاء في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة عن التعليم ما يلي:"أربع وعشرون سنة حوربت فيها اللغة العربية فانهزمت وحلت محلها اللغة الإنجليزية، وشعرت الأمة بخطر هذه الهزيمة لا على اللغة وحدها بل على وجودها نفسها، فتحركت تريد أن تدفع عوادي السوء، وتردد صدى حركتها في الوزارة فارتاح لها الأحرار، فتأهبت الوزارة الحرة لأن تصغي إليه، ولكن لورد كرومر ظن أن في طوقه أن يقطع على هذه الحركة كل سبيل إذا هو سخر الجمعية العمومية لغايته، وكانت الجمعية إذا ذاك منعقدة، وكان من بين الاقتراحات المقدمة إليها اقتراح من سعادة الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد طلب فيه جعل التعليم باللغة العربية، فطمع اللورد أن ترفض الجمعية هذا الاقتراح لتقتل به كل ما تردد من أنفاس ذلك الصدى في الوزارة، بيد أن الجمعية العمومية قبلت الاقتراح، وعلمت بقبوله وزارة الأحرار، فالتوى على اللود قصده وخابت أمنيته".
"وجيء على أثر ذلك بغورست فانقلبت الحال، وبعد أن كانت
القاعدة المضطردة أن تحل اللغة الإنجليزية محل العربية رأينا لأول مرة علومًا أصبحت تدرس بالعربية، ثم سمعنا غورست يقول: في أول تقرير له: "أن أقصى المرغوب هو أن يكون التدريس على قدر الطاقة العربية، وهو المطلب الذي يجب على نظارة المعارف أن تسعى إليه والذي نسعى إليه أيضًا".
"كانت العلوم كلها ما عدا العربية تدرس بالإنجليزية، وفي 1907 -على أثر تبديل عميد بعميد- بدئ بتدريس الجغرافيا للسنتين الثالثة والرابعة بالمدارس الابتدائية باللغة العربية، وفي مفتتح 1908 أصبحت كل العلوم في المدارس الابتدائية وعلما الحساب والهندسة في المدارس الثانوية تدرس بالعربية، وفي السنة الثالثة بالمدارس الثانوية أصبحت العلوم الرياضية تدرس كذلك بالعربية، وقيل في تقرير تلك السنة إن المراد أن يتصل تعليم سائر العلوم على هذا النحو بالعربية شيئًا فشيئًا".
"كان من الطبيعي أن تقوم في وجه هذا العمل عقبتان كانتا في الأربع والعشرين سنة الماضية لا يمكن اجتيازهما، فصارتا بعد ذلك مما يسهل تذليله واجتيازه:
أحدهما: قلة المعلمين الأكفاء.
والثانية: عدم وجود الكتب.
فأما الأول فقد اهتمت نظارة المعارف بها منذ 1907 وزيدت ميزانيتها لهذا الغرض، وأما العقبة الثانية -وهي الكتب- فلأجلها أنشئ في النظارة قلم الترجمة، ظفرت الجمعية العمومية إذن بغايتها وأصبح التعليم كما طلبته وطنيا فتطلعت إلى غاية أخرى هي أن تعرض على مجلس شورى القوانين كل لوائح التعليم ليكون له أن يراقبها ويبدى رأيه فيها، ففازت الأمة بهذه الأمنية أيضًا وهكذا أصبحت للأمة رقابة على سير التعليم، وإن تكن كلمتها في هذه الرقابة لا تزال استشارية، وبينما هذا الإصلاح في التعليم يتم تدريجيا كانت مجالس المدريات تعطي ضريبة الخمسة في المائة، وتعطي الحق المطلق في إنفاقها على التعليم بجميع أنواعه، بعد أن كان يراد أن تضم الضريبة إلى ميزانيتها السنوية لتدخل في سلطة نظارة الداخلية بحيث لا يكون لمجالس المدريات من أنواع التعليم إلا تعليم الكتاتيب1.
غلب هذا اللون من الكتابة الصحفية على نفر من الكتاب في اهتمامهم بمشاكل الأمة ورصد قضاياها، وانطلقوا يحللونها موضحين محاسنها أو مساوئها، وبذلك يقبل المواطنون على ما يعود عليهم بالنفع، وينصرفوا عما يلحق الضرر بهم أو يحول دون تقدمهم.
1 راجع الأهالي العدد 232 في 25/ 7/ 1911.
ثانيًا: المقال النقدي
الذي يعمد الكاتب فيه إلى نقد فكرة معينة أو موضوع معروف، أو يتناول اتجاهًا خاصا في السياسة والاجتماع والأدب.
نشرت صحيفة "البلاغ" 1923-1930 طائفة من المقالات نقدت فيها معاهدة 1936، منها مقال بعنوان "يطلبون الاحتلال ويدعون أنهم يعقدون معاهدة الاستقلال" جاء فيه:"أصبح من الواضح الآن أن الإنجليز يطلبون بقاء الاحتلال في نقط اختاروها، منها القاهرة والأسكندرية والقناة والعامرية ومرسى مطروح، كما يطلبون إنشاء سكة حديدة تخترق شمال الدلتا من القناة إلى الأسكندرية مباشرة بدون لف أو تعريج على بنها، وحجة الإنجليز أن الحالة التي أوجدتها الأزمة الإيطالية في البحر الأبيض المتوسط تستوجب ذلك، وأن تقدم فن الطيران الحربي وما أفضى إليه من الانقلاب في أساليب الحرب يحتمان هذا الاحتلال، ولو أن الطيران يرتقي ولم نجد هذه الحالة في البحر الأبيض المتوسط لما عدم الإنجليز حجة يبسطونها ويتعللون بها ويسوغون ما يرون من بقاء الاحتلال في مصر، ذلك أن طلبهم هذا قديم فليس داعية أن إيطاليا أحدثت حدثًا في البحر الأبيض، ولا أن الطيارات أصبحت سلاحًا قويا يجب أن يحسب حسابه في هذا الزمان".
فقد طلبوا بقاء الاحتلال على قريب من هذا النحو في المعارضات
الرسمية السابقة جميعًا، طلبوه من عدلي باشا 1921 وسعد زغلول 1924، وثروت باشا 1927، وطلبوه من دولة النحاس باشا 1930، ورفضته مصر على كل حال وعلى هذا فإن الباعث على هذا الذي يطلبه الإنجليز وهو أنهم يريدون البقاء في مصر لا يبرحونها -لأنهم على ما صرح به المغفور له اللورد ملز- كانوا يدبرون أمر الاستيلاء على مصر منذ مائة عام، فلا معنى إذن لما تبدي فيه الصحف البريطانية وتعيد من أن الجانب المصري لا يظهر استعداده للاعتراف بأن الحالة تغيرت في البحر الأبيض تغيرًا تاما منذ 1930 فإن الجانب المصري معذور إذا رفض الاعتراف بذلك".
"وهل كانت الحالة في هذا البحر قد نغيرت في 1921 أو إلى 1924 أو 1927، 1930؟ بقاء الاحتلال إذن هو المقصود بالذات، لا دواعي الحالة التي جدت في البحر الأبيض المتوسط، وجوهر القضية هو أن الإنجليز يطلبون الاعتراف بالاحتلال تحت اسم من الأسماء الكثيرة التي لا يعجزون عن إطلاقها وابتكارها، فإنهم قوم عمليون وينظرون إلى حقائق الأمور لا إلى أسمائها، والمصريون يرفضونه في جميع المفاوضات التي آخرها مفاوضة 1930 وهي المفاوضة التي حبطت بسبب السودان لا بسبب المسألة العسكرية التي يحق لنا أن نعدها أمرًا مفروغًا منه منذ تلك السنة، فنحن نذكر أن المستر هندرسون وزير الخارجية الإنجليزية في حكومة العمال، والذي كان على رأس المفاوضين البريطانيين في 1930 أعلن في مجلس العموم بعد فشل المفاوضات أن المشروع ما يزال قائمًا، وأن في وسع الوفد المصري أن يوقعه في أي وقت يشاء، وكان كلامه باسم الحكومة البريطانية بلاغًا لا حاجة بنا إلى التنبيه إليه، ومعنى هذا أن ما فعلته بريطانا في هذا المشروع يعتبر من جانبها مقبولًا منها ومتفقًا عليه، ولو أن المفاوضات انقطعت فليس يجوز للحكومة البريطانية بعد هذا التصريح الرسمي أن ترجع بنا إلى ما قبل 1930 وإلا كانت الاتفاقات نفسها قصاصات ورق لا قيمة لها".
ولو كان الاتفاق تم في 1930 أفكان يسعى الإنجليز الآن في مطالبة مصر بدعوى تغير الحالة في البحر الأبيض بالانتقاص منه وبالرجوع بالبلاد إلى ما قبله؟ إن هذا غير معقول، وعلى أنهم ما كانوا يحتاجون إلى ذلك، لأن مشروع 1930 يسمح لهم أن ينتظروا من مصر في حالة الحرب أو خطر الحرب أن يستخدموا موانيها ومطاراتها ومواصلاتها، وأن يعدوا عدتهم لنجدة مصر، والتهيؤ للدفاع عنها وعن الإمبراطورية البريطانية، والذي يطلبونه الآن شطط وعنت لا ترى مصر أن تجيبهم إليه، وأن طبيعة المحالفة تغني عنه؛ ولأن الاستقلال ينافي الاحتلال، ويجعل حق الدفاع وواجبه منوطين بأهل البلاد1".
هو لون من الكتابة يهتم برصد الأحداث والوقوف على مجريات الأمور، وما يزخر المجتمع به من أشياء، يحاول الكاتب خلالها أن يقوم المعوج، أو على الأقل ينقد الفاسد منها، مشيرًا إلى مواطن الضعف، ومواضع القبح حتى يقلع الناس عنها، فتستقيم الأمور وتصلح الأحوال.
1 راجع: البلاغ العدد رقم 4146 الصادر في 5/ 4/ 1936.
ثالثًا: المقال النزالي
هو الذي ينازل الكاتب فيه خصيمه في الرأي، ويناوئه في عقيدة أو اتجاه، ويصارعه من خلال مقاله بطريقة تدل على قدرته الصحفية، ومهارته السياسية ودهائه العقلي.
كثيرًا ما ينازل صحفي خصيمه دون مبادلته رأيًا برأي، وإنما يوجه ضرباته حى يعني صاحبه، وهذا ما يطلق الصحفيون اليوم عليه "الحملة الصحفية" وتعد مقالات الشيخ علي يوسف التي كتبها بصحيفة "المؤيد" تحت عنوان "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء" من هذا النوع، فقد حمل على اللورد "كرومر" ووجه إليه ضربات متوالية حتى شفى نفسه، وانتقم للوطن من سياسته الخرقاء التي فرضها على جموع الأمة، فنال منه كل منال، ومن أدب المقال النزالي المعركة التي دارت بين طه حسين والعقاد حول الأدب اللاتيني والأدب السكسوني.
وتعد مقالات محمد حسين هيكل التي واجه الوفد بها تحت عنوان "حديث اليوم" من المقالات النزالية التي ترسم حدة الصراع الذي شهدته
مصر نتيجة لتعدد الأحزاب، كتب بعنوان "الملك، الدستور، الوفد، سعد زغلول" فقال: "نحن نرى ونجهر بما نرى أن هذا الدستور في جملته خير يحقق سلطة الأمة، وأن تنفيذه وحده هو الذي سيمكن من ظهور ما فيه من عيوب يمكن تعديلها، هذا رأينا في الدستور فنحن لا ننكره، ولا نطالب بتعديله الآن، ولكن سعدًا ينكر الدستور ويطالب بتعديل الدستور، ونسيم يصفق لهذا الإنكار وهذا التعديل، ولكن الناس لا يقرءون الضمائر، وإنما يأخذون رجال السياسة بما يكتبون وما يخبطون1".
ويوضح موقفه من الصراع الحزبي واتهام الوفديين له بالخيانة وبالمروق من الوطنية2 فيقول: "نكيل لهم الصاع صاعين، من غير أن ندفع تهمة بتهمة أو باطلًا بباطل، كنا نصيح بهم: أن من اتهم مصريا بالخيانة فهو الخائن؛ لأنه يزعزع عقيدة الأمة في أكرم بنيها، فيفشي فيها أسباب العنف والهزيمة3".
ومن هذا اللون مقال المرحوم عباس محمود العقاد المسرف في الطول الذي عنوانه: "مطالب الشطط ومقالب الخطط، أو جوانب العبط في مخالب القطط" رد فيه على طائفة من مقالات محمد نجيب الهلالي التي نشرها بجريدة "المصري" تحت عنوان "مخالب القط" نكتفي بهذا القدر منه.
قالت الببغاء الخضراء وهي تكثر من الهراء، وتلتفت إلى الوراء "يعني بالببغاء نجيب الهلالي" عندئذ ألقى عليهم الوزير الأكبر درسًا بل دروسًا في الرسم والهندسة والهيئة والفلك، فعلمهم أن الخط المنحني خير من الخط المستقيم، وأن الزاوية المنفرجة الكبرى أضيق من الزاوية الحادة أو الصغرى، وأن القطع خير من الوصل وأن أجمل الدوائر هي الدائرة المخروطة: إما عرض من غير طول وإما طول من غير عرض، ولا بأس من
1 راجع: السياسة الصادرة في 2/ 10/ 1923.
2 راجع: مذكرات هيكل جـ1 ص175.
3 راجع: المصدر السابق.
من أن تبتدئ الدائرة من مسطح مستدير، ثم تستدق حتى تبقى إلى نقطة إلى آخر ما قالت الببغاء يحرف نظامها ونص نظامها، فالتفت إليها الراوي يقول وهو يسأل الله حسن القبول لك الله يا ببغاء من حكيمة وعناء، إنك لا تنسين ما تصبحين فيه وتمسين من دوائر وخطوط وزاوية ومخروط، فهل خرجت من هذه الطفولة إلى حد الرجولة قبل أن تنكشف الفولة؟ قالت الببغاء: أن قول الحق لم يدع لي صديقًا، فهل تركتم من المقال طريقًا؟. قال الراوي: بل لعل الباطل -لا قول الحق- هو الذي جنبك الأصدقاء، وأكسبك عداوة الأعداء، وإليك حقيقة الأنباء: قالت الببغاء: وما حقيقة الأنباء؟ ".
"قال الراوي: حقيقة الأنباء يا صاحبتي الببغاء هي أنك حمقاء وإن حسبوك من الأذكياء. فقد كنت في وظيفة غير صغيرة، فأعرضت عنها لتصبحي وزيرة، وتلك حماقة منك أيتها الببغاء فيها من خلل الحساب وما فيها من قبح الرياء. قالت الببغاء: أيها الراوي الذي هو للتاريخ حاوي، إن كان ما زعمت خللا في حساب وقبيحًا في رياء، فلماذا رضي عنهم زعيم الزعماء، ودخلت من أجله في زمرة الأولياء؟ قال الراوي: لأن زعيم الزعماء صغير السن صغير الزكاء، صغير الهمة، صغير الرجاء، نسي جنايتك على الدستور؛ لأنك أسأت إلى "وفدي مشهور" كل ذنبه أنه صديق النقراشي وماهر، وتلك عند الزعيم كبيرة الكبائر، وآفة البواطن والظواهر، وهكذا يكون الجزاء عند زعيم الزعماء إذا كان صغير النفس صغير الزكاء".
"قالت الببغاء: ثم ماذا من مثل هذا، يا من لا يزال للعقل ملاذًا، وللباطل نباذًا؟ قال الراوي: الذي هو للعقل ملاذ، وللباطل نباذ: ثم فاتك الدخول في المنصب المأمول، فملأت الأرض والسماء بالقدح والبذاء -أيتها الببغاء الرعناء- وجعلت تخرجين من قهوة إلى قهوة، ومن ندوة إلى ندوة، ولا حديث لك إلا الطعن المقصود في الزعيم المعبود والمجاهد المحسود، حتى انفصل النقراشي من تلك الزعامة، وقامت على رأسها القيامة، فعاد الزعيم كما كان في الابتداء صغير النفس صغير الزكاء، ولجأ إلى كيد الأطفال، ودق الكف وإخراج اللسان وحك الأنف وتلقيح المقال، وظني أن دخولك الوزارة يغيظ العدا، ويدل على الشطارة، وما درى أنها نكبة جناها عليك، ونقمة ساقها إليك، ولا تزالين فيهما ولم تزالي، ولو أنفقت في السجع الليالي والحديث الخيالي، والجنون القمري الهلالي1.
شاع هذا اللون من الكتابة بين كتاب الأحزاب السياسية، وأججته العداوة الشخصية بينهم وسلك الكتاب طرقًا متغايرة تقوم على التهكم حينًا، والسخرية حينًا آخر.
1 راجع: البلاغ، العدد رقم 4789 بتاريخ 7/ 2/ 1938.
المقال في صحف اليوم
مدخل
…
المقال في صحف اليوم:
أصبح للمقال الصحفي أصول ثابتة وقواعد مرعية بعد إنشاء قسم الصحافة بجامعات مصر، وبرز أساتذة متخصصون في مجال الصحافة، وبذلك تحولت الصحافة من الممارسة المكتسبة بالتلقي، إلى الممارسة القائمة على النظم والتقاليد الجامعية. ومن ثم أصبحت صحف اليوم من أقوى وسائل الإعلام، وأقدرها على تكوين الرأي العام لتأثرها به وتأثيرها فيه.
وتهتم صحف اليوم في المقام الأول بالأعمدة الافتتاحية والأخبار والتعليق عليها، ونشر الصور الهزلية والرسوم الكاريكاتورية، ويصوغ كتابها موادها في شكل طرائف أو أحاديث أو تحقيقات أو تقريرات أو مقالات في استطلاعات ذات ألوان شتى بقصد التوجيه والإرشاد والتثقيف كما أنها تضم أركانًا عديدة مثل: ركن المرأة والطلبة والأطفال والعمال والرياضة وغيرها مما يمثل بعض قطاعات الأمة، وبذا احتلت الصحف مكانًا مرموقًا في المجتمع، واعتمد الجمهور عليها في حل مشاكله، واستعانت الحكومة بها في سياستها الداخلية والخارجية.
وظلت الصحف ملكًا للأفراد حى صدر قرار في مايو 1960 بتنظيم الصحافة، بحيث تئول إلى الاتحاد القومي -وألا تصدر صحيفة إلا بترخيص منه- وهو الذي تطور إلى الاتحاد الاشتراكي حينًا، ثم حزب مصر حينًا آخر ثم الحزب الوطني القائم اليوم، واقتضى هذا التعبير اختلاف
في مفهوم الصحافة، فلم تعد أداة للدعاية الفردية أو الحزبية أو التحريض أو الإثارة، وإنما أصبحت تنظيمًا جماعيا، يهدف في موضوعية إلى تزويد القارئ بالأخبار العامة، وخدمة الجماهير ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا ونفسيا حتى تخلق الجو الذي تنمو فيه الشخصيات القيادية التي يحتاجها الوطن في مراحله الحاسمة.
ومن الطبيعي أن تنهج كل صحيفة سياسة خاصة، وتلتزم بطريقة معينة تجذب القراء بها عن طريق الافتتاحيات التي تميزها في معالجة المشكلات الهامة بالعنف والشدة حينًا، والاعتدال واللين حينًا آخر، أو تمزج بين السياستين حينًا ثالثًا، فتؤثر الطريق الأول في بعض القضايا التي تشغل الجمهور أو تكف يدها عن بعض القضايا الأخرى، أو تعالجها برفق ولين وهكذا.
ولما كان بعض الناس يصلح لمهنة الأدب دون الصحافة أو العكس، والبعض الآخر يأبى الجمع بين شخصية الأديب وشخصية الصحفي في وقت واحد. كما أن بعض الصحف ترقى في بعض صفحاتها إلى صفة الأدب الخالص، لزم أن تضم أسرة الصحيفة الواحدة إخباريين ومعلقين صحفيين على الأخبار ومسئولين عن نظام الصحيفة الواحدة، ومن بين أفراد الأسرة أدباء تغلب عليهم نزعة الأدب أكثر من نزعة الصحافة، وأوضح ما يكون ذلك في المجالات الأدبية الأسبوعية أو النصف شهرية أو الشهرية أو الفصلية؛ لأنها تتيح للكاتب فرصة أطول في التفكير والكتابة وتجويدها، وتلك طبقة من الكتاب يميزون بين ما يقدم للمطبعة على أنه كتاب أو مقال صحفي.
وبجانب الصحف اليومية التي تنقل الأخبار بصفة موضوعية، تهتم الحكومة بالصحف المتخصصة التي تعالج فنا واحدًا لا يتعداه إلى غيره، وتخاطب من خلاله فئة معينة من أفراد المجتمع، لهم ثقافاتهم الخاصة، وطموحهم نحو التعمق في البحوث الخاصة بهم وهم بذلك يشبعون رغباتهم بالقدر الذي تتسع به الصحف المتخصصة في أغلب الأحيان.
لهذا كله لزم أن نقف على أشهر الصحف التي نطالعها اليوم حتى نكون على بصيرة مما تضم من مواد وطرائف في شكل مقالات أو دراسات أو أعمدة وغيرها مما تزخر صحف اليوم بها. وسنقصر الحديث على أهم الصحف اليومية الثلاث: الأهرام، الأخبار، الجمهورية.
1-
الأهرام:
صحيفة عاصرت الأحداث الجسام التي مرت مصر بها منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، ولا تزال حتى اليوم تؤدي رسالتها في وفاء ودقة وأمانة وحذق والتزام. تأسست 1875 بمدينة الأسكندرية بجهود سليم تقلا 1849-1892 وأخوه بشار تقلا 1852-1901 وكانت أسبوعية في أول أمرها، ثم أصبحت يومية، ولما توفي سليم تقلا استقل أخوه بشارة بها ثم نقلها إلى القاهرة، ولما توفي بشارة تقلا 1901 آلت إلى ابنه جبرائيل، وبعد تنظيم الصحافة في 1960 أصبحت مؤسسة صحافية أشرفت الدولة عليها، ولا تزال -كعهدها- تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.
تولى شيخ الصحافة داود بركات المتوفى 1933 رياسة تحرير الأهرام فترة، حرص خلالها على كتابة مقال افتتاحي يومي عنوانه:"السياسة في العالم العربي" ولما لحق بربه خلفه -فيما بين الثلاثينات والأربعينات- أنطون الجميل 1887-1948، فأحل مكان سلفه موضوعًا إخباريا، يظهر من أسبوع لآخر يشير فيه إلى شيء سياسي هام، يوهم قارئه أن وراء الأفق حدثا ما، وكان من طبيعة الرجل ألا يتجاوز الثلاثين سطرًا في مقالاته، وبذا كان يفرض على القارئ أن يقف طويلًا أمام كل سطر، مما زاد من شأن الأهرام وزيادة توزيعه فوق المائة ألف نسخة، وهذا رقم أسطوري في مجال توزيع الصحف خلال تلك الفترة، وأجمع رجال الصحافة -حينئذ- على أن أنطون الجميل أنسى الناس اسم داود بركات، بعد أن ملأ فراغه من الأدب والسياسة والكياسة.
وحرص أنطون الجميل على عقد ندوات أدبية بدار الأهرام، ولا غرابة
في ذلك فهو أديب كان يحرر منذ 1910 مجلة "الزهور" المتخصصة في الشعر، وفنون الأدب العربي الجديد الذي ظهرت طلائعه عقب الحركات الوطنية التي سادت العالم العربي، وفي إحدى ندواتها ناقش عباس العقاد أستاذ جامعيا في الزراعة، انتهت الندوة بتبرم الأستاذ الجامعي من معارضة أديب لا صلة له بالزراعة، مما دفع العقاد إلى الانصراف، وعاد بعد أسبوعين يحمل رسالة من تأليفه في المادة الزراعية موضوع المناقشة، وأجمع نفر من أساتذة الجامعة المختصين على صواب العقاد، كما كان كامل الشناوي يحرص على حضور ندوات الأهرام الأدبية وغيرهما من رجال الفكر والثقافة والأدب بمصر.
استقطبت الأهرام العديد من كبار الأدباء والمفكرين في مصر وغيرها من أمثال الدكتور أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة 1867-1934، فقد نشر مقالات عديدة عن رحلاته إلى أوروبا والأندلس خلال سنوات حياته "1892-1934" وظلت الأهرام مجاله الواسع، وميدانه الطليق في نشر مقالاته وتعليقاته وتحقيقاته في أي وقت. وكتب فيها كذلك محمد توفيق دياب 1887-1967 بعد توقف جريدته "الجهاد" 1939 وظل ينشر مقالاته الوطنية على صفحات الأهرام حتى قامت ثورة يوليو 1952.
وعمل الدكتور محمود عزمي 1889-1954 مستشارًا للشئون الخارجية بها، ونجح خلال عمله بها من تطوير الصحافة العربية ونقلها إلى الأسلوب البسيط السهل. وعمل كذلك بها محمود أبو الفتح 1885- 1958 محررًا، وحقق واثنين من الصحافيين العالميين أكبر نصر صحفي في أول رحلة جوية للمنطاد الألماني "زيان" في وقت لم يؤلف الطيران العادي في مصر أو خارجها. ولما اختلف مع جبرائيل تقلا لحياد الأهرام في بعض المواقف السياسية، قرر محمود أبو الفتح إنشاء صحيفة يومية تواجه الأهرام، فكانت جريدة المصري 1936، وفي الحرب العالمية الثانية كان محمود أبو الفتح أحد ثلاثة من الصحفيين العالميين سمح لهم بدخول خط "ماجينو" في فرنسا، فحقق عن طريق هذه الرحلة النجاح الفني والسياسي والمادي لصحيفة "المصري" وأصبحت ذات خطر على الأهرام أكثر الصحف العربية انتشارًا إذ ذاك.
ونشرت "مي زيادة" 1890-1941 مقالات لها في الأهرام في مقابل شقة فسيحة في عمارتها التي كانت إلى عهد قريب تشغل أقسام إدارة الأهرام، وحاول القائمون في الأهرام جذب "مي" إليها لتكون عضوًا في أسرة تحريرها، لكنها آثرت أن تحكون صلتها بالأهرام صلة الكاتبة الحرة التي لا تختلط بأي من في الجريدة التي تنشر مقالاتها بها، كما حررت منيرة ثابت المتوفية 1974 المقالات النسوية بجريدة الأهرام، وشاركت في شئون التحرير على الرغم من أنها لم تكن من هيئة التحرير.
وعمل الشاعر كامل الشناوي مندوبًا بالأهرام في البرلمان يصف جلسات المجلس ولم تمض شهور حتى أصبح كل شيء في الصفحة البرلمانية بالأهرام، وتدرج في المناصب حى أصبح أحد رؤساء التحرير بها.
وحرر الأديب أسعد داغر المتوفى 1958 بالأهرام ركنًا خاصا بالقضايا العربية، قبل أن تعرفه الصحف الأخرى، وظل يعمل بها حتى نقل مستشارًا إعلاميا للجامعة العربية عند إنشائها 1945. وبرز أزهري يسمى "محمد خالد" في صحيفة الأهرام، وأخذ يعقد الصداقات بينه وبين الدبلوماسيين العرب، ويستقي منهم معلومات تعد جديدة في الصحافة إذ ذاك، ثم طاف بالبلاد العربية وعاد منها بحصيلة وافرة من الأخبار والتعليقات مما رفع مقامه في الأهرام، فأفرد له غرفة خاصة حتى يتمكن من استقبال مصادر أخباره.
ومنذ 1961 تولى مجلس إدارتها نفر يتحملون تبعة تحريرها كان منهم محمد حسنين هيكل، وعلي أمين، وعلي حمدي الجمال وعبد الله عبد الباري. وها هي نماذج من مقالاتها العديدة.
أولًا: كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بعد أحداث الزاوية الحمراء مقالًا عنوانه: "مصريون قبل الأديان ومصريون بعد الأديان ومصريون إلى آخر الزمان" جاء فيه: "شاءت قدرة الله أن يخلق الناس أمما شتى وألوانًا شتى، وألسنة شتى دليلًا على قدرته، وسبيلًا إلى إدراك حكمته من وراء هذا التباين في الأشكال والطباع والمواهب والعقول، وما دام الناس مختلفين في التكوين، فهم مختلفون أيضًا في التصرف والسلوك. يحدث
هذا الخلاف في البيت الواحد، ويحدث في المدينة الواحدة، يحدث هذا على مستوى الأشقاء، ويحدث هذا على مستوى الزوجين، بل يحدث هذا بين الأبناء والآباء حتى بين الرسل منذ اختلف نوح مع ابنه، وإبراهيم مع أبيه، لماذا هذه الظاهرة الجديدة علينا، والجديدة بيننا، كلما اختلف مصريان تحول الخلاف إلى دينين سمحين ليست في طبيعتهما الصافية النقية ما يحصل عليهما حملًا أو يلصق بهما إلصاقا؟ وفي مصر خاصة تعانق الدينان منذ البداية، فنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم أصهر إلى مسيحي مصر وأنجب من المصرية الرقيقة مارية القبطية ابنه إبراهيم فصرنا لها أصهارًا ولابنه أخوالًا، والإسلام من دون الأديان جميعًا جعل الإيمان برسالات السماء جميعًا شرطًا للإيمان به، وحماية الرسول صلى الله عليه وسلم، منهم بلال الحبشي، وسليمان الفارسي، وأبو رافع القبطي المصري، وأشهر وأيسر قراءة في القرآن الكريم قراءة "ورش" وهو مصري قبطي".
"وحين تكلمت مصر العربية ووقفت وراءها بالعطاء العلمي والفني، كانت لها وللإسلام بيئة حضارية قام عليها بناؤه، فجمعت مصر الحديث الشريف، وفسرت القرآن الكريم، ورتلت الأذان، وكتبت الموسوعات، وكيفت المذاهب الفقهية كمذهب الإمام الشافعي والإمام مالك، وأعملت رأيها في كل شيء، ووضعت بصمتها على كل شيء، بل وضعت قاموس العربية الأكبر: "لسان العرب" من 24 جزءًا وضعه ابن منظور المصري، حين فعلت مصر هذا من خلال الرجال العلماء كان من بين هؤلاء من المسلمين: علي بن منجب الصيرفي الذي نقل عنه صاحب خريدة القصر، ومنهم القفطي والسخاوي والبوصيري صاحب البردة والإمام الليث بن سعد ومنهم من المسيحيين ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونيين وملوي وأول من ألف بالعربية من الأقباط، وكتابة "تاريخ البطارقة" موسوعة استمد منها المقريزي الكثير من خططه كما نقل عنه القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى". ومن رجال مصر من الأقباط الذين أسهموا في التأليف في علوم العربية وأدابها سعيد بن بطريق، وبنو العسال، وجرجس بن العميد المعروف بابن المكين صاحب كتاب "تاريخ المسلمين" والمفضل بن أبي المفضال، وبطرس أبو شاكر ويعرف بابن الراهب، وابن كير وهو شمس الرياسة أبو البركات
وأسعد بن مماني الشاعر الأديب صاحب الخطوة في الدولة الأيوبية".
"وحين نهضت مصر بالفن الإسلامي كانت تستمد إبداعها فيه من وراثاتها في الفن المصري القديم، والفن المصري القبطي، بل إن الأقباط في أول عهد الإسلام بمصر هم الذين نهضوا بزخرفة الكتب، وزخرفة الخشب بل استعان بهم الوليد بن عبد الملك في بناء مسجد دمشق والمسجد الأقصى وقصر أمير المؤمنين، بل يضيف "البلاذري" في "فتوح البلدان" مسجد المدينة فيما أعانوا عليه، ونهض المصريون أقباطًا ومسلمين في العصر الفاطمي أي: في العصر الذي تم فيه إسلام مصر وتعريبها بالفن المصري الإسلامي نهضة فيها من إحساس مصر ووجدانها وذوقها الحضاري، ما أضفى على فن مصر الإسلامية طابعًا مميزًا، وشخصية فذة. يقول الأستاذ محمد شفيق غبريال في كتابه "تكوين مصر": "إن طرائق الفن القبطي وأساليبه كانت عاملًا من العوامل المؤثرة في فنون مصر الإسلامية وصناعاتها. وهذا دليل على أهمية العنصر المسيحي في تكوين مصر".
"هل يعلم هذا ضحايا عتاة الانشقاق وهواة الصيد في الماء العكر؟. جاءت المسيحية من بيت لحم بفلسطين وبعد تفكير وتمحيص للدين الوافد ولموقفها هي من الرومان، اختارت مصر المسيحية ودافعت عنها بالرأي والروح، وبما تمثل المسيحية من وقفة مصر وموقفها، نعتز بالمسيحية مسلمين وأقباط لأننا مصريون، وجاء الإسلام من الجزيرة العربية ولم يكن غربيا عن طبيعة مصر ولا عن مسيحيتها. ولهذا لم يكن إسلامها تسليمًا بل كان إسلامها موقفًا واستجابة وإيجابًا فدافعت عنه بالرأي والروح، وبما يمثل الإسلام من سماحة مصر وتفتحها، نعتز بالإسلام أقباطًا ومسلمين لأننا مصريون".
"آمنت مصر بالدينين؛ لأنها اهتدت منذ ألوف السنين بالفطرة السليمة والدافع الحضاري معًا، إلى عقيدة البعث والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، بل اهتدت إلى التوحيد وابتهلت وتبتلت وشكرت وأفضلت، اهتدت مصر إلى هذا كله، ولهذا وقفت بوجدانها الدين وراء الأديان، وفعلت للمسيحية والإسلام ما لم يفعله أتباعهما في أي مكان، لم تعرف مصر
الحروب التي دارت بين المدن اليونانية، ولم تعرف مصر محاكم التفتيش أو ديوان التحقيق وما وقع في إسبانيا عقب خروج العرب من الأندلس، ولم يحدث في مصر ما حدث في محاكمة الليدي جان جراي في إنجلترا التي كان الدافع القوي على إعدامها كونها بروتستانتية حين كانت الملكة ماري التي حاكمتها كاثوليكية".
"لقد عرفت مصر حياة التدين ولكنها لم تعرف التعصب في الدين أو الضغينة بسببه، فسلم الدين فيها كما يقول الأستاذ العقاد في كتابه عن "سعد زغلول": "من لوثة العصبية العمياء وقسوة الهمجية الرعناء سلم تاريخ مصر كله من المذابح الطائفية إلا ما يتسلل إليها من طائفة غريبة أو نحلة دخيلة". وكم عانت مصر من المتسللين مثل "جورست" خلفه "كرومر وكتشنر" وكاتب استعماري مثل "جون بورنج" في القرن التاسع عشرن وشايعه "إدوارد وكين" في الستينات من القرن العشرين في كتابه "أقلية متوحدة" وإن لم يستطع أمثال هؤلاء أن ينكروا التماثل بين الأقباط والمسلمين حتى "كرومر" في كتابه "مصر الحديثة" لم يستطع الفكاك من هذه الحقيقة حيث يقول في الفصل السادس والثلاثين من كتابه، وأنا هنا أترجم حرفيا "القبطي من قمة رأسه إلى أخمص قدمه في السلوك واللغة والروح مسلم وإن لم يدر كيف فالقبطيات يتشبهن بالمسلمات، والأطفال تكيفوا عامة، وعادات الزواج والجنائز تشبه ما عند المسلمين".
"وقد لاحظ عبد الله النديم في "الأستاذ" -الجزء الرابع من السنة الأولى- أن الحروب الصليبية أو الثورة العرابية لم تشب إحداهما ما بين المسلمين والأقباط من صفاء أو ترابط، لقد كنا غداة الفتح نتبادل قناديل المساجد والكنائس في الاحتفالات الدينية في الجانبين. ونحن اليوم تجمعنا عادات واحدة وأعياد مشتركة مثل عيد الربيع ووفاء النيل وليلة النفطة وكلها أعياد مصرية قديمة صاحبتنا مع الزمن وصاحبناها إلى يومنا هذا؛ لأننا مصريون، مصريون قبل الأديان ومصريون بعد الأديان ومصريون إلى آخر الزمان1".
1 راجع: الأهرام في 22/ 6/ 1981.
ثانيًا: كتب الدكتور الدكتور محمد نصر منها عن "لقاء الأوروبية بالعربية في فكر الطهطاوي السياسي" فقال: "تعتبر تجربة رفاعة رافع الطهطاوي تجربة ثرية في التقاء الحضارة الغربية بالحضارة المصرية الإسلامية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد اتسمت هذه الفترة بثراء الترجمة من علوم الغرب وأدابه ونظمه في معالجة الشئون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ففي الفترة التالية لعام 1805 كان محمد علي يحث أعضاء البعثات على تعريب الكتب الأجنبية، وكانت الحكومة تعلق على أعمال الترجمة أهمية كبرى لكي تظفر بأكبر عدد من الكتب المترجمة في أقل زمن".
وقد قضى رفاعة الفترة 1825-1831 في باريس التي أوفد إليها في بعثة تعليمية للعلم وعاش في باريس، وقد أخذ على نفسه أن ينقل إلى اللغة العربية تجربة الحياة الفرنسية وفيما يتعلق بالسياسة وأصولها، فإن رفاعة قرأ كتبا للمفكرين السياسيين الذين مهدوا للثورة الفرنسية كمونتسكيو وجان جاك روسو، وانعكس جهد رفاعة في هذا الخصوص على تأليف كتابي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" و"مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية" وقد نشر رفاعة فيها آراءه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهناك أيضًا كتابا "المرشد الأمين للبنات والبنين" و"أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل" الذي يبين فيهما موقفه من الحكم على ضوء التجربة الفرنسية، ويمكن أن نتبين آراءه السياسية فيما يلي: كان رفاعة ذا ميل فطري إلى النظم الحرة، والحياة السياسية المقيدة بالقوانين، ويدلنا على ذلك أنه ترجم دستور فرنسا الذي كان معمولًا به عندما كان في باريس وما أدخل عليه من تعديلات، وكان بترجمته لهذا الدستور يرفع أمام بني وطنه مثلًا يقتدى به في الحياه السياسية المثالية، ولا سيما أنه ترجم هذا الدستور مبديًا رأيه فيه إذ قال:"ومن ذلك يتضح لك أن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف، وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين".
"ويبدو هذا الإعجاب من تعليقه على مواد هذا الدستور، فعلق على المادة الأولى منه وهي التي تنص على أن سائر الفرنسيين يتساوون أمام
الشريعة بقول معناه أن سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع أو وضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون، حتى إن الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره" وعلق على المادة الثانية الخاصة بالمساواة في الضرائب بقوله:"وأما المادة الثانية فإنها محض سياسة ويمكن أن يقول إن المساواة في الضرائب ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت النفس ومن الحكم المقررة عند قدماء الحكماء الخراج عمود الملك".
"وعلق على المادة الثالثة من الدستور الفرنسي التي تنص على أن كل واحد من الفرنسيين متأهل لأخذ أي منصب كان وأي رتبة كانت فقال: "وأما المادة الثالثة فلا ضرر فيها أبدًا بل من مزاياها أنها تحمل كل إنسان على تعهد تعلمه حتى يقرب من منصب أعلى من منصبه، وبهذا كثرت معارفهم ولم يقف تمدنهم على حالة واحدة". وعلق على المادة الثامنة الخاصة بحرية الرأي والنشر فقال:"وأما المادة الثامنة فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لا يضر غيره فيعلم الإنسان أن سائر ما في نفس صاحبه".
"وهكذا يمكن فهم فكر رفاعة السياسي من ثنايا وصفه السابق وتعليقاته على الدستور الفرنسي وعناصره الملكية والأورستقراطية وإثاره الثورة الفرنسية، وهو في وصفه للنظام القائم في فرنسا في ظل ميثاق لويس الثامن عشر وفي وصفه للثورة الفرنسية عندما نقض شارل العاشر ذاك الميثاق. إنما يصدر دائمًا عن منهج مقارن بين الحكم في فرنسا والحكم في مصر، وعن استهداف أن يكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر في بلاده فهو تسجيله للقيود على الحكم المطلق وللضمانات والحقوق التي كفلها الدستور الفرنسي للفرد، إنما ينقل إلى بلاده الطابع التحرري الذي تشرب به بين الفرنسيين والمثال الواقعي الذي اتخذته التحررية في السياسة الفرنسية".
"وقد يبدو أن ما يثير العجب أن يلتفت رفاعة إلى الجانب السياسي التحرري من السياسة الفرنسية وأن يأخذ به ويتأثر به، ولكن طبيعته
وثقافته الإسلامية جعلته يدرك بعمق تفوق الفرنسيين في نظم الحكم. فالإسلام قد درج منذ البدء على أن يكون الحكم جانبًا هاما من جوانب الدين، ولقن هذا الدرس في مراكز الثقافة الإسلامية علماء المسلمين على مر العصور، ولقنوه لأجيالهم المعاصرة والمتعاقبة جيلًا بعد جيل، ويعد رفاعة الطهطاوي من هذه الناحية وارثًا للتراث الإسلامي وداعيًا لدروسه ومجتهدًا في المزاوجة بينه وبين التجربة العقلية على أسس من المنهج العلمي التاريخي المقارن، وهو في هذا إنما يسير على المنهج الذي سار عليه مفكرو العرب منذ البدء حين عملوا على بناء الحضارة العربية الجديدة من مزج بين تراث العرب وبين ما نقلوه من عناصر الحضارة المتعددة الجوانب والأصول1".
ثانيًا: كتب الباحث يوسف ميخائيل أسعد مقالًا عنوانه: "لماذا تراجع الفن والأدب" وضح خلاله أسباب هذا التراجع فقال: "وقع هذا التراجع بالفعل من جانب الفن والأدب أمام تطورات العلم وتطبيقاته التكنولوجية، ولنضرب خمسة أمثلة فقط لتراجع الأدب أمام التيار العلمي التكنولوجي، والأمثلة التي نسوقها لنؤكد بها تراجع الفن أمام العلم والتكنولوجيا هي:
أولًا: اختراع التصوير الفوتوغرافي، وكيف أنه ضرب التصوير الفني في الصميم لدرجة أن الفنانين من أصحاب الفرش والألوان قد هربوا من أمام هذا الطغيان الفوتوغرافي إلى معقل جديد هو التصوير الإبداعي التشكيلي.
ثانيًا: اختراع الآلات الموسيقية ذاتية التشغيل بدءًا بالفونوغراف وانتهاء إلى الراديو وأجهزة التسجيل والكاست، لقد عملت هذه المخترعات على إحجام معظم الناس العاديين عن محاولة تعلم العزف الموسيقي، بل أنها ضربت معظم الناس بالسلبية. فصاروا يتلقون دون أن يقدموا. فكبار الموسيقيين احتلوا مكان الصدارة وصاروا هم الذين يعزفون فحسب، والجموع الغفيرة تستمع إلى ما يقومون بعزفه.
1 راجع: الأهرام في يوم الجمعة 26/ 6/ 1981.
ثالثًا: لقد دخل الكومبيوتر حديثًا في مجال التأليف الموسيقي فصرنا نستمع إلى موسيقى لم يقم أحد الموسيقيين بوضع ألحانها، بل إن الكمبيوتر هو الذي دبج أنغامها. ولسوف تشيع بعد وقت قريب أو بعيد آلات موسيقية إلكترونية تضغط أنت على أزرارها لكي تقوم هي بتقديم الأنغام الجديدة المبتكرة إليك، فأنت سوف تصنع الألحان بنفسك، ولكن ليس بفنك في التلحين وليس اعتمادًا على موهبتك الموسيقية، بل بمجرد معرفتك طريقة تشغيل ذلك الجهاز الإلكتروني وبمجرد الضغط على أزراره البسيطة غير المعقدة التي تسمح بتشغيله فيقوم هو بالمهمة، وذلك بالتوفيق والتبادل بين أنغامه التي سبق له استيعابها.
رابعًا: لقد قضت الآلة الكاتبة والمطبعة بكافة أنواعها على فنون الخط العربي، لقد كان الخط من الفنون التي لا تقل إبداعًا وعمقًا عن فنون التصوير المتباينة، ولكنك الآن تستطيع أن تدق على حروف الآلة الكاتبة بغير أن تتعلم فنون الخط فتخرج كتابتك مقننة على المستوى العالمي، أو قل إن خطك يكون نموذجيا بحيث لا تكون بحاجة إلى مزيد من تعلم فنون الخط، لقد صار الخط الكوفي والخط النسخ وخط الرقعة وغيرها في خبر كان، وسارت القاعدة هي أن تكتب بأي خط يتسنى لسكرتيرك أن تقرأه لتحيله إلى خط جميل مقنن على الآلة الكاتبة.
خامسًا: لقد صارت الآلات المستخدمة في صناعات البلاستيك كفيلة بأن تقدم إليك التماثيل الجميلة التي تريدها لتزيين بيتك أو مكتبك بغير ما حاجة إلى التماس التماثيل الرائعة التي كان يقوم أحد مشاهير فناني النحت بصنعتها.
أما الأمثلة التي نسوقها للبرهنة على تراجع الأدب أمام التدفقات العلمية والتكنولوجية فإنها تتلخص فيما يلي:
أولًا: الترجمة وهذا الفن قد بدأ ينسلخ وينسحب ويهرب من أيدي الأدباء والمترجمين بعد أن بدأت أجهزة الكومبيوتر في تولي زمامه والسيطرة على مقاليده، صحيح أن هناك بعض التعديلات يجب أن تدخل
على الأجهزة الإلكترونية التي تعمل الآن بالفعل في هذا المضمار، ولكنها تعديلات بسيطة على كل حال.
ثانيًا: هناك نوع من الطغيان العلمي على أقلام الأدباء من شعراء وناثرين، فلقد انتحى كثير من الأدباء إلى العلوم المتباينة يكتبون فيها، وبخاصة علم النفس، وبتعبير آخر صار العلم المتأدب يحتل مكانة رئيسية في المجالات الأدبية، وهذا معناه أن الرومانسية والتعبير عن الذات قد اأنزويا أو كاد أمام تيارات العلم المتأدب.
ثالثًا: لا شك أيضًا أن التذرع بالعلم والتكنولوجيا أكسب ماديا ويبشر بالمستقبل الباسم لمن يقضي وقته فيهما، ومن ثم فإن الكثير من الشباب من ذوي الاستعدادات الأدبية النادرة، قد اختاروا طريق العلم والتكنولوجيا، وقد أشاحوا تمامًا عن طريق الأدب الذي لا يبشر بكسب أو بمستقبل، وهكذا نجد أن قياس النجاح في هذا العصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاشتغال بالعلم والتكنولوجيا. وها أنت ترى أن الكليات العلمية والتطبيقية وقد غصت بالطلاب والدارسين، بينما خف الضغط نسبيا عن كليات الآداب.
رابعًا: يظن البعض أن التليفزيون والسينما يشجعان الأعمال الأدبية القصصية التي يعرضانها، والواقع في رأينا أنهما يقومان بقتل تلك الأعمال واغتيالها وإفراغها من مضمونها الأدبي، فإذا أنت قارنت بين العمل الأدبي كما ألفه صاحبه، وبين نفس ذلك العمل الأدبي بعد إخضاعه للسيناريو ثم للإخراج والتمثيل، فإنك ستجد أن الأصل كان عملًا أدبيا رائعًا، أما العمل المعروض على الشاشة فإنه عمل تجاري أو جماهيري. ذلك أن القائمين على الأعمال السينمائية والتليفزيونية لهم قواعدهم التي يخضعون لها عندما يقومون بإعادة صياغته لعرضه على الشاشة، فما يصلح للإبقاء عليه للسينما والتليفزيون هي القشور لا الجوهر، أو قل هي الفكرة العامة وليس الدقائق التي تعطي العمل الأدبي أو القصة الروعة والحلاوة الأدبية. وهذه شهادة الكثيرين من أصحاب الأعمال القصصية أنفسهم التي عرضت على الشاشتين الكبيرة والصغيرة.
خامسًا: لا شك أن وسائل الأعلام المسموعة والمرئية -وهي نتاجات علمية وتكنولوجية بالدرجة الأولى- قد استولت على أسماع وأنظار الغالبية العظمى من المواطنين، فهي بذلك تكون قد نبهت غالبية وقت فراغ الناس، وهو الوقت الذي كانوا يقضون جله في القراءة الأدبية وفي الإبداع الأدبي، ناهيك عن أن مجالات النشر قد سدت أمام شباب الأدباء الذين يرغبون في نشر ما يبدعون، وذلك لأن الإقبال على شراء المواد المطبوعة -وبخاصة المواد الجادة منها- قد قل بدرجة خطيرة مما يهدد الأدب والإنتاج الأدبي بالاضمحلال.
وهكذا نجد أن الفن والأدب قد تراجعا ويتراجعان أمام تيار العلم والتكنولوجيا، والله وحده يعلم ما سيكون مصيرهما بعد أن تستولي الأجهزة الإلكترونية على مقاليد الإنتاج الفني والأدبي استيلاء تاما1.
1 راجع: الأهرام الصادر في 8/ 7/ 1981.
ب-
الأخبار:
صحيفة فرضتها الأحداث، ارتبطت بكفاح الأمة المصرية وشعبها المناضل من أجل حريته وكرامته واستقلاله. أصدرها في البداية الشيخ يوسف الخازن أحد كبار الأدباء اللبنانيين، وتنازل عنها لدى عودته لبلاده لعبد الحميد حمدي صاحب جريدة "السفور" الذي أصدرها في أخريات 1918 وشاركه فيها حسن الشيخة أحد مدرسي مدرية الغربية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت ثورة 1919، وجاءت "الأخبار" ثمرة من ثمارها في فبراير 1920 -وشغلت المدرسة اليونانية الموجودة بميدان الفلكي- وجعلها صاحبها المرحوم أمين الرافعي 1886- 1927 لسان صدق للحركة الوطنية، وصحيفة الحق والمسئولية. وقادت "الأخبار" الرأي العام، واهتمت بأفكار الوفد وخططه، وعنيت بنشاط رئيسه وأحاديثه، ثم أدمجت في صحيفة "اللواء" بسبب الظروف المالية -في اسم واحد هو "اللواء والأخبار" في 10 من مايو 1925، وبعد العدد الصادر في 22 من أغسطس 1925 عادت كل صحيفة إلى استقلالها.
وظلت "الأخبار" تواصل رسالتها وتواكب الأحداث حتى تعرضت لأزمة مالية توقفت على أثرها في فبراير 1926 ثم عادت إلى الظهور في 12 من مارس 1926، واحتلت مكانتها بين الصحف المصرية، تولى أمين الرافعي كتابة مقال فيها كل يوم، وأحيانًا أكثر من مقال في اليوم، وبجانب هذا كانت له دراسات وافية عن المفاوضات وسياسة الإنجليز في مصر، وخص الدستور بمقالات تعد من أروع ما كتب عن حق الشعب في حكم نفسه. وحملت "الأخبار" دعوته 1925 للساسة وأعضاء البرلمان أن يعقد اجتماعاته دون الالتفات إلى رأي الحكومة المخالف للدستور، فاستجابوا له، وفرضت مقالاته على القصر والحكومة إعادة الحياة النيابية في مصر.
استكتبت "الأخبار" الشخصيات البارزة من أمثال حسين رشدي، وعبد الخالق ثروت، وعبد الرحمن الرافعي وغيرهم، وجاءت مقالاتهم في مفاوضات "ملز" والمشروع الذي قدمته اللجنة مرجعًا سياسيا في ذلك المشروع الذي كان له أثره في تطور الأحداث في مصر.
وظلت "الأخبار" محتجبة عن الجماهير بعد رحيل أمين الرافعي 1927 حتى تنازل شقيقه المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي عن ممتلكاتها للمرحوم علي أمين 1914- 1977 وشقيقه مصطفى أمين الذي لا زال يواصل عطاءه الصحفي حتى اليوم، ومن ثم عادت إلى الظهور باسم "أخبار اليوم" 1944 الأسبوعية و"الأخبار" اليومية 1952.
ولقد أحدثت سلسلة مقالات مصطفى أمين في "أخبار اليوم" دويا هائلًا، وسببت له أزمات عديدة مثل: سلسلة مقالات قصة فاروق التي وافق الزعيم الراحل جمال عبد الناصر على نشرها، ثم عاد وأمر بوقف نشرها، وسلسلة مقالات "قصة التسعة" التي تحكي تفاصيل ثورة يوليو 1952 وأسرارها وأسماء التسعة الذين يؤلفون مجلس الثورة، ثم توقفت بناء على أوامر عبد الناصر الذي ألح -بواسطة جمال سالم- ألا يعرف إنسان أن عبد الناصر مصدر هذه المعلومات؛ لأن المقالات أحدثت فتنة بين أفراد القوات المسلحة إذ ذاك وهذه نماذج من المقالات التي حفلت الأخبار.
أولًا: كتب الأستاذ موسى صبري رئيس تحرير الأخبار مقالًا عنوانه: "الرفيق المفاضل حافظ الأسد" جاء فيه: "هل يمكن لنزوة معارضة عند المشتغل بالسياسة، أن تحجب عينيه عن النظرة العادلة، وأن توقف عقله عن التفكير الطبيعي، وهل يمكن لهذه النزوة أن تنطق لسانه، بما يجب أن يثير الضحك، حيث كان يريد أن يبعث على الجد. سألت نفسي هذا السؤال وأنا أقرأ خطابًا لخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع الماركسي، أذاعه راديو دمشق والخطاب كان في حضرة الرئيس حافظ الأسد، والخطاب كان موجهًا من خالد محيي الدين إلى حافظ الأسد، وموضوع الخطاب إهداء جائزة سلام إلى رجل السلام حافظ الأسد. الذي يهديه خالد محيي الدين جائزة سلام باسم "مجلس السلام العالمي". نعرف أن مجلس السلام العالمي هو إحدى المنظمات الشيوعية، التي اتخذت هذا الاسم الخادع، بل نعرف أن رجال الدين في أوروبا وغيرها، قد جذبهم الشعار وتصوره صدقًا وأصبحوا أعضاء في هذا المجلس الشيوعي، وهم ليسوا بشيوعيين، وقد مررت بنفسي بهذه التجربة".
"ولكننا نعرف أيضًا أن خالد محيي الدين وهو عضو مبرز في هذا المجلس، يعرف تمامًا، كيف تحصد الأرواح في مدن سوريا، وكيف تقتحم الدبابات بيوت السكان الآمنين، ويخرجون الرجال والشباب الذين يقفون تحت رهبة السلاح ووجوههم إلى الحيطان، لكي ينطلق الرصاص -رصاص السلام في عرف خالد محيي الدين- إلى ظهورهم، وتقع الضحايا بالمئات وينتقل الغزو البربري من مدينة إلى أخرى!. ولكننا نعرف أيضًا أن خالد محيي الدين يعرف تمامًا، قصة الوجود السوري المسلح على أرض لبنان من بدايتها، ومن التكرار الممل أن تعيد أن قوات حافظ الأسد -رجل السلام في عرف خالد محيي الدين- دخلت بحجة الدفاع عن الفلسطينيين، وعادت فقتلت الفلسطينيين نساء وأطفال في تل الزعتر، ثم رفعت حجة الدفاع عن المسلمين وقتلت المسلمين، ثم زعمت دفاعًا عن المسيحيين فقتلت المسيحيين، ثم ادعت دفاعًا عن التقدميين فقتلت زعيم التقدميين كمال جمبلاط! ".
"كل هذا الدم العربي الذي خضب أرض لبنان، من قوات حافظ الأسد استحق جائزة سلام يهديها إليه خالد محيي الدين باسم مجلس السلام الشيوعي! ولأنه سلام شيوعي فلا بد أن يتميز عن السلام الذي يؤمن به كل البشر، ويسعى إليه الإنسان في كل مكان، إنه سلام من يعارضون السلام.. إنه سلام من يحصدون الأرواح في أفغانستان، وهذا السلام في أفغانستان قد حظي بتأييد رجل السلام حافظ الأسد، وأما السلام الذي ينادي بأن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، فهو سلام يرفضه خالد محيي الدين "والرفيق المناضل" حافظ الأسد -وهذا تعبير خالد عنه- وهو يقول عنه أمام الأسد: إنه ليس سلامًا ولكنه مؤامرة! لقد ضحكت وأنا أقرأ هذه المسرحية، ولكنني لا أنكر أنني تساءلت، إذا كان هذا -في عرف المعارضة "الوطنية الشريفة"- هو المستباح فهل أستطيع في تعليقي إلا أن أخرج باللفظ عن حدود المباح!! أحمد الله أنني استطعت1".
ثانيًا: وكتب الدكتور حسن شلبي عن "إعجاز القرآن من الروماني إلى الشعراوي" فقال: "يأتي رمضان يدق الأبواب، وينزل على الأحباب، ويتخير من المنازل أسخاها كرمًا، ومن القلوب أصفاها ودا، ومن النفوس أعلاها هوى ورضا، ويهتم فيه الجميع بالقرآن؛ لأنه شهر القرآن أنزله الله فيه بينات من الهدى والفرقان، وأرجع بخاطري إلى العلماء الأفذاذ الذين اهتموا بإعجاز القرآن في عصور ماضيه وفي عصرنا الحديث أيضًا، أما العصور الماضية فيلفتني من بينهم علي بن عيسى الروماني المتوفى 386هـ ألف: "النكت في إعجاز القرآن" نجده يرجع وجوه إعجاز القرآن إلى سبعة مواضع: ترك المعارضة مع توافر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياس القرآن بكل معجزة، فكلام الله كلام يتلى فيستقر في القلب، وهو معجز ومغمم للخاصة والعامة أيضًا.
وأبو سليمان حمدين محمد الخطابي المتوفى 388هـ في رسالته عنه: "إعجاز
1 راجع: الأخبار الصادر في يوم الخميس 2/ 7/ 1981.
القرآن" يعرض فيها أراء القائلين في إعجاز القرآن مثل الجمع بين القصص وغيرها في سورة واحدة، وصرف الله قلوب المشركين عن معارضتها، وإخباره عن الأحداث المستقبلة، ثم يثبت رأيه في إعجاز القرآن، فيبين أن الكلام الفاصل ثلاثة أقسام: بديع رصين جزل، فصيح قريب، سهل جائز مطلق، ومن هنا: إعجاز القرآن؛ لأنه أخذ من كل قسم، وجمع ذلك في قوة واحدة، فكان إعجازه وبلاغته".
"وأبو بكر محمد الطيب البقلاني المتوفى 403هـ ألف كتابه: "إعجاز القرآن" تكلم فيه عن سبل البلاغة، وبلاغة الرسول، وإعجاز القرآن، ولا يوافق من قال بالصرفة؛ لأن التحدي لا يتفق معها، ثم يرد إعجاز القرآن إلى ثلاثة: ما تضمنته الأخبار عن الغيب، وما فيه من قصص الأنبياء مع أمية الرسول وبلاغته، فلما جاء أمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني المتوفى 471هـ فقد ألف رسالة وكتابة:
أ- رسالة الشافية في الإعجاز مضمونها أن القرآن أعجز العرب ولكنه لم يتعرض لتفصيل سبب الإعجاز الذي بسطه في:
ب- كتابه "دلائل الإعجاز" عني فيه بنظم القرآن، مرجعًا إعجاز القرآن إليه، ويقصد أن القرآن في حروفه وألفاظه وتراكيبه، وما ضم ذلك من معان، وجاء على أحسن صورة، لا يستطيع أحد معها أن يأتي بمثلها، فكل ما جاء في القرآن معلق بعضه على بعض، مبني بعضه على بعض، وذلكم سر الإعجاز في النظم القرآني الذي وضع الكلام الذي يقتضيه علم النحو".
"أما في عصرنا الحديث فقد كتب العديد من العلماء المصريين في إعجاز القرآن كالرافعي ومتولي الشعراوي، أما رأي مصطفى صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية" فيوجزه في ثلاث نقاط: فالقرآن معجز لاستقرار القرآن وثباته على الزمان، وهو شريعة وأخبار وآداب، ولدفعه النسيان عن اللغة العربية، فهو وجود لغوي ركب كل ما فيه على أن يبقى خالدًا مع الإنسانية: يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيء؛ ولأن معانيه تتوالد وتتكاثر، وتتجدد حسب قدرته على كل عصر في استخلاص معانيه".
"أما رأي الشيخ محمد متولي الشعراوي فمنثور في كتابه القيم "معجزة القرآن" موجز في خمس نقاط، فالقرآن معجز لعطائه الذي يتجدد مع كل
جيل من الأجيال بمعنى أن أسرار الوجود وضعت في القرآن، لذلك يعطينا جديدًا في كل عصر حسب قدرة كل جيل في تناوله وفهم أسراره، ولتأثيره القوي في الناس على اختلافهم، وتباين بيئاتهم، وتعدد ثقافاتهم، وتنوع اتجاهاتهم، ويعني هذا تقديمه لكل عقل ما يرضيه، ولبلاغته التي مثل لها بدقة التعبير المعجز في كثير من آيات القرآن ولتحديه العرب يلقنه عندما نزل وتحدى البشر جميعًا، والعالم أجمع بالمغيبات مثل إننا لن نخلق ذبابة، لن نخلق نهرًا مع أن مكونات الماء بين أيديكم، والإخبار عن المغيبات مثل تمزيقه حواجز الغيب: المكان والزمان ماضيًا أو مستقبلًا، فأخبرنا من ذلكم بما لم نكن نعرفه، ولاستوائه وعدم تناقضه في ذاته، وعدم تصادمه مع الحقائق الكونية والعلمية، فالتقدم العلمي -مثلًا- غير كثيرًا من مفاهيم الكون، لكنه لم يستطع تغيير مفاهيم معنى الآيات الكريمة، إأن الإعجاز في القرآن إعجاز دائم، وأسراره لا تتناهى، إنه معجزة يوم أنزل، وفي هذا العصر، وفي العصور القادمة إلى أن تقوم الساعة ستظل أرواحنا خاشعة أمام جلال القرآن وبهائه وقدرته وهيمنته وسلطانه1".
ثالثًا: كتب الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف مقالًا تناول فيه الحديث عن كتاب "محاكمة عرابي" للصحفي إسماعيل يونس، وحلقات "فواكه الشعراء التي قدمتها للتليفزيون الأستاذة أمينة الصاوي فقال عن الكتاب:"لذيذة هي قراءة التاريخ الحق، وألذ ما يكون هذا التاريخ إذا كان إنصافًا لبطل مظلوم، أو إثباتًا لحق مهضوم، أو تصحيحًا لحكم طاش به الهوى، وصدر عن غرض لئيم، لهذا سعدت كثيرًا بقراءة كتاب "محاكمة عرابي" الذي كتبه زميلنا الأستاذ إسماعيل يونس إنصافًا للزعيم الوطني الثائر أحمد عرابي، وعاش من أجله خمسة عشر عامًا يفتش في دهاليز الوثائق، ويحقق الوقائع، ويمحص الروايات، وكان لا بد أن يكتب شيئًا، فكتب هذا الكتاب إنصافًا لذلك الذي خلق الثورة في وجدان هذا الشعب".
"لقد قام الزعيم أحمد عرابي بثورته الوطنية على أساسين: أولهما
1 راجع: الأخبار الصادر في يوم الجمعة 3/ 7/ 1981.
مصر للمصريين، وثانيهما أننا أحرار ولسنا عبيدًا نورث بعد اليوم، وإذا كان الحكم على الأشياء بأسبابها ونتائجها فلا شك أن عرابي قد نجح نجاحًا باهرًا في دعم هذين الأساسين وتأصلهما في كيان الشعب المصري. ومن هنا كانت الثورة العرابية هي الأصل في كل ثوارتنا الوطنية، وهي الطريق الذي سار عليه الشعب في معارك الكفاح والنضال الوطني. ولكن الخيانة غدرت بالزعيم البطل وهو في حومة المعركة، ومكنت الاستعمار من أن يحيط به بعد أن عجز عن أن ينال منه في موقف البطولة والشجاعة، وفوجئ بالهزيمة التي دخلت عليه من باب الغدر والخيانة فاستسلم، وصنع له الاستعمار والوخونة الذين جاءوا بالاستعمار محكمة ومحاكمة، واتهموه بالخيانة، وحكموا عليه بالإعدام، ثم قذفوا به في مهاوي النفي تسعة عشر عامًا، وعاشوا يلوثون شخصه وتاريخه بالافتراءات والأكاذيب".
"ولقد كانوا يلقون في أذهاننا الغضة ونحن على مقاعد الدرس روايات مزورة يتهمون فيها البطل عرابي بالخيانة لوطنه، ويزعمون أن الخونة من الخديويين ومن بعدهم من الأمناء على هذا الوطن، وأن الاستعمار هو الذي نهض بمصر، وحرر المصريين، ومما يدعو إلى الأسى والألم أن المؤرخين المصريين الذين كتبوا تاريخنا المعاصر كانوا يتملقون الأسرة الحاكمة أو يرهبون بأسها كانوا يسكتون على هذا الافتراء على عرابي، وفي يوم استقدم الملك فؤاد مؤرخًا أجنبيا ليكتب كتابًا سماه "إسماعيل المفترى عليه" ودفعتنا الغيرة الوطنية، وكنا مجموعة من الشباب في مجلة الرسالة التي كان يصدرها الأستاذ الزيات إلى أن نرد الافتراء على عرابي، وبدأ المرحوم الأستاذ "محمود الخفيف" ينشر فصوله المتتابعة في الرسالة تحت عنوان: "عرابي المفترى عليه" وقامت قيامة السراي أو القصر الملكي على هذا الكتاب الذي بدأ يكشف عن مواقع الخيانة، وطلبوا وقف نشر هذه الفصول وهي التي جمعها وأضاف إليها كل ما كتبه في كتابه "عرابي المفترى عليه"".
"لقد عرض الزميل الأستاذ إسماعيل يونس قضية عرابي مع الخونة والاستعماريين في معرض التاريخ الحق، فرد إلى الرجل اعتباره في البطولة والشرف والنزاهة والوطنية، وكشف الحقيقة في تلك المحاكمة المزيفة التي
صنعها الاستعمار والخونة على هواهم، وحاولوا أن يستروا بها أغراضهم المريبة، والحق أن المؤلف الفاضل قد وفق توفيقًا كبيرًا في أن يقدم صورة صادقة نقية عن الزعيم العظيم، لا تشرف عرابي فحسب بل إنها تشرف وطنه وأبناء شعبه على امتداد التاريخ".
وعن حلقات "فواكه الشعراء" قال: "تراثنا من الأدب العربي حافل بألوان ممتعة من الفكاهات والمسامرات والقصص والنوادر الأدبية والشعرية التي تعتبر مادة خصبة لأدب روائي رائع، وعروض تمثيلية تملأ النفلس بالبهجة والبشاشة، وتقدم إلى العقل زاد من العلم والفهم لأسرار النفس الإنسانية، وقد اهتم القدماء بهذه الألوان التي شاعت وملأت المجالس والمحافل في العصر العباسي الزاهر، فجمعوا منها مادة وفيرة في مؤلفات كثيرة مثل "فاكهة الظرفاء" و"محاضرات الأصبهاني" و"نوادر الحصري" إلى آخر ما هناك. أحوج ما يحتاج إليه هذا التراث هو العرض في أسلوب يلائم روح العصر، وتصوير تمثيلي يكشف أسراره وما فيه من نزعات إنسانية، وقد كانت هذه القضية موضع مناقشة من قبل، وبدأ الأستاذ توفيق الحكيم التجربة في ذلك، فكتب صورًا تمثيلية من أدب الجاحظ، وجمع نسقًا من النوادر فسر به حياة "أشعب" الطماع في كتاب سماه "حياة معدة" وبقي الأمل مرتبطًا بهذا العمل حتى طال به الأمد، ولهذا شدني التليفزيون العربي ببرنامج جديد يعرضه بعنوان "فواكه الشعراء" إذا رأيت فيه بعثًا لذلك الأمل الذي انتظرنا تحقيقه".
"وفواكه الشعراء" حلقات تتناول قصص ونوادر أبي الأسود الدؤلي واضع علم النحو، والشاعر زند بن الجون الذي اشتهر في الأدب العربي باسم أبو دلامة، ومطيع بن إياس الشاعر الفكه الذي نادم الأمراء وعاش مع الخلفاء ونال صلاتهم الجزيلة إلى آخر من هناك من الشعراء وأصحاب الفكاهة والظرف الذين ملئوا المجالس والمحافل بنوادرهم وسمرهم في العصرين الأموي والعباسي، أما التي تولت هذه العروض في كتابة القصة والسيناريو والحوار فهي أستاذة تمرست بهذا الفن، ولها فيه خبرة وثقافة وهي الأستاذة "أمينة الصاوي" والحق أنها كانت بارعة في حبكة القصة، وتسلسل الحوار، أمينة في تصوير الموقف وتوضيح مدلوله، كما كانت موفقة إذ حرصت على تجرد هذه القصص والمسامرات من حديث الخمر، ومن العبارات المبتذلة، والكلمات التي يمكن أن تقال على بساط الشراب، وليس من الجائز أن تعرض على الأنظار، وأن تخدش الأنظار، إنه في الحقيقة عمل أدبي رائع، وعرض جديد لبعث هذا الجانب من تراثنا الأدبي إلى الحياة من جديد، وهو أقرب ما يكون إلى الروح العربية والذوق العربي من تلك الألوان التي نستوردها من الخارج. وأنا أرجو الأديبة أمينة أن تثابر على تقديم هذه العروض فقد كان والدها يدرس لنا الأدب العربي، وأنا أعرف أنها أخذت عن والدها الكثير، وإنها تشبعت بهذا اللون الطريف من فواكه الشعراء ومسامرات الأدباء، وأن يحرص التليفزيون العربي على أن يقدم إلى المشاهدين هذا الزاد الشهي من الفكاهة والثقافة والفن1".
1 راجع الأخبار الصادرة يوم الأربعاء أول يوليو 1981.
جـ-
الجمهورية:
جاءت هذه الصحيفة ثمرة من ثمار ثورة يوليو 1952 التي قضت على الملكية والملك والفساد، وأعلنت الجمهورية في ربوع البلاد، وأشركت العمال والفلاحين في مؤسسات الدولة، وكان لا بد من صحيفة تعبر عن هذا التغيير في جلاء ووضوح، فكانت "الجمهورية" 1953، وتولى الإشراف عليها المرحوم صلاح سالم أحد ضباط مجلس قيادة الثورة.
تولى الكتابة في هذه الصحيفة نفر من رجال الفكر والأدب والثقافة من أمثال: محمد توفيق دياب 1887-1967 العديد من المقالات على صفحاتها منذ إنشائها، وظل يواصل الكتابة فيها بدافع من وطنيته حتى أقعده المرض عن الكتابة فيها 1960 كما كتب فيها الشاعر العاطفي كامل الشناوي واحتل مكانًا مرموقًا بين العاملين فيها حتى أمر المشرف -صلاح سالم- على الصحيفة أن يوضع اسمه فوق أسماء رؤساء التحرير باعتباره أبرز الصحفيين تفهما لإدارة التغيير الثوري في البلاد. ولا زال يكتب العديد
فيها من الكتاب اللامعين والعلماء النابهين من أمثال حافظ محمود، ومحسن محمد، وإبراهيم الورداني، وعبد المنعم الصاوي، وعبد الرحمن فهمي، ومختار الوكيل، وعواطف عبد الجليل وغيرهم من قادة الفكر والثقافة، وسنضع أمام ناظريك بعض المقالات التي حفلت صحيفة "الجمهورية" بها في أوقات مختلفة:
أولًا: كتب شيخ الصحفيين حافظ محمود مقالًا عنوانه: "ما وراء 18 يونيو" فقال: "ينبغي أن تذكر اليوم -18 يونيو- كما تذكر سلسلة الأيام التاريخية التي غيرت مجرى الحياة في مصر، وهذه الأيام في تاريخنا الحديث هي: يوم قيام الثورة في 23 يوليو 1952 يوم إعلان الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952 يوم إعلان النظام الجمهوري وسقوط النظام الملكي في 18 يونيو 1953. ومن هذه الأيام يبرز يوم الثامن عشر من شهر يونيو، وهو يحمل قيمتين ضخمتين من قيم التاريخ المعاصر. فيوم أعلنا النظام الجمهوري في الثامن عشر من يوليو 1953 كان هذا الإعلان تحولًا عن أسلوب الحكم الذي ساير الحياة السياسية في مصر آلاف السنين، ويوم أتممنا جلاء القوات المحتلة عن مصر في الثامن عشر من يوليو 1956 كان نقطة تحول ليس في تاريخنا فحسب، بل في تاريخ العالم كله؛ لأن جلاء هذه القوات كان البداية الحقيقية لتصفية الاستعمار القديم، ذلك الاستعمار الذي لم يستطع أن يسترد مكانته القديمة بعد هذا التاريخ؛ لأن ما تم يومئذ كان من معقباته أن عقلية الدولة الغربية الكبرى قد تغيرت، ولم تعد ترى أن هناك جدوى من تحقيق مصالحها بأسلوب الاستعمار".
"جدير بنا في هذا اليوم أن نتدبر عبر التاريخ، كيف تم التحول الكبير في تاريخنا، ففي بداية القرن التاسع عشر اجتمع أولو الرأي من المصريين ليولوا عليهم حاكمًا غير مصري، وفي ثورة الشعب المصري في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر كانت كل الظروف مهيأة لتغيير نظام الحكم، لكن الزعماء الوطنيين أنفسهم تهيبوا عند هذا التغيير، وفي ثورة 1919 كان الشعب ينادي أحيانًا بالثورة على العرش، لكن الزعماء الوطنيين أنفسهم تهيبوا من اتخاذ هذه الخطوة، وهكذا نستطيع أن نقول أن إسقاط الحكم الملكي وإعلان الحكم الجمهوري في الثامن عشر من يونيو 1953 كان تغييرًا
جذريًا في عقلية القيادة السياسية الحديثة في مصر، وبتغيير هذه العقلية تغيرت ملامح وجه السياسة المصرية تغيرًا كاملًا".
"لقد عمل الشعب المصري كل ما يمكن عمله لإخراج قوات الاحتلال، وترجم الساسة إرادة الشعب في مفاوضات بدأت منذ 1920 وتكررت هذه المفاوضات مرات ومرات إلى أن جاءت بمعاهدة 1936 التي نص فيها على الجلاء بعد عشرين سنة من هذا التاريخ، لكن هذه السنوات العشرين لم تكن تخلو من أسباب صنعها الاستعمار للبقاء على وجوده، وهنا لا بد أن نذكر أن شعب مصر كان في مكافحة إرادة الاستعمار وحيدًا لا تمتد إليه يد العون من أحد لدرجة أننا حين ذهبنا إلى مجلس الأمن في 1947 كي ينتصف لنا من الدولة المحتلة، أحالنا مجلس الأمن إلى مائدة التفاوض معها من جديد، وظلت هذه المفاوضات تتعثر إلى أن بلغت الغاية باتفاقية أكتوبر 1954 وهي الاتفاقية الوحيدة التي نفذت فعلًا في يونيو 1956 نتيجة للمتغيرات التي طرأت على السياسية المصرية وما كان لها من أثر في المحيط الدولي وصدى في السياسة البريطانية ذاتها.
"من هذا كله يتعين لنا مبلغ أهمية الثامن عشر من شهر يونيو 1956 ولقد أرادت القوى المضادة أن تفقد مصر مزية هذا اليوم، فدبرت العدوان الثلاثي على مصر في آخر أكتوبر من نفس السنة، لكن التغيير الذي كان قد طرأ على الإرادة المصرية بدد هذا التدبير، ثم جاءت إسرائيل في يونيو 1967 لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وكان التدبير المضاد هذه المرة أكثر إحكامًا حتى خيل للعالم أننا قد رجعنا إلى الوراء أجيالًا، لكن الإرادة المصرية الجديدة قد استردت قوتها في أكتوبر 1973 فحولت الهزيمة إلى نصر، واستردت مصر مكانتها مضاعفة، وأصبحت ضلعًا من الأضلاع المرموقة في السياسة الدولية. فمن الناحية العسكرية أصبحت الخطط المصرية من الدروس العسكرية في العالم كله، ومن الناحية السياسية أصبح الأسلوب الذي استثمرنا به النصر مضرب الأمثال على الصعيد العالمي، وأصبح الذين يتكلمون الآن عن حلول المشاكل الدولية يحاولون أن يتمثلوا بما صنعته مصر على طريق السلام بعد نصر أكتوبر".
"إذن فيوم الثامن عشر من يونيو الذي نحتفل به اليوم كان من أيام المقدمات المجيدة في التاريخ المعاصر، وشاء الله ألا تكون هذه المقدمات لمصر وحدها، بل والعالم الثاني وهذه المنطقة، وتلك حقائق تاريخية ينبغي أن نسجلها وأن ننشرها وأن نعلنها لأبنائنا وأبناء الشعوب المحيطة بنا ليعلموا ماذا صنع شعب مصر لحركة التحرير داخل مصر وخارجها"1.
ثانيًا: كتب الدكتور كمال جعفر أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم عقب أحداث الزاوية الحمراء بين المسلمين والمسيحيين مقالًا عنوانه: "هذا الخلاف افتراء على الإسلام والمسيحية" جاء فيه:
"لا يجوز أن يقال أبدًا ما حدث في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة أخيرًا جاء عن مشاعر دينية، فهذا القول أبعد ما يكون عن تعاليم الدين أي دين فضلًا عن أن يكون الإسلام أو المسيحية. والبشر دائمًا يختلفون ويتفقون فهذه سنة الحياة ما دامت مصالح الناس يطرأ عليها التعارض أو تتوفر لأحدهما عوامل الترجيح تجاه الآخر، لكن أصحاب المشاعر الدينية المتمسكين بتعاليم السماء يرفضون العدو عند الاختلاف أو الخصومة، فأخلاق الأديان السماوية جميعًا السماحة والتسامح والعفو عند المقدرة. ولسنا في حاجة إلى ضرب الأمثال من حياة نبي الله عيسى أو نبي الله محمد عليهما الصلاة والسلام، فالأول واجه من عناد قومه وآذاهم الكثير والكثير، فلم يرفع عصا في وجه أحد، ولم يقذف بحجر، والثاني حيثما اشتد به أذى قومه وعجزت منه الوسائل لم يفعل إلا أن توجه إلى الله قائلًا: $"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". بل إن المسيحية ذهبت في التسامح إلى الحد الذي اشتهر معه مقولتها بأن"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر" والإسلام عندما شرع القصاص ورد الاعتداء حبب في العفو، وجاء في كتابه الكريم {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} و {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} .
1 راجع: الجمهورية الصادرة في يوم الخميس 18/ 6/ 1981.
"ويحفظ لنا التاريخ حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم ووفد نصارى "نجران" حينما جاءوا إليه في المدينة في عام الوفود لمناقشته ما جاء به، لقد سمح لهم بالصلاة في مسجده، وطال النقاش بين الطرفين، هو يشرح لهم رسالته الخاتمة، وهم يرفضون، فلم يؤذهم ولم يحرض عليهم، وإنما دعاهم في النهاية إلى "المباهلة" وهي صلاة مشتركة يدعو فيها الطرفان الله على الكاذب منهما، ويحكيها القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} فاعتذر وفد نصارى نجران عن الاشتراك في هذه "المباهلة" ورضوا لأنفسهم البقاء على عقيدتهم، فتركهم النبي وما أرادوا، وكفوا هم أيديهم عنه، وزاد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على ذلك بأن أعطاهم الأمان على أنفسهم وديارهم وأموالهم. أمام هذا التسامح الديني والمنطق التشريعي لا يحل لمختلفين دينا أن يتشاجرا ويتقاتلا، وإذا لم يستطيعا قضى خلافهما بالتسامح أو الحسنى فإن القانون كفيل بأن يعطي كل ذي حق حقه".
"هكذا يعرف المسلمون الإسلام، ويعرف المسيحيون المسيحية، ويعرف كل منهما الآخر بحقائق دينه، ولم يستطع شعب من شعوب الأرض على مدى تاريخه أن يترجم هذه المعرفة إلى حياة عملية وواقعية مثالية أكثر من شعب مصر، فعلى الرغم مما حدث في الزاوية الحمراء فإن المسلمين والمسيحيين يتعايشون ويتعاملون ويتزاورون في الصحة والمرض، ويتحابون في كل حي في القاهرة وفي غيرها من المدن والقرى، يعلنون أسفهم لما حدث ويطلبون التحاكم إلى القانون والضرب على أيدي المذنبين وأنصار الفتنة، ومن هنا فإن إلصاق ما حدث أخيرا بنزاع بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية هو محض افتراء1".
ثالثًا: كتب الأستاذ أبو الحجاج حافظ مقالا، تضمن قصة قصيرة
1 راجع: الجمهورية الصادرة في يوم الجمعة 26/ 6/ 1981.
عنوانها: "المركب.... والبلاليص!! " جاء فيه: "يجلس الفقي أمام منزل شقيقته في الساحل المطل على النيل، تتعلق عيناه بهذا المراكب التي لا ينقطع انسيابها فوق صفحة الماء الهادئ المتلألئ بشمس الصعيد الحارة الواضحة القريبة جدا من الناس، ويسرح طرفه بعيدًا بعيدًا مع تلك الموجات المتحدية القادمة من الجنوب إلى الشمال تحمل الري والنماء. وكانت المراكب تتزود بالزاد قبل أن تطلق الشراع لرحلة الشمال تحمل معها هذه الأواني التي لا ينقطع سيلها أبدًا، البلاليص فهي تارة تحمل عسلًا أسود، وتارة تحمل مشّا أبيض، وتارة ملوحة حمراء، والعسل الأسود من قصب السكر، وكانت عملية ملء هذه المراكب بهذه البلاليص تشكل مهرجانًا في المركب بطريقة رائعة وبسيطة وسط أغان لا جدال أن ألحانها قديمة قدم هذا الشط وهذا الإنسان".
"وكان يحلو للفتى أن يقض كل وقته في هذا المكان يتصيد من فوق صفحة النيل نسماته المنعشة، وتتعلق عيناه بكل ما يرى وتدور في رأسه الذكريات والآمال تلو الآمال، فوالده الشيخ يذكر له أنه سافر القاهرة بحرًا على هذه المراكب ليدرس في الأزهر الشريف ويعود عالمًا من علماء الدين قبل أن تسير القطارات إلى هذه البلاد، وكثير من القصص عما رأى بابنه هذه المراكب في رحلاتهم إلى الشمال، وحديثهم عن البحر الكبير أكبر من النيل، الذي هو في نظر الفتى كبير كبير أكبر بكثير من القنوات والترع".
"وكان الفتى يأمل أن تحمله إحدى هذه المراكب يومًا معها ليرى حقيقة كل ما سمع ويشاهد بنفسه ما لم تصدقه أذنه من قبل، ومرت أيامه في أقصى الصعيد وجاء يوم الرحيل لاستكمال دراسته وسط معارضة قوية تخاف على الابن الوحيد وتراث والده والمندرة والتقاليد، وبقدرة سعادة الفتى بقرار استكمال تعليمه بقدر خيبة أمله في عدم السفر على ظهر إحدى هذه المراكب فالقطارات الآن كثيرة متعددة، وتقطع المسافة إلى القاهرة في يوم واحد بدلًا من أسبوعين أو ثلاثة بالمراكب والبلاليص".
"وفي القاهرة كان يحلو له أن يتوجه إلى روض الفرج حيث تصل مراكب الصعيد. وقد فوجئ بمرساة وميناء خاص لهذه المراكب، وكان
يتطلع إلى الوجوه السمراء على هذه المراكب عليه يرى "بلدياته" فيدعوهم إلى مقهى صغير في روض الفرج، ويقضي معهم ساعات يستمع فيها إلى أخبار الصعيد والساحل. وتمر الأيام والفتى يكبر ويتعلم وتتسع مداركه وهو يحاول البحث عن الحقيقة في المدينة الكبيرة وفي دراسته في كلية الحقوق واتصالاته بأبناء بلدته في القاهرة، ومنهم من كان يحلو له أن يسميهم دائمًا "بناة الحضارة" ويقول: جنت عليهم الحضارة وهم عمال التراحيل، بناة العمارات والمعاهد ودور العلم والمعرفة والثقافة، كل مبنى دليل حضارة، وهم بناة حضارة، بنوها منذ الفراعنة هناك في الأقصر والعرابة المدفونة، وبنوها الآن في القاهرة والأسكندرية والمدن الحديثة".
"وتمر الأيام وتقل مراكب البلاليص وتتحول البلاليص إلى صفائح معدنية لامعة عليها كتابات وإشارات تدل على ما تحمله. ويعود الفتى إلى الساحل ويجلس مع بناة المراكب ويستمع إلى القصة، لقد عدل التجار عن استعمال البلاليص، لقد كانت البلاليص تحمل الملوحة الحمراء والعسل الأسود، ولم يعد أحد يجد لماء النيل طعمًا مقبولًا
…
ربما خافوا أن تحمل تياراته هذا الطعم إلى الشمال أو إلى حيث يشرب الزائر أو السائح فلا يعود ليشرب مرة أخرى، ويرد الفتى ساخرًا: لو كانت القنبلة أصابت بلاليص العسل فقط ربما كنتم قد تركتموها، فماء النيل سيكون حلو المذاق لذيذ الطعم، أم أن ضرورة التطور وحركة الحياة هي التي أحالت ما تحمله المراكب من فخار إلى صفيح؟؟ "1.
1 راجع: الجمهورية الصادرة في يوم الخميس 9/ 7/ 1981.
الفصل الثالث: الوان من المقال في صحف اليوم
مدخل
…
الفصل الثالث: ألوان من المقال في صحف اليوم
تطالعنا الصحف اليومية بمقالات شتى، وخواطر متنوعة، وأفكار عديدة، وصور موحية في موضوعات مختلفة، وبأساليب متباينة لكتاب عديدين، يعرضون خلالها أفكارهم وانطباعاتهم، ويتناولون فيها أوضاع المجتمع وأحوال الناس بالتوجيه تارة، والنقد أخرى، أو يحاولون بث المثل الفاضلة والصفات الحسنة، ويعمدون في كتاباتهم إلى الوضوح، ولا سيما إذا كانوا يصورون عاطفة وطنية، أو وجدانًا دينيا.
ويعنى المقال الصحفي اليوم أول ما يعنى بأخبار العالم وأهم الحوادث اليومية: داخلية أو خارجية أو رسمية أو شعبية؛ لذا كان لا بد أن ينزل الكاتب لمستوى الجمهور في الفهم والإدراك، بحيث لا يتكلف في ألفاظه فتأتي أفكاره واضحة، ومعانيه سهلة أثناء قراءتها. ولم تعد الصحف اليوم تفتتح بمقال يومي -كما كان الحال منذ مطلع هذا القرن- لكاتب مشهور أو رئيس تحرير. وإنما حل مكانه "الريبورتاج" والتعليق على الأخبار وما أشبه ذلك. وأهم ما يميز صحف اليوم اشتمالها على العمود الصحفي الذي يقوم على الخاطرة التي هي بداية الأفكار والحقائق.
العمود الصحفي:
أبرز ما يميز الصحف المعاصرة العمود الصحفي الذي ظهر خلال الفترة 1922-1942 موزعًا على أبواب شتى بعناوين ثابتة تتضمن سياسة وأدبًا واجتماعًا وعلومًا واقتصادًا وزراعة وصناعة ورياضة، وتساق في شكل قصة قصيرة تدور حول مسائل تشغل أفراد المجتمع كله
أو طائفة منه. ويعنى كتاب الأعمدة -في المقام الأول- بالموضوعات الإنسانية التي تحتاج إلى غزارة العواطف، والقدرة على التأمل في سلوك الناس، وتحليل هذا السلوك تحليلًا يقوم على قواعد علم النفس الحديث، ومن ثم أشبه كاتب العمود بالأديب في الأول -التأمل- والفيلسوف في الثاني -التحليل- وهو في الحالين يحتاج إلى قوة البيان وجمال الأسلوب وحلاوة التعبير والقدرة على ربط الأحاسيس وإدماج التأملات، حتى يستخرج منها مادة إنسانية تمتع العقول، وتريح المشاعر. وتغذي الوجدان.
ومن هنا كانت الأعمدة ذات الموضوعات الإنسانية أقرب المواد الصحفية إلى الأدب الخالص؛ لأنها تضم القيم الفنية الثلاث: عمق التفكير وغزارة الشعور، وجمال التعبير، ولذا لزم أن يتمتع الكاتب بتجارب ذاتية ومعارف إنسانية، واطلاع واسع وثقافة عريضة، وقدرة على التأمل حتى يحقق إسعاد الآخرين.
ويحتل العمود الصحفي مكانًا مرموقًا في صحفنا اليوم، ويأتي متطرفًا في أقصى الصحيفة على اليسار، أو في أعلى الصفحة الأخيرة من اليمين، وقد يحتل مكانًا واسعًا من الصحيفة. المهم في العمود الصحفي أن يكون مكانه وعنوانه وكاتبه ثابتًا، ولما كان العمود الصحفي لا يعدو أن يكون خاطرة عابرة أو فكرة طارئة أو رأيًا محددًا في مشكلة من مشكلات القراء في سطور قليلة لا استطراد فيها.
لذا لزم أن نقف على العنصرين الأساسيين للعمود الصحفي وهما: الخاطرة والفكرة، ونضيف إليهما فن الصور والكاريكاتير. تلك هي الألوان التي تحمل مشاعر الكاتب وعواطفه إزاء صور الحياة ومشاكلها، ونطالعها في الصحف كل يوم.
أولًا: الخاطرة
مدخل
…
أولا: الخاطرة
هي لمحة ذهنية خاطفة لحادث عرض، تحمل مشاعر الكاتب ازاءه، وتخلو من الاسانيد، ولا تحتاج الى حجج على صدقها، ولا تتجاوز - غالبًا- عمودًا في الصحيفة. ويحتاج هذا اللون من الكتابة الصحفية إلى ذكاء الكاتب، وقوة ملاحظته، ويقظة وجدانه، ومجاراة الطابع الصحفي الذي يهتم بالأشياء القصيرة ذات الدلالة الكبيرة، ويؤثرها على الكتابة المطولة التي تتسم بالإسهاب والإفاضة.
عالج هذا اللون من الكتابة المرحوم أحمد أمين، فكتب أربع عشرة خاطرة، ونشرها بمجلة "الثقافة" تباعًا 1952 تحت عنوان "مدرسة جديدة"1. ويعد -كذلك- المرحوم زكي مبارك صاحب خطرات، إذ كان يتحدث عن خاطرة، ثم يستطرد منها إلى أخرى، ثم يعود إلى ما كان بصدد الحديث عنه.
والخاطرة من الألوان النثرية التي نشأت في ظل الصحافة المعاصرة، وجاءت تحت عناوين ثابتة، لا تتغير من يوم لآخر على النحو الذي سنوضحه بعد. ومن كتاب هذا اللون في الصحف المصرية اليوم: أحمد الصاوي محمد وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وإبراهيم الورداني، ونعمان عاشور، ومختار الوكيل، ومحسن محمد، وعبد الرحمن فهمي، وصلاح منتصر، وعبد السلام داود، وإبراهيم سعدة، وعلي شحاته، وعبد العاطي حامد، ومحمد الطنطاوي، وعواطف عبد الجليل وغيرهم من رجال الصحافة المعاصرين. وسنحاول أن تقف على الخواطر التي تضمها صحفنا اليومية الشهيرة: الأهرام، الأخبار، الجمهورية.
1 راجع: فيض الخاطر جـ9 ص249-276، الطبعة الأولى 1955.
في الأهرام:
تطالعنا صحيفة "الأهرام" بالعناوين الثابتة كل يوم: صندوق الدنيا لأحمد بهجت، ومجرد رأي لصلاح منتصر، ورأي الأهرام، وموقف لأنيس منصور. تحت هذه العناوين يكتب الكتاب ما يدور بخلدهم، أو يقع حولهم من أمور الدين والسياسة والاجتماع والأدب، وها هي نماذج من هذه العناوين:
أ- صندور الدنيا:
يحرره الأستاذ أحمد بهجت، ويتناول فيه أشياء عديدة، تحدث عن البنوك الإسلامية فقال:"نشرت الصحف صورة للمؤسسين في المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية، وتفاءل الناس خيرًا بميلاد بنك إسلامي جديد، وتأكد ذلك بتقديم طلب لهيئة الاستثمار لإصدار القرار القاضي بإنشاء البنك، ثم اختلفت أقلية من المؤسسين نسبتهم 4.6% أي: أقل من 5% حول انتخاب مجلس الإدارة، قدمت شكوى لهيئة الاستثمار كان المفروض ألا يؤثر هذا الخلاف في الإجراءات القانونية لإنشاء البنك، لكن الإدارة القانونية لهيئة الاستثمار اعتبرت أن هذا العائق يحول دون المضي في إمضاء إجراءات الإنشاء، وللآن لم يصدر القرار بإنشاء البنك".
"وتصور أن واجب الدولة هو التدخل لحل الخلافات التي تنشأ بين مؤسسي البنوك الإسلامية، وتشجيع هذه البنوك على الميلاد والعمل، لا الوقوف منها موقف المتفرج، ولا ريب أن المساعدة في إنشاء البنوك الإسلامية هو الطريق الجاد لإنشاء المجتمع الإسلامي والمساهمة في تحقيق الشريعة الإسلامية، والمعروف أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ بمعنى أنها ليست أجزاء يمكن الأخذ ببعضها أو طرح البعض الآخر، وإنما هو جوهر حياة عام يبدأ من الاقتصاد، وينتهي بالسلوك اليومي في البيع والشراء والعمل والحب والزواج".
"ولكن القاعدة العريضة لهذا كله هي الاقتصاد. والأصل أن الإسلام يقوم على نظام ينكر الربا ولا يتعامل به، ومن ثم فإن المساعدة في إنشاء البنوك الإسلامية يعتبر إسهامًا حقيقيا في تحقيق الشريعة، ولو لاحظنا الاتجاه العام سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي فسوف ندرك أن هناك اتجاهًا لتطبيق الشريعة الإسلامية، إن المادة الثانية من الدستور، وهي المادة التي ستعرض على مجلس الشعب لتعديلها تقضي بأن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" وكان الأصل أنها مصدر من مصادر لا المصدر الرئيسي؛ لتشجيع قيام البنوك الإسلامية
إذن ولتتدخل لحل الخلافات التي تنشأ بين موسيسها، وأخيرًا تريد من الإدارة القانونية لهيئة الاستثمار أن تتعاون من أجل هذا الهدف العام"1.
ب- مجرد رأي:
يتابع كتابة خواطر هذا الباب الأستاذ صلاح منتصر، ويتناول أشياء في مناسبات مختلفة، فقد تحدث عن لعبة السفارات فقال:"الذين شاهدوا سفارة السويد في قلب القاهرة. قالوا إنها ليست سفارة ولكنها قلعة تعمل أبوابها الحديدية أوتوماتيكيا، ويجتاز الداخل إليها نقط مراجعة عديدة، ولم تكن القاهرة هي المقصودة ببناء هذه القلعة الدبلوماسية، ولكنه قرار للحكومة السويدية اتخذ منذ سنوات مضت يقضي بأن تقام كل سفارة جديدة للسويد في أي بلد بصورة تمكن هذه السفارة من مواجهة احتمال هجوم عليها، وتصادف أن كانت سفارتهم في القاهرة هي أول سفارة ينطبق عليها القرار، ولذلك تم بناؤها بهذا الشكل".
"ويبدو أن السويد كانت على حق في تفكيرها بالنسبة للسفارات، ففي السنتين الأخيرتين تحولت السفارات في عدد كبير من دول العالم إلى أسهل مكان لممارسة الإرهاب، وبعد أن كانت هذه السفارات تعيش في أذهان البشر كدور العبادة المحرم انتهاكها أصبح من السهل أن يقتحم أي مسلح أي سفارة ويشد انتباه العالم إليه، ويعلن مطالبه ويفرض بالبندقية التي يحملها لغة جديدة من عالم معروف أنه وصل إلى قمة النظم في العدالة وتطبيق القوانين وحماية المجتمع من الخارجين على هذا القانون".
"وقبل موضة السفارات الجديدة كانت الموضة من قبل "خطف الطائرات" وبعد أن كان لا يخطف الطائرات إلا المحترفون، دخل الهواة اللعبة ووصل الهزار السخيف إلى استخدام بعض المختطفين بنادق اللعب لتخويف الطيارين وإرغامهم على تغيير مسارهم. وقد دفع ملايين الركاب الأبرياء الذين يستقلون الطائرات ثمن هذه العمليات، وأصبحت إجراءات
1 راجع: الأهرام الصادر في 21/ 4/ 1980.
التفتيش في المطارات عذابًا لهم، وأصبح الراكب في نظر المطار "مختطفا" إلى أن يثبت العكس. ومع زيادة حوادث السفارات الجديدة أتوقع أن تتحول السفارات إلى قلاع وموظفوها إلى فتوات وأن يدفع زوارها ثمنًا جديدًا من العذاب والتفتيش والمراجعة وسوء المعاملة، ففي مجتمع حائر لا يعرف كيف يحمي نفسه، يرتكب المجرمون الجرائم، ويدفع الأبرياء الثمن"1.
جـ- رأي الأهرام:
عنوان ثابت في الأهرام، يضم أشتاتًا مختلفة في مناسبات عديدة، ولا ينسب لكاتب معين، فقد تناول قضية الرهائن الأمريكيين في إيران، فجاء فيه ما يلي:
"الخطأ لا يؤدي إلا إلى خطأ آخر، ولا شك أن القيادات الإيرانية قد ارتكبت خطأ جسيمًا ضد المجتمع الدولي وقوانينه وقواميسه الدبلوماسية عندما باركت ذلك الاعتداء الذي قامت به مجموعة من الطلاب على السفارة الأمريكية، كان تصرف تلك المجموعة الطلابية منذ البداية خطأ كبير، وكان أبسط مسئوليات القيادات الإيرانية هو تصحيح هذا الخطأ فورًا، واستنكار هذا العمل والتصدي له. لكن هذا الخطأ من جانب الطلاب قابله خطأ أكبر من جانب القيادة الإيرانية عندما خرجت لا تستنكر هذا العمل، وإنما لتباركه وتؤيده وتربطه بقضية إنسانية هي قضية المطالبة بالشاة السابق الذي ذهب إلى أمريكا للعلاج من مرض حقيقي ثبت بالقطع أنه مرض خطير".
"وتتابعت الأخطاء بعد ذلك من جانب السلطة الإيرانية المتنازعة، وبدا واضحًا أنه لم يكن هناك مسئول يملك اتخاذ القرار في إيران وهو الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى المصادمات العنيفة التي جرت بعد ذلك في الشارع الإيراني والجامعة الإيرانية، وكان من الطبيعي بل ومن الضروري أن
1 راجع: الأهرام الصادر في 5/ 5/ 1980.
تدافع أمريكا عن سياسيتها المعتدى عليها في سفارتها ودبلوماسيها المقبوض عليهم، ومن ثم كان التفكير في تلك العملية التي لم يكتب لها التنفيذ لأسباب لا تزال غامضة، وإن كان من المؤكد أن الإيرانيين أنفسهم لم يكن لهم دخل فيها، وإذا كان العالم يواجه اليوم قضية هذا العمل العسكري، فمن الطبيعي أن يبدأ بالبحث عن الأساس، ويسأل: من الذي بدأ الخطأ وتتابعت على يديه الأخطاء، هذا هو جوهر القضية"1.
د- مواقف:
عمود يحرره الأستاذ أنيس منصور في الصفحة الأخيرة من صحيفة الأهرام يتناول فيه مواضع عديدة وأحداثًا شتى وانطباعات مختلفة، وقد تحدث فيه عن طيبة المصريين فقال:
"كثيرًا ما أشعر أننا نحن المصريين "عبطاء" أي، طيبون أكثر من اللازم، وليس لذلك علاج، فمن مظاهر عبط المصريين التسامح مع من شتمهم وأهانهم، وليس أسهل عليك من أن تعانق من أهانك -أنت الذي تعانقه- وتقول: صافية كاللبن. مع أن المفروض هو أن تنتظر من أهانك حتى يعتذر لك ويطلب منك الصفح عنه، ولكنا نبادر بالصفح والسماح عملًا بالمثل الشعبي الذي يقول: أقصر الش، الباب الذي يجيء منه الريح أقفله لتستريح، ويا بخت من بات مظلومًا لا ظالمًا، العفو من شيم الكرام، ويا بخت من قدر وعفا، مثلًا في مصر الآن فنانون عرب، انفتح لهم التليفزيون والحفلات العامة، ومن المؤكد أنهم قد أهانوا مصر في مناسبات معروفة بالصوت والصورة، وينسى المصريون ذلك لا لأن المصريين ضعاف الذاكرة، ولكن لأنهم أكبر من هؤلاء الانتهازيين من النساء والرجال؛ ولأن وجودهم في مصر يكفي عقابًا لهم ولهن، فلو كانت بلادهم كريمة عليهم لعاشوا فيها، ولكنهم ضاقوا ببلادهم وضاقت بهم، واتسعت لهم صدور المصريين وموائدهم ومحلاتهم".
"أما الشيء المدهش حقا فهو أن يتصور هؤلاء السفلة أن وجودهم
1 راجع: الأهرام الصادر في 27/ 9/ 1980.
هنا ضعف مصري؛ لأنهم ضرورة فنية، ولأنه لو كان في مصر من هو أحسن منهم ما سمحت لهم بالبقاء والتعالي على أمثالهم من المصريين، ولكنهم لا يعرفون الحقيقة السياسية والأخلاقية، نحن بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين ولأسباب إنسانية من ناحية ولأسباب سياسية أيضًا، فإذا كان قد لجأ الشاه إلينا، فمن الممكن أن نستقبل الخميني والقذافي وحافظ الأسد والملك حسين ولنفس السبب لا تسامحا ولا عفوًا، وإنما رحمة بالضعيف الذي هو "عزيز قوم ذل" ولن يقول أحد من المصريين -أدبا وحياء وأصالة- أيها الشاتمون لمصر عودًا إلى بلادكم"1.
تلك نماذج من الخواطر التي جاءت بصحيفة الأهرام تحت عناوين ثابتة، لكتاب عديدين، وتناولت مختلف أسباب الحياة وقضايا المجتمع وأحداث العالم، فقد دعا أحمد بهجت في صندوق الدنيا إلى إنشاء البنوك الإسلامية؛ لأن الإسلام ينكر نظام الربا والتعامل به، ووصف صلاح منتصر في مجرد رأي الأبوب الحديدية الضخمة بسفارة السويد بالقاهرة حتى أصبحت قلعة حصينة بعد أن أصبحت السفارات في معظم دول العالم مكانًا لممارسة الإرهاب، وتابع محرر رأي الأهرام قضية الرهائن الأمريكيين بإيران، والأخطاء التي ارتكبتها القيادة الإيرانية ضد المجتمع الدولي وقوانينه الدبلوماسية، لمباركتها اعتداء بعض الطلاب على السفارة الأمريكية بإيران، وتحدث أنيس منصور في مواقف عن طيبة المصريين وتسامحهم حتى لمن شتمهم وأهانهم، مما جعل مصر بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين.
1 راجع: الأهرام الصادر في 28/ 4/ 1980.
في الأخبار وأخبار اليوم:
تطالعنا صحيفة الأخبار كل يوم بالخواطر ذات العناوين الثابتة التالية: كلمة اليوم، ما قل ودل للأستاذ أحمد الصاوي محمد، ونحو النور لمحمد زكي عبد القادر، وعلامة استفهام لعبد السلام داود. وتزيد أخبار اليوم التي تصدر صبيحة كل يوم سبت الخواطر التالية تحت العناوين الثابتة الآتية: آخر عمود لإبراهيم سعدة، العزف على الهواء لعلي شحاته، مواجهة لعبد العاطي حامد، رأي بالعربي لمحمد الطنطاوي، جولة الفكر لنعمان عاشور، نحو الغد لحسين فهمي. وهي خواطر تدور حول الأحداث التي تقع في المجتمع سواء كانت سياسية أو اجتماعية، أو هي انطباعات ذاتية حول موقف من المواقف، وها هي نماذج منها.
أ- كلمة اليوم:
لا يُنسب هذا العنوان الثابت لقائل معروف، ويتناول الأحداث التي تشهدها الساحة العربية أو ترتبط بها، ويضم موضوعات مختلفة. وقد جاء فيه عن المراحلة الجديدة بعد خطاب الرئيس أنور السادات في مجلس الشعب يوم الأربعاء 14/ 5/ 1980 ما يلي:
"ليس من الصواب أن نصف العمل الذي نقوم به الآن في نطاق التحرك الوطني بأنه تغيير، فإننا لم نغير مسيرتنا الديمقراطية ولم نتحول عنها أبدًا، وليس القصد في تنظيم أجهزة الحكم وتوزيع مسئوليات العمل بأسلوب جديد هو تغيير أشخاص بأشخاص، وإنما نحن بصدد مرحلة جديدة تمضي فيها مسيرتنا الديمقراطية وعملنا للبناء الوطني إلى الأمام، وهكذا بدأنا حياتنا في العمل الوطني من الصفر أو ما تحت الصفر، وكان لا بد أن نمضي في هذا البناء بأسلوب التطور، وأن نقطع طريق البناء على مراحل، كل مرحلة لها ما يلائمها من أسلوب العمل وتحديد الأهداف وتركيز الاتجاه، وعلى هذا الأساس قطعنا طريقنا مرحلة بعد مرحلة، وكل مرحلة حققت أهدافها وأغراضها، وبهذا أخذت مسيرتنا طريقها إلى الأمام".
"فالمرحلة التي نعمل لمواجهتا اليوم بداية من فراغ، ولا يمكن أن نقول إننا فشلنا، ونريد أن نصحح هذا الفشل بتنظيم جديد في شكله وفي أشخاصه، وإنما هو عمل متصل متطور، وبهذا التطور ننتقل إلى مرحلة تتسع فيها أبعاد العمل، وتزيد فيها المسئوليات والإيجابيات، وتلك هي سنة التطور، فإذا كنا نستقبل مرحلتنا الجديدة بكل ما فينا من عزيمة وثقة وإيمان، فنحن لا ننسى أبدًا تلك المرحلة التي قطعناها من قبل، ولن ننسى ما قامت به وزارة الدكتور مصطفى خليل من عمل بناء، وما بذلت من جهد
وجدان العالم الإسلامي، وما تلك المعاهد الدينية التي انتشرت في عهده المبارك إلا أثارًا لجهاده العظيم، والتي تزخر اليوم بالآف التلاميذ المؤمنين بالحياة الأخلاقية والتربية القرآنية".
"رحم الله الإمام كان مثالًا للجهاد والنشاط، فلم يثنه كبر السن عن نظم الدعوة في المحافظات وفي خارج البلاد وافتتاح بيوت الله في كل مكان، والتشجيع على تشييدها والحث على عمارتها، وكان داعيًا مخلصًا يدعو إلى الله على بصيرة ويحبب في التوبة النصوح، والعودة إلى حياة الإيمان بأسلوبه الروحي الجميل، فتحمل هذه النسمات العاطرة ذلك الأسلوب الروحي إلى كل القلوب التي هي في حاجة ماسة إلى مثل هذا الغذاء الروحي {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} 1.
جـ- نحو النور:
يحرره الأستاذ محمد زكي عبد القادر، وهو كغيره يتناول فيه أشياء شتى من السياسة والدين والاجتماع والمشاكل التي تعاني مصر والأمم منها، فقد كتب عن مشكلة "العقول المهاجرة" فقال:
"تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من مهارات ما يقرب من نصف المغتربين من أبناء العالم الثالث، ويقدر عددهم بنحو نصف مليون شخص، كانوا إضافة لثروة أمريكا من العقول المهاجرة، وفي الوقت نفسه أنشئوا ما أطلق عليه مشكلة "استنزاف العقول" وهي مشكلة تعاني منها الأمم المتقدمة والأمم النامية، إذ لا تقتصر هجرة هذه العقول على الأمم النامية فحسب، ولكنها تتناول أيضًا الأمم المتقدمة".
"وقد بدأت هجرة العقول في أعقاب الحرب العالمية الأولى بأعداد قليلة لم تكن تشكل ظاهرة ذات أثر إلا أنها أخذت تنمو وتتزايد حتى أصبحت في الخمسينات والستينات من هذا القرن خطرًا حقيقيا لافتًا للنظر. وكانت منطقة الجذب الكبرى لهذه العقول هي الولايات المتحدة الأمريكية
1 راجع الأخبار الصادرة في 11/ 5/ 1980.
بما أفسحت من صدرها، وطوعت من قوانينها في الهجرة والإقامة واكتساب الجنسية، فضلًا عن تراثها الذي ساعد على دفع مرتبات ومزايا مغرية مع ارتفاع مستوى المعيشة ومستوى الكسب وانفتاح الأمل في مستقبل باهر، ليس من الناحية المادية فحسب، ولكن أيضًا من الناحية العلمية والفنية بتوافر الأجهزة العلمية والتكنولوجية، وتوافر الحرية وانطلاقها في البحث وبلوغ أية نتائج مهما تكن، وشعرت الدول والشعوب نامية ومتقدمة، بأن هذا النزوح المستمر للعقول سيجردها من بعض أسباب التقدم والتفوق، بينما يتيح للدول التي تنزع إليها هذه العقول مزيدًا من التقديم والتفوق".
"ومن هنا كان تفكير بعضها وسعيها إلى الحد من هجرة هذه العقول وأخذت تسعة من البلدان النامية تسعى إلى مقاومة نزوح الأدمغة بدعوى ذوي الكتابة من أبنائها المغتربين من علماء ومهندسين ومتخصصين في الفروع الأخرى إلى العودة إلى أوطانهم لأداء مهام استشارية قصيرة الأجل وهذه البلاد هي تركيا وباكستان ومصر والهند واليونان وسريلانكا والصين والفلبين. وهناك برنامج يعرف اختصارًا باسم "توكتن" والكلمة مؤلفة من الأحرف الأولى لعبارة معناها "نقل المعرفة عن طريق المواطنين المغتربين" وهذا البرنامج أقل كلفة من الناحية المالية، وأكثر إغراء للمغتربين أن يعودوا إلى أوطانهم الأصلية لأداء خدمات وخبرات يسعدهم أن يؤدوها، ولكن تظل المشكلة الأساسية بغير حل جذري"1.
د- علامة استفهام:
الخواطر التي تأتي تحت هذا العنوان يحررها عبد السلام داود، يضمنها ملاحظاته أو انطباعاته تجاه موقف أو حدث أو مشاركة في رأي وغير ذلك يقع تحت عينه، ويتأثر به. وقد تناول "موقف المواطن من قصور أجهزة الدولة" فقال:
"المواطن الذي يشكو من قصور أو تعقيد مس مصالحه بأحد الأجهزة
1 راجع: الأخبار الصادرة في 26/ 4/ 1980.
الحكومية، لا يختصم السلطة التنفيذية بأسرها، ولا يقصد اتهام الجهة المسئولة بصفة عامة، ولكنه عادة يوجه اتهامًا محددًا لموقف معين، وهو إذ يتظلم إنما يتوقع أن تنظر الرئاسة الأعلى التي تظلمه نظرة حيادية، فلا يدفعها شعورها بالمسئولية إلى اتخاذ موقف الدفاع تلقائيا".
"أقول قولي هذا بمناسبة الرد الذي تلقيته من الدكتور منير شريف وكيل وزارة الصحة بشأن ما نشر في هذا المكان من اعتداء ممرضتين بمستشقى بولاق العام على مواطنة إثر شكواها من فقد سوارها الذهبي في حجرة العمليات، وطردها من المستشفى عقب إجراء العملية لها مباشرة".
"يقول رد وكيل الوزارة أنه كان ينبغي على المواطنة أن تضع حليها في الأمانات، ويستدل على عدم صحة ادعائها بأن إحدى قريباتها كانت ترافقها، ويقول إن الجراحة التي أجريت لها عملية بسيطة لا تتطلب إقامتها في المستشفى أكثر من بضع ساعات، وأنها لم تخرج إلا بعد التأكد من أن حالتها الصحية تسمح بذلك، والحق أني لم أسترح لهذا الرد -الذي وصلني بعد 48 ساعة فقط من نشر الشكوى- إذ بدا لي أنه لا يحمل دفاع المستشفى فحسب، بل يتضمن دفاعًا -تلقائيا- من الوزارة أيضًا.
"ولا أحسب أحدًا يستريح للقول بأنه ينبغي على المريض -حتى وهو في طريقه لغرفة العمليات- أن يضع ما يحمله في الأمانات، وإلا فهو الملوم إذا لفقده، فليس هذا مبررًا مقنعًا لضياع ما يحمله المريض، كما أنه ليس مقنعًا القول بأن مرافقًا كان معها، إذ يعلم كل إنسان أن المرافق لا يدخل غرفة العمليات! لماذا -بحق السماء- يشكو المريض طبيبه بدلًا من أن يشكره إلا إذا كان هناك ما يستوجب الشكوى والاتهام"1.
1 راجع: الأخبار الصادرة في 13/ 5/ 1980.
هـ- آخر عمود:
يحرره الكاتب إبراهيم سعدة في "أخبار اليوم" ويضمنه ملاحظاته على موقف أو شخص أو حدث أو رحلة أو اتجاه، فقد كتب عن مغرور يعمل رئيسًا لمجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة فقال:
"المغرور إياه الذي يراس مجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة توهم أنه نجح في إسكات ما يثار حوله من انحرافات ارتكبها، وهدد بها الاقتصاد المصري، فهذا المغرور الذي يقيم بيننا، ويحمل جنسية أخرى -دول الخليج- بلغت به التفاهة فيعلن أنه نجح في استصدار قرار يمنعني من مواصلة الكتابة عنه وعن مهازله وعن انحرافاته! وكنت أتصور أن هذا المغرور قد عاد إليه صوابه بعد أن كتبت عنه في هذا المكان ثلاث مرات متواصلة، ولكن اتضح أنه لا يزال واهما مغرورًا".
"فلم يحدث أن اتصل بي أي مسئول، وطلب التوقف من كشف مهازل هذا المغرور الكبير، فلدى جهاتنا العليا مهام أكبر من إضاعة ثانية واحدة للتفكير في حماية هذا المخلوق الذي يفكر بعقلية بدائية على الرغم من الملابس الأوروبية التي يرتديها، والرحلات العديدة التي طاف بها حول الكرة الأرضية على حساب البنك الذي شاء سوء حظ المتعاملين معه أن يرأس مجلس إدارته".
"وفي نهاية مقالي الثالث عن هذا المغرور توقفت أربع أسابيع عن الكتابة في هذا الموضوع، وكنت أعتقد أن تحقيقًا واسعًا قد بدأ حول المخالفات والانحرافات التي ارتكبها هذا المغرور ويهدد بها سلامة البنك الذي تساهم مصر بجانب كبير في رأسماله، ولكن صاحبنا تصور أنني توقفت نتيجة لأمر قادم من الجهات العليا، ولا يهمني ما يقوله المغرور لمن حوله، كل ما يهمني -اليوم- هو ماذا فعل الدكتور حامد السايح وزير الاقتصاد المصري في تقرير الرقابة الإدارية الذي يتضمن عشرات المخالفات التي ارتكبها رئيس مجلس إدارة البنك عن جهل مرة، وعن عمد واستهتار بكل القيم مرات ومرات، كنت أتمنى لو أن الدكتور حامد السايح اهتم بما كتبته عن هذا الموضوع الهام ثلاث مرات".
"إن الدكتور على لطفي -وزير المالية- يهتم بكل كلمة تنشر في الصحف، ويرى أنها تتعلق بأي موظف أو مصلحة تحت إشرافه وسلطة وزارة المالية، وهو عمل مشكور من وزير المالية، أكسبه احترام وتقدير الصحافة، وكنت أتصور أن الدكتو حامد السايح سوف يأمر بالتحقيق في الموضوع وأنا أعلم أن صورة من تقرير الرقابة الإدارية قد رفع إلى مكتبه والمفروض أن يأمر وزير الاقتصاد بالرد عليها والتحقيق فيها في حالة ثبوت وقوعها".
"هذا ما كنت أنتظره من الرجل المسئول عن اقتصاد بلادنا، إن هذا المنطق غير مقبول أما المعقول فهو أن تتصل وزارة الاقتصاد المصرية بالمسئولين في البلد العربي، وتشرح لهم ما فعله رئيس البنك من مخالفات وانحرافات خطيرة، وتقترح عليهم سحب هذا الرجل وترشيح آخر بدلًا منه هذا ما أنتظره من وزارة الاقتصاد، وحتى لا يكون الهدف مما نكتبه هو مجرد التسلية؛ لأن القضية قضية كرامة مصر التي توهم هذا المغرور أنه يستطيع النيل منها عن طريق ما توهمه أنه اتصالات وصداقات"1.
ل- العزف على الهواء:
يحرص على الكتابة فيه "علي شحاته" في أخبار اليوم، ويتناول فيه ملاحظاته من مواقف وانطباعات سياسية أو اجتماعية، ترتبط بالمجتمع المصري أو العالم العربي أو العالم الخارجي يبرز خلالها خواطره عنها في سهولة ويسر، فقد كتب عن "مظاهرات الإسرائيليين ضد بيجن رئيس الوزارة الإسرائيلية" فقال:
"الإسرائيليون غاضبون، إنهم يتظاهرون في عز النهار، ويصرخون بأعلى أصواتهم: لا يا بيجين! إنهم يحتجون على سياسة حكومتهم، ويعلنون رفضهم للاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة وإبعاد عمد وقضاة الضفة، إنهم يتحدون حكومتهم ورجال البوليس الذي يقبض على عشرات
1 راجع أخبار اليوم الصادرة في 10/ 5/ 1980.
منهم، وتحرك الشارع الإسرائيل الغاضب ضد حكومته ليس جديدًا. ولقد ارتفعت أصوات الاستنكار بالآلاف وعشرات الآلاف -ضد سياسة بيجن- منذ أن تحركت مصر تجاه السلام الشامل، ولا ينس أحد مواقف "حركة السلام الآن" ولا أصوات المعارضة القوية داخل إسرائيل -في الشارع وفي المؤسسات وفي البرلمان- لاستمرار الاحتلال للأرض العربية وبناء المستوطنات".
"لقد ضاق الآلاف في إسرائيل من مواقف حكومتهم المترددة التي تعرقل عملية السلام. وهؤلاء الإسرائيليون الذين تطاردهم قوى الأمن، وتعتقل الكثيرين منهم يعكسون النبض الجديد الذي يسري داخل إسرائيل وخارجها تجاه أول فرصة حقيقية تلوح بعد سنوات الحرب والقطيعة والدمار".
"وإذا كان بيجين وجماعته يحاولون أن يصموا أذانهم ويغمضوا عيونهم عن الحق العربي، أفلا يسمعون الأصوات القادمة من عندهم، المتصاعدة من مدنهم وقراهم، الأصوات التي ترى -كما يرى العالم- أن فرصة السلام قد لاحت، ولا يجب أن تعفيها نكسة، وفي نفس الوقت الذي كان الشارع الإسرائيلي يموج فيه بالغضب، ورجال الأمن يطاردون مواطنيهم لإسكات أصواتهم المعارضة، كان الوفد المصري المفاوض في "هرتزيليا" يصطدم بالمواقف السياسية المتعنة، كان يطلب موقفًا إسرائيليا واضحًا محددًا بالنسبة لموضوع الأمن وتحديد سلطة الحكم الذاتي، ولم يجد الرد المقنع؛ لأن "الجماعة" ما زالوا يناورون ويفكرون بأسلوب المذعور، ويكررون مطالبهم المرفوضة تمامًا بأن "يبقى الأمن الداخلي للفلسطينيين في قبضة السلطات الإسرائيلية، وأن يكون دور قوة البوليس المحامي الفلسطيني محددًا للغاية".
"وعاد الوفد المصري إلى القاهرة دون أن يعتقد اجتماعًا رسميا واحدًا طول أسبوع كامل أمضاه هناك، ورحل الوفد الأمريكي المشارك في مفاوضات السلام، ولكن بقيت الأصوات المعارضة داخل إسرائيل تقوى
وتشتد؛ لأنها أصوات حق تبزع كخيوط الضوء، وتتسلل وسط جحافل ظلام الواقع المرفوض"1.
م- مواجهة:
يتولى كتابة خواطر هذا العمود الصحفي في "أخبار اليوم" الصحفي عبد العاطي حامد، يتناول فيه مظاهر الاستهتار، ويستقصى فيه أسباب الانحراف في أي مرفق من مرافق الدولة أو خروج عن المألوف، وقد تحدث عن ظاهرة تعطل التليفونات في أنحاء بلاد الجمهورية فقال:
"اتصل بي أحد الزملاء وقال لي: "إن تليفوننا في المنزل- وهو يتبع منطقة الزمالك -معطل منذ عام، ولقد شكوت لكل المسئولين ومع ذلك لم تفلح جهودي، وأن ألجأ إليك اليوم؛ لأن والدتي مريضة بالسرطان في الدم، وتحتاج إلى نقل دم مستمر، ووجود التليفون ضرورة هامة، واتصلت بالمهندس علي فهمي الدغستاني وزير النقل والمواصلات فقال: إن الوزارة وزارة تتعامل مع الجمهور، وأنا أومن دائمًا بأن الجمهور على حق ومعذور، ورغم أنني أعلم أن كبار المهندسين والموظفين يعملون في مكاتبهم حتى الساعة الواحدة من صباح كل يوم. إلا أنني في نفس الوقت أطالب بالمعاملة الكريمة، ولا بد أن نسارع بتصليح الأعمال مهما كانت وخصوصًا في الحالات الإنسانية، ورغم الأعطال الموجودة فالهيئة والتليفونات ستتحسن كثيرًا. ونحن نقوم حاليًا بتدعيم كل الشبكات وإصلاحها، ولا يمكن أن يتم إصلاح التليفونات في يوم وليلة، ولكن أنا معك لا بد أن تكون المعاملة حسنة وخصوصًا أننا جميعًا نكمل بعضنا، الصحافة والإعلام والتليفونات والمواصلات وغيرها، وأقول إن مكتبي مستعد لتلقي شكاوي المشتركين، فنحن جميعًا في خدمة الجمهور. إن كلام الوزير أكد لي حكمة وبعد نظر أجدادنا، كذلك فلسفة وفطنة ناس أيام زمان في طريقة حل المشاكل، فقد كانوا يقولون: إذا أردت حل مشكلة أو إنجاز شيء فكلم الوزير ولا تكلم الخفير"2.
1 راجع: أخبار اليوم الصادرة في 10/ 5/ 1980.
2 راجع: أخبار اليوم الصادرة في 10/ 5/ 1980.
ن- رأي بالعربي:
يحرره بأخبار اليوم الكاتب محمد الطنطاوي، ويعالج قضايا تهم المجتمع المصري كأن يلفت النظر إلى أمر خطير أو شيء جليل، وقد كتب عن "سرقة الآثار المصرية" فقال:
"آثارنا تسرق كنوزنا الوطنية تدمرها أيد أثمة، هل المسئول هو هيئة الآثار؟ هل حماية الآثار من السرقة هي مسئولية بعض الخفراء الذين يتبعون هيئة الآثار؟ هل هي مسئولية شرطة السياحة؟ أم أن المسئولية تقع على عاتق رجال الشرطة العاديين؟ أو أنها مسئولية هذه الأجهزة كلها. الأمر الثابت أنه على رغم تعدد الجهات التي يمكن أن تكون مسئولة عن حماية كنوزنا الوطنية، فإن عمليات نهب هذه الآثار مستمرة! آخر ما قرأناه من هذه الحوادث هو ما حدث في مقبرة رئيس شرطة مدينة طيبة القديمة، لقد قام اللصوص بسرقة لوحتين من مبقرة "قب آمون" رئيس الشرطة منذ أكثر من ثلاث آلاف سنة، وكأنهم يتحدون أحفادهم من رجال الشرطة الحاليين، سرقة اللوحات تستدعي عمليات تقطيع دقيقة تتم داخل جدران المقبرة. اللص أو اللصوص الذين يقومون بهذه العمليات لا بد أن يكون وراءهم عقل مدبر أو عصابة دولية تضع عيونها على القطع الأثرية التي تريد سرقتها ثم تخطط وتنفذ".
"لقد عانت مصر قديمًا من لصوص الآثار الذين نهبوا الكثير من تراثنا القومي، وعندما بدأت آثارنا تنتقل إلى ملكية أبناء مصر بعد حصول مصر على استقلالها، وجدنا أن كثيرًا منها قد تم تهريبه إلى خارج البلاد، وليس مجهولًا أن في متاحف العالم أجنحة ضخمة تضم تحفًا وآثارًا مصرية قديمة بعضها لا نظير له في أرض مصر الآن. وأشهر مثال على ذلك رأس الملكة نفرتيتي الموجود في متحف برلين، ولكن كيف يمكن أن نوقف هذا النزيف؟ الحل يكمن في إنشاء قوة شرطة خاصة لحماية الآثار، قوة تستخدم أحدث أجهزة الرقابة، علينا أن تزود كل مقبرة من مقابرنا بأجهزوة الإنذار الإلكترونية الحديثة، علينا أن ندخل نصوصًا في قانون العقوبات تشدد من عقوبة سرقة الآثار بحيث تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. فليس من
المعقول أن تتساوى عقوبة من يسرق تراث أمة وكنوزها الوطنية على عقوبة "حرامي الحلة"1.
ط- جولة الفكر:
يتولى تحريرها الكاتب الشهير نعمان عاشور في أخبار اليوم، يتناول قضية أدبية أو شخصية تاريخية، أو يشير إلى ندوة أدبية أو علمية وأثرها في مجال الفكر والثقافة والأدب، وقد تحدث عن "صراع الأجيال الأدبية" فقال:"كتبت من أسابيع أرفض ما يقال عن صراع الأجيال الأدبية ومعركة القديم والجديد، إن الأدب والفن نتاج فردي ذاتي يقوم على التمايز والتكامل والتفرد، وبالتالي فهو رغم وجود مجموعات متقاربة في السن من الأجيال الأدبية والفنية التي قد تظهر مع بعضها في جيل واحد، ويطغى على وجودهم اتجاه واحد، رغم ذلك فلا وجود حقيقي لما يسمى الصراع بينهم وبين الجيل الآخر الذي قد يتلوهم؛ لأن طبيعة وخاصية الإنتاج الأدبي والفن تختلف عن طبيعة أي إنتاج بشري آخر يخضع لما استطعنا أن نسميه بالتطور أو ما يعني الإضافة والاستكمال كما هو الشأن في منجزات العلم التي يعتبر تأليفها إضافة أو استكمالًا لما سبقه".
"وهذا الكلام لم يعجب أكثر من قارئ، فانهالت الردود المتحدية وكلها من شبان يتوجون خطاباتهم بإمضاء الجيل الجديد، وتتلخص ردودهم جميعًا في دفع واحد أساسه أنهم كجيل جديد يتعرضون لصراع أو بالأحرى مقاومة متصلة من جانب الجيل القديم الذي يحاول سيطرته على الحياة الأدبية والفنية، ويحول بينهم وبين الظهور، والقضية على حقيقتها ليست قضية نشر وظهور الإنتاج لجيل بأسرة، وإنما تنحصر المشكلة فيما ينتجه بعض الأدباء والفنانين الجدد، ولا يجد له صداه المرجو في الحياة الأدبية التي تنطبق على كلا الجيلين معًا: القديم والجديد".
"ولعل أهمها وأبرزها هبوط المستوى الثقافي أمام الحياة الأدبية والفنية التي لم تعد تروج فيها إلا الأعمال التي تستند إلى وجود رأي عام
1 راجع: أخبار اليوم الصادرة في 26/ 4/ 1980.
مثقف، ولهذا تتهاوى كافة مزاعم الصراع بين القديم والجديد، والجيل المسيطر والجيل الوليد الذي ينشد الظهور أمام هذا الطود الشامخ الذي يقف في وجه الإنتاج الأدبي والفني الحقيقي الجدير بالنشر من جانب كل المبدعين من أي جيل ومن كل لون من ألوان الأدب والفن".
"من هنا نادينا بحتمية وضرورة الالتمام بين مختلف الأجيال؛ لأنها في الحياة الثقافية والعمل على رفع المستوى الثقافي العام الذي يكفل وجود حياة أدبية تتيح كافة الفرص والإمكانيات أمام الجيل الجديد قبل القديم لنشر إنتاجه، إن هذا هو ما يطمس القيمة الحقيقية للأعمال الأدبية والفنية، وبالتالي يفرض على الجيل الجديد قبل القديم أن يظل إنتاجه خابيًا ضامرًا منكورًا ومستعصيًا على النشر والظهور. ودليلنا ماثل شاخص في عشرات الكتب والأقلام والأشعار والمسرحيات والألحان والأغنيات التي تمتهن عقولنا، وتضيء أبصارنا وتؤذي أسماعنا، وتهبط بأذواقنا إلى الحضيض مع كل نهار جديد"1.
و نحو الغد:
يوالي الكاتب حسين فهمي تسجيل خواطره تحت هذا العنوان في صحيفة أخبار اليوم، يدور فيه حول ظاهرة يشكو المواطنون منها أو تمس مصالح الجماهير وغير ذلك مما تحمله ظروف الحياة ومشاكل المجتمع، وقد تحدث عن ارتفاع سعر الطماطم فقال:
"ارتفع سعر الطماطم فبلغ خمسين وستين قرشًا! ولم تستطع الكميات المحدودة منه والمعروضة في الجمعيات التعاونية بخمسة وعشرين قرشًا، أن تخفف من حدة الأزمة. والمعاناة!! وليس غريبًا أن يرتفع سعر الطماطم. فالطماطم كما يقول الزراع في كل بلاد العالم مجنونة، وفي كل مكان يرتفع يسعر الطماطم بسبب الظروف الجوية، ولكن العجيب
1 راجع: أخبار اليوم الصادرة في 10/ 5/ 1980.
حقا أن يبلغ السعر هذا المدى في مصر!! ولماذا؟! لأن علبة صلصة الطماطم تستطيع أن تغني عن الطماطم، وتستطيع بالتالي أن تقضم أظافر ارتفاع الأسعار، وتضع له حدودًا وقيودًا!! ".
"يحدث هذا في جميع البلدان!! ولكن تجار السوق السوداء في مصر والمتاجرين في أقوات الشعب من الرأسماليين الطفوليين يسدون الأبواب أمام المواطنين، ويفرضون عليهم ما شاءوا من أسعار!! لك الله أيها المواطن!! فتجار السوق الزراعية السوداء يستغلون المنتج والمستهلك فيفرضون عليهما الأسعار، وفي ركابهم شلة من الوسطاء الذين يعيشون بالضرورة على حساب المنتج والمستهلك. أما تجار السوق التموينية السوداء فإنهم يخزنون السلع ويخفونها، حتى يرفعوا الأسعار؟! ومعنى هذا أن المواطن أصبح كالمستجير من أسعار الطماطم المرتفعة، فإلى أسعار علب الصلصة المرتفعة أيضًا، فهي المختفية أو النادرة التي يضيع البحث عنها وقت المواطن كما يختلس جيبه!! ".
"هذا هو بيت الداء. فما هو إذن الدواء؟! إحكام الرقابة التموينية والبوليسية، وتشديد العقوبات على المضاربة في أقوات الشعب، وإسهام مؤسسات القطاع العام الزراعية والصناعية في توفير المواد التموينية!! وإذا كان ما نشر أخيرًا ينبئ بهذا الإسهام صحيحًا وجادا ومخططًا، فإن أحكام الرقابة يحتاج إلى أجهزة وقوى بشرية، كما يحتاج تشديد العقوبة إلى إعادة النظر في القوانين الخاصة بمعاقبة المتاجرين في أقوات الشعب"1.
هذه نماذج عديدة من الخواطر التي ضمتها صحيفتي الأخبار وأخبار اليوم. وهي كما ترى تحمل عناوين ثابتة لكتاب عديدين، تناولت قضايا عديدة ومسائل متنوعة ومشاكل عديدة واتجاهات مختلفة، ففي كلمة اليوم نطالع حديث المحرر عن المرحلة الجديدة التي طالب الرئيس السادات خلال خطابه في 14/ 5/ 1980 بتحقيقها، وفي ما قل ودل حدثنا أحمد الصاوي محمد عن ذكرى الإمام عبد الحليم محمود وأثره في تربية النفوس بما قدم من مؤلفات ونشر من وعي ديني. وتحدث محمد زكي عبد القادر في نحو النور عن العقول المهاجرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي علامة استفهام وضح عبد السلام داود موقف المواطن من قصور أجهزة الدولة، وتحدث إبراهيم سعدة عن المغرور الذي يعمل رئيسًا لمجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة، وكتب علي شحاته في العزف على الهواء عن مظاهرات الإسرائليين ضد بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويحدثنا عبد العاطي حامد في مواجهة عن ظاهرة تعطل التليفونات في أنحاء بلاد الجمهورية. وكتب محمد الطنطاوي في رأي بالعربي عن سرقة الآثار المصرية، وتحدث نعمان عاشور في جولة الفكر عن صراع الأجيال الأدبية وآثار حسين فهمي في نحو الغد ظاهرة ارتفاع الطماطم.
1 راجع: أخبار اليوم الصادرة في 26/ 4/ 1980.
في الأخبار وأخبار اليوم
…
صادق خلال تلك المرحلة التي أحاطت بها ظروف بالغة الدقة والأهمية. إنها في الواقع مرحلة تاريخية سواء على مستوى العمل الداخلي أو العمل الخارجي، ولقد كان العمل الشريف والنظيف هو عنوان المهمة التي اضطلع بها الدكتور مصطفى خليل والزملاء الذين اختارهم للعمل معه في الوزارة، إننا نبدأ المرحلة الجديدة ونحن على اطمئنان كامل، فقد حققنا الأهداف التي حددناها لأنفسنا في كل مرحلة، وكانت خطواتنا على الطريق من نجاح إلى نجاح، واليوم نواجه مرحلة جديدة تعتبر مرحلة جني الثمار لكل ما غرسنا من قبل، وهي على أية حال مرحلة ليست المسئولية فيها مسئولية الحكومة وحدها، أو مسئولية المؤسسات الدستورية والأجهزة التي تعمل في نطاق الحكم، ولكنها مسئولية الشعب كله، وهذا هو ما قصد إليه الرئيس أنور السادات حين ربط التعاون في العمل بين أجهزة الحكم وأجهزة الشعب في نطاق الحزب حتى يكون مسيرة واحدة في العمل الوطني على طريق الرخاء في المرحلة الجديدة زيادة في المسئوليات تقابلها زيادة في الحقوق، إننا تجاه مرحلة جادة لا مكان فيها للتخاذل ولا الكسب غير المشروع"1.
ب- ما قل ودل:
يحرره أحمد الصاوي محمد ردا على رسالة أو تعليقًا على موقف أو اتجاه، أو إحياء لذكرى، فقد كتب عن ذكرى الإمام عبد الحليم محمود فقال:
"في ذكرى الإمام الأكبر عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر -طيب الله ثراه- يقول الأخ المهندس أحمد زين العابدين السماك رئيس جمعية مسجد سيدي علي السماك: تحية طيبة من عند الله، وبعد: تمر الأعوام بعد رحيل العالم الهمام الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، ولا تزال مؤلفاته في التراث الديني تقوم بدورها في تربية النفوس، ورعاية القلوب، ولم تطمس الأيام ثمار جهود الإمام والآثار الروحية التي تمت في
1 راجع: الأخبار الصادرة في 13/ 5/ 1980.