الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعًا: محمد التابعي 1895-1976
كاتب سياسي فذ، امتاز بحسن الدعاية وخفة الظل، يعتبر أستاذ الجيل الصحفي المعاصر. استهوته الصحافة وهو طالب بالحقوق. ترجم الروايات المسرحية التي مثلها يوسف وهبي، عرف منذ صغره بحب الابتكار. فجاء توقيعه -حندس- على مقالاته شيئا جديدا، مما لفت الأنظار إليه في الأوساط الصحفية والفنية.
أنشأ مع عبد المجيد حلمي مجلة "المسرح" وكانت جديدة في الأسلوب والخبر والتعليق، ونحت منحى الأسلوب الكاريكاتوري الذي يحمل رسم الشخصية التي يرسمها. وهو نفس الأسلوب الذي أدار به مجلة "روز اليوسف" منذ إنشائها 1926 مع أنها مجلة فنية تهتم بأدب المسرح، وتعنى بقضايا الأدب، وتولى رياسة تحريرها 1928، فانتقل بها من فن النقد المسرحي إلى فن النقد السياسي. وبذا ظهر أسلوب سياسي جديد في صحافة مصر في مواجهة صحف المعارضة، وظل بها حتى 1934 ثم تركها حيث أنشأ مجلة "آخر ساعة" مع علي ومصطفى أمين، شارك محمود أبو الفتح 1885-1985 وكريم ثابت في إنشاء جريدة "المصري"1936.
نقد التابعي في كتاباته الساسة والوزراء، ووصفهم بأوصاف لاذعة مثل وصفه لأحد الوزراء "وزير الفاصوليا" وآخر بأنه "وزير الأذية وقطع العيش" وثالث بأنه "وزير الإسبرين" وأطلق على إسماعيل صدقي بأنه "وزير الكليشيه" وعلى مصطفى النحاس بأنه "حامل عمامة التقى والورع".
أسلوب التابعي:
كتب التابعي العديد من المقالات السياسية منذ انخرط في سلك الصحافة، وعلى الرغم من مرضه 1965 ظل يتابع الكتابة حتى أقعده المرض تماما 1971. وحملت مقالات نقد لاذعة للساسة والوزراء. وتضمنت لمحات كاريكاتورية بارعة تعين أي رسام أن يفرغها في رسوم لماحة وأشكال موحية، في أسلوب سهل ممتع متجدد، يعتبر الأسلوب المتطور
للكتابة الصحفية المصرية والعربية الحديثة، وأهم ما ينفرد به من سمات ما يلي:
1-
البساطة والبعد عن التعقيد، قريب من الحديث العادي، مما جعل له جاذبية خاصة.
2-
تتسم مقالاته وكتاباته وخواطره بأسلوب متجدد.
3-
حول أسلوب النقد المسرحي إلى نقد سياسي.
4-
تميزه بعبارات يصف بها الساسة الذين كان ينقدهم أكثر من اشتهارهم بصفاتهم الأصلية.
كتب التابعي عن "الخلاف بين مصطفى النحاس ومكرم عبيد" فقال: "حسنين السياسي الداهية يزعم أنه سعى لدى فاروق حتى أقنعه بالموافقة على مقابلة مكرم عبيد رغبة منه في "تصفية الجو وتحسين العلاقات بين الوفد وفارق. هذا ما قاله أو زعمه حسنين غفر الله له. والحقيقة أن غرض حسنين كان أبعد ما يكون عن الصفاء والوئام والسلام. لقد كان غرض رئيس الديوان -في تنفيذ أو تحقيق سياسة الانتقام من مصطفى النحاس- كان غرضه أن يوقع بين النحاس ومكرم، وبين النحاس وأمين عثمان، أو بعبارة أخرى أن ينزع من رئيس الوفد ذراعيه الاثنتين يستند إليهما في إدارة شئون البلاد الداخلية والخارجية. ويا له من انتصار يمحو على هزيمة 4 فبراير، يوم ينجح حسنين في ضم مكرم وأمين عثمان إلى جانب القصر ضد الوفد ومصطفى النحاس، أو على أقل القليل، يوم يستطيع أن يستغل نفوذ مكرم عند النحاس في تحقيق أغراض السراي الموافقة على طلباتها، ويوم يستطيع أن يستغل حظوة أمين عثمان عند الإنجليز في إقناعهم بتعديل سياستهم الجافة أو موقفهم المتعنت المتشدد من القصر".
"كان هذا هو الغرض الحقيقي من هذه الخطوة التي خطاها حسنين وجمع فيها بين فاروق ومكرم، وبينه وبين أمين عثمان. ولقد نجح فوق ما كان يأمل، ويوم عرف مصطفى النحاس أن السراي قد حددت موعدًا
يتشرف فيه معالي وزير المالية مكرم عبيد باشا بمقابلة جلال الملك فاروق، قال النحاس باشا لجلسائه:"أنا عارف إنهم عايزين يفرقوا بيني وبين مكرم، ثم عاد وقالها لمكرم نفسه قال: "يا مكرم خذ بالك.. عاوزين يفرقوا بيننا".
"ومشت الحوادث سريعة تلتهب، خرج مكرم باشا من مقابلة فاروق مغتبطًا مسرورًا، واتصل به زميل له يعمل في "الأهرام" وسأله عن المقابلة وما دار فيها وأثرها في نفس "معاليه" وكان اتصاله بناء على إيحاء من حسنين باشا، وكان مكرم كما قلت مغتبطًا مسرورًا، ومن هنا أفاض في وصف العطف السامي الكريم الذي لقيه إلى آخره
…
وقال مكرم باشا: إنه سيملي الجريدة تصريحًا مكتوبًا، وكان هذا هو الفصل الثاني في المؤامرة أو الشباك التي نصبها أحمد حسنين لمصطفى النحاس، ومكرم عبيد، ولم تكن العادة قد جرت بأن يخرج الوزير -أي وزير من مقابلة الملك أي ملك في أي بلد- ويصف المقابلة مقال ينشر في الصحف. ولكن هذا هو ما حدث، فقد طالعت جريدة "الأهرام" في عددها الصادر بتاريخ يوم الجمعة 13 مارس 1942 وفيها الكلمة أو المقال التالي:
وزير المالية
…
في الحضرة الملكية:
"تشرف معالي الأستاذ مكرم عبيد وزير المالية بمقابلة صاحب الجلالة الملك بعد ظهر أمس، فعرض على المسامع الملكية بعض الشئون المالية والاقتصادية، فلقى من لدن جلالته كل عطف ورعاية، وقد أفضى معاليه إلى مندوب الأهرام بالتصريح التالي:
"تشرفت مساء أمس بمقابلة جلالة الملك المحبوب، وعرضت على مسامعه الكريمة أهم شئون التموين والسياسة التي ندرسها الآن تمهيدًا لإقرارها وتطبيقها على محصول القمح الجديد، كا عرضت على جلالته بعض التعديلات في الميزانية التي أعتزم عرضها على الوزراء، وفي مقدمتها المشروع الذي يرمي إلى تخفيف الأعباء المالية عن صغار الفلاحين والمزارعين ورفع مستوى معيشتهم وغير ذلك من المشاريع التي تؤدي أو أرجو أن
تؤدي إلى موازنة الميزانية موازنة حقيقية لا حسابية، بحيث لا تمهل المشاريع الحيوية وتكون جباية المال وإنفاقه في حدود العدالة الاجتماعية، ثم تشرفت بعرض ما تم في مسألة القطن والحبوب ومبلغ ما وفقت إليه حكومة جلالته في هذا الصدد، بالتعاون مع الدولة الحليفة.
"وأطلعت جلالته على نموذج من أوراق النقد الجديدة التي لوحظت في طبعها وإعدادها تعذر تزييفها، فنالت رضائه السامي.. وقصارى القول فقد تناول حديثي في حضرة جلالته حالة البلاد المالية من مختلف وجوهها -وهي حالة بفضل الله مرضية- ولقيت من جلالته لا مجرد عطف فحسب أو تشجيع فحسب -مما ألهج لساني بالشكر والحمد- بل لقيت ما هو أعظم من ذلك وأهم، فقد لقيت اطلاعًا واسعًا وإرشادًا، نافعًا ونظرة دقيقة وعميقة إلى جوهر المسائل المعروضة رغم تباينها وبعد نواحيها، فلم ألبث طويلًا حتى أدركت أن ملكنا الشاب، قد ملك زمام الأمور، بفضل ما أدى من رجولة مبكرة، وخبرة منوعة نادرة قلما أتيحت لملك من الملوك".
"ولذلك لم يلبث طويلًا حتى انتقلت دفته إلى يديه الكريمتين، فكان ينتقل من موضوع إلى آخر ومن نصح إلى عطف ووداعة وصراحة أخاذة ونفاذة معًا. وغاية القول أنه قد أتيح لي في هذه المقابلة الملكية السامية أن أعرف الرجل الملك، فكان الرجل في رجولته لا يقل جلالة عن الملك في مملكته، وقد تفضل جلالته فأكد لي في بساطة وديمقراطية أنه ملك الجميع، لا يفرق بين طوائف أو أحزاب أو طبقات في شعبه الوافي، وقد خرجت من لدنه وهذا اعتقادي بل يقيني1".
وقاوم التابعي طغيان "فاروق" وهو ملك وحاكم بأمره في مقال عنوانه "يحيا الظلم" جاء فيه: "نعم "يحيا الظلم"
…
ظلم كل جبار عاتية مغتر بسلطانه وسطوته، يدوس القوانين ولا يبالي، وظلم كل كبير
1 راجع: من أسرار الساسة والسياسة ص261-264 كتاب الهلال رقم 228 فبراير 1970.
فاسق وكل عظيم فاجر يسرق ولا يبالي، ويختلس ولا يبالي، ويثلم الأعراض ولا يبالي، ويهدد الكرامات ودم الوطن، ويجعل من مصر أمثولة السوء وبصفة كريهة في فم الزمان".
"نعم "يحيا الظلم" ظلم كل مطالب باحترام القائمون ولا يحترمه، وكل قادر على حماية القانون لا يحميه، وظلم كل عابث ماجن إباحي مستهتر يضرب للناس أسوأ الأمثال".
"نعم "يحيا الظلم" لأنه خير مربي للنفوس، ونفوس المصريين تجيش اليوم بمعنى واحد: لقد صبرنا، ولن نصبر بعد اليوم، وتحملنا كثيرًا، ولن نتحمل بعد اليوم"1.
يعتبر التابعي من أبرز الكتاب المعاصرين في فن النقد السياسي عرفته الصحافة المعاصرة. وقد اهتم منذ بداية كتاباته الصحفية بأسلوب جديد برسم السياسيين والوزراء في صور تعبر عما هم عليه، ويصفهم -كما قلنا- بأوصاف لاذعة، ظلت تلازمهم طوال حياتهم.
1 راجع: مجلة آخر ساعة، العدد الصادر في 11 أكتوبر 1950.