الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى المراجع التي أخذوا عنها والتي يناقشوها بل يذكرون لك كذلك أسماء المراجع الأخرى التي قد تتفق في الرأي معهم، كما يذكرون المراجع التي تخالفهم1".
والخلاصة أن قضية الشعر الجاهلي أسفرت عن وضع أصول جديدة للبحث الأدبي، ترجع إلى جانب علمي يقوم على فحص النصوص الأدبية وتحقيقها واستنباط دلالاتها مع الدقة في التفسير، والتعليل في الأحكام، والتحليل السليم، ومعرفة ما يحيط بها من ظروف ومؤثرات، والجانب الآخر فني يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها، حتى يحيل التاريخ الأدبي إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور معًا.
ويمكن القول بأن قضية الشعر الجاهلي قد أسفرت عن طبيعة الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم، يؤكد هذا هيكل ويوجزه في أنه "خلاف على السلطة ونظام الحكم، وقد انتصر رجال العلم ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم به في كل أنحاء العالم المتمدن، وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام جوهر الدين في النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان2".
1 راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في 25 يونيو 1927.
2 راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في 24 يوليو 1926.
رابعًا: قضية التبشير
ترتبط هذه القضية بالفترة من 1930-1933 التي تولي إسماعيل صدقي الوزارة فيها، ضاقت البلاد خلالها من أساليب الفساد والتعسف والقهر والبطش والقوة وتعطيل الدستور وكبت الحريات وتكبيل الأفكار. ناهيك بالأزمة المالية التي اجتاحت البلاد، وكادت تعصف بجموع الأمة. وترتب على سياسة وزارة إسماعيل صدقي أن "اضطرب الجو وحفل ببواعث القلق ودواعي الخوف من المستقبل -القريب فضلًا عن البعيد- واكفهر الأفق، واكتظ بالاحتمالات المخيفة، فقبض أصحاب الأموال أيديهم،
وركدت الأسواق، ووقفت حركة التجارة، وبدت الوزارة أعجز ما تكون حتى عن علاح حالتها هي فضلًا عن حالة البلاد، وضعفت الثقة واشتد الخطب بما لجأت إليه الوزارة وانصرفت له من إنشاء حزبها وجمع المال له ومطاردة خصومها واضطهادهم1".
في هذه الأجواء المخيفة شهدت مصر الحملة التبشيرية، فارتاع الناس، وأخذوا ينظرون إلى موقف الحكومة منها، تألفت جمعية لمقاومة هذا التبشير، واتخذت دار الشبان المسلمين مقرا لها، وكان من أعضائها الشيخ محمد مصطفى المراغي، والدكتور محمد حسين هيكل وغيرهما.
اشتركت الصحف المصرية في مقاومة هذه الحملة، والوقوف في وجهها مهما كلفها ذلك سوى صحيفتي "الشعب والاتحاد2. قالت صحيفة "البلاغ" عن حوادث التبشير:"لقد كثرت حوادث المبشرين، ولم ينس الناس بعد حادث صمويل زوعر في الأزهر، ولا حادث خطف الفتاة من شبين القناطر، ولا نظن حكومة مهما ضعفت ترضى لنفسها ولشعبها هذا الهوان بدعوى الامتيازات الأجنبية، ولكن كيف يطمع أحد في أن تقف الوزارة الحاضرة موقفًا جادا إزاء هذه الحوادث، وهؤلاء المبشرون يلقون -باعتراف صحف الوزارة- في دور الحكومة كل مجاملة وكل مساعدة3".
وقالت صحيفة "الجهاد": "الواقع أن التبشير حركة استعمارية وليست حركة هداية إلى دين إلهي أيا كان الذي تدعو إليه، فإننا لا نعرف دينًا من الأديان يوصي بالفن والخيانة، إنها أحاييل للعيش ينصبها المستعمرون لخدمة المطامع السياسية، ويتوسلون إليها بإناس يرتزقون من هذه المواد4".
1 راجع: السياسة المصرية والانقلاب الدستوري ص 62 هيكل وآخرون.
2 راجع: الصحافة السياسية ص 606 أنور الجندي.
3 راجع: البلاغ العدد الصادر في 25 فبراير 1932.
4 راجع: الجهاد العدد الصادر في يونيو 1932.
واهتمت الصحف بكشف ما تستهدفه حركة التبشير من إضعاف معنويات الشعب، وزعزعة عقيدته، وتطالب الحكومة بحماية الناس من خطورتها لا سيما على السذج والصغار منهم. يقول هيكل:"إغراء الناس بالوسائل المادية لحملهم على تغيير مذهبهم أو عقيدتهم أو رأيهم، هو محاربة دنيئة لهذه الحرية، وهو استغلال للضعف الإنساني كاستغلال المرابي حاجة مدينه ليقرضه بالربا الفاحش، والتبشير فضلًا عن هذا مناف لقواعد الخلق، ما دام يتم في الظلام، ولا يصارح القائم به الناس برأيه ليناقشوه هذا الرأي، وليبينوا ما فيه من زيف أو إفساد1".
ووقفت صحيفة "السياسة" من حركة التبشير موقفًا عنيفًا، ففتحت صفحاتها لنفر من رجال الفكر والدين معًا، فنشرت عشرات المقالات التي دبجت في هذه الحملة مثل المحاضرة التي ألقاها الشيخ علي عبد الرازق عن الدين، تعرض فيها لحملة التبشير في جرأة بالغة، وقال فيها إن الإسلام قوي ولا يؤثر فيه التبشير2 وجاءت مقالاتها على النحو التالي:
- التبشير والسياسة التي تؤازره. 3
- حديث المراغي عن التبشير. 4
- التبشير بالتعذيب. 5
- حديث عن التبشير. 6
- حول التبشير. 7
- تصريح الحكومة عن التبشير. 8
1 راجع: مذكرات هيكل ص329.
2 السياسة في 13 يونيو 1933.
3 راجع: السياسة في 12 يونيو 1933.
4 راجع: السياسة في 13 يونيو 1933.
5 راجع: السياسة في 13 يونيو 1933.
6 راجع: السياسة في 15 يونيو 1933.
7 راجع: السياسة في 16 يونيو 1933.
8 راجع: السياسة في 18 يونيو 1933.
- انتشار مآسي التبشير.1
- رجال الدين والأزهر وموقفهم من التبشير.2
- تغريب الشرق والتبشير.3
- حوادث التبشير في مصر حلقة من سلسلة الغارات على العالم الإسلامي4.
- حركة التبشير، حملة على المبشرين ومؤيديهم.5
- غزو العقيدة الإسلامية غاية التبشير.6
- العذاب في سبيل العقيدة: حديث الأستاذ الأكبر عن التبشير.7
- خطر الحركة التبشيرية وعقد مؤتمر إسلامي.8
- تبعاتنا كمصريين عما يقع من التبشير. 9
- حديث عن التبشير مع إبراهيم الهلباوي.10
- مسئولية الوزارة الحاضرة عن حوادث التبشير.11
- ملايين الجنيهات للهيئات التبشيرية.12
- التبشير والأقليات
…
إلخ.13
1 راجع: السياسة في 19 يونيو 1933.
2 راجع: السياسة في 19 يونيو 1933.
3 راجع: السياسة في 20 يونيو 1933.
4 راجع: السياسة الصادرة في 21 يونيو 1933.
5 راجع: السياسة الصادرة في 22 يونيو 1933.
6 راجع: السياسة الصادرة في 23 يونيو 1933.
7 راجع: السياسة الصادرة في 26 يونيو 1933.
8 راجع: السياسة الصادرة في 26 يونيو 1933.
9 راجع: السياسة الصادرة في 27 يونيو 1933.
10 راجع: السياسة الصادرة في 27 يونيو 1933.
11 راجع: السياسة الصادرة في 28 يونيو 1933.
12 راجع: السياسة الصادرة في 29 يونيو 1933.
13 راجع: السياسة الصادرة في 30 يونيو 1933.
وكان من أثر حركة التبشير أن اندفع هيكل إلى مقاومتها بطريقة مثلى فرضت عليه أن يبحث حياة محمد ومبادئه بحثًا علميا، ويعرضه على الناس في صورة رائعة، وثوب قشيب، يرضي المسلم وغيره، فبدأ يقرأ كتاب الكاتب الفرنسي "أميل درمنجم" عن حياة محمد، ونشر عنه بحثًا في السياسة الأسبوعية1 فأقبل الناس عليه إقبالًا لا نظير له.
استمر محمد حسين هيكل أربعة أعوام يمحص حياة محمد وتعاليمه، فأزكى الثورة الأدبية والصحفية والدينية يقول هيكل:"ليقتحم أدبنا إذن ماضينا، وليقتحم هذا الماضي بأدوات البحث الأدبي وبأساليب الكتابة الحاضرة وليقتحم هذه الميادين غير هياب ولا متردد، وليقتحمها بروح الثورة التي اقتحم الأدب العربي تراث اليونان، وليقلب في هذا الماضي ما شاء له التقلب والتنقيب بروح البحث والتمحيص والحرص على الحق لوجه الحق وحده، الحق في أسمى صوره التي تلتمسه الإنسانية على الأجيال، فتكاد تلمسه أحيانًا حين يكشف عنه أنبياء الإنسانية وشعراؤها وكتابها، ثم لا يلبث أن يفلت من يدها لأول ما تقر بها المادة وتلهبها عن جادة هذا الحق الصحيح". وقال: "الحق الذي تقوم الحضارات على أساسه والذي يدعمه الأدب أسنة أقلام كبار الموهوبين من كتاب، هو الحق في صلة الإنسان بالوجود كله، بهذه الأقلام التي ترى، وبهذه السموات التي تغمرها، وبالروح الفياض بالضياء فالذي يحيط بذلك كله ويبعث إليه الحياة والنور، هذا الروح الذي لا نور ولا حياة ولا وجود من دونه، وصلة الإنسان بالوجود وبهذا الروح الذي ينتظم الوجود جميعًا، هي الحقيقة العليا التي يجب أن تكون مطمح كل باحث وكل كاتب2".
بهذا الأسلوب العلمي مضى هيكل يدافع عن الإسلام، ويرد حملات
1 راجع: ملحق السياسة في 10 يونيو 1931، 16 فبراير، 19 مارس، 18، 19 إبريل و23 مايو 1933. سلسلة من المقالات بعنوان "حياة محمد" عرض ونقد لكتاب "درمنجم".
2 راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في 11 مايو 1929. وثورة الأدب ص218.
التبشير عنه في سلسلة من المقالات في ملاحق "السياسة" تدور في فلك الدفاع عن الإسلام، وتكشف عن روحه الخالدة. من هذه المقالات:
- حول حياة محمد.1
- كيف ولماذا أكتب عن محمد.2
- أثر المستشرقين في البحث الإسلامي.3
- بين مصر وبلاد الشرق العربي.4
- الاجتهاد والتقليد
…
إلخ.5
كما كتب سلسلة من المقالات عن كتاب "وجهة الإسلام" الذي ألفه المستشرقون "جب، ماسينيون، كاسفاير، فرار6" وغيرهم من كبار المستشرقين بأوروبا.
وهكذا وقفت الصحافة وكتابها تدافع عن الإسلام ورجاله، وشغلت الرأي العام بما نشرت من مقالات ترتبط بالدعامات والأصول التي تستند إليها الشخصية المصرية عامة والإسلامية بصورة خاصة، وفي الوقت نفسه تدافع عن مكونات الأدب والفكر والثقافة، والعقيدة المرتبطة ببلاد العروبة والإسلام.
من هنا سخرت الصحافة الأقلام وحفلت بالمقالات في الدفاع عن كل ما يمس الشخصية الإسلامية، فاستيقظت المشاعر، والتهبت العواطف
1 راجع: ملحق السياسة الصادر في 13 مايو 1932.
2 راجع: ملحق السياسة الصادر في 23 مايو 1932.
3 راجع: ملحق السياسة الصادر في 17 مايو 1933.
4 راجع: ملحق السياسة الصادر في 7 يناير 1933.
5 راجع: ملحق السياسة الصادر في 14 أكتوبر 1933.
6 راجع: نفس المصدر السابق.
لدى الشباب الحائر، ودفعته إلى النهج القويم والطريق المستقيم الذي دعا رجال العالم الإسلامي إليه.
وعلى الجملة فقد شغلت هذه القضايا وغيرها الصحافة، وأطلقت الأقلام من عقالها، وأفسحت المجال أمام الكتاب الذين وقفوا من بعض هذه القضايا مؤيدين ومعارضيين مما أحدث نشاطًا فكريا، ساعد على تأججة حرية الفكر التي كفلها الدستور، ودور السياسة الحزبية في مثل هذا المجال.