الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: حسين شفيق المصري المتوفى 1948
فنان أصيل متدفق الحيوية، وأديب مجدد غزير الإنتاج، وشخصية فريدة متعددة الجوانب والمواهب، قادرة على تقليد اللهجات العربية والمحلية، ومحاكاة المشاهير من الناثرين والناظمين في مواضع هزلية، فأجادها إجادة تامة، على الرغم من تركية والده ويونانية أمه، فقد نشأ وعاش بالقاهرة، يضرب في أعمال المجتمع المصري خلال النصف الأول من هذا القرن، فاكتسب معارف عصره واستلهم تجارب أيامه ولياليه، وتقلب في أعمال مختلفة، ومهن كثيرة حتى تفرغ للعمل في الصحافة محررًا لمجلة "الفكاهة" التي أصدرتها دار الهلال 1926.
تعد كتاباته المبدعة، وخواطره الشائعة، وأفكاره الرائعة، فتحًا جديدًا في عالم الأدب الضاحك، والفكر الساخر، وأبواب الصحافة
السياسية والفكاهية، فقد ابتكر الشخصيات الفكهة مثل شخصية الشاويش شعلان عبد الموجود، والأبواب الممتعة مثل:"محكمتنا العرفية" وما كان يكتبه كل أسبوع بعنوان "نظرات" و"ما قولكم" وغيرها من الكتابات التي تفيض بالصور المرحة، والفكاهة النادرة، والنقد الاجتماعي اللاذع، وبذا أخرج الفكاهة والسخرية من الدوائر الشخصية إلى المسائل العامة، فأضحك قراء العربية على مدى أربعين عامًا بأسلوب مضحك حينًا، وساخر أحيانًا.
أسلوب المصري:
خلف حسين شفيق المصري كنوزًا باهرة، ودررًا لامعة من فنون الشعر والزجل والفكاهة وأساليب الأدب الضاحك التي تتسم بطابع السخرية والنقد والإفحام. وأهم ما يميز أسلوب المصري في هذا اللون الساخر من الكتابة ما يلي:
1-
الفكاهة الممتعة اللاذعة، والطريقة المثيرة المقنعة، مع توهج المشاعر، والنبض الدافق بالحيوية.
2-
يجمع بين الجد والهزل، والدعابة والسخرية، ولا يخلو من عبرة التجربة والنصيحة الواعية.
3-
يستخدم الفكاهة والنكتة -كسلاح خطير- في معارك السياسة والفن والأدب بطريقة مبتكرة في الضحك والسخرية.
4-
يعبر عن الشوارع المزدحمة، والحواري الضيقة، والمقاهي الغاصة، وأسواق الدرب الأحمر العامرة في حيوية نابضة.
5-
يتميز بمرحه ودعاباته ولذعه وسخريته، وفيض إنتاجه، وتدفق معانيه، فجاء مدرسة وحدة لخصائصه الفريدة، وسماته المميزة، وقسماته الفارقة.
ومما يميز أسلوبه بكل خصائصه ومميزاته التحقيق الذي كتبه على الشاويش "شعلان" الشخصية التي ابتكرها، يقول في محضر التحقيق:
"في تاريخه أدناه وأعلاه.. أنا الشاويش شعلان عبد الموجود في الساعة كذا، وأنا قاعد في القسم، حضر قدامى جدع طويل عريض زي الشحط، متهم في جناية خطف فرخة، وبدأنا نعمل المحضر اللازم، آه يا ناري..! ".
فهذا نموذج حافل بالصور المرحة، والفكاهة اللاذعة، والنقد الاجتماعي.
وتناول حسين شفيق المصري قضية "الشعر الحر" بأسلوب نافذ مفحم، نال من دعاتها وسخر منهم دون أن ندرك تأييده لهم أو معارضته. كتب تحت عنوان "ما وراء الغيب" من قصائد الشعر المنثور فقال:
ها هي الأبدية فاتحة ذراعيها لاحتضان الأجيال
…
وها هي أمواج الحياة تنكسر على شاطئ الكينونة الدائمة
…
وفي هذا المحيط الأثيري يسبح كل شيء
…
وكل شيء يرسب ويطفو في هذا الأوقيانوس اللا نهائي
…
والذين يصلون إلى الشاطئ تحتضنهم الأبدية، وتأخذهم إلى العالم اللا معروف
…
وهناك وراء الغيب تقابلهم الطبيعة مبتسمة.
ويجلس الكل على يسارها، إلا المحبين
…
فإنهم يجلسون على اليمين
…
وقصيدة أخرى عنوانها "ليلة الزفاف".
الحياة تبتسم بشفتيها القرمزيتين.
والسعادة مقبلة تجرجر أذيال الفخر السندسية.
ذات النقوش البديعية
والهناء واقف باسط ذراعيه يريد احتضان الفتاة البللورية الجبين
…
ما أجمل هذه النجمة المتفردة في الشمال الشرقي.
فوق منزل حبيبتي.
ما اسمك أيتها النجمة البراقة؟
إني أطير إليك بروحي لا قبل فملك الضيائي:
تلألئي أيتها النجمة كالوجه الجميل عند ابتسامة الفوز والغبطة، وليدم صفاؤك في السماء.
وسواء تعمد حسين شفيق المصري أن يهاجم الشعر الحر وينال من شعرائه أم لا، فإن كتاباته في هذا المجال فيض متدفق متجدد، بطريقة عملية، وأسلوب ساحر ساخر، فقدم لخصوم الجديد سلاحًا نافذًا في الصميم.
ومن هنا جمع المصري في أسلوبه بين الجد والهزل، والدعابة وخفة الروح ولا يخلو من عبرة التجربة، وتقديم النصيحة الواعية في أسلوب فني ساخر، يمنع ويثير ويقنع.