الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامسًا: عباس محمود العقاد 1889-1964
مفكر وأديب وشاعر وناقد ذو طبيعة جدية، حلق في آفاق سامية نبيلة، لا يتدنى إلى مشكلات الحياة اليومية العادية، تضم مقالاته كل رصيد من الموضوعات التي توحي بكتاباته الجادة. خالط الأوروبيين -عن طريق القراءة- في أدبهم وفنونهم وعلومهم وفلسفاتهم وشاعت هذه المخالطة في جميع كتاباته، حتى برز دوره الأصيل في نهضتنا الفكرية، وهو دور يقوم على نقل الفكر الغربي إلى أوعية لغتنا مع فحصه وطرح ما لا يلائمنا منه.
أغزر كتاب مصر إنتاجًا، فقد كتب حوالي أحد عشر ألف مقال خلال نصف قرن، بدأ الكتابة 1907 وظل من 1922 حى 1935 يكتب مقالًا صحفيا يوميا عدا يوم واحد في الأسبوع، والأشهر التسعة التي قضاها في السجن بحجة العيب في الذات الملكية ومن 1937 إلى 1952 كان يكتب ما بين ثلاثة وأربعة مقالات صحفية في الأسبوع، هذا إلى جانب مئات المقالات غير الصحفية التي نشرت في الصحف والمجلات، ويتميز العقاد بكثرة الصحف والمجلات التي عمل بها وهي على سبيل المثال: الدستور والمؤيد والبيان والأفكار والبلاغ والأساس والأهرام.
ويقول شوقي ضيف عن العقاد: "وقد ظل منذ باكورة حياته الأدبية
يعكف على الفلسفات والأدب والفنون الغربية، وتمثلها جميعًا تمثلًا رائعًا، وهو تمثل أخضعها فيه لسلطان عقله، فإذا هو يحللها وينقدها، مكونًا لنفسه فيها صورًا ظل ينشرها تارة في مقالات، وتارة في مؤلفات1".
أسلوب العقاد:
تناول العقاد أكثر من لون من ألوان المقالة: سياسية وأدبية واجتماعية ووصفية. اعتمد أسلوبه فيها على التعبير المحكم الذي يؤثر الألفاظ الموحية والجمل المحكمة التي تقوم على الدقة في التصوير، والقصد في التعبير، والتركيز في كتاباته، ورغم ذلك كله فإن أسلوبه يتميز بما يلي:
1-
عدم الإفراط في المقدمات، أو اللجوء إلى التكرار، أو اللف أو التوكيد بالكلمة أو الجملة.
2-
العناية بوفرة المعاني وغزارة المادة. وحسب الكلمة والعبارة أن تؤدي المعنى، وتنقل الخاطرة، وتفصح عن الشعور، لتزيد المعنى وتضيف إلى الفكرة جديدًا.
3-
طول بعض الجمل أكثر من المألوف، مما يجعل شيئًا من الغموض أو الجفاف أو الالتواء في الأسلوب، مما يتطلب من القارئ تنبيها عظيمًا.
4-
الإبانة والإفصاح مع الجمال الطبيعي الذي قد يصل أحيانًا إلى حد الشاعرية.
5-
استخدام التديلات الضابطة والاحتراسات المتحفظة، حتى يضمن إحكام التعبير، ويصون دقة المعنى.
6-
يتسم بالجدل المنطقي، والحجاج العقلي، والتحليل الدقيق، واختيار الألفاظ المتشامخة ذات الجرس والطنين.
7-
البعد عن زخرفة اللفظ سوى السجع الذي تحتاجه المواقف كالسخرية والتحدي والدعاية حتى يفزع رنينه الأسماع.
1 راجع مع العقاد ص82 العدد 259 من سلسلة اقرأ دار المعارف.
وفي النص التالي سمات أسلوب العقاد، وهو جزء من مقال العقاد في "الألم واللذة" وفيه يقول:
"أما أن الألم موجود في هذه الدنيا، فمما لا يختلف فيه اثنان، وأما أنه كثير فوق ما تقبله النفوس، فمما لا يختلف فيه إلا القليل، وأما أنه نافع أو غير نافع، ومقدم للحياة أو مثبط لها فذلك ما يختلف فيه الكثيرون. ورأيت في هذا الخلاف أن الألم ضرورة من ضرورات الحياة، وحسنة من حسناتها في بعض الأحيان، وحالة لا تتخيل الإنسانية بدونها على وجه من الوجوه. أما تفضيل هذا الرأي فهو أن الشعور يستلزم الشعور بغير النفس، فهذه أل "أنا" التي تقولها وتحمل فيها خصائص حياتك، ومميزات وجودك، وتعرف بها نفسك، مستقلا عما حولك، منفردًا بإحساسك. هي نصيبك من الحياة الذي لا نصيب لك غيره، وهي تلك "الذات" التي لا تشعر بها إلا إذا شعرت بشيء مخالف في هذا العالم الذي يحيط بها. فأنت لا تكون شيئًا له حياة ولذات وآلام ومحاب ومكاره إلا إذا كانت في هذا العالم أشياء أخرى، ولا تكون هذه الأشياء الأخرى معك إلا إذا كان منها ما يلائمك وما لا يلائمك، أو ما يسرك وما يؤلمك1".
يكشف لك هذا المقال وغيره عن قدرة العقاد في هضم الفلسفات والآداب الغربية، وإخضاع ما يقرؤه لعقله وفكره العربي، واستنباط صور ضمنها مقالاته وكتاباته في الصحف التي عمل بها.
1 راجع: مطالعات في الكتب والحياة ص254 وما بعدها.