المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: في الكاريكاتير - المقال وتطوره في الأدب المعاصر

[السيد مرسي أبو ذكري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة

- ‌مفهوم المقال:

- ‌الباب الأول: المقال وتطوره

- ‌الفصل الأول: ملامح المقال في الأدب العربي القديم

- ‌مدخل

- ‌أولا: الحسن البصري 21-110ه

- ‌ثانيا: عبد الحميد بن يحيى الكاتب 132هـ-750م

- ‌ثالثا: عبد الله بن المقفع

- ‌رابعًا: الجاحظ: 150-255ه

- ‌خامسا: ابن قتيبة 213-276ه

- ‌سادسا: أبو حيان التوحيدي 310-400ه

- ‌سابعا: إخوان الصفا

- ‌ثامنا: ابن خلدون 732-808ه

- ‌الفصل الثاني: المقال في طوره الحديث

- ‌مدخل

- ‌أولًا: محاولات الاوربيين

- ‌ميشيل دي مونتين 1532-1592

- ‌ فرانسيس بيكون 1561-1626:

- ‌ المقال في القرن الثامن عشر:

- ‌ المقال في القرن التاسع عشر:

- ‌ثانيًا: المقال في الأدب العربي الحديث

- ‌مدخل

- ‌الطور الأول:

- ‌الطور الثاني:

- ‌الطور الثالث:

- ‌الطور الرابع:

- ‌الطور الخامس:

- ‌ثالثا: أثر الصحف في تطور المقال

- ‌الفصل الثالث: تنوع المقال

- ‌مدخل

- ‌أولًا: المقال بالنسبة لموقف الكاتب

- ‌المقال الذاتي

- ‌ المقال الموضوعي:

- ‌ المقال الموضوعي الذاتي:

- ‌ثانيًا: المقال بالنسبة لاسلوب الكاتب

- ‌المقال الأدبي

- ‌ المقال العلمي:

- ‌الفصل الرابع: المقال والكتب

- ‌الباب الثاني: المقال وتنوع الأساليب

- ‌الفصل الأول: المقال والأسلوب اللغوي

- ‌مدخل

- ‌أولا: أحمد فارس الشدياق 1805-1887

- ‌ثانيا: الشيخ إبراهيم اليازجي 1847- 1906

- ‌ثالثًا: محمد إبراهيم المويلحي 1858-1930

- ‌الفصل الثاني: المقال وأسلوب الاصلاح الاجتماعي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: عبد الرحمن الكواكبي 1848-1902

- ‌ثانيًا: قاسم أمين 1863-1908

- ‌ثالثًا: ولي الدين عدلي يكن 873-1921 3

- ‌رابعًا: عبد العزيز جاويش 1876- 1929

- ‌الفصل الثالث: المقال والأسلوب الديني

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الشيخ محمد عبده 1848-1905

- ‌ثانيًا: الشيخ علي يوسف 1863-1913

- ‌ثالثًا: شكيب أرسلان 1869-1946

- ‌رابعًا: أحمد أمين 1886-1954

- ‌الفصل الرابع: المقال والاسلوب العلمي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: يعقوب صروف 1852-1927

- ‌ثالثًا: سلامة موسى 1888-1958

- ‌الفصل الخامس: المقال والأسلوب الفني

- ‌مدخل

- ‌أولًا: مصطفى لطفي المنفلوطي 1876-1924

- ‌ثانيًا: مصطفى صادق الرافعي 1880-1937

- ‌ثالثًا: جبران خليل جبران 1883-1931

- ‌رابعًا: أحمد حسن الزيات 1885-1968

- ‌خامسًا: عباس محمود العقاد 1889-1964

- ‌سادسًا: طه حسين 1889-1973

- ‌سابعًا: عمر فاخوري 1895-1946

- ‌ثامنًا: مي زيادة 1897-1941

- ‌الفصل السادس: المقال والأسلوب الفلسفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: أحمد لطفي السيد 1872-1962

- ‌ثانيًا: علي آدهم 1897-1981

- ‌ثالثًا: زكي نجيب محمود 1905

- ‌الفصل السابع: المقال والأسلوب السياسي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: عبد القادر حمزة 1880-1941

- ‌ثانيًا: أمين الرافعي 1886- 1927

- ‌ثالثًا: محمد حسين هيكل 1888-1956

- ‌رابعًا: محمد التابعي 1895-1976

- ‌خامسًا: فكري أباظة 1897-1979

- ‌الفصل الثامن: المقال والأسلوب الساخر

- ‌مدخل

- ‌أولًا: محمد السباعي 1881-1931

- ‌ثانيًا: عبد العزيز البشري: 1886-1943

- ‌ثالثًا: حسين شفيق المصري المتوفى 1948

- ‌رابعًا: إبراهيم عبد القادر المازني 1890- 1949

- ‌الباب الثالث: المقال في الصحف المعاصرة

- ‌الفصل الأول: المقال وقضايا الفكر

- ‌مدخل

- ‌أولًا: قضية المرأة

- ‌ثانيًا: كتاب "الإسلام وأصول الحكم

- ‌ثالثًا: كتاب "في الشعر الجاهلي

- ‌رابعًا: قضية التبشير

- ‌الفصل الثاني: المقال المعاصر

- ‌مدخل

- ‌أولًا: المقال العرضي

- ‌ثانيًا: المقال النقدي

- ‌ثالثًا: المقال النزالي

- ‌المقال في صحف اليوم

- ‌مدخل

- ‌ الأهرام:

- ‌ الأخبار:

- ‌ الجمهورية:

- ‌الفصل الثالث: الوان من المقال في صحف اليوم

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الخاطرة

- ‌مدخل

- ‌في الأهرام:

- ‌في الأخبار وأخبار اليوم

- ‌في الجمهورية:

- ‌ثانيًا: الفكرة

- ‌ثالثًا: في الكاريكاتير

- ‌خاتمة:

- ‌أهم المصادر:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ثالثا: في الكاريكاتير

‌ثالثًا: في الكاريكاتير

ثالثًا: فن الكاريكاتير

لون من التعبير الساخر بالصورة الموحية عن خبر أو حدث أو موقف أو فكرة أو موضوع. اشتق من الكلمة "كاريكاتير" -لاتينية أو إيطالية- التي تعني الرسم الساخر الذي يبرز العيوب، تقول المعاجم عنه بأنه:"عبارة عن صورة يراعى فيها التهويل في إبراز السمات الواضحة أو الشاذة بنية إحداث أثر ضاحك أو ساخر".

للكاريكاتير فلسفة خاصة ذات طابع اجتماعي تجعله فنا إنسانيا مؤثرًا، يعالج مظاهر الحمق، وضروب الظلم، وألوان الانحراف، ويشيع البسمات في قلوب الملايين، واستخدام التعبير بالصورة عرفه المصريون القدماء، كما عرفه اليونانيون منذ العصر الهيلنستي، وسجله الشعراء العرب في صور ضاحكة، فهذا ابن الرومي يصور الفقر فيقول:

يقتر عيسى على نفسه

وليس بباق ولا خالد

ولو يستطيع بتقتيره

تنفس من منخر واحد

ساد فن الكاريكاتير خلال عصر النهضة -الخامس عشر والسادس عشر الميلادي- لتأكيد أهمية الفرد نحو إظهار شخصيته بمختلف الأساليب. وأول من رسم صورًا مضحكة الفنان الإيطالي "أنيبال كاراكش" 1560-1609ثم "جيوفاني لوثر لوزتر دنيتي" 1598-1680 واستخدمه "جورج تاوتسهند" الإنجليزي في الهجوم على خصومه السياسيين، وتبعه "وليم هوجاريت" فمنحه حيوية جديدة. وعرفته فرنسا على يد الفنان "شارل فيليبيون" في مجلة أسبوعية أطلق عليها:"الكاريكاتير" ثم في صحيفة يومية تسمى "الشار يفاري" أصدها 1932. ومن ثم انتشر الكاريكاتير في معظم أقطار العالم، واتسعت لوحاته الساخرة، وشملت مضامين الحياة المختلفة، وأصبح من أدوات النقد السياسي والأخلاقي.

اقتبسته -في البداية- معظم الصحف اليومية من صحف الغرب، وعالجت من خلاله فساد المجتمع وعيوب الحكم بالصورة الساخرة، واللقطات الضاحكة. وفي 1925 برزت الفكاهة الكاريكاتيرية على يد الفنان العالمي "سانتس" والفنان الأرمني "صاروخان" الذي كون مدرسة من أبرز تلاميذها: عبد السميع ورخا وصلاح جاهين وغيرهم مما نرى رسوماتهم الضاحكة وصورهم الساخرة في الصحف التي نقرؤها صباح كل يوم، وبلغ الكاريكاتير قمته عندما توسعت صحف الأحزاب في استخدامه بين عامي 37/ 1938، ووقف الكتاب منه بين معارض مثل محمد حسين هيكل، ومؤيد مثل طه حسين الذي لم يجد بأسًا في استخدامه.

ولم يصور الكاريكاتير -في أول أمره- فكرة أو حدثًا أو موضوعًا، وإنما انحصر في الرسم المجرد، والتعليق الذي يكتب تحته هو الأصل في النكتة، وبه يتمكن الفنان من ذبح خصومه بالفكاهة المصورة، وهدم

ص: 365

معارضيه باللوحات الضاحكة، والفتك بالأشخاص والآراء والنزعات بواسطة الرسوم المتتابعة والصور المضحكة التي تحمل معنى التهكم اللاذع والنقد الصاخب، وبذلك جرى الكاريكاتير مجرى المقالات الصحفية، وزاد عليها في السخرية من الأفراد والجماعات.

وهذه أهم الصحف الفكاهية التي خاطبت الجماهير رسمًا وخبرًا ومقالًا منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي حتى الربع الأول من القرن الحالي: أبو نضارة أول جريدة هزلية صدرت 1877 ليعقوب صنوع 1839- 1912 نقدت سياسة إسماعيل بالرسم الكاريكاتيري والصور الهزلية، ثم "التنكيت والتبكيت" 1881 لعبد الله النديم 1845، 1896 واسمها يكشف عن مضمونها وغرضها وأسلوبها، ثم "الأستاذ" 1892 تناول النديم فيها الجانب الخلقي والاجتماعي بالنقد والسخرية والتحليل.

وفي 1900 أصدر محمد توفيق مجلة "حمارة منيتي" سخر فيها من غطرسة الإنجليز وتصرفات مندوبيها في مصر، ثم صدرت مجلة "سركيس" 1905-1926 لسليم سركيس 1868-1926 تناولت الفكاهة السياسية بأسلوب ساخر وطريقة لاذعة وسنخصها بشيء من التفصيل فيما بعد، ثم كانت "المسامير" 1908 لأحمد عباس، وفي نفس العام أصدر حسين علي صحيفة "الشجاعة" التي استمرت حتى 1910، ثم استبدلها بصحيفة "السيف". واهتمت الصحف الثلاث بنقد السياسة والحكم والمجتمع وبعض الشخصيات بالصور المضحكة، والقفشات الساخرة، والكلمات اللاذعة.

ثم جاءت صحيفة "أبو الهول" 1918 لمصطفى القشاشي، واهتمت بالنكتة الاجتماعية والأشعار الشعبية والنقد اللاذع، وأصدر بيرم التونسي 1893-1961 مجلة "المسلة" 1919، ضمنها العديد من دعاباته وسخرياته وانتقاداته، وبعد عودته من منفاه أصدر مجلة "يا هوه" معتمدة على فنه الساخر، وكاريكاتير الرسام "سانتس" ولقد وفرت هذه الصحف مادة وفيرة للرسامين الذين استعانوا بها في الرسم والتصوير خلال الأحداث والمواقف.

ص: 366

وخلال فترة ما بين الحربين العالميتين وسعت الصحف في الفكاهات السياسية اللاذعة المتقنة تحريرًا وإعدادًا على يد نفر من كبار الأدباء وأمراء الفكاهة في مصر من أمثال: سليمان فوزي وحافظ إبراهيم وعبد العزيز البشري ومحمد الههياوي وحسين شفيق المصري وإبراهيم عبد القادر المازني وفكري أباظة وغيرهم من فرسان الفكاهة وأصحاب الأقلام الساخرة والأسلوب الضاحك، وأخذ الرسامون يلجون الأماكن التي تعج بالفكاهات عن طريق التبادل أو التحاور على نحو يحرك الأحداث السياسية والاجتماعية، ويعبرون عنها في أشكال موحية، ورسوم معبرة، وصور ساخرة.

وأهم الصحف التي اهتمت بالكاريكاتير في هذ الفترة مجلة "الكشكول" التي أصدرها سليمان فوزي 1921 وهاجم فيها الوفد وسياسته بالصور الكاريكاتيرية، وضم إليها رسام الكاريكاتير العالمي "سانتس" وبعض الرسامين المصريين، ثم كانت "خيال الظل" 1924 تولى أحمد حافظ عرض فيها نقد الحكومة والحكام بالصور الهزلية، والنكات الفكاهية، والرسوم الكاريكاتيرية. وأصدرت فاطمة اليوسف 1898-1958 مجلة "روز اليوسف" وعلى صفحاتها دارت الرسوم المضحكة الموحية، ثم ظهرت مجلة "الفكاهة" 1926 عن دار الهلال، جمعت في مادتها بين الجد والفكاهة، ورأس تحريرها حسين شفيق المصري المتوفى 1948 الذي عرف بالشعر الفكاهي المعروف بالحلمنتيشي، كما عرف بإصدار أربع صحف في طبعة واحدة تحمل أسماء "البغبغان والسيف والناس والمسامير" ثم أدمج السيف مع الناس تحت اسم "السيف والناس".

ثم كانت مجلة "المطرقة" التي ضمت نخبة من الأقلام طرقت اللون الضاحك من أمثال: محمد مصطفى حمام وعبد السلام شهاب ومحمد عثمان خليفة وأبي عبيدة عبد الفتاح شلبي مع الرائد حسين شفيق المصري، فكونوا قوة صحفية فكاهية ضارية استقطبت قرابة ثلاثين ألف قارئ. ثم جاءت مجلة "ألف صنف" 1928 الشعبية الفكاهية لبديع خيري، وصدرت مجلة "الراديو والبعكوكة" لمحمود عزت المفتي، صدرت أول ما صدرت باسم "الراديو" 1934، وبعد صدور أعداد منها حملت اسم "الراديو

ص: 367

والبعكوكة" ثم سقط الاسم الأول، وانفردت باسم "البعكوكة" واهتمت بالأدب والفن والمواد العامة، وانتقدت المجتمع المصري بالرسم والفكاهة، وتوقفت عن الصدور بعد ثورة 1952.

لقيت هذه الصحف وغيرها رواجًا كبيرًا بين القراء فترة طويلة، عبرت خلالها عن حياة الشعب، ونقدت تقاليده البالية بالرسم الضاحك، والصور الهزلية، واتخذت الأسلوب الساخر عدة وعتادًا في التعليق على ما يرسم ويصور، وقدمت الفكاهة في شكلين:

الأول: مرسوم وأعني به الصور الهزلية التي تعرض الإطار الظاهر من الأشخاص بطريقة تعين نقائصهم، وتبرز عيوبهم، وبكلمات قليلة تحت هذه الرسوم يفطن القارئ إلى مغزى الصورة فيضحك.

الثاني: مكتوب يتمثل في النكت اللاذعة، والتعليقات الساخرة، والكتابات التي ترمز إلى أوجه النقص في السلوك، وتوضح بعض حقائق النفوس ودقائق القلوب في أسلوب يستهدف هجاء الأهواء المتقلبة والطبائع المتغيرة.

وسنضع أمام ناظريك سيرة رجل ودور مجلته في مجال الفن الكاريكاتيري المعبر بالصورة والكلمة هو:

سليم سركيس 1868-1926:

من رواد الصحافة الذين تحرروا من الطابع التقليدي لصحافة عصرهم، أثار قضايا اجتماعية وأدبية لها أهميتها في ماهية الثقافة المعاصرة، وكان أقدر الناس على النفاذ إلى جوهر الأشياء، فيلفت الأنظار لما خفي عن العقول، وغاب عن الأذهان، فيظهر النافع والممتع، وينبه على الأشياء المقتبسة والمبتكرة، أعانه على ذلك كثرة محفوظه وغزارة علمه، وتمكنه من التراث، وإحاطته بأجناس الكلام، وقدرته على التقويم وإصدار الأحكام.

اكتسب خبرة واسعة في مجال الصحافة السياسية والأدبية، نظرًا

ص: 368

لرحلاته العديدة لدول الشرق والغرب، وإجادته للغات عدة في طليعتها الإنجليزية والفرنسية، وسعة معارفه مما جذب انتباه الناس إليه، هذا بجانب علاقاته واتصالاته برجال عصره على مختلف أوضاعهم في المجتمع.

نشأ سليم في أسرة نبغ فيها أعلام في مجال الثقافة والصحافة، فأبوه "شاهين" مؤلف وشاعر، وضع مع شقيقه "خليل" 1842-1915 تحفة الأخوين إلى طلبة اللغتين "الإنجليزية والعربية" وعمه "خليل" هذا صاحب مجلتي "لسان الحال والمشكاة" وكتاب "تاريخ القدس الشريف" وكتاب "معجم اللسان". أما عمه "إبراهيم" فقد كان محررًا في "كوكب الصبح المنير والنشرة الشهرية" وغيرهما، ومن مؤلفاته "الدر النظيم في التاريخ القديم" و"الدرة اليتيمة في الأمثال القديمة" و"الأجوبة الوفية في العلوم الصرفية" وغير ذلك من المؤلفات.

في هذه الأسرة نشأ سليم مما حبب إليه العمل بالصحافة منذ صغره، فقد أصدر جريدة مدرسية تسمى "الأرز" وهو في السادسة عشر من عمره، وشجعه عمه خليل على إتقان الترجمة والكتابة، فأخذ يكتب في "لسان الحال" متفننًا في أساليبه. رحل إلى فرنسا 1892، وفيها أصدر جريدة "كشف النقاب" بالاشتراك مع صديقه الأمير أمين رسلان، ولم يلبث أن تركها إلى إنجلترا في 1893 وبقي عامين فيها أصدر فيهما جريدة "رجع الصدى" وعنى بعنوانها صراخ الشرقيين في بلادهم. ثم قدم مصر في 1894 وأخذ يتعرف على رجال الصحافة السوريين، وأخذ يكتب مقالاته في "لسان العرب" عن الصحافة السورية. وفي الأسكندرية أنشأ مجلة "المشير" 1894، ثم انتقل بها إلى القاهرة، واستمرت ثماني سنوات، حرر فيها العديد من المقالات حمل فيها على الدولة العثمانية، واستخدم خلال كتاباته الصور الهزلية في تصوير الحوادث المحلية والعمومية.

وفي 1896 أصدر مجلة "مرآة الحسناء" ووقع مقالاتها باسم "مارشال" وجعل امتيازها لسيدة تدعى "مريم مزهر" وهو اسم وهمي حتى لا تمنع السلطات العثمانية دخول صحفه ممالك الخلافة، لما تتضمنه من طعن في الباب العالي، كما استهدف من وراء ذلك تشجيع المرأة الشرقية

ص: 369

على الكتابة في المجالات؛ لأن حياء الشرقيات حال دون ظهورهن على صفحات الجرائد.

وفي 1899 غادر مصر إلى الولايات المتحدة، تنقل فيها بين بوسطن ونيويورك وغيرها. وفي بوسطن حرر مقالات لجريدة "البستان" وأعاد إصدار المشير، وفي نيويورك أنشأ مجلة "الراوي" فكانت مسرحًا لرجال الأدب في المهجر من أمثال ميخائيل نعيمة، وأمين خير الله، وأسعد رستم، وإيليا أبي ماضي، وجبران خليل جبران الذي نشر العديد من قصص "الأرواح المتمردة" ومقالات كتابه "العواصف" ولما عفت السلطات عنه عاد لمصر وعمل بجريدة "المؤيد" 1904 وظل يعمل فيها حتى نوفمبر 1908. واستمدت خلال كتاباته فيها "المقالات الصغيرة" وتقطيع المقالات والعبارات، كما أدخل طريقة العناوين الواضحة وهي أمور تجعل الصحيفة أغزر مادة وأكثر حيوية، وأحسن إخراجا وتنسيقًا وكان له باب ثابت في "المؤيد" عنوانه "الشيء بالشيء يذكر" تناول فيه موضوعات طريفة، وأحداث حقيقية وقعت له، فاستحسنها القراء.

ونختم القول فيه بما قيل عنه، فقد قال العارفون به أنه:"حلو الصداقة، لطيف المجالسة، فكه اللسان، حر الضمير" وقال عنه إسكندر شاهين: "يرضي الناس في كل جمعية ولا يغضب أحد من الحاضرين.. وفيه ميزة جميلة هي أنه لا يبخس الناس أشياءهم فلطالما سمعته يمدح أفرادًا ويذكر لهم الحسنات على حين أنه لم يكن على وداد معهم، وهو أيضًا واسع الصدر ولحديثه طلاوة وحلاوة مثل صديقه مطران1".

تلك هي سيرة سليم سركيس في خطوط عريضة، تكشف عن حياته الحافلة بالنشاط الدائب، والحركة الدائمة، والكفاح المستمر، مما وصفه معاصروه بأنه ذا عقل راجح، وصاحب أفانين في كل ما كتب وسجل وأذاع.

1 راجع: مجلة الثقافة ص45 العدد 87 الصادر في ديسمبر 1980.

ص: 370

أسلوب سليم سركيس:

سجل سليم سركيس ملاحظاته، ودون خواطره في أسلوب فكاهي موجز يعد من أروع الأساليب في سرد الأخبار، وتصوير المواقف، وينشرها في سلسلة من الأحاديث بعناوين مختلفة يدل كل عنوان منها على مضمونه مثل:"يغيظني" و"مطبخ العقول" و"حديث العصفورة" و"الشيء بالشيء يذكر" و"جعبة المحرر" و"حديث القهوات" الذي تناول المناقشات التي دارت بين الأدباء في الصالونات المنزلية، والأبنية الأدبية أو في القهوات، وتضمن مادة أدبية غزيرة مؤثرة، ورغم هذا فلأسلوب سركيس مميزات أخرى، نجملها فيما يلي:

1-

يعتمد على أسهل الألفاظ وأكثرها استعمالًا، بحيث لا تحتاج معانيها إلى عناء.

2-

شيوع روح الفكاهة والإيجاز مع الإفادة.

3-

الجمع بين الحس الصحفي والذوق الأدبي، مما جعل له طابع خاص وأدب مميز.

4-

يستميل القراء على اختلاف أذواقهم وثقافاتهم ومعارفهم ونزعاتهم مما أكسبه حب الجميع.

5-

يعدل عن استخدام الكلمات الضخمة الفخمة حينًا، ويؤثر حينًا آخر لفظًا غير فصيح -مع علمه به- فيقول "ثار الغبار" بدلًا من "ثار العثير" ويقول عن حسناء إنها "استحلانة" بدلًا من قوله إنها "طويلة الشعر" ويقول عن تلميذ إنه "فاز" بدلًا من أن يقول "أحرز قصب السبق" لأن الأولى تؤدي المعنى مع الاقتصاد في اللفظ1".

ولقد جرى حوار بين إبراهيم اليازجي وسركيس 1897 على النحو التالي:

قال اليازجي: أتعرف يا سركيس أنك بالنسبة إلي لا تزال طفلًا في اللغة العربية؟

قال سركيس: بل أنا جنين بالنسبة إلى معارفك.

قال اليازجي: إذا كان الأمر كما تقول فما بال جريدتك تدرك في نصف ساعة ما لم تدركه جريدتي في سنتين.

1 راجع: مجلة سركيس ص686 السنة السابعة.

ص: 371

قال سركيس: السبب ظاهر أنك تكتب في الضياء لأبناء القرن الرابع عشر، فلا تجد من يقرأ وأنا أكتب لأبناء القرن التاسع عشر بلغة "أبناء القرن الحادي والعشرين فهم يفهمونه ويجدون في كتابتي فكاهة ولذة1.

ومعنى ذلك أن سليم سركيس جرى على طريقة الصحفي الذي يسطر ما يفهمه الناس، أما اليازجي فإنه يؤثر ألفاظًا لغوية تحتاج إلى فهم، ومن هنا لم تحتاج كتابات سركيس إلى عناء في تفسيرها.

مجلة سركيس 1905-1936:

تعد مجلة سركيس جزءًا من صحافتنا الأدبية، ومع ذلك اهتمت بالفن والاجتماع والسياسة والعلوم. كتب فيها أعلام العصر من أمثال خليل مطران، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وعبد المحسن الكاظمي، وولي الدين يكن، وإمام العبد، وأمين الحداد ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي، ومن الشباب أمثال: أحمد نسيم، وأحمد الكاشف، ومي زيادة وغيرهم. قربت المجلة بين الأدباء العرب في المهاجر الأمريكية وبلادهم في الشرق، وكانت ترافق مقالات الكتاب وقصائد الشعراء صور فوتغرافية ورسوم فنية، مما أضفى على المجلة بهاء، وزادها رونقًا، وأعطى للقارئ فرصة للتأمل تجعله ينقل النظر من المقروء إلى المنظور.

قال الشيخ إبراهيم اليازجي 1847-1906 عنها: "برزت مجلة سركيس في أحسن حلة من الرونق والقبول" وقال محمد إبراهيم المويلحي 1858-1930 عنها: "مجلة سركيس تذكرني في الشرق بحسن التفنن في جرائد الغرب" وقال الشيخ علي يوسف 1863- 1913: "أكثر القراء يعرفون من هو سليم سركيس وما هو اقتداره في صناعة الصحافة، ولقد ضمن مجلته من فوائد الفكر واليراع ما يستفيد به القارئ ويلذه السامع"

وقال شاعر العراق عبد المحسن الكاظمي 1865-1935 عنها:

1 راجع: المصدر السابق ص709 السنة الثانية.

ص: 372

آية سركيس ما نظرناك إلا

ورأيناك للكمال مثالًا

حبذا أنت هازلًا ومجدا

حبذا أنت قائلًا فعالًا

حبذا أنت حافظ الود تسدي

حافظ الشعر ما يسود النوالا

وفه حقه وحق القوافي

احتفاء بقدره واحتفالا1

ويقول خليل مطران: 1871-1949: "تقع العين على مجلة سركيس فتطمح إلى قراءتها، فإذا ابتدأت سارت إلى نهايتها، وإذا انتهيت منها وددت لو أنها تطول والفكر يريد المزيد" ويقول مصطفى صادق الرافعي 1880-1937: "أقول في نفسي ماذا يكون حال الأدب في مصر لولا وجود سليم سركيس. لا أقول إنه أعلم العلماء أو أفضل الفضلاء، ولكنه روح متحركة لا يقر لها قرار في خدمة الأدب والأدباء" وقال أنطون الجميل 1887-1948: "ياما أكثر حيلتك في إكرام رجال الأدب والفن ومساعدة البائس منهم.... سمعت كلماتك الجامعة على اقتضابها، ثم عطفت على اللوج بجانبي فقرصت أذن ولدك الصغير وقلت له: متعت طويلًا بأبيك مواسي اليتيم2".

كانت المجلة تصدر أعدادًا خاصة في المناسبات الأدبية والاجتماعية قبل أن تعرف صحافتنا الأعداد الخاصة. واهتمت بالنكات والفكاهات حتى أصبحت الدعايات و"القفشات" سمة مميزة لها. وبعد الباب الذي كان يكتبه سليم سركيس تحت عنوان: "يغيظني" أو "يغيظني وأخواتها" نقدًا! اجتماعيا في أسلوب فكاهي. يقول: "يغيظني أن نكتب كل تحريرك بخط واضح، ثم تكتب إمضاءك بشكل لا يقرأ" ويقول: "يغيظني أن تجد الباب مقفلًا فتدخل، وتزيد غلاظتك بكلمة عدم المؤاخذة إذا كنت مشغولًا3".

1 راجع: المجموعة الثانية من ديوان الكاظمي ص120 طبعة 1948. في هذه الأبيات يشير الكاظمي إلى مشروع مجلة سركيس للاحتفال بإكرام حافظ شاعر النيل.

2 راجع: مجلة الثقافة ص87 العدد 91 الصادر في إبريل 1981.

3 راجع: المصدر السابق ص26 العدد 88 الصادر في يناير 1981.

ص: 373

وكانت المجلة -أحيانًا- تدعو إلى مسابقة في مادة فكاهية، فقد دعت -مرة- إلى الكتابة في فضل الحمار على الإنسان، وسرعان ما تحول الأمر إلى مادة يمتزج الجد فيها بالهزل، فكتب فؤاد خليل سليم -نائل الجائزة- أن الحمار "يأكل خبزه بعرق جبينه ومن ثم يطعم صاحبه ويتفضل عليه وعلى أهل بيته، أما البشر فقد رأينا منهم غير قليل ممن لا يرى العالم منهم غير الشر" وأخذ الكاتب يعدد مزايا الحمار وسجل في مقالته البيت القائل:

وتشبهوا إن لم تكونوا مثله

إن الشبه بالحمار فلاح

ولقد استهوى الموضوع بعض الكتاب، فنشرت المجلة في عدد سبتمبر 1907 بتوقيع مستعار. "عريضة إلى الحمار" وضح فيها فضل الحمار على الإنسان؛ لأن طعام غده مضمون لا تؤثر فيه أحداث الزمان، ولا يخيفه ارتفاع أسعار الغذاء، ولا يهمه زيادة أجور الموظفين، ويخاطب الحمار قائلًا:

"أنت لا تشعر بحاجة إلى مرآة تنظر فيها هيئة آذانك الطويلة الجميلة" ثم اتجه إلى تصوير عيوب المجتمع، وتعدد سقطاته بلهجة ساخرة وروح ساخطة، ويوجه كلامه إلى الحمار قائلًا:"أنت لا تفهم ما العدالة فترتج رعبًا إذ تراها مشوشة الأركان بين شرع وقانون وامتياز، ولا تفهم ما هي الذمة والإخلاص فتذوب حسرة إذ ترى الأرواح تطلق عبثًا، والأمهات تدخلنها سمات في أسرة غير أمهات أولادهن والحرائر تقتضي الرذائل أثرهن في الطرق والأزقة ناثرة أبدًا الكلام، ولا أنت تدرك حرمة وقداسة العقل الرفيع فينفعك كيدًا أن تراه قد وضع لخدمة الضار والمشين واستخدم لمدح الممقوت والمهين واستعمل لقيادة الغير سبيل التقهقر. ولوضع الأمة تحت رقبة المستبدين ولتجيب لها عار السكينة إلى التجرد من الشعور الوطني الحقيقي والمزايا المدنية الحقة".

المقالة من الأدب الرمزي، اتخذ الكاتب الحمار فيها وسيلة للتعبير عما في نفسه تجاه أوضاع فاسدة، وانتهز الفرصة فهاجم الذين انصرفوا عن

ص: 374

مقاومة المحتلين، وهكذا مزج الفكاهة بالنقد، والجد بالهزل، فتبتسم حينًا، وتتألم حينًا آخر.

وكانت المجلة تهتم بالنكت التي تثير الضحك والسخرية، من ذلك ما دار بين حكيم عيون وآخر:

- أرى أنك تضع ثلاث نظارات دائمًا في جيبك يا دكتور.

ويقول الآخر:

- نعم لأني استعمل الأولى عند القراءة، والثانية عندما أريد نظر شيء على بعد، والثالثة لأفتش بها على الاثنين.

مثل هذه المادة الفكاهية وغيرها تقلل من تجهم الحياة، وتخفف من القتامة التي تسيطر على المواطنين نتيجة لأعبائها الثقيلة، وتهدئ من مرارة الواقع وصعوبته، فتيسر للقارئ -وقتًا- من الجدية والصرامة، وبمرور الوقت يتعود عليهما في تعاملها مع الحياة ومعطياتها.

ولعلك أدركت أن فن الصور الهزلية والرسوم الكاريكاتورية فن جديد برز منذ أوائل هذا القرن، وتنافست الصحف في التعبير به، وتبارى الرسامون في أبحاثه، حتى يبرزوا تكوين الرأي العام؛ لأن الصورة الواحدة تغني عن عشرة آلاف كلمة، والكاريكاتير الواحد يشيع السخط على شيء، أو السخرية منه والرضا به أو الانحياز إليه، أو نقد شخص أو فكرة أو رأي أو سياسة.

وحين تعمد الصحف إلى رسم الصور الهزلية في أشكال كاريكاتورية، تستهدف إبراز الحقيقة، ومساندة الضعفاء، ومعاونة المظلومين، ورد الحقوق للطبقات العاجزة، عن طريق النكات أو الفكاهات، فيطمئن الناس على حياتهم، ويشيع الشعور بالعدل في شتى طبقات المجتمع لإحساسهم بمشاركة غيرهم معهم.

ص: 375