الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: عبد العزيز البشري: 1886-1943
من رواد السخرية والتهكم ونقد المجتمع في أدبنا الحديث، ويعتبر من أرق الأدباء أسلوبًا، وأحلاهم دعاية، وألطفهم مجالسة، وأظرفهم نكتة، له قدرة على التصوير والتخيل والتعبير باللسان، والعلم بأحوال الهيئة والأشخاص والأزمان.
عاش في بيئة أدبية، تتسم بالظرف، ويسيطر عليها سلطان الفكاهة، وتفتحت عينيه على العديد من الصحف الفكاهية، وعاصر زعماء النوادر، ورواد الفكاهة في مصر من أمثال: حفني ناصف، وحسين الترزي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإمام العبد، وغيرهم من أرباب الفكاهات، وفرسان النكات، وأصحاب القفشات التي ترج ضحكاتها وقهقهاتها أرجاء المكان، لما تمتاز به من مرح وظرف ودعاية وسخرية.
يصف شوقي في كتابه "الفكاهة في مصر" فيقول: "الحق أن البشري أديب معروف، يحسن صناعة الفكاهة قولًا وكتابة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ترك لنا بكتبه متحفًا للضحك من كل شيء، ومن كل لون لذعًا ومرحًا ودعاية".
أسلوب البشري:
وصف جمال الدين الرمادي أسلوب البشري فقال: "رائق الأسلوب، ساحر العبارة، ساخر المعنى، يمثل الروح المرحة في أرق صورها وأرقى مظاهرها" و"الكتب التي ألفها البشري أو المقالات التي جمعها كانت فريدة في بابها. فكتابه "في المرآة" كان فتحًا جديدًا في هذا اللون من
الكتب في تصوير وتحليل الشخصيات، وكتابه "المختار" طريف يضم بحوثًا خصبة في الأدب، وتراجم ممتعة لأدباء اتصل بهم وتأثر بهم ونقل عنهم، أما كتابه "قطوف" ففريد في بابه؛ لأنه يضم دراسات إسلامية ممتعة، وانتقادات اجتماعية طريفة، وآراء فنية رائعة، لا تصل إلى ما وصلت إليه من روعة لو كتبها غير البشري من الكتاب أو الأدباء" وأهم ما يميز أسلوب البشري ما يلي:
1-
اعتماده على التصوير والتحليل والتعليل والتفصيل.
2-
يتسم بالعذوبة والسحر حينًا، والسخرية والضحك أحيانًا.
3-
تأتي سخريته من باب العطف والإعلاء، لا من ناحية التقرير والازدراء.
4-
يجمع إلى عذوبة الروح عذوبة الحديث، على الرغم من طرافته وروعة عبارته.
5-
ينقد الأوضاع الاجتماعية والتقاليد البالية، بروح مرحة، ودعاية حلوة، وحديث فكه.
6-
يتحلى -أحيانًا- بعبارات علمية، لا تشوه جماله، ولا تفض من قيمته.
يرسم البشري في مقال فريد بأسلوب ضاحك، ما كان يجري في المجتمع، ويشيع بين نوابه، ويهيمن على الباشوات وأصحاب الإقطاع فيه، ويدور حول كبير يطلب الشهرة، ويرغب في حديث الصحف عنه، وفي حوار لطيف وطريف سجل البشري ما دار بين الكبير وأحد محرري الصحف فقال:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأزكى تحياته.
- محسوبك فلان ناظر زراعة سعادة فلان باشا.
- تشرفنا.
- بس من فضلك.
- من فضلك إيه.
- من فضلك يعني.
- من فضلك. أنت عايز من فضلي إيه؟
- بس تسمح تنشرني في الجرنال.
- أنشرك بمناسبة إيه؟
- يعني تقول فلان؟
- أقول فلان ما له؟
- يعني تكتب فلان.
- يا سيدي فلان ده مبتدأ، وكل مبتدأ لا بد له من خبر، فلا بد أن نكتب فلان جرى له حاجة.
- نقول فلان جه عندنا في الإدراة.
- كل يوم بيجي في الإدارة خمسمائة واحد، ولا جرتش العادة بكتابة واحد منهم في الجرنال.
- أمال إيه الطريقة عشان تكتب.
- ذكر الأشخاص في الجرائد إنما يكون لمناسبة كالقيام بعمل عام أو خاص من إقامة حل عرس، أو لا سمح الله مأتم ونحو ذلك، فهل عزمتم على الزواج؟
- أنا متزوج.
- أعندك ولد قدمت على تزويجه، فتنشر لك نبأ عرسه؟
- ولدي ما زال صغيرًا.
- إذن فاختنه، واحتفل بختانه.
- سبق أن ختنته منذ مدة طويلة.
- لم يبق يا صاحبي إلا أن تمرض وننشر خبر مرضك وإبلائك.
- وحياة ابني، باين إن أشيتي عيانه.
- عيان بإيه؟
- يعني ما فيش مرض زي زمان!
- أنا لا أريد المرض الذي يلزم الفراش، ويستدعي الطبيب، وقلق الأهل والأصدقاء.
- طيب وأعمل إزاي في الحكاية دي؟
- قلت لي تعمل إزاي، وما عليك إلا أنك تروح من هنا على البلد، وتخليهم يحمو لك الفرن، وتفضل قدامه حتى يسيل عرقك، ثم تقوم فتستحم بماء بارد، ونحن ولله الحمد في صميم الشتاء، فتعيا بالحمى يومين أو ثلاثة، وتطيب بعدها، فنسوق خبر مرضك، ونزف للقراء بشرى شفائك.
- الله يخليك! الله يعمر بيتك؟ 1.
وهكذا صور البشري في مقاله الساخر قصة ناظر العزبة في براعة فائقة، وحوار شائق، وأسلوب أخاذ، وختمها -كما ترى- بدعاء الرجل للمحرر، ومن هنا جاءت كتابات البشري مزيجًا من الجد والفكاهة، تلتقي البساطة والرصانة في أسلوبه وكتاباته.
1 راجع: المقال في ص153 وما بعدها في العدد 24 من سلسلة أعلام العرب، الخاص بالمرحوم عبد العزيز البشري للدكتور جمال الدين الرمادي.