الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة:
جاءت هذه الدراسة -كما ترى- في مقدمة وثلاثة أبواب تضم خمسة عشر فصلًا وخاتمة، لا أدعي أني أتيت بالجديد الخارق، فحسبي أن وضحت مفهوم المقال ومعالم تطوره، وكشفت النقاب عن غوامضه، ومهدت السبيل لمن يريد الوقوف على قواعده وخصائصه واتجاهاته وأعلامه.
حاولت خلال الباب الأول أن أتعرف على المقال وتطوره، فعرضت في الفصل الأول ملامح المقال في كتابات الأدباء والبلغاء منذ القرن الثاني الهجري مثل: دينيات الحسن البصري، ورسائل عبد الحميد الكاتب، وكتابات ابن المقفع، وفصول الجاحظ، وآراء ابن قتيبة النقدية، وأوصاف أبي حيان التوحيدي، ورسائل إخوان الصفا، واجتماعيات ابن خلدون. ورأينا أنها أدت ما أداه المقال الحديث في جمال وجلال وقوة واقتدار.
وفي الفصل الثاني تناولت المقال في طوره الحديث منذ محاولات الأوروبيين في الكتابة، التي تضم أفكارًا متناثرة عن المشكلات الخلقية والمعاشية، التي ظهرت عند ميشيل دي مونتين الفرنسي، وفرانسيس بيكون الإنجليزي وغيرهما ممن اهتموا بما يشغل الناس من سياسة وأدب واجتماع وأخبار، ثم تتبعت المقال منذ نشأته في القرن التاسع عشر، والمراحل التي مر بها، ومعارك الحياة التي خاضها من شتى وجوهها، وختمت الفصل بأثر الصحف في تطور المقال وإثراء اللغة والأدب، بعد أن أشرت إلى معاني كلمات: الجريدة والصحيفة والمجلة.
وجاء الحديث في الفصل الثالث عن المقال وتنوعه، مبينًا الأسس والضوابط التي يعتمد نقاد الغرب والعرب معًا عليها من مادة تكون واضحة متأخية، وقالب يتسم بالدقة والتألق، وأفكار تأتي مرتبة ومرتبطة. وفصلت
القول في تنوع المقال بالنسبة لموقف الكاتب وأسلوبه، موضحًا الفرق بين المقالين: الأدبي والعملي. وختمت الباب بفصل رابع تناولت فيه الكتب التي نشرت مقالات متفرقة في صحف عديدة منذ نشأة الصحف حتى اليوم.
وجاء الباب الثاني في ثمانية أبواب عرضت فيها تنوع أساليب المقال، ففي الفصل الأول أبرزت المقال في إطاره اللغوي الذي عرف في كتابات أحمد فارس الشدياق وإبراهيم اليازجي ومحمد إبراهيم المويلحي الذين آثروا الألفاظ اللغوية التي لم ترددها الأفواه، واستخرجوا من دفائن المعاجم وغرائب اللغة ما ميزهم عن غيرهم من معاصريهم في التعبير والتصوير والأداء والعرض.
وفي الفصل الثاني جاء الحديث عن أصحاب أسلوب الإصلاح الاجتماعي من أمثال عبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وولي الدين يكن وغيرهم ممن دعوا إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني ومجانية التعليم وعشق الحرية في كل ما جادت به قرائحهم وفاضت به طبائعهم في مضمار الإصلاح العام.
وتناول الفصل الثالث المقال الديني وأبرز رواده، ودورهم في تنوير الأمة وحثها على التمسك بالدين والأخذ بيدها إلى طرق الخير والحق والصدق والكمال من أمثال: الشيخ محمد عبده، والشيخ علي يوسف والأمير شكيب أرسلان والدكتور أحمد أمين. وتحدثت في الفصل الرابع عن دور المقال العلمي، وأثره في إحياء التراث العلمي العربي على يد يعقوب صروف وأحمد زكي وسلامة موسى وغيرهم ممن نهضوا به، وتألقوا في سمائه وعرفه أدبنا المعاصر على أيديهم.
وفي الفصل الخامس تناولت أصحاب الأساليب الفنية التي تقوم على أسس فارقة، وقسمات مميزة من أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي، وجبران خليل جبران، وأحمد حسن الزيات وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وعمر فاخوري، ومي زيادة. وتناول الفصل السادس المقال الذي غلب عليه الأسلوب الفلسفي، وأبرزت دور
رواد هذا المجال من أمثال: أحمد لطفي السيد، وعلي أدهم، وزكي نجيب محمود.
وأبرزت في الفصل السابع دور المقال السياسي في رفع صوت الوطن والوطنية، وإيمان نابهي الأمة في الكشف عن مواطن الضعف من أمثال عبد القادر حمزة، وأمين الرافعي، ومحمد حسين هيكل، ومحمد التابعي، وفكري أباظة، وختمت الباب بفصل عرضت فيه المقال الساخر الذي يعتمد على التحليل، ويبرز ما يريده الكاتب ويعبر فيه عن هموم الناس ومشاكلهم، ويخاطبهم بالرسم حينًا، والعبارة حينًا آخر، والخبر حينًا ثالثًا، ينتقد الحكام والشخصيات، واخترت من رواد هذا اللون محمد السباعي، وعبد العزيز البشري، وحسين شفيق المصري، وإبراهيم عبد القادر المازني.
وتناول الباب الثالث المقال في الصحف المعاصرة، وقد تضمن ثلاثة فصول، أبرزت في الفصل الأول دور المقال في القضايا الفكرية التي شغلت الرأي العام العربي والإسلامي، وأشرت في بداية الفصل إلى دواعي ظهور حرية الرأي، وعرضت قضية تحرير المرأة التي أثارها المرحوم قاسم أمين في كتاباته العديدة، وقضية "الإسلام وأصول الحكم" التي قادها الشيخ علي عبد الرازق، وقضية "الشعر الجاهلي" التي أثارها الدكتور طه حسين، وقضية التبشير التي حاول المستشرقون أن يشيعوها في المجتمع الإسلامي، وخلال ذلك كله وضحت جهود الكتاب ودور المقال في الدفاع عن الشخصية الإسلامية مما أيقظ المشاعر، وأجج العواطف أمام موجات الإلحاد، وأخذوا بيد الشباب الحائر إلى الطريق القويم.
وعالج الفصل الثاني المقال المعاصر الذي عبر عن الأحداث بلغة الجميع فجاء لسان "الرأي العام" وترجمان "الوعي القومي" وعرفته الصحف منذ مطلع هذا القرن بألوانه الثلاثة: العرض الذي يعرض فكرة، ويحللها بطريقة خاصة، وآخر ينقد فكرة أو موضوعًا أو اتجاهًا في السياسة أو الأدب أو الاجتماع، وثالث ينازل الكاتب فيه خصيمًا له في الرأي أو العقيدة، ويحاول من خلاله أن يبرز قدرته الصحفية ومهارته في العرض
والرد. وأبرزت دور المقال في الصحف التي نطالعها كل يوم حتى يصبح المطالع لها على بصيرة مما يطالع، وبينة مما يقرأ.
وفي الفصل الثالث بسطت القول في ألوان المقال التي نطالعها في صحف اليوم من خاطرة عابرة، وفكرة طارئة، وكاريكاتير معبر. وجاءت هذه الألوان تحت عناوين ثابتة لكتاب عديدين، وتعالج أشياء كثيرة بطريقة تختلف عن المقال من حيث الأدلة والبراهين، والطول والقصر، وغيرها من الأشياء التي يتميز المقال بها.
ثم جاءت الخاتمة شيئًا طبيعيا، تحمل الخطوط الرئيسية، وتعطي صورة جلية للدراسة في تخطيطها وتبويبها وتنسيقها وعرضها. ونحن إذ نصل إلى الخاتمة -التي آمل حسنها- نحمد الله على ما وفق وهدى، ونسأله أن يحقق لأبنائنا الآمال العراض، حتى يقتعدوا غارب المجد.، ويتبوؤا المكانة السامية والمنزلة العليا في دنيا الفكر وعالم الثقافة. ويكونوا خير الأبناء لوطنهم ودينهم ولغتهم، والحمد لله أولًا وأخيرًا.
دكتور
السيد مرسي أبو ذكري