الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: ولي الدين عدلي يكن 873-1921 3
ولد بالأستانة وتربَّى بمصر، فحذق العربية، وأتقن التركية والعربية والفرنسية، ولم بالإنجليزية واليونانية، تمرس على الكتابة في الصحف، وشرع يكتب في السياسة والأدب والاجتماع في بعض الصحف مثل: القاهرة والنيل والمقياس، وعمد إلى متابعة كتاباته في جرائد أخرى مثل: المقطم والمشير وغيرهما محاربًا الظلم بأشكاله المختلفة، داعيًا إلى الإصلاح مما جعل السلطات تنفيه إلى "سيواس" بالأناضول، وظل بها حتى ظهور حركة المتحررين ضد سياسة عبد الحميد وإعلان الدستور 1908، ثم عاد إلى مصر.
بعد عودته لمصر انصرف إلى تحرير مقالات في الأهرام والمؤيد والرائد المصري، ثم تولى تحرير "الإقدام" التي كانت تصدر في الإسكندرية، وكتب في مجلة "الزهور" زهاء أربع سنوات، ثم أصدر جريدة "الاستقامة" عرض فيها آراءه الإصلاحية، ونقد سياسة الحكام الظالمين؛ ولذا لم تعمر طويلًا.
ترك ولي الدين يكن عددًا من الكتب معظمها مقالات نشرت في الصحف من مثل: المعلوم والمجهول، والصحائف السود، والتجاريب، وديوان شعر، قدم له صديقه أنطون الجميل، وله مؤلفات أخرى بين موضوع ومنقول، وتضافرت آراؤه في السياسة والأدب والاجتماع حتى أنها تؤلف أدبًا اجتماعيًّا هدفه المجتمع الحر الإنساني العادل الشريف، ففي السياسة يهدف إلى القضاء على الظلم المجسد في عبد الحميد وأعوانه، وفي أدبياته يدعو الشرق إلى الاهتمام بالأدب الحي اهتمام الغرب به، وهو في اجتماعياته يدعو إلى التحرر من الرجعية والتزمت.
أسلوب ولي الدين يكن:
آراء ولي الدين الجريئة في مقالاته، وعواطفه التي بثها في أبحاثه ترفعه إلى مراتب كبار الأدباء الاجتماعيين الداعيين إلى الإصلاح، وتجعله أساليبه التي وشى أدبه بها، وهو التركي، من حملة لواء البلاغة العربية؛ ولذا انفرد أسلوبه بالسمات التالية:
1-
اتسامه بالشاعرية في كل خاطرة سجلها، أو فكرة نفث أدبه بها، ومن ثم وضحت في نثره أكثر منها في بعض شعره.
2-
إيثار لوازم معينة في مواقف خاصة مثل قوله: "عندما يرى جهل الناس فيما يتعلق بهم" و"اسمعي يا أمم الشرق، واعجبي يا أمم الغرب" و"ميدي يا رواسي الأرض وأعلامها، وفيضي يا بحارها ويا أنهارها" ويصبح عندما يذكر نفي الجلادين له بالبوسفور فيقول: "يا حكماء الموت، هذا عجب الحلي من الشجي، ولعل لكم في ذمة الدهر مواقف مثل التي أنتم لها شاهدون".
3-
الصراحة في إبداء الرأي، والجرأة في محاربة أعدائه، والثورة على الباطل في كل ما سطره من أدبيات وسياسات واجتماعيات.
4-
تبدو بعض الصور الساخرة الدالة على ذهن حاد، وذكاء نقاد، مثل قوله للمتكبر الذي انشق بنطلونه من فرط مجلسه: "
…
حتى انشق بنطلونه وأفتر عن بياض قميصه، فكان عابسًا من فوق، وباسمًا من تحت
…
"، وقوله عن حديث النعمة: "
…
كالخضاب على رأس الأصلع".
5-
جزالة كلماته، وإحكام جمله، وأسر صوره، وصحة تراكيبه، وسلامة عباراته، وخفة وقعه.
6-
يحمل نفسًا هائمة، وروحًا إنسانية، تطاول السماء، وتعانق الجوزاء.
وتأمل ما جاء في مقاله عن "المرأة" لتدرك بنفسك مزايا أسلوبه يقول: "شهدت مصارع ثلاث نسوة، إحداهن قتلها الاستبداد، والثانية أرادها الجهل، والثالثة أودى بها الحجاب، قفل في ثلاثة أنجم طلقت بأفق الصيام ثم احتوائها الأفول، شباب تمضي أذوي ريب المنون بهاره1.
1 البهار: الجمال.
وأنس قريب أبعدته وحشة القدر. فأما الذي قتلها الاستبداد فامرأة جركسية كانت مقيمة مع أهلها بقرية من قرى "العزيزية" التابعة لولاية "سيواس" اشتراها أحد رجال "س
…
باشا" من أبيها بخمسة وعشرين جنيهًا، فلما قدم بها الأستانة على سيده أهداه إياها، فأسكنها حرمه وكساها وحلاها، حتى إذا خطرت لديه، رأى في مواطئ قدميها مواضع لحياة العاشقين، فخطب ودها، فنظرت إليه بعينين نجلاوتين1.
وقالت:
- مكاني في خدمة الأمير أحب إلي مما عداه.
فما زاده ذلك إلا حبًّا لها، واستهتارًا بهواها، وما زادها إلا نفورًا منه وبغضًا، فتمكنت ذات يوم من إنفاد كتاب لأبيها، تشكو له ما تجد من اشتياقها إلى أمها وأخواتها، وتعلمه بما تحس به من اضمحلال قواها. فأصابت شكايتها موضع الرحمة من فؤاد أبيها، وأقام أيامًا يتزود للسفر إليها
…
فلما عاد من سفرته، قالت له امرأته:"كيف حال من بعتها؟ " فقال: "رحمة الله عليها".
وأما التي أرداها الجهل فغانية كتمثال فينوس، استصحبها أبوها إلى بيروت وهي في الخامسة من عمرها، وأدخلها هناك إحدى مدارس الراهبات أخذًا برأي صديق له. فلما أتمت علومها التي في مدرستها أخرجها أبوها، وقد بلغت الثالثة عشرة، وأوجب عليها الحجاب، ومجاورة البيت، ومتعها مطالعة الكتب الإفرنجية. وقد قالت له:"إذن لِمَ علمتني ما لا تريد أن أعمل به؟ " فقال لها: لي الأمر، وعليك السمع والطاعة.
فبينما هي ذات يوم في غرفتها، إذا بأمها داخلة عليها، فما تقابل النظران إلا بادرت الأم إلى ابنتها قائلة:"جاء أبوك خاطب يخطبك منه"، فقالت الفتاة:"لا أريد الزواج" قالت الأم: "لكنه فتى جميل كأنه أحد أبناء الملوك" قالت الفتاة: "ما لي وجماله وغناه ومشابهته أبناء الملوك،
1 نجلاوتين: واسعتين.
أنا لا أعرفه فلا أريده". ثم مضى شهران، وفي أول الثالث زفت المجهولة على المجهول، ثم مضى شهران، فدخل عليها زوجها يومًا، وفي يدها صورة رجل مكشوف الرأس، عليه ثياب قواد الجنود، وفي يده قبعة، فغار دم زوجها، وثار غضبه، وأدركته غيرة الزوج، فعمد إلى خنجر كان يحمله فشق به بطن امرأته، فإذا هي جسد بلا روح. ولما تأمل الناس ورجال القضاء الصورة التي أغضبت الزوج، إذا هي صورة واشنطن الشهير محيي مجد أمريكا.
وأما التي قتلها الحجاب فلقد تزوجها رجل من أهل "أدنة" شديد الغيرة، دخلت بيته ليلة زفت إليه، ولم تخرج منه أبدًا، حتى إذا مرضت وثقل عليها المرض، واشتد الألم، دعا زوجها طبيبًا وأخذ يصف له ما تشكوه، فقال: "أنا لا أداوي على السماع، ولا بد من رؤية المريضة، وفحص موضع العلة، فأبَى الزوج الأبي ذلك، وما مضت أيام قلائل إلا وقد أزروها في أكفانها، وشيعوها إلى منزلها الأبدي من ضريح إلى ضريح.
وأعرف نوادر غير هذه لا أكلف نفسي ألم ذكرها، ولا أهب القراء كمد العلم بها. هذا فؤادي كالبركان، له أيام يثور فيها، وله أيام يسكن فيها، وكم لي عند الأيام من ثارات، ولكن ضعف الطالب وعز المطلوب.
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا على ولا ليا فواعجبا! الله يخلق هذه الصورة فيمسح عليها من الجمال ما يستخف لب الحكيم ويودع تلك الأرواح لطف الإلهام ونور اليقين، فإذا هي تكاملت في أشكالها، تخاطفتها أيدي المتغلبين فقالوا:"هذا متاع حسن ولهو، ومسكن لذة، ومستقر هوى! "ظلال في ظلال".
أما لو كان في الغانيات مثل جورج ساند، ومثل مدام ذونو أي1 لتقاعست هم المستبدين. رأيت رجالًا يبذرون المال تبذيرًا، فإذا أقاموا
1 أديبتان فرنسيتان شهيرتان.
الأفراح نصبوا السرادقات1، ورفعوا الأعلام، وأوقدوا الزينات، ومدوا الموائد، وجاءوا بالمغنين والمغنيات، واستكملوا أسباب المسرات. كل ذلك ليدخلوا بامرأة يعرفونها، خطبوها لأنها خلقت لتخطب، فإذا صارت في أيديهم أيامًا ملوا حديثها، وسئموا قربها، وراحوا يفتشون عن غيرها. فمثلهم كمثل الطفل المدلل يرى اللعبة، فيبكي لأبيه وأمه حتى يبتاعاها له. ثم لا يلبث أن يحطمها ويطرحها جانبًا، لياتيا له بغيرها. هذا عصر غارة شعواء، يشنها المجددون على شيعة الرأي القديم، وما ضرني، وقد اشتعل الرأس شيبًا، أن أتقدم صفوف الشباب، فإن لم أكن صاحب أمرهم، فما عليَّ أن أكون حامل رايتهم، فمن لي بصاحب "تحرير المرأة"2 أن ينفض عنه تراب القبر، ويخرج إلى الأحياء ليرى مبلغ استفادتهم من رأيه، أما إنه لو فعل، ولن يفعل، وقرأ ما يكتبه قوم في إبقاء حجاب والتحكم على أمهات الأجيال الآتية، لكر راجعًا إلى مرقده، وأغمض عينيه حتى لا يرى، وأذنيه لكي لا يسمع، وأنشد قول الحكيم3:
ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد"4.
عدلي يكن من كبار الأدباء الداعين إلى الإصلاح -رغم تركيته- ففي مجال الإصلاح السياسي، دعا إلى القضاء على الخليفة عبد الحميد وأعوانه، وفي مجال الإصلاح الاجتماعي، دعا إلى التحرر من الرجعية والتزمت.
1 السرادقات: جمع سرادق وهو الخيمة.
2 تحرير المرأة: كتاب قاسم أمين.
3 هو أبو العلاء المعري.
4 راجع الصحائف السود ص10 وما بعدها.