الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: قاسم أمين 1863-1908
كاتب صنعته أحداث عصره، ومصلح واعٍ لمشاكل مجتمعه، عمقته ثقافته الواسعة، وتجاربه العديدة، واطلاعه على الحياة الاجتماعية في بيئات مختلفة، بدت بواكير نزعاته الإصلاحية منذ رد على مفتريات "الدوق داركوه" الفرنسي الذي زعم انصراف المصريين عن حب المغامرة وحجاب المرأة المصرية.
كشف النقاب عن عيوب مجتمعه بسلسلة من المقالات، نشرها بجريدة "المؤيد" متتابعة حتى 1898. ودارت حول المال والوجوه التي ينبغي أن يصرف فيها، وأسس التربية السليمة، وأنانية موظفي الدولة التي أعمتهم عن كل حب إلا حبهم لأنفسهم، وهي التي جمعت -فيما بعد- في كتابه "أسباب ونتائج، وأخلاق ومواعظ".
اتجه إلى تحرير المرأة التي تكون نصف الأمة، فبدأ يهيئ الأفكار للإصلاح الاجتماعي بسلسلة من المقالات بجريدة "المؤيد" 1898، دعا فيها إلى تعليم الفتاة حتى تتمكن من العمل في وظيفة تحول دون ترديها في الرذيلة، وربط عملها بالضرورة كان يموت زوجها أن يكون فقيرًا، أو لم تتزوج وليس لها من يعلوها، واستهدف من دعوته رفع قيمة المرأة وصون كرامتها؛ لأن المرأة المتعلمة تخشى عواقب الأمور من الجاهلة.
واهتم بموضوع يمس جوهر الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهو الحجاب، واعتبره أصلًا من أصول الأدب بشرط مطابقته لما جاءت الشريعة الإسلامية به، لا ما يتعارف الناس عليه من مغالاة مبالغة، ثم انتقل بعد ذلك إلى موضوع المرأة والأمة، رد فيه ضعف الأمة الإسلامية إلى ضعف العقل والانصراف عن العلوم العصرية، ورأى أن نجاة الأمة يكمن في استجماع قواها، لا سيما قوة العقل والعلم التي هي أساس كل قوة، ولن تحقق النهضة العلمية الشاملة إلا بتربية المرأة تربية سليمة حتى تشرق الشمس علينا مرة أخرى.
أسلوب قاسم أمين:
كان قاسم أمين مرهف الإحساس، يتأثر بما حوله، ويخترن ما يتلقفه خاطره، ثم يصوغه تجارب أدبية في أسلوب مشرق، خالٍ من قيود الصنعة، متحرر من كل قيد، ولقد عبر عن موقعه من أسلوب الكتاب في عصره فقال:"الكاتب الحقيقي يجتنب استعمال المترادفات، فلا يأتي باسمين مختلفين لمعنى واحد في مكان واحد؛ لأن ذلك يكون حشوًا في الكلام مستهجنًا، ودليلًا على فقر الفكر والخيال، ولكن إذا كان المقال يستدعي ذكر عدة معانٍ متقاربة يجمعها معنى واحد، فاستعمال المترادفات الموضوعية لها حسن، وقد يكون مطلوبًا إذا كان لازمًا لتسهيل فهمها أو إظهار الفروق التي بينها". ويتميز أسلوب قاسم أمين بما يلي:
1-
التحلل من قيود الصنعة، والتحرر من كل قيد، فجاء سلسًا متدفقًا في حرية وانطلاق، لا تكلف يقيده، ولا زخارف تعوقه.
2-
يعرب عن شخصية أدبية مرهفة، تتأثر وتنفعل بما تراه، وتعبر عنه في إطار عربي سليم يكشف عن ثقافة عريضة وعقل كبير.
3-
الاهتمام بوصف الأجزاء الصغيرة، والدقة في رسم معالم الصورة التي يشخصها، والشخصية التي يتحدث عنها كأنها أمامنا.
4-
استعمال كلمات دارجة مثل: "غيط ونكش" وإن كانت عربية صحيحة، واستخدام كلمات عربية في تركيب دارج مثل:"آه يا عيني".
5-
يسوده الجدل المنطقي في مقالات تحرير المرأة والمرأة الجديدة، فتراه يذكر القضية، ويناقش جزئياتها، ويدعمها بالحجج والبراهين، حتى يقنع المعارضين بما يراه.
6-
يستوعب جلائل الأعمال ودقائق الأمور، ويقسم الفكرة إلى جزئيات ثم يناقش كل وحدة على حدة حتى تتجمع الصورة الكلية في الإطار العام.
7-
يتضمن حِكَمًا فلسفية هي خلاصة تجارب عاناها في حياته، تركزت في كلمات تدل على عميق إحساسه، وقربها من النفوس؛ لأنها مستمدة من البيئة المصرية الحديثة مثل:"النفس الضعيفة تنحني للقوى، وتنكمش أمام الظالم، وتهاب كل مصاحب سلطة".
8-
كثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم في مواقف عديدة، نظرًا لثقافته الدينية وطبيعة الموضوع الذي يعالجه، كما هو واضح في مقالات "أسباب ونتائج وأخلاق ومواعظ".
نسوق إليك فقرات من كتاباته الصحفية التي ضمها كتابه "تحرير المرأة" يقول عن مساواة المرأة بالرجل في التعليم: "يجب أن تتعلم كل ما ينبغي أن يتعلم الرجل من التعليم الابتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم يسمح لها بعد ذلك باختيار ما يوافق ذوتها منها
وإنقانه بالاشتغال به متى شاءت"1.
وتشتعل حماسته حين يتصور المرأة زوجة فيقول: "ترى نساءنا يمدحن رجالًا لا يقبل رجل شريف أن يمد يده لهم ليصافحهم، ويكرهن آخرين ممن نعتبر وجودهم شرفًا لنا؛ ذلك لأن المرأة الجاهلة تحكم على الرجل بقدر عقلها. فأحسن رجل عندها هو من يلاعبها طول النهار وطول الليل ويكون عنده ما لا يفنى لقضاء ما تشتهيه من الملابس والحلي والحلوى، وأبغض الرجال عندها من يقضي أوقاته في الاشتغال في مكتبه"2.
ويرى أن التعليم يرد إلى المرأة شخصيتها، ويسمح له بالتفكير السليم ويصون كرامتها فيقول:"والمعول في كل ذلك على الأخلاق التي نشأت عليها المرأة في تربيتها الابتدائية. فإن اعتادت على أن تشغل أوقاتها بالمطالعة ومزاولة الأعمال المنزلية، وتربت بين أهل وعشيرة رأت فيهم أسوة الجد والاستقامة، وغاب من بينهم كل ما يؤثر في مشاعرهم أثرًا غير صالح أو يهيج حسها إلى أمر غير لائق، وتعودت على أن تقيم من عقلها حاكمًا على قواها الحسية، كان النادر أن تحيد عن الطريق المستقيم وأن تلقي بنفسها في غمرات الشهوات التي لا تسلم مهما كانت من الخطر والعذاب والندم، وبالجملة فإنا نرى أن تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل، بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطرق المحافظة عليه، وأرى أن من يعتمد على جهل امراته مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أن يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق"3.
ويرى أن الحجاب أصل من أصول الأدب، ومن مفاهيمه قصر المرأة في البيت وبعد الرجال عنها، وعلى الرغم من أن نساء النبي مأمورات بالاستقرار في بيوتهن فإنه يشير إلى عدم: "المساواة في هذا الحكم، وينبهنا إلى أن في
1 راجع: تحرير المرأة ص18.
2 راجع: تحرير المرأة ص34.
3 نفس المرجع السابق ص51.
عدم الحجاب حكمًا ينبغي لنا اعتبارها واحترامها، وليس من الصواب تعطيل تلك الحكم لاتباع الأسوة، وكما يحسن التوسع فيما فيه تيسير أو تخفيف، كذلك لا يجمل الغلو فيما فيه تشديد وتضييق أو تعطيل لشيء من مصالح الحياة"1.
ويستثير النخوة ويستحث المشاعر فيقول: "أليس من الغريب ألا يوجد رجل فينا يثق بامرأة أبدا مهما اختبرها، ومهما عاشت معه؟! أليس من العار أن نتصور أن أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا لا يعرفن صيانة أنفسهن؟! متى خرج أحدنا من منزله أو سمح لامراته أن تخرج بسبب من الأسباب؟ فعلامَ يتكل أن لم يكن على صيانتها وحفظها نفسها بنفسها؟ ثم ماذا يفيد الرجل أن يملك جسم امرأته وحده إذا غاب عنه قلبها"2.
وينذر من لم يقتنعوا بكتاباته في تحرير المرأة، حتى يشتد وقع كلماته وكأنها دقات طبول في ساعة الخطر فيقول:"طرقت ديارنا حوادث وداخلنا حرب من الاختلاط مع أمم كثيرة من الغربيين، ووجدت علائق بيننا وبينهم، علمتنا أنهم أرقى منا وأشد قوة، ومال ذلك بالجمهور الأغلب منا إلى تقليدهم في ظواهر عوائدهم خصوصًا إن كان ذلك إرضاء لشهوة أو إطلاقًا من قيد. فكان من ذلك أن كثيرًا من أعليائنا تساهلوا لزوجاتهم ومن يتصل بهم من النساء، وتسامحوا لهن في الخروج إلى المنتزهات وحضور التياترات ونحو ذلك، وقلدهن في ذلك كثير من يليهن، وعرض من هذه الحالة بعض فساد من الأخلاق"3.
ويشير إلى تطور الحجاب من مرحلة إلى أخرى فيقول: "إني لا أقصد الآن رفع الحجاب دفعة واحدة، والنساء على ما هن عليه اليوم. فإن هذا الانقلاب ربما ينشأ عنه مفاسد جمة، لا يتأتى معها الوصول إلى الغرض المطلوب كما هو الشأن في كل انقلاب فجائي، وإنما الذي أميل إليه هو
1 راجع: تحرير المرأة ص67.
2 المرجع السابق: ص80.
3 راجع: تحرير المرأة ص83.
إعداد نفوس البنات في زمن الصبا إلى هذا التغيير"1.
وبعد مناقشته لمسألة الحجاب انتقل إلى موضوع المرأة والأمة، وهو أخطر الموضوعات وأكثرها أهمية، ورأى أنه السبيل لنهوض الأمة الإسلامية، فيقول:"لا سبيل إلى النجاة من الاضمحلال والفناء إلا طريق واحد لا مندوحة عنها، وهي أن تستعد الأمة لهذا القتال، وتأخذ له أهبتها، وتستجمع من القوى ما يساوي القوة التي تهاجمها من أي نوع كانت، خصوصًا تلك القوى المعنوية، وهي قوة العقل والعلم التي هي أساس كل قوة سواها. فإذا تعلمت الأمة كما يتعلم مزاحموها، وسلكت في التربية مسالكهم، وأخذت الأعمال مآخذهم، وتدرعت للكفاح بمثل ما تدرعوا به، أمكنها أن تعيش بجانبهم، بل تيسر لها أن تسابقهم فتسبقهم فتستأثر بالخير دونهم؛ لأن البلاد بلادها، وأرضها أبر بها منها بالغريب عنها، وأبناءها أقدر على المعيشة فيها"2.
كان قاسم أمين صاحب نزعات إصلاحية منذ بدأ يعي ما حوله، ويدرك ما يدور في مجتمعه، فاهتم بكشف النقاب عن العيوب التي تعوق إصلاحه، وتقف أمام تقدمه، فكتب عدة مقالات هيأت النفوس للإصلاح الاجتماعي الذي دعا إليه، وركز عليه، وهو تحرير المرأة من قيود الجهل وعوامل التخلف ودواعي المغالاة في الحجاب، ودعا إلى تعليم الفتاة، ورمى من وراء ذلك رفع قيمة المرأة والحفاظ عليها، على اعتبار أن التعليم يكفل لها التفكير السليم، ويصون كرامتها، ويحميها من التردي في مهاوي الرذيلة.
1 راجع: المرجع السابق ص92.
2 راجع: المرجع السابق ص95.
3 "يكن" كلمة تركية تعني "ابن الأخت" لقب بها ولي الدين؛ لأن جده ابن أخت محمد علي الذي حكم مصر في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وأصبح اللقب اسمًا للعائلة.