المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فتح المدائن وجلولاء بعدها - تاريخ ابن خلدون - جـ ٢

[ابن خلدون]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثاني]

- ‌الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد

- ‌المقدّمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في أنسابهم

- ‌المقدّمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم

- ‌القول في أجيال العرب وأوّليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها وأنساب كل طبقة منها

- ‌برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الأربع على ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل طبقة منها

- ‌الطبقة الاولى من العرب وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإمام بملكهم ودولهم على الجملة

- ‌الخبر عن إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام ونسبه الى فالغ بن عابر وذكر أولاده صلوات الله عليهم وأحوالهم

- ‌الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وأيامهم وملوكهم والإلمام ببعض الدول التي كانت على عهدهم

- ‌الخبر عن ملوك التبابعة من حمير وأوليتهم باليمن ومصاير أمورهم

- ‌ملك الحبشة اليمن

- ‌غزو الحبشة الكعبة

- ‌قصة سيف بن ذي يزن وملك الفرس على اليمن

- ‌الخبر عن ملوك بابل من النبط والسريانيين وملوك الموصل ونينوى من الجرامقة

- ‌الخبر عن القبط وأوّلية ملكهم ودولهم وتصاريف أحوالهم والإلمام بنسبهم

- ‌الخبر عن بني إسرائيل وما كان لهم من النبوة والملك وتغلبهم على الأرض المقدّسة بالشام وكيف تجدّدت دولتهم بعد الانقراض وما اكتنف ذلك من الأحوال

- ‌الخبر عن حكام بني إسرائيل بعد يوشع الى أن صار أمرهم إلى الملك وملك عليهم طالوت

- ‌الخبر عن ملوك بني إسرائيل بعد الحكام ثم افتراق أمرهم والخبر عن دولة بني سليمان بن داود على السبطين يهوذا وبنيامين بالقدس الى انقراضها

- ‌الخبر عن افتراق بنى إسرائيل منهم ببيت المقدس على سبط يهوذا وبنيامين الى انقراضه

- ‌الخبر عن دولة الأسباط العشرة وملوكهم الى حين انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن عمارة بيت المقدس بعد الخراب الأوّل وما كان لبني إسرائيل فيها من الملك في الدولتين لبني حشمناي وبني هيردوس إلى حين الخراب الثاني والجلوة الكبرى

- ‌ابتداء أمر انظفتر [1] أبو هيردوس

- ‌انقراض ملك بني حشمناي وابتداء ملك هيردوس وبنيه

- ‌الخبر عن شأن عيسى بن مريم صلوات الله عليه في ولادته وبعثته ورفعه من الأرض والإلمام بشأن الحواريين بعده وكتبهم الأناجيل الأربعة وديانة النصارى بملته واجتماع الاقسة على تدوين شريعته

- ‌الخبر عن الفرس وذكر أيامهم ودولهم وتسمية ملوكهم وكيف كان مصير أمرهم الى تمامه وانقراضه

- ‌الطبقة الاولى من الفرس وذكر ملوكهم وما صار اليه في الخليقة أحوالهم

- ‌الطبقة الثانية من الفرس وهم الكينية وذكر ملوكهم وأيامهم إلى حين انقراضهم

- ‌الطبقة الثالثة من الفرس وهم الأشكانية ملوك الطوائف وذكر دولهم ومصاير أمورهم الى نهايتها

- ‌الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي

- ‌الخبر عن دولة يونان والروم وأنسابهم ومصايرهم

- ‌الخبر عن دولة يونان والإسكندر منهم وما كان لهم من الملك والسلطان الى انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن اللطينيين وهم الكيتم المعرفون بالروم من أمم يونان وأشياعهم وشعوبهم وما كان لهم من الملك والغلب وذكر الدولة التي فيهم للقياصرة وأولية ذلك ومصايره

- ‌الخبر عن فتنة الكيتم مع أهل إفريقية وتخريب قرطاجنة ثم بناؤها على الكيتم وهم اللطينيون

- ‌الخبر عن ملوك القياصرة من الكيتم وهم اللطينيون ومبدإ أمورهم ومصاير أحوالهم

- ‌الخبر عن القياصرة المتنصرة من اللطينيين وهم الكيتم واستفعال ملكهم بقسطنطينية ثم بالشام بعدها إلى حين الفتح الإسلامي ثم بعد إلى انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن ملوك القياصرة من لدن هرقل والدولة الإسلامية الى حين انقراض أمرهم وتلاشي أحوالهم

- ‌الخبر عن القوط وما كان لهم من الملك بالأندلس الى حين الفتح الإسلامي وأوّلية ذلك ومصايره

- ‌الطبقة الثالثة من العرب وهم العرب التابعة للعرب وذكر افاريقهم وأنسابهم وممالكهم وما كان لهم من الدول على اختلافها والبادية والرحالة منهم وملكها

- ‌الخبر عن أنساب العرب من هذه الطبقة الثالثة واحدة واحدة وذكر مواطنهم ومن كان له الملك منهم

- ‌الخبر عن حمير من القحطانية وبطونها وتفرع شعوبها

- ‌الخبر عن قضاعة وبطونها والإلمام ببعض الملك الّذي كان فيها

- ‌الخبر عن بطون كهلان من القحطانية وشعوبهم واتصال بعضها مع بعض وانقضائها

- ‌الخبر عن ملوك الحيرة من آل المنذر من هذه الطبقة وكيف انساق الملك اليهم ممن قبلهم وكيف صار إلى طيِّئ من بعدهم

- ‌ملوك كندة الخبر عن ملوك كندة من هذه الطبقة ومبدإ أمرهم وتصاريف أحوالهم

- ‌الخبر عن أبناء جفنة ملوك غسان بالشام من هذه الطبقة وأوليتهم ودولهم وكيف انساق الملك اليهم ممن قبلهم

- ‌الخبر عن الأوس والخزرج أبناء قيلة من هذه الطبقة ملوك يثرب دار الهجرة وذكر أوليتهم والإلمام بشأن نصرتهم وكيف انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن بني عدنان وأنسابهم وشعوبهم وما كان لهم من الدول والملك في الإسلام وأوّلية ذلك ومصايره

- ‌الخبر عن قريش من هذه الطبقة وملكهم بمكة وأولية أمرهم وكيف صار الملك اليهم فيها ممن قبلهم من الأمم السابقة

- ‌أمر النبوّة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الإسلام بعد الاباية والحرب

- ‌المولد الكريم وبدء الوحي

- ‌بدء الوحي

- ‌هجرة الحبشة

- ‌ العقبة الثانية

- ‌الهجرة

- ‌الغزوات

- ‌الأبواء:

- ‌بواط:

- ‌البعوث:

- ‌غزوة بدر الثانية:

- ‌غزوة الكدر:

- ‌غزوة السويق:

- ‌ذي أمرّ:

- ‌نجران:

- ‌قتل كعب بن الأشرف:

- ‌غزوة بني قينقاع:

- ‌سرية زيد بن حارثة إلى قردة:

- ‌قتل ابن أبي الحقيق:

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد:

- ‌بعث الرجيع:

- ‌غزوة بئر معونة:

- ‌غزوة بني النضير:

- ‌غزوة ذات الرقاع:

- ‌غزوة بدر الصغرى الموعد:

- ‌غزوة دومة الجندل:

- ‌غزوة الخندق

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌غزوة الغابة وذي قرد

- ‌غزاة بني المصطلق:

- ‌عمرة الحديبيّة

- ‌إرسال الرسل الى الملوك

- ‌غزوة خيبر

- ‌فتح فدك ووادي القرى

- ‌عمرة القضاء

- ‌غزوة جيش الأمراء

- ‌فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌حصار الطائف وغزوة تبوك

- ‌إسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات

- ‌الوفود

- ‌ حجة الوداع

- ‌العمال على النواحي

- ‌خبر العنسيّ

- ‌بعث أسامة:

- ‌أخبار الأسود ومسيلمة وطليحة:

- ‌مرضه صلى الله وسلم عليه:

- ‌خبر السقيفة

- ‌الخلافة الإسلامية

- ‌الخبر عن الخلافة الإسلامية في هذه الطبقة وما كان فيها من الرّدة والفتوحات وما حدث بعد ذلك من الفتن والحروب في الإسلام ثم الاتفاق والجماعة

- ‌بعث الجيوش للمرتدين

- ‌خبر طليحة

- ‌خبر هوازن وسليم وبني عامر

- ‌خبر بني تميم وسجاح

- ‌البطاح ومالك بن نويرة

- ‌خبر مسيلمة واليمامة

- ‌ردّه الحطم وأهل البحرين

- ‌ردة أهل عمان ومهرة واليمن [2]

- ‌بعوث العراق وصلح الحيرة

- ‌فتح الحيرة

- ‌فتح ما وراء الحيرة

- ‌فتح الأنبار وعين التمر وتسمّى هذه الغزوة ذات العيون

- ‌الوقائع بالعراق

- ‌بعوث الشام

- ‌بعوث الشام

- ‌خلافة عمر رضي الله عنه

- ‌فتح دمشق

- ‌خبر المثنى بالعراق بعد مسير خالد الى الشام

- ‌ولاية أبي عبيد بن مسعود على العراق ومقتله

- ‌أخبار القادسية

- ‌فتح المدائن وجلولاء بعدها

- ‌ولاية عتبة بن غزوان على البصرة

- ‌وقعة مرج الروم وفتوح مدائن الشام بعدها

- ‌وقعة أجنادين وفتح بيسان والأردن وبيت المقدس

- ‌مسير هرقل إلى حمص وفتح الجزيرة وارمينية

- ‌غزو فارس من البحرين وعزل العلاء عن البصرة ثم المغيرة وولاية أبي موسى

- ‌بناء البصرة والكوفة

- ‌فتح الأهواز والسوس بعدهما

- ‌مسير المسلمين الى الجهات للفتح

- ‌مجاعة عام الرمادة وطاعون عمواس

- ‌فتح مصر

- ‌وقعة نهاوند وما كان بعدها من الفتوحات

- ‌فتح همذان

- ‌فتح الريّ

- ‌فتح أذربيجان

- ‌فتح الباب

- ‌فتح موقان وجبال ارمينية

- ‌غزو الترك

- ‌فتح خراسان

- ‌فتوح فارس

- ‌إصطخر:

- ‌بسا ودرابجرد:

- ‌كرمان:

- ‌سجستان:

- ‌مكران:

- ‌خبر الأكراد

- ‌مقتل عمر وأمر الشورى وبيعة عثمان رضي الله عنه

- ‌نقض أهل الاسكندرية وفتحها

- ‌ولاية الوليد بن عقبة الكوفة وصلح أرمينية وأذربيجان

- ‌ولاية عبد الله بن أبي سرح على مصر وفتح افريقية

- ‌فتح قبرص

- ‌ولاية ابن عامر على البصرة وفتوح فارس وخراسان

- ‌ولاية سعيد بن العاص الكوفة

- ‌غزو طبرستان

- ‌غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف

- ‌مقتل يزدجرد

- ‌ظهور الترك بالثغور

- ‌بدء الانتقاض على عثمان رضي الله عنه

- ‌حصار عثمان ومقتله رضي الله عنه وأتابه ورفع درجته

- ‌بيعة علي رضي الله عنه

- ‌أمر الجمل

- ‌انتقاض محمد بن أبي حذيفة بمصر ومقتله

- ‌ولاية قيس بن سعد على مصر

- ‌مبايعة عمرو بن العاص لمعاوية

- ‌أمر صفين

- ‌ أمر الحكمين

- ‌أمر الخوارج وقتالهم

- ‌ولاية عمرو بن العاص مصر

- ‌دعاء ابن الحضرميّ بالبصرة لمعاوية ومقتله

- ‌ولاية زياد على فارس

- ‌فراق ابن عبّاس لعلي رضي الله عنهم

- ‌مقتل علي

- ‌بيعة الحسن وتسليمه الأمر لمعاوية

الفصل: ‌فتح المدائن وجلولاء بعدها

‌فتح المدائن وجلولاء بعدها

ولما انهزم أهل فارس بالقادسية انتهوا إلى بابل وفيهم بقايا الرؤساء النخيزجان ومهران الأهوازي والهرمزان وأشباههم واستعملوا عليهم الفيرزان. وأقام سعد بعد الفتح شهرين وسار بأمر عمر إلى المدائن وخلف العيال بالعتيق في جند كثيف حامية لهم، وقدّم بين يديه زهرة بن حيوة وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن المعتمر [1] ، ولقيهم بعض عساكر الفرس برستن فهزموهم حتى لحقوا ببابل. ثم جاء سعد وسار في التعبية ونزلوا على الفيرزان ومن معه ببابل، فخرجوا وقاتلوا المسلمين، فانهزموا وافترقوا فرقتين ولحق الهرمزان بالأهواز والفيرزان بنهاوند وبها كنوز كسرى، وسار النخيزجان ومهران إلى المدائن فتحصنوا وقطعوا الجسر. ثم سار سعد من بابل على التعبية وزهرة في المقدمة، وقدم بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب السبيعي [2] حتى عبرا ولحقا بأخريات القوم، فقتلا في طريقهما اسوارين من أساورتهم، ثم تقدموا إلى كوثى [3] وعليها شهريار فخرج لقتالهم فقتل وانهزم أصحابه فافترقوا في البلاد. وجاء سعد فنفل قاتله سلبه.

وتقدّم زهرة إلى ساباط فصالحه أهلها على الجزية وهزم كتيبة كسرى، ثم نزلوا جميعا نهرشير [4] من المدائن، ولما عاينوا الإيوان كبروا وقالوا: هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله. وكان نزولهم عليها ذا الحجة سنة خمس عشرة فحاصروها ثلاثة أشهر ثم اقتحموها، وكانت خيولهم تغير على النواحي وعهد إليهم عمر أن من أجاب من الفلاحين ولم يعن عليهم فذلك أمانة، ومن هرب فأدرك فشأنكم به. ودخل الدهاقين من غربي دجلة وأهل السواد كلهم في أمان المسلمين واغتبطوا بملكهم، واشتد الحصار على نهرشير ونصبوا عليها المجانيق واستلحموهم في المواطن، وخرج بعض المرازبة يطلب البراز، فقاتله زهرة بن حيوة فقتلا معا، ويقال إن زهرة قتله شبيب الخارجي أيام الحجاج. ولما ضاق بهم الحصار ركب إليهم الناس بعض الأيام

[1] وفي النسخة الباريسية: ابن المعتز.

[2]

وفي النسخة الباريسية: السعدي.

[3]

وفي النسخة الباريسية: كوتا.

[4]

وفي نسخة ثانية: بهرشير.

ص: 536

فلم يروا على الأسوار أحدا إلا رجلا يشير إليهم فقال: ما بقي بالمدينة أحد وقد صاروا إلى المدينة القصوى التي فيها الإيوان، فدخل سعد والمسلمون وأرادوا العبور إليهم فوجدوهم جمعوا المعابر عندهم، فأقام أياما من صبر ودلّه بعض العلوم على مخاضة في دجلة فتردّد، فقال له أقدم فلا تأتي عليك ثلاثة إلا ويزدجرد قد ذهب بكل شيء فيها. فعزم سعد على العبور وخطب الناس وندبهم إلى العبور ورغبهم، وندب من يجزى أن لا يجيء الفراض حتى يجيز إليه الناس، فانتدب عاصم بن عمر في ستمائة واقتحموا دجلة فلقيهم أمثالهم من الفرس عند الفراض وشدوا عليهم فانهزموا وقتل أكثرهم وعوروا من الطعن في العيون، وعاينهم المسلمون على الفراض، فاقتحموا في أثرهم يصيحون نستعين باللَّه ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا باللَّه العلي العظيم. وساروا في دجلة وقد طبقوا ما بين عدوتيها وخيلهم سابحة بهم وهم يهيمنون تارة ويتحادثون أخرى حتى أجازوا البحر ولم يفقدوا شيئا، إلا قدحا لبعضهم غلبت صاحبه عليه وجرية الماء وألقته الريح إلى الشاطئ.

ورأى الفرس عساكر المسلمين قد أجازوا البحر فخرجوا هاربين إلى حلوان، وكان يزدجرد قدم إليها قبل ذلك عياله، ورفعوا ما قدروا عليه من عرض المتاع وخفيفة ومن بيت المال والنساء والذراري، وتركوا بالمدائن من الثياب والأمتعة والآنية والألطاف ما لا تحصر [1] قيمته، وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف مكرّرة ثلاث مرّات تكون جملتها ثلاث آلاف قنطار من الدنانير، وكان رستم عند مسيره إلى القادسية حمل نصفها لنفقات العساكر وأبقى النصف. واقتحمت العساكر المدينة تجول في سكسكها لا يلقون بها أحدا، وأرز سائر الناس إلى القصر الأبيض حتى توثقوا لأنفسهم على الجزية.

ونزل سعد القصر الأبيض واتخذ الإيوان به مصلّى ولم يغير ما فيه من التماثيل، ولما دخله قرأ «كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 44: 25» الآية، وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن وأتم الصلاة بنية الإقامة. وسرح زهرة بن حيوة في آثار الأعاجم إلى النهروان وقراها من كل جهة، وجعل على الأخماس عمرو بن عمرو بن مقرّن، وعلى القسم سلمان بن ربيعة الباهلي وجمع ما كان في القصر والإيوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة، ووجدوا حلية كسرى ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التي كان

[1] وفي نسخة ثانية: لا تحصى.

ص: 537

يجلس فيها للمباهاة أخذ ذلك من أيدي الهاربين على بغلين، وأخذ منهم أيضا وقر بغل من السيوف وآخر من الدروع والمغافر منسوبة كلها: درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباد وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان أحضرها القعقاع وخيّره في الأسياف، فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام، وبعث إلى عمر سيف كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس. وقسّم سعد الفيء بين المسلمين بعد ما خمسه، وكانوا ستين ألفا فصار للفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، ونفل من الأخماس في أهل البلاد، وقسم في المنازل بين الناس، واستدعى العيالات من العتيق فأنزلهم الدور ولم يزالوا بالمدائن حتى تم فتح جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، واختططت الكوفة فتحولوا إليها، وأرسل في الخمس كل شيء يعجب العرب منهم أن يضع إليهم، وحضر إليهم نهار كسرى وهو الغطف وهو بساط طوله ستون ذراعا في مثلها مقدار مزرعة جريت في أرضه وهي منسوجة بالذهب طرقا كالأنهار وتماثيل خلالها بصدف الدر والياقوت وفي حافاتها كالأرض المزدرعة والمقبلة بالنبات ورقها من الحرير على قضبان الذهب وزهره حبات الذهب والفضة وثمره الجوهر، كانت الأكاسرة يبسطونه في الإيوان في فصل الشتاء عند فقدان الرياحين يشربون عليه، فلما قدمت الأخماس على عمر قسمها في الناس، ثم قال أشيروا في هذا القصب، فاختلفوا وأشاروا على نفسه، فقطعه بينهم، فأصاب عليّ قطعة منه باعها بعشرين ألفا ولم تكن بأجودها.

وولى عمر سعد بن أبي وقاص على الصلاة والحرب فيما غلب عليه، وولى حذيفة بن اليمان على سقي الفرات، وعثمان بن حنيف على سقي دجلة، ولما انتهى الفرس بالهرب إلى جلولاء، وافترقت الطرق من هنالك بأهل آذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس، وقفوا هنالك خشية الافتراق واجتمعوا على مهران الرازيّ وخندقوا على أنفسهم وأحاطوا الخندق بجسر الحديد، وتقدّم يزدجرد إلى حلوان. وبلغ ذلك سعدا فكاتب عمر بذلك يأمره أن يسرح بجلولاء هاشم ابن أخيه عتبة في اثني عشر ألفا وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وأن يولي القعقاع بعد الفتح ما بين السواد والجبل. فسار هاشم من المدائن لذلك في وجوه المسلمين وأعلام العرب حتى قدم جلولاء فأحاط بهم وحاصرهم في خنادقهم، وزاحفوهم ثمانين يوما ينصرون عليهم في

ص: 538

كلها والمدد متصل من هاهنا وهاهنا ثم قاتلهم آخر الأيام فقتلوا منهم أكثر من ليلة الهرير، وأرسل الله عليهم ريحا وظلمة فسقط فرسانهم في الخندق وجعلوه طرقا مما يليهم ففسد حصنه، وشعر المسلمون بذلك فجاء القعقاع إلى الخندق فوقف على بابه، وشاع في الناس أنه أخذ في الخندق، فحمل الناس حملة واحدة انهزم المشركون لها وافترقوا، ومرّوا بالجسرة التي تحصنوا بها فعقرت دوابهم فترجلوا ولم يفلت منهم إلا القليل، يقال إنه قتل منهم يومئذ مائة ألف. واتبعهم القعقاع بالطلب إلى خانقين، وأجفل يزدجرد من حلوان إلى الري واستخلف عليها حشرشوم [1] ، وجاء القعقاع إلى حلوان فبرز إليه حشرشوم وعلى مقدمته الرومي، فقتله القعقاع وهرب حشرشوم من ورائه، وملك القعقاع حلوان وكتب إلى عمر بالفتح واستأذنوا في اتباعهم، فأبى وقال: وددت أنّ بين السواد والجبل سدا حصينا من ريف السواد فقد آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.

وأحصيت الغنيمة فكانت ثلاثين ألف ألف، فقسمها سلمان بن ربيعة، يقال: إنه أصاب الفارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب. وبعثوا بالأخماس إلى عمر مع زياد ابن أبيه. فلما قدم الخمس قال عمر: والله لا يجنه سقف حتى أقسمه، فجعله في المسجد وبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه، ولما أصبح جاء في الناس ونظر إلى ياقوتة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر؟ قال: والله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا فيلقي الله بأسهم بينهم. ومنع عمر من قسمة السواد ما بين حلوان والقادسية فاقرّه حبسا، واشترى جرير بعضه بشاطئ الفرات فردّ عمر الشراء.

ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغهم أن أدين بن الهرامون جمع جمعا وجاء بهم إلى السهل، فبعث إليه ضرار بن الخطاب في جيش فلقيهم بماسبدان فهزمهم وأسر أدين فقتله، وانتهى في طلبهم إلى النهروان وفتح ماسبدان عنوة وردّ إليها أهلها ونزل بها فكانت أحد فروج الكوفة، وقيل كان فتحها بعد نهاوند والله سبحانه أعلم.

[1] وفي النسخة الباريسية: خسرشوم وفي نسخة أخرى خشرشوم وفي الطبري ج 4 ص 136: خسروشنوم.

ص: 539