المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي - تاريخ ابن خلدون - جـ ٢

[ابن خلدون]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثاني]

- ‌الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد

- ‌المقدّمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في أنسابهم

- ‌المقدّمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم

- ‌القول في أجيال العرب وأوّليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها وأنساب كل طبقة منها

- ‌برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الأربع على ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل طبقة منها

- ‌الطبقة الاولى من العرب وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإمام بملكهم ودولهم على الجملة

- ‌الخبر عن إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام ونسبه الى فالغ بن عابر وذكر أولاده صلوات الله عليهم وأحوالهم

- ‌الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وأيامهم وملوكهم والإلمام ببعض الدول التي كانت على عهدهم

- ‌الخبر عن ملوك التبابعة من حمير وأوليتهم باليمن ومصاير أمورهم

- ‌ملك الحبشة اليمن

- ‌غزو الحبشة الكعبة

- ‌قصة سيف بن ذي يزن وملك الفرس على اليمن

- ‌الخبر عن ملوك بابل من النبط والسريانيين وملوك الموصل ونينوى من الجرامقة

- ‌الخبر عن القبط وأوّلية ملكهم ودولهم وتصاريف أحوالهم والإلمام بنسبهم

- ‌الخبر عن بني إسرائيل وما كان لهم من النبوة والملك وتغلبهم على الأرض المقدّسة بالشام وكيف تجدّدت دولتهم بعد الانقراض وما اكتنف ذلك من الأحوال

- ‌الخبر عن حكام بني إسرائيل بعد يوشع الى أن صار أمرهم إلى الملك وملك عليهم طالوت

- ‌الخبر عن ملوك بني إسرائيل بعد الحكام ثم افتراق أمرهم والخبر عن دولة بني سليمان بن داود على السبطين يهوذا وبنيامين بالقدس الى انقراضها

- ‌الخبر عن افتراق بنى إسرائيل منهم ببيت المقدس على سبط يهوذا وبنيامين الى انقراضه

- ‌الخبر عن دولة الأسباط العشرة وملوكهم الى حين انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن عمارة بيت المقدس بعد الخراب الأوّل وما كان لبني إسرائيل فيها من الملك في الدولتين لبني حشمناي وبني هيردوس إلى حين الخراب الثاني والجلوة الكبرى

- ‌ابتداء أمر انظفتر [1] أبو هيردوس

- ‌انقراض ملك بني حشمناي وابتداء ملك هيردوس وبنيه

- ‌الخبر عن شأن عيسى بن مريم صلوات الله عليه في ولادته وبعثته ورفعه من الأرض والإلمام بشأن الحواريين بعده وكتبهم الأناجيل الأربعة وديانة النصارى بملته واجتماع الاقسة على تدوين شريعته

- ‌الخبر عن الفرس وذكر أيامهم ودولهم وتسمية ملوكهم وكيف كان مصير أمرهم الى تمامه وانقراضه

- ‌الطبقة الاولى من الفرس وذكر ملوكهم وما صار اليه في الخليقة أحوالهم

- ‌الطبقة الثانية من الفرس وهم الكينية وذكر ملوكهم وأيامهم إلى حين انقراضهم

- ‌الطبقة الثالثة من الفرس وهم الأشكانية ملوك الطوائف وذكر دولهم ومصاير أمورهم الى نهايتها

- ‌الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي

- ‌الخبر عن دولة يونان والروم وأنسابهم ومصايرهم

- ‌الخبر عن دولة يونان والإسكندر منهم وما كان لهم من الملك والسلطان الى انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن اللطينيين وهم الكيتم المعرفون بالروم من أمم يونان وأشياعهم وشعوبهم وما كان لهم من الملك والغلب وذكر الدولة التي فيهم للقياصرة وأولية ذلك ومصايره

- ‌الخبر عن فتنة الكيتم مع أهل إفريقية وتخريب قرطاجنة ثم بناؤها على الكيتم وهم اللطينيون

- ‌الخبر عن ملوك القياصرة من الكيتم وهم اللطينيون ومبدإ أمورهم ومصاير أحوالهم

- ‌الخبر عن القياصرة المتنصرة من اللطينيين وهم الكيتم واستفعال ملكهم بقسطنطينية ثم بالشام بعدها إلى حين الفتح الإسلامي ثم بعد إلى انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن ملوك القياصرة من لدن هرقل والدولة الإسلامية الى حين انقراض أمرهم وتلاشي أحوالهم

- ‌الخبر عن القوط وما كان لهم من الملك بالأندلس الى حين الفتح الإسلامي وأوّلية ذلك ومصايره

- ‌الطبقة الثالثة من العرب وهم العرب التابعة للعرب وذكر افاريقهم وأنسابهم وممالكهم وما كان لهم من الدول على اختلافها والبادية والرحالة منهم وملكها

- ‌الخبر عن أنساب العرب من هذه الطبقة الثالثة واحدة واحدة وذكر مواطنهم ومن كان له الملك منهم

- ‌الخبر عن حمير من القحطانية وبطونها وتفرع شعوبها

- ‌الخبر عن قضاعة وبطونها والإلمام ببعض الملك الّذي كان فيها

- ‌الخبر عن بطون كهلان من القحطانية وشعوبهم واتصال بعضها مع بعض وانقضائها

- ‌الخبر عن ملوك الحيرة من آل المنذر من هذه الطبقة وكيف انساق الملك اليهم ممن قبلهم وكيف صار إلى طيِّئ من بعدهم

- ‌ملوك كندة الخبر عن ملوك كندة من هذه الطبقة ومبدإ أمرهم وتصاريف أحوالهم

- ‌الخبر عن أبناء جفنة ملوك غسان بالشام من هذه الطبقة وأوليتهم ودولهم وكيف انساق الملك اليهم ممن قبلهم

- ‌الخبر عن الأوس والخزرج أبناء قيلة من هذه الطبقة ملوك يثرب دار الهجرة وذكر أوليتهم والإلمام بشأن نصرتهم وكيف انقراض أمرهم

- ‌الخبر عن بني عدنان وأنسابهم وشعوبهم وما كان لهم من الدول والملك في الإسلام وأوّلية ذلك ومصايره

- ‌الخبر عن قريش من هذه الطبقة وملكهم بمكة وأولية أمرهم وكيف صار الملك اليهم فيها ممن قبلهم من الأمم السابقة

- ‌أمر النبوّة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الإسلام بعد الاباية والحرب

- ‌المولد الكريم وبدء الوحي

- ‌بدء الوحي

- ‌هجرة الحبشة

- ‌ العقبة الثانية

- ‌الهجرة

- ‌الغزوات

- ‌الأبواء:

- ‌بواط:

- ‌البعوث:

- ‌غزوة بدر الثانية:

- ‌غزوة الكدر:

- ‌غزوة السويق:

- ‌ذي أمرّ:

- ‌نجران:

- ‌قتل كعب بن الأشرف:

- ‌غزوة بني قينقاع:

- ‌سرية زيد بن حارثة إلى قردة:

- ‌قتل ابن أبي الحقيق:

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد:

- ‌بعث الرجيع:

- ‌غزوة بئر معونة:

- ‌غزوة بني النضير:

- ‌غزوة ذات الرقاع:

- ‌غزوة بدر الصغرى الموعد:

- ‌غزوة دومة الجندل:

- ‌غزوة الخندق

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌غزوة الغابة وذي قرد

- ‌غزاة بني المصطلق:

- ‌عمرة الحديبيّة

- ‌إرسال الرسل الى الملوك

- ‌غزوة خيبر

- ‌فتح فدك ووادي القرى

- ‌عمرة القضاء

- ‌غزوة جيش الأمراء

- ‌فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌حصار الطائف وغزوة تبوك

- ‌إسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات

- ‌الوفود

- ‌ حجة الوداع

- ‌العمال على النواحي

- ‌خبر العنسيّ

- ‌بعث أسامة:

- ‌أخبار الأسود ومسيلمة وطليحة:

- ‌مرضه صلى الله وسلم عليه:

- ‌خبر السقيفة

- ‌الخلافة الإسلامية

- ‌الخبر عن الخلافة الإسلامية في هذه الطبقة وما كان فيها من الرّدة والفتوحات وما حدث بعد ذلك من الفتن والحروب في الإسلام ثم الاتفاق والجماعة

- ‌بعث الجيوش للمرتدين

- ‌خبر طليحة

- ‌خبر هوازن وسليم وبني عامر

- ‌خبر بني تميم وسجاح

- ‌البطاح ومالك بن نويرة

- ‌خبر مسيلمة واليمامة

- ‌ردّه الحطم وأهل البحرين

- ‌ردة أهل عمان ومهرة واليمن [2]

- ‌بعوث العراق وصلح الحيرة

- ‌فتح الحيرة

- ‌فتح ما وراء الحيرة

- ‌فتح الأنبار وعين التمر وتسمّى هذه الغزوة ذات العيون

- ‌الوقائع بالعراق

- ‌بعوث الشام

- ‌بعوث الشام

- ‌خلافة عمر رضي الله عنه

- ‌فتح دمشق

- ‌خبر المثنى بالعراق بعد مسير خالد الى الشام

- ‌ولاية أبي عبيد بن مسعود على العراق ومقتله

- ‌أخبار القادسية

- ‌فتح المدائن وجلولاء بعدها

- ‌ولاية عتبة بن غزوان على البصرة

- ‌وقعة مرج الروم وفتوح مدائن الشام بعدها

- ‌وقعة أجنادين وفتح بيسان والأردن وبيت المقدس

- ‌مسير هرقل إلى حمص وفتح الجزيرة وارمينية

- ‌غزو فارس من البحرين وعزل العلاء عن البصرة ثم المغيرة وولاية أبي موسى

- ‌بناء البصرة والكوفة

- ‌فتح الأهواز والسوس بعدهما

- ‌مسير المسلمين الى الجهات للفتح

- ‌مجاعة عام الرمادة وطاعون عمواس

- ‌فتح مصر

- ‌وقعة نهاوند وما كان بعدها من الفتوحات

- ‌فتح همذان

- ‌فتح الريّ

- ‌فتح أذربيجان

- ‌فتح الباب

- ‌فتح موقان وجبال ارمينية

- ‌غزو الترك

- ‌فتح خراسان

- ‌فتوح فارس

- ‌إصطخر:

- ‌بسا ودرابجرد:

- ‌كرمان:

- ‌سجستان:

- ‌مكران:

- ‌خبر الأكراد

- ‌مقتل عمر وأمر الشورى وبيعة عثمان رضي الله عنه

- ‌نقض أهل الاسكندرية وفتحها

- ‌ولاية الوليد بن عقبة الكوفة وصلح أرمينية وأذربيجان

- ‌ولاية عبد الله بن أبي سرح على مصر وفتح افريقية

- ‌فتح قبرص

- ‌ولاية ابن عامر على البصرة وفتوح فارس وخراسان

- ‌ولاية سعيد بن العاص الكوفة

- ‌غزو طبرستان

- ‌غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف

- ‌مقتل يزدجرد

- ‌ظهور الترك بالثغور

- ‌بدء الانتقاض على عثمان رضي الله عنه

- ‌حصار عثمان ومقتله رضي الله عنه وأتابه ورفع درجته

- ‌بيعة علي رضي الله عنه

- ‌أمر الجمل

- ‌انتقاض محمد بن أبي حذيفة بمصر ومقتله

- ‌ولاية قيس بن سعد على مصر

- ‌مبايعة عمرو بن العاص لمعاوية

- ‌أمر صفين

- ‌ أمر الحكمين

- ‌أمر الخوارج وقتالهم

- ‌ولاية عمرو بن العاص مصر

- ‌دعاء ابن الحضرميّ بالبصرة لمعاوية ومقتله

- ‌ولاية زياد على فارس

- ‌فراق ابن عبّاس لعلي رضي الله عنهم

- ‌مقتل علي

- ‌بيعة الحسن وتسليمه الأمر لمعاوية

الفصل: ‌الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي

أنطاكية من اليونان الّذي قتله أشك جدّ يلاوش هذا، فجمع يلاوش العساكر واستنفر ملوك الطوائف بفارس والعراق فوجهوا له بالمدد واجتمع له أربعمائة ألف من المقاتلة، وولّى عليهم صاحب الحضر وكان من ملوك الطوائف على السواد، فزحف إلى قيصر فقتله واستباح عسكر الروم وقتل وفتح أنطاكية وانتهى إلى الخليج. وولّى من بعد يلاش ابنه أردوان بن يلاوش ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عليه أردشير بن بابك بن ساسان وجمع ملك فارس من أيدي ملوك الطوائف وجدّد الدولة الساسانية كما نذكر في أخبارهم.

قال الطبريّ: وفي أيام الطوائف كانت ولادة عيسى صلوات الله عليه لخمس وستين من غلب الإسكندر على بابل ولإحدى وخمسين من ملك الأشكانية، والنصارى يزعمون أن ذلك كان لمضي ثلاثمائة وثلاث وستين من غلب الإسكندر على بابل. قال الطبريّ: وجميع سني الطوائف من لدن الإسكندر إلى ظهور أردشير بن بابك واستوائه على الأمر مائتان وستون سنة، وبعضهم يقول خمسمائة وثلاث وعشرون سنة. وقال بعضهم: ملك في هذه المدّة منهم تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعظّم ملوك المدائن منهم وهم الأشكانيّون.

يا ى ط ح ز جرسى د ب أردوان بن يلاوش بن كسرى بن أردوان بن هرمز بن فيروز بن سابور بن أشك بن أشك بن دارا الأكبر جور ج جور

‌الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي

هذه الدولة كانت من أعظم الدول في الخليقة وأشدّها قوة وهي إحدى الدولتين اللتين صبحهما الإسلام في العالم وهما دولة فارس والروم. وكان مبدأ أمرها من توثب أردشير ابن بابك شاه ملك مرو، وهو ساسان الأصغر ابن بابك بن سامان بن بابك بن هرمز بن ساسان الأكبر بن كي بهمن. وقد تقدّم ذكر كي بهمن وأنّ ابنه ساسان غضب لما توج للملك أخوه دارا وهو في بطن أمّه، ولحق بجبال إصطخر فأقام هنالك وتناسل ولده بها إلى أن كان ساسان الأصغر منهم، فكان قيّما على بيت النار

ص: 199

لاصطخر، وكان شجاعا، وكانت امرأته من بيت ملك فولدت له ابنه بابك، وولد لبابك أردشير وضبطه الدار الدّارقطنيّ: بالراء المهملة. وكان على إصطخر يومئذ ملك من ملوك الطوائف وله عامل على دارابجرد خصيّ اسمه سرّي، فلما أتت لأردشير سبع سنين جاء به جدّه ساسان إلى ملك إصطخر وسأله أن يضمه إلى عامل دارابجرد الخصيّ يكفله إلى أن تتمّ تربيته، ولما هلك عامل دارابجرد أقام بأمره فيها أردشير هذا وملكها، وكان له علم من المنجّمين بأنّ الملك سيصير إليه، فوثب على كثير من ملوك الطوائف بأرض فارس فاستولى عليهم، وكتب إلى أبيه بذلك، ثم وثب على عامل إصطخر فغلبه على ما بيده وملك إصطخر وكثيرا من أعمال فارس.

وكان زعيم الطوائف يومئذ أردوان ملك الأشكانيّين فكتب إليه يسأله أن يتوّجه فعنّفه، وكتب إليه بالشخوص فامتنع، وخرج بالعساكر من إصطخر وقدم موبذان رورين فتوّجه ثم فتح كرمان وبها ملك من ملوك الطوائف، وولّى عليها ابنه، وكتب إليه أردوان يتهدّده وأمر ملك الأهواز من الطوائف أن يسير إليه فرجع مغلوبا. ثم سار أردشير إلى أصبهان فقتل ملكها واستولى عليها، ثم إلى الأهواز فقتل ملكها كذلك، ثم زحف إليه أردوان عميد الطوائف فهزمه أردشير وقتله وملك همذان والجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ثم السودان. وبنى مدينة على شاطئ، دجلة شرقي المدائن. ثم رجع إلى إصطخر ففتح سجستان ثم جرجان ثم مرو وبلخ وخوارزم إلى تخوم خراسان، وبعث بكثير من الرءوس إلى بيت النيران، ثم رجع إلى فارس ونزل صول وأطاعه ملك كوشان ومكران ثم ملك البحرين بعد أن حاصرها مدّة، وألقى ملكها بنفسه في البحر. ثم رجع فنزل المدائن وتوجه ابنه سابور، ولم يزل مظفرا وقهر الملوك حوله وأثخن في الأرض، ومدّن المدن واستكثر العمارة وهلك لأربع عشرة سنة من ملكه بإصطخر بعد مقتل أردوان.

وقال هشام بن الكلبي: قام أردشير في أهل فارس يريد الملك الّذي كان لآبائه قبل الطوائف وأن يجمعه لملك واحد، وكان أردوان ملكا على الاردوانيين وهم أنباط السواد، وكان بابا ملكا على الأرمانيّين وهم أنباط الشام، وبينهما حرب وفتنة فاجتمعا على قتال أردشير فحارباه مناوبة. ثم بعث أردشير إلى بابا في الصلح على أن يدعه في الملك ويخلّي بابا بينه وبين أردوان، فلم يلبث أن قتل أردوان واستولى على السواد فأعطاه بابا الطاعة بالشام ودانت له سائر الملوك وقهرهم. ثم رجع إلى أمر

ص: 200

العرب وكانت بيوتهم على ريف العراق ينزلون الحيرة، وكانوا ثلاث فرق: الأولى تنوخ ومنهم قضاعة الذين كنا قدّمنا أنهم كانوا اقتتلوا مع ملك من التبابعة وأتى بهم وكانوا يسكنون بيوت الشعر والوبر ويضعونها غربي الفرات بين الأنبار والحيرة وما فوقها فأنفوا من الإقامة في مملكة أردشير وخرجوا إلى البرية، والثانية العبّاد الذين كانوا يسكنون الحيرة وأوطنوها، والثالثة الأحلاف الذين نزلوا بهم من غير نسبهم ولم يكونوا من تنوخ الناكثين عن طاعة الفرس ولا من العبّاد الذين دانوا بهم. فملك هؤلاء الأحلاف الحيرة والأنبار وكان منهم عمرو بن عديّ وقومه، فعمّروا الحيرة والأنبار ونزلوا وخربوها وكانتا من بناء العرب أيام بخت نصّر، ثم عمرها بنو عمرو بن عديّ لما أصاروها نزلا [1] لملكهم إلى أن صبحهم الإسلام، واختط العرب الإسلاميون مدينة الكوفة فدثرت الحيرة.

وكان أردشير لمّا ملك أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم لوصية جدّه، ووجد بقصر أردوان جارية استملحها ودفعت عن نفسها القتل بإنكار نسبها فيهم، فقالت أنا مولاة وبكر، فواقعها وحملت وظنّت الأمن على نفسها، فأخبرته بنسبها فتنكّر ودفعها إلى بعض مرازبته ليقتلها، فاستبقاها ذلك المرزبان إلى أن شكى إليه أردشير قلّة الولد والخوف على ملكه من الانقطاع وندم على ما سلف منه من قتل الجارية وإتلاف الحمل، فأخبره بحياتها وأنها ولدت ولدا ذكرا وأنه سمّاه سابور وأنه قد كملت خصاله وآدابه، فاستحضره أردشير واختبره فرضيه وعقد له التاج.

ثم هلك أردشير فملك سابور من بعده فأفاض العطاء في أهل الدولة وتخيّر العمّال، ثم شخص إلى خراسان فمهد أمورها، ثم رجع فشخص إلى نصّيبين فملكها عنوة فقتل وسبى، وافتتح من الشام مدنا وحاصر أنطاكية وبها من الملوك أريانوس فاقتحمها عليه وأسره وحمله إلى جنديسابور فحبسه بها إلى أن فاداه على أموال عظيمة ويقال على بناء شاذروان تستر ويقال جدع أنفه وأطلقه ويقال بل قتله، وكان بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وبها ملك من الجرامقة يقال له الساطرون من ملوك الطوائف وهو الّذي يقول فيه الشاعر:

وأرى الموت قد تدلى من الحضر

على رب أهله الساطرون

ولقد كان آمنا للدّواهي

ذا ثراء وجوهر مكنون

[1] بضم النون والزاي: المنزل، بكسر فسكون: المجتمع، وبفتح وكسر المكان الّذي ينزل فيه (قاموس) .

ص: 201

وقال المسعودي: وهو الساطرون بن إستطرون من ملوك السريانيين. قال الطبريّ:

وتسمّيه العرب الضيزن. وقال هشام بن محمد الكلبي: من قضاعة وهو الضيزن بن معاوية بن العميد بن الأجدم بن عمرو بن النخع بن سليم، وسنذكر نسب سليم في قضاعة. وكان بأرض الجزيرة وكان معه من قبائل قضاعة ما لا يحصى وكان ملكه قد بلغ الشام، فخلف سابور في غزاته إلى خراسان وعاث في أرض السواد، فشخص إليه سابور عند انقضاء غزاته حتى أناخ على حصنه وحاصره أربع سنين قال الأعشى:

ألم تر للحضر إذ أهله

بنعمة وهل خالد من نعم

أقام به سابور الجنود

حولين يضرب فيه القمم

ثم إنّ ابنة ساطرون واسمها النضيرة خرجت إلى ربض [1] المدينة وكانت من أجمل النساء، وسابور كان جميلا، فأشرفت عليه فشغفت به شغف بها، وداخلته في أمر الحصن ودلّته على عورته فدخله عنوة وقتل الضيزن وأباد قضاعة الذين كانوا معه وأكثرهم بنو حلوان فانقرضوا، وخرّب حصن الحضر. وقال عديّ بن زيد في رثائه:

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة

تجبى إليه والخابور

شاده مرمرا وجلّله كلسا

فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريح المنون فباد

الملك عنه فبابه مهجور

ثم أعرس بالنضيرة بعين النمر وباتت ليلها تتضور في فراشها وكان من الحرير محشوّ بالقز والقسيّ فإذا ورقة آس بينها وبين الفراش تؤذيها، فقال: ويحك ما كان أبوك يغذيك؟ قالت الزبد والمخّ والشهد وصفو الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا وأبعد ودّا من أبيك الّذي غذاك بمثل هذا. وأمر رجلا ركب فرسا جموحا وعصب غدائرها بذنبه ولم يزل يركضه حتى تقطعت أوصالها.

وعند ابن إسحاق أنّ الّذي فتح حصن الحضر وخرّبه وقتل الساطرون هو سابور ذو الأكتاف. وقال السهيليّ: لا يصح لأنّ الساطرون من ملوك الطوائف والّذي أزال ملكهم هو أردشير وابنه سابور، وسابور ذو الأكتاف بعدهم بكثير هو التاسع من ملوك أردشير. قال السهيليّ وأوّل من ملك الحيرة من ملوك الساسانية سابور بن

[1] الربض: ما حول المدينة من بيوت ومساكن، سور المدينة أو الضاحية (قاموس) .

ص: 202

أردشير، والحيرة وسط بلاد السواد وحاضرة العرب، ولم يكن لأحد قبله من آل ساسان حتى استقام العرب على طاعته، وولّى عليهم عمرو بن عديّ جدّ آل المنذر بعده وأنزله الحيرة، فجبى خراجهم وإتاوتهم واستعبدهم لسلطانه وقبض أيديهم عن الفساد باقطار ملكه وما كانوا يرومونه بسواد العراق من نواحي مملكته. وولّى بعده ابنه امرأ القيس بن عمرو بن عديّ وصار ذلك ملكا لآل المنذر بالحيرة توارثوه حسبما نذكر بعد.

وهلك سابور لثلاثين سنة من ملكه وولي بعده ابنه هرمز ويعرف بالبطل فملك سنة واحدة، وولي بعده ابنه بهرام بن هرمز وكان عامله على مذحج من ربيعة ومضر وسائر بادية العراق والجزيرة والحجاز أمرؤ القيس بن عمرو بن عديّ وهو أوّل من تنصّر من ملوك الحيرة وطال أمد ملكه. قال هشام بن الكلبي: ملك مائة وأربع عشرة سنة من لدن أيام سابور أهـ.

وكان بهرام بن هرمز حليما وقورا وأحسن السيرة واقتدى بآبائه، وكان ماني الثنويّ الزنديق صاحب القول بالنور والظلمة قد ظهر في أيام جدّه سابور فاتبعه قليلا ثم رجع إلى المجوسية دين آبائه، ولمّا ولي بهرام بن هرمز جمع الناس لامتحانه، فأشادوا بكفره وقتله وقالوا زنديق. قال المسعودي: ومعناه أنّ من عدل عن ظاهر إلى تأويله ينسبونه إلى تفسير كتاب زرادشت الّذي قدّمنا أنّ اسمه زندة فيقولون زنديه فعرّبته العرب فقالوا زنديق، ودخل فيه كل من خالف الظاهر إلى الباطن المنكر، ثم اختص في عرف الشرع بمن يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

ثم هلك بهرام بن هرمز لثلاث سنين وثلاثة أشهر من دولته، وولي ابنه بهرام ثماني عشرة سنة عكف أوّلها على اللذات، وامتدّت أيدي بطانته إلى الرعايا بالجور والظلم فخربت الضياع والقرى حتى نبّه الموبذان لذلك بمثل ضربه له، وذلك أنّه سامره في ليلة فمرّ راجعا من الصيد فسمعا بومين يتحدّثان في خراب، فقال بهرام ليت شعري هل أحد فهم لغات الطير؟ فقال له الموبذان: نعم إنّا نعرف ذلك أيها الملك وإنهما يتحاوران في عقد نكاح وإنّ الأنثى اشترطت عليه إقطاع عشرين ضيعة من الخراب فقبل الذكر وقال: إذا دامت أيام بهرام أقطعتك ألفا. فتفطّن بهرام لذلك وأفاق من غفلته وأشرف على أحوال ملكه مباشرا بنفسه وقابضا أيدي البطانة عن الرعية وحسنت أيامه إلى أن هلك. وولي بعده بهرام بن بهرام بن بهرام ثلاثة أسماء

ص: 203

متشابهة وتلقّب شاه، وكان مملّكا على سجستان وهلك لأربع سنين من دولته. وملك بعده أخوه قرسين بن بهرام تسع سنين أخرى، وكان عادلا حسن السيرة. وملك بعده ابنه هرمز بن قرسين فوجل منه الناس لفظاظته، ثم أبدل من خلقه الشر بالخير وسار فيهم بالعدل والرّفق والعمارة وهلك لسبع سنين من ولايته. وكان هؤلاء كلهم ينزلون جنديسابور من خراسان. ولما هلك ولم يترك ولدا شق ذلك على أهل مملكته لميلهم إليه ووجدوا ببعض نسائه حملا فتوّجوه وانتظروا إتمامه، وقيل بل كان هرمز أبوه أوصى بالملك لذلك الحمل فقام أهل الدولة بتدبير الملك ينتظرون تمام الولد.

وشاع في أطراف المملكة أنهم يتلومون [1] صبيّا في المهد فطمع فيهم الترك والروم، وكانت بلاد العرب أدنى إلى بلادهم وهم أحوج إلى تناول الحبوب من البلاد لحاجتهم إليها بما هم فيه من الشظف وسوء العيش، فسار منهم جمع من ناحية البحرين وبلاد القيس ووحاظة فأناخوا على بلاد فارس من ناحيتهم وغلبوا أهلها على الماشية والحرث والمعايش، وأكثر الفساد ومكثوا في ذلك حينا ولم يغزهم أحد من فارس ولا دافعوهم لصغر الملك، حتى إذا كبر وعرضوا عليه الأمور فأحسن فيها الفصل وبلغ ست عشرة سنة من عمره [2] ، ثم أطاق حمل السلاح نهض حينئذ للاستبداد بملكه. وكان أوّل شيء ابتدأ به شأن العرب، فجهّز إليهم العساكر وعهد إليهم أن لا يبقوا على أحد ممن لقوا منهم، ثم شخص بنفسه إليهم وغزاهم وهم غازون ببلاد فارس فقتلهم وأبرح القتل، وهربوا أمامه وأجاز البحر في طلبهم إلى الخطّ وتعدّى إلى بلاد البحرين قتلا وتخريبا. ثم غزا بعدها رءوس العرب من تميم وبكر وعبد القيس فأثخن فيهم وأباد عبد القيس ولحق فلّهم بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل وأسر وخرّب ثم عطف إلى بلاد بكر وتغلب، ما بين مملكة فارس ومناظر الروم بالشام، فقتل من وجد هنالك من العرب وطمّ مياههم وأسكن من رجع إليه من بني تغلب دارين [3] من البحرين والخطّو من بني تميم هجروا من بكر بن وائل كرمان ويدعون بكر إياد ومن بني حنظلة الأهواز، وبنى مدينة الأنبار والكرخ والسوس.

وفيما قاله غيره إنّ إيادا كان تشتو بالجزيرة وتصيّف بالعراق وتشن الغارة. وكانت

[1] لا معنى لهذه الكلمة حسب سياق الجملة وربما تكون محرفة عن: يولون.

[2]

الأصح ان يقول: لمّا أطاق حمل السلاح.

[3]

بمعنى البلد.

ص: 204

تسمى طمّا [1] لانطباقها على البلاد، وسابور يومئذ صغير حتى إذا بلغ القيام على ملكه شرع في غزوهم ورئيسهم يومئذ الحرث بن الأغرّ الأيادي، وكتب إليهم بالنذر بذلك رجل [2] من إياد كان بين ظهرانيّ الفرس، فلم يقبلوا حتى واقعتهم العساكر فاستلحمهم وخرجوا إلى أرض الجزيرة والموصل إجلاء ولم يعاودوا العراق. ولمّا كان الفتح طلبهم المسلمون بالجزيرة مع تغلب وغيرهم فأنفوا ولحقوا بأرض الروم.

وقال السهيليّ: عند ذكر سابور بن هرمز إنّه كان يخلع أكتاف العرب ولذلك لقّبه العرب ذو الأكتاف، وأنه أخذ عمرو بن تميم بأرضهم بالبحرين وله يومئذ ثلاثمائة سنة وإنه قال: إنما أقتلكم معاشر العرب لأنكم تزعمون أنّ لكم دولة. فقال له عمرو بن تميم: ليس هذا من الحزم أيها الملك فإن يكن حقا فليس قتلك إياهم بدافعه وتكون قد اتخذت يدا عندهم ينتفع بها ولدك وأعقاب قومك. فيقال إنه استبقاه ورحم كبره.

ثم غزا سابور بلاد الروم وتوغّل فيها ونازل حصونهم، وكان ملوك الروم على عصره قسطنطين وهو أوّل من تنصّر من ملوكهم وهلك قسطنطين وملك بعده إليانوس من أهل بيته وانحرف عن دين النصرانية وقتل الأساقفة وهدم البيع وجمع الروم وانحدر لقتال سابور. واجتمعت العرب معهم لثأرهم عند سابور بمن قتل منهم وسار قائد إليانوس واسمه يوسانوس في مائة وسبعين ألفا من المقاتلة، حتى دخل أرض فارس، وبلغ خبره وكثرة جموعه إلى سابور فأحجم عن اللقاء وأجفل وصحبه العرب، ففضّوا جموعه وهرب في فلّ من عسكره، واحتوى إليانوس على خزائنه وأمواله واستولى على مدينة طبسون من مدائن ملكه. ثم استنفر أهل النواحي واجتمعت إليه فارس وارتجع مدينة طبسون وأقاما متظاهرين، وهلك إليانوس بسهم أصابه، فبقي الروم فوضى وفزعوا إلى يوسانوس القائد أن يملّكوه، فشرط عليهم الرجوع إلى دين النصرانية كما كان قسطنطين فقبلوا. وبعث إليه سابور في القدوم عليه، فسار إليه في ثمانين من أشراف الروم، وتلقّاه سابور وعانقه وبالغ في إكرامه وعقد معه الصلح على

[1] الطمّ: البحر، العدد الكثير (قاموس)

[2]

ربما كان يقصد به لقيطا بن يعمر الأيادي، وكان كاتبا في البلاط الفارسيّ ومن قصيدته المنذرة:

يا ايها الراكب المزجي مطيته

إلى الجزيرة مرتادا ومنتجعا

لا تلهكم إبل ليست لكم إبل

إن العدو بعظم منكم قرعا

ص: 205

أن يعطي الروم قيمة ما أفسدوه من بلاد فارس وأعطوا بدلا عن ذلك نصيبين فرضي بها أهل فارس، وكانت ممّا أخذه الروم من أيديهم فملكها سابور وشرّد عنها أهلها خوفا من سطوته، فنقل إليها من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما. وانصرف يوسانوس بالروم وهلك عن قرب ورجع سابور إلى بلاده.

وفيما نقله بعض الأخباريّين إنّ سابور دخل بلاد الروم متنكرا وعثر عليه فأخذ وحبس في جلد ثور وزحف ملك الروم بعساكره إلى جنديسابور فحاصرها، وإن سابور هرب من حبسه ودخل جنديسابور المدينة ثم خرج إلى الروم فهزمهم وأسر ملكهم قيصر، وأخذه بعمارة ما خرّب من بلاده ونقل التراب والغروس إليها ثم قطع أنفه وبعث به على حمار إلى قومه، وهي قصة واهية تشهد العادة بكذبها.

ثم هلك سابور لاثنتين وسبعين سنة من ملكه وهو الّذي بنى مدينة نيسابور وسجستان وبنى الإيوان المشهور لمقعد ملوكهم، وملك لعهده أمرؤ القيس بن عديّ، وأوصى بالملك لأخيه أردشير بن هرمز، وفتك في أشراف فارس وعظمائهم فخلعوه لأربعين سنة من دولته. وملكوا سابور بن ذي الأكتاف فاستبشر الناس برجوع ملك أبيه إليه، وأحسن السيرة ورفق بالرعية وحمل على ذلك العمّال والوزراء والحاشية ولم يزل عادلا، وخضع له عمه أردشير المخلوع، وكانت له حروب مع إياد وفي ذلك يقول شاعرهم:

على رغم سابور بن سابور أصبحت

قباب إياد حولها الخيل والنعم

وقيل إنّ هذا الشعر إنما قيل في سابور ذي الأكتاف. ثم هلك سابور لخمس سنين من دولته، وملك أخوه بهرام ويلقب كرمان شاه وكان حسن السياسة وملك لإحدى عشرة سنة من دولته رماه بعض الرماة بسهم في القتال فقتله. وملك بعده ابنه يزدجرد الأثيم، وبعض نسّابة الفرس يقول إنّه أخوه ولي ابنه وإنّما هو ابن ذي الأكتاف. وقال هشام بن محمد: كان فظّا غليظا كثير المكر والخديعة يفرغ في ذلك عقله وقوّة معرفته وكان معجبا برأيه سيّئ الخلق كثير الحدّة يستعظم الزلّة الصغيرة ويردّ الشفاعة من أهل بطانته متهما للناس قليل المكافأة. وبالجملة فهو سيّئ الأحوال مذمومها واستوزر، لأول ولايته برسيّ الحكيم ويسمّى فهر برشي ومهر مرسة، وكان متقدّما في الحكمة والفضائل وأمّل أهل المملكة أن تهرب من يزدجرد الأثيم، فلم يكن ذلك واشتدّ أمره على الأشراف بالإهانة وعلى من دونهم بالقتل. وبينما هو جالس في

ص: 206

مجلسه يوما إذا بفرس [1] عابر لم يطق أحد إمساكه قد وقف ببابه، فقام إليه ليتولى إمساكه بنفسه فرمحه فمات لوقته لإحدى وعشرين سنة من ملكه.

وملك بعده ابنه بهرام بن يزدجرد ويلقب ببهرام جور، وكان نشوؤه ببلاد الحيرة مع العرب أسلمه أبوه إليهم فربّي بينهم وتكلّم بلغتهم ولما مات أبوه قدّم أهل فارس رجلا من نسل أردشير، ثم زحف بهرام جور بالعرب فاستولى على ملكه نذكر في أخبار آل المنذر. وفي. يام بهرام جور سار خاقان ملك الترك إلى بلاد الصغد من ممالكه فهزمه بهرام وقتله، ثم غزا الهند وتزوّج ابنة ملكهم فهابته ملوك الأرض، وحمل إليه الروم الأموال على سبيل المهادنة، وهلك لتسع وعشرين من دولته.

وملك ابنه يزدجرد بن بهرام جور واستوزر مهر برسي الحكيم الّذي كان أبوه استوزره، وجرى في ملكه بأحسن سيرة من العدل والإحسان، وهو الّذي شرع في بناء الحائط بناحية الباب والأبواب، وجعل جبل الفتح سدا بين بلاده وما وراءها من أمم الأعاجم، وهلك لعشرين سنة من دولته.

وملك من بعده ابنه هرمز وكان ملكا على سجستان فغلب على الدولة ولحق أخوه فيروز بملك الصغد بمروالروذ. وهذه الأمم هم المعروفون قديما بالهياطلة وكانوا بين خوارزم وفرغانة، فأمر فيروز بالعساكر وقاتل أخاه هرمز فغلبه وحبسه. وكانت الروم قد امتنعت من حمل الخراج فحمل إليهم العساكر مع وزيره مهر برسي، فأثخن في بلادهم حتى حملوا ما كان يحملونه واستقام أمره وأظهر العدل. وأصابهم القحط في دولته سبع سنين فأحسن تدبير الناس فيها وكفّ عن الجباية وقسّم الأموال، ولم يهلك في تلك السنين أحد إتلافا. وقيل أنه استسقى لرعيته من ذلك القحط فسقوا وعادت البلاد إلى أحسن ما كانت عليه. وكان لأول ما ملك أحسن إلى الهياطلة جزاء بما أعانوه على أمره، فقوي ملكهم أمره وزحفوا إلى أطراف ملكه وملكوا طخارستان وكثيرا من بلاد خراسان وزحف هو إلى قتالهم فهزموه وقتلوه وأربعة بنين له وأربعة إخوة واستولوا على خراسان بأسرها. وسار إليهم رجل من عظماء الفرس من أهل شيراز فغلبهم على خراسان وأخرجهم منها حتى ألقوا بجميع ما أخذوه من عسكر فيروز من الأسرى والسبي، وكان مهلكه لسبع وعشرين من ملكه. وبنى المدن بالري

[1] وردت هذه القصة في كتاب التاج للجاحظ ص 274: «

وقالت الفرس، هذا ملك من الملائكة جعله الله في صورة فرس، فبعثه لقتل يزدجرد لما ظلم الرعية وعاث في الأرض» .

ص: 207

وجرجان وأذربيجان.

وقال بعضهم: إنّ ملك الهياطلة الّذي سار إلى فيروز اسمه خشتوا [1] ، والرجل الّذي استرجع خراسان من يده هو خرسوس من نسل منوشهر، وإن فيروز استخلفه لما سار إلى خشتوا والهياطلة على مدينتي الملك وهما طبسون ونهرشير، فكان من أمره مع الهياطلة بعد فيروز ما تقدّم.

وملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه يلاوش بن فيروز ونازعه أخوه قبّاذ الملك فغلبه يلاوش ولحق قبّاذ بخاقان ملك الترك يستنجده. وأحسن يلاوش الولاية والعدل وحمل أهل المدن على عمارة ما خرّب من مدنهم، وبنى ميدنة ساباط بقرب المدائن، وهلك لأربع سنين من دولته. وملك من بعده أخوه قبّاذ بن فيروز وكان قد سار بعساكر الترك أمده بها خاقان، فبلغه الخبر بمهلك أخيه وهو بنيسابور من طريقه، وقد لقي بها ابنا كان له هنالك حملت به أمّه منه عند مروره ذلك الى خاقان، فلما أحل بنيسابور ومعه العساكر سأل عن المرأة، فأحضرت ومعها الخبر وجاء الخبر هنالك بمهلك أخيه يلاوش فتيمّن بالمولود وسار إلى سرحد الّذي كان أبوه فيروز استخلفه على المدائن، ومال الناس إليه دون قبّاذ واستبدّ عليه. فلما كبر وبلغ سن الاستبداد بأمره أنف من استبداد سرحد عليه، فبعث إلى أصبهبذ البلاد وهو سابور مهران فقدم عليه وقبض على سرحد وحبسه ثم قتله ولعشرين من دولته حبس وخلع. ثم عاد إلى الملك وصورة الخبر عن ذلك أنّ مزدك الزنديق كان إباحيا، وكان يقول باستباحة أموال الناس وأنها فيء، وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجره، والأشياء كلها ملك للَّه مشاع بين الناس لا يختص به أحد دون أحد وهو لمن اختاره، فعثر الناس منه على متابعة مزدك في هذا الاعتقاد واجتمع أهل الدولة فخلعوه وحبسوه، وملكوا جاماسات أخاه.

وخرج رزمهر شاكيا داعيا لقباذ ويقرّب إلى الناس بقتل المزدكية، وأعاد قباذ إلى ملكه، ثم سعت المزدكية عنده في رزمهر بإنكار ما أتى قبلهم فقبله، واتهمه الناس برأي مزدك فانتقضت الأطراف وفسد الملك وخلعوه وحبسوه وأعادوا جاماسات. وفرّ قباذ من محبسه ولحق قباذ بالهياطلة وهم الصغد مستجيشا لهم، ومرّ في طريقه بأبو شهر فتزوج بنت ملكها وولدت له أنوشروان، ثم أمدّه ملك الهياطلة، فزحف إلى

[1] وفي الكامل: أخشنوار.

ص: 208

المدائن لست سنين من مغيبه وغلب أخاه جاماسات واستولى على الملك. ثم غزا بلاد الروم وفتح آمد وسبى أهلها وطالت مدّته وابتنى المدن العظيمة منها مدينة أرّجان بين الأهواز وفارس، ثم هلك لثلاث وأربعين سنة من ملكه في الكرة الأولى.

وملك ابنه أنوشروان بن قبّاذ بن فيروز بن يزدجرد، وكان يلي الأصبهبذ وهي الرئاسة على الجنود، ولما ملك فرّق أصبهبذ البلاد على أربعة فجعل: أصبهبذ المشرق بخراسان والمغرب بأذربيجان وبلاد الخزر واستردّ البلاد التي تغلب عليها جيران الأطراف من الملوك مثل السند وبست الرخّج وزابلستان وطخارستان ودهستان.

وأثخن في أمّة البازر وأجلى بقيتهم، ثم أدهنوا واستعان بهم في حروبه. وأثخن في أمّة صول واستلحمهم، وكذلك الجرامقة وبلنجر واللان وكانوا يجاورون أرمينية ويتملأون على غزوها فبعث إليهم العساكر واستلحموهم وأنزل بقيتهم أذربيجان.

وأحكم بناء الحصون التي كان بناها قبّاذ وفيروز بناحية صول واللان لتحصين البلاد، وأكمل بناء الأبواب والسور الّذي بناه جدّه بجبل الفتح، بنوه على الأزماق المنفوخة تغوص في الماء كلما ارتفع البناء إلى أن استقرّت بقعر البحر وشقت بالخناجر فتمكن الحائط من الأرض ثم وصل السور في البر ما بين جبل الفتح والبحر، وفتحت فيه الأبواب ثم وصلوه في شعاب الجبل وبقي فيه إلى أن كمل. قال المسعودي: إنه كان باقيا لعصره. والظنّ أن التتر خرّبوه بعد لمّا استولوا على ممالك الإسلام في المائة السابعة، ومكانه اليوم في مملكة بني ذو شيخان ملوك الشمال منهم. وكان لكسرى أنوشروان في بنائه خبر مع ملوك الخزر.

ثم استفحل ملك الترك زحف خاقان سيحور وقتل ملك الهياطلة واستولى على بلادهم وأطاعه أهل بلنجر وزحف إلى بلاد صول في عشرة آلاف مقاتل، وبعث الى أنوشروان يطلب منه ما أعطاه أهل بلنجر في الفداء، وضبط أنوشروان أرمينية بالعساكر، وامتنعت صول بملكها أنوشروان والناحية الأخرى بسور الأبواب، فرجع خاقان خائبا.

وأخذ أنوشروان في إصلاح السّابلة والأخذ بالعدل وتفقّد أهل المملكة وتخيّر الولاة والعمّال مقتديا بسيرة أردشير بن بابك جدّه. ثم سار إلى بلاد الروم وافتتح حلب وقبرص وحمص وانطاكية ومدينة هرقل ثم الاسكندرية، وضرب الجزية على ملوك القبط، وحمل إليه ملك الروم الفدية، وملك الصين والتبت الهدايا. ثم غزا بلاد

ص: 209

الخزر وأدرك فيهم بثأره وما فعلوه ببلاده. ثم وفد عليه ابن ذي يزن من نسل الملوك التبابعة يستجيشه على الحبشة فبعث معه قائدا من قوّاده في جند من الديلم فقتلوا مسروقا ملك الحبشة باليمن وملكوها، وملك عليهم سيف بن ذي يزن. وأمره أن يبعث عساكره إلى الهند فبعث إلى سرنديب قائدا من قوّاده فقتل ملكها واستولى عليها وحمل إلى كسرى أموالا جمة. وملك على العرب في مدينة الحيرة. ثم سار نحو الهياطلة مطالبا بثأر جدّه فيروز فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل عساكره فرغانة وأثخن في بلاد الروم وضرب عليهم الجزى. وكان مكرما للعلماء محبا للعلم وفي أيامه ترجم كتاب كليلة وترجمه من لسان اليهود [1] وحله بضرب الأمثال ويحتاج إلى فهم دقيق. وعلى عهده ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتين وأربعين سنة من ملكه وذلك عام الفيل. وكذلك ولد أبوه عبد الله بن عبد المطلب لأربع وعشرين من ملكه.

قال الطبريّ: وفي أيامه رأى الموبذان الإبل الصعاب تقود الخيل العراب وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فأفزعه ذلك، وقصّ الرؤيا على من يعبّرها، فقال: حادث يكون من العرب. فكتب كسرى إلى النعمان أن يبعث إليه بمن يسأله عما يريده فبعث إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسّان بن نفيلة الغسّاني وقصّ عليه الرؤيا فدلّه على سطيح، وقال له: ائته أنت فسار إليه وقصّ عليه الرؤيا فأخبره بتأويلها وأنّ ملك العرب سيظهر والقصة معروفة. وكان فيما قاله سطيح إنّه يملك من آل كسرى أربعة عشر ملكا فاستطال كسرى المدّة وملكوا كلهم في عشرين سنة أو نحوها.

وبعث عامل اليمن وهرز بهديّة وأموال وطرف من اليمن إلى كسرى، فأغار عليها بنو يربوع من تميم وأخذوها، وجاء أصحاب العير الى هوذة بن عليّ ملك اليمامة من بني حنيفة، فسار معهم إلى كسرى فأكرمه وتوّجه بعقد من لؤلؤ ومن ثمّ قيل له ذو التاج، وكتب إلى عامله بالبحرين في شأنهم، وكان كثيرا ما يوقع ببني تميم ويقطعهم حتى سمّوه المكفّر فتحيل عليهم بالميرة، ونادى مناديه في أحيائهم: إنّ الأمير يقسم فيكم بحصن المشعر ميرة، فتسايلوا [2] إليه ودخلوا الحصن، فقتل الرجال وخصى

[1] ترجم الكتاب من اللغة الهندية. وفي مقدمة هذا الكتاب عرض وافي لكيفية الحصول عليه من المكتبة الهندية.

[2]

اي قدموا من كل جهة كالسيل.

ص: 210

الصبيان. وجاءت هدية أخرى من اليمن على أرض الحجاز أجازها رجل من بني كنانة فعدت عليه قيس وقتلوه وأخذوا الهدية، فنشأت الفتنة بين كنانة وقيس لأجل ذلك وكانت بينهما حرب الفجّار عشرين سنة وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرا كان ينبل على أعمامه. ثم هلك أنوشروان لثمان وأربعين من دولته وملك ابنه هرمز.

قال هشام: وكان عادلا حتى لقد أنصف من نفسه خصيّا كان له، وكانت له خؤلة في الترك وكان مع ذلك يقتل الأشراف والعلماء، وزحف إليه ملك الترك شبّابة في ثلاثمائة ألف مقاتل، فسار هرمز إلى هراة وباذغيس لحربهم، وخالفه ملك الروم إلى ضواحي العراق، وملك الخزر الى الباب والأبواب، وجموع العرب إلى شاطئ الفرات. فعاثوا في البلاد ونهبوا واكتنفته الأعداء من كل جانب، وبعث قائده بهرام صاحب الريّ إلى لقاء الترك، وأقام هو بمكانه من خراسان بيت هراة وباذغيس، وقاتل بهرام الترك وقتل ملكهم شبّابة بسهم أصابه واستباح معسكره وأقام بمكانه.

فزحف إليه برمومة بن شبّابة بالترك فهزمه بهرام وحاصره في بعض الحصون حتى استسلم وبعث به الى هرمز أسيرا، وبعث معه بالأموال والجواهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة يقال في مائتين وخمسين ألفا من الأحمال، فوقع ذلك من هرمز أحسن المواقع. وغصّ أهل الدولة ببهرام وفعله فأكثروا فيه السعاية وبلغ الخبر إلى بهرام فخشيه على نفسه فداخل من كان معه من المرازبة وخلعوا هرمز، ودعوا لابنه أبرويز وداخلهم في ذلك أهل الدولة، فلحق أبرويز بأذربيجان خائفا على نفسه، واجتمع إليه المرازبة والأصبهبذيّون فملكوه. ووثب بالمدائن الأشراف والعظماء ونفدويه وبسطام خال أبرويز فخلعوا هرمز وحبسوه تحرّزا من قتله.

وأقبل أبرويز بمن معه إلى المدائن فاستولى على الملك، ثم نظر في أمر بهرام وتحرّز منه وسار إليه وتوافقا بشط النهروان [1] ، ودعاه أبرويز إلى الدخول في أمره ويشترط ما أحب، فلم يقبل ذلك وناجزه الحرب فهزمه. ثم عاود الحرب مرارا وأحس أبرويز بالقتل من أصحابه فرجع إلى المدائن منهزما، وعرض على النعمان أن يركبه فرسه فنجا عليها. وكان أبوه محبوسا بطبسون فأخبره الخبر وشاوره فأشار عليه بقصد موريق ملك الروم يستجيشه، فمضى لذلك ونزل المدائن لاثنتي عشرة سنة من ملكه.

[1] ثلاث قرى بين واسط وبغداد.

ص: 211

وفي بعض من طرق هذا الخبر أنّ أبرويز لمّا استوحش من أبيه هرمز لحق بأذربيجان واجتمع عليه من اجتمع ولم يحدث شيئا. وبعث هرمز لمحاربة بهرام قائدا من مرازبته فانهزم وقتل ورجع فلّهم إلى المدائن وبهرام في اتّباعهم، واضطرب هرمز وكتبت إليه أخت المرزبان المهزوم من بهرام تستحثه للملك فسار إلى المدائن وملك، وأتاه أبوه فتواضع له أبرويز وتبرأ له من فعل الناس وأنه إنّما حمله على ذلك الخوف، وسأله أن ينتقم له ممن فعل به ذلك وأن يؤنسه بثلاثة من أهل النسب والحكمة يحادثهم كل يوم فأجابه، واستأذنه في قتل بهرام جوبين فأشار به. وأقبل بهرام حثيثا وبعث خاليه نفدويه وبسطام يستدعيانه للطاعة فردّ أسوأ ردّ وقاتل أبرويز واشتدّت الحرب بينهما، ولما رأى أبرويز فشل أصحابه شاور أباه ولحق بملك الروم، وقال له خالاه عند وصولهم من المدائن: نخشى أن يدخل بهرام المدائن ويملّك أباك ويبعث فينا إلى ملك الروم. وانطلقوا إلى المدائن فقتلوا هرمز ثم ساروا مع أبرويز وقطعوا الفرات، واتبعتهم عساكر بهرام وقد وصلوا إلى تخوم الروم وقاتلوهم وأسروا نفدويه خال أبرويز ورجعوا عنهم. ولحق أبرويز ومن معه بأنطاكيّة وبعث إلى قيصر موريق يستنجده فأجابه وأكرمه وزوّجه ابنته مريم، وبعث إليه أخاه بناطوس بستين ألف مقاتل وقائدهم، واشترط عليه الإتاوة التي كان الروم يحملونها، فقبل وسار بالعساكر إلى أذربيجان ووافاه هنالك خاله نفدويه هاربا من الأسر الّذي كانوا أسروه. ثم بعث العساكر من أذربيجان مع أصبهبذ الناحية، فانهزم بهرام جوبين ولحق بالترك وسار أبرويز إلى المدائن فدخلها وفرّق في الروم عشرين ألف ألف دينار وأطلقهم إلى قيصر.

وأقام بهرام عند ملك الترك وصانع أبرويز عليه ملك الترك وزوجته حتى دست عليه من قتله، واغتمّ لذلك ملك الترك وطلّقها من أجله، وبعث إلى أخت بهرام أن يتزوّجها فامتنعت، ثم أخذ أبرويز في مهاداة قيصر موريق وألطافه، وخلعه الروم وقتلوه وملّكوا عليهم ملكا اسمه قوفا قيصر، ولحق ابنه بأبرويز فبعث العساكر على ثلاثة من القواد وسار أحدهم ودوّخوا الشام إلى فلسطين، ووصلوا إلى بيت المقدس فأخذوا أسقفتها ومن كان بها من الأقسّة وطالبوهم بخشبة الصليب فاستخرجوها من الدفن وبعثوا بها إلى كسرى، وسار منهم قائد آخر إلى مصر واسكندرية وبلاد النوبة فملكوا ذلك كلّه، وقصد الثالث قسطنطينيّة وخيّم على الخليج وعاث في ممالك الروم.

ص: 212

ولم يجب أحد إلى طاعة ابن موريق وقتل الروم قوفا الّذي كانوا ملّكوه لما ظهر من فجوره، وملّكوا عليهم هرقل فافتتح أمره بغزو بلاد كسرى وبلغ نصيبين، فبعث كسرى قائدا من أساورته فبلغ الموصل وأقام عليها يمنع الروم المجاوزة، وجاز هرقل من مكان آخر إلى جند فارس، فأمر كسرى قائده بقتاله فانهزم وقتل وظفر هرقل بحصن كسرى وبالمدائن، ووصل هرقل قريبا منها ثم رجع. وأولع كسرى العقوبة بالجند المنهزمين، وكتب إلى سخراب بالقدوم من خراسان وبعثه بالعساكر، وبعث هرقل عساكره والتقيا بأذرعات وبصرى [1] فغلبتهم عساكر فارس، وسار سخراب في أرض الروم يخرّب ويقتل ويسبي حتى بلغ القسطنطينيّة، ورجع وعزله أبرويز عن خراسان وولّى أخاه.

وفي مناوبة هذا الغلب بين فارس والروم نزلت الآيات من أوّل سورة الروم. (قال الطبري) ، وأدنى الأرض التي أشارت إليها الآية هي أذرعات وبصرى التي كانت بها هذه الحروب. ثم غلبت الروم لسبع سنين من ذلك العهد وأخبر المسلمون بذلك الوعد الكريم لما أهمّهم من غلب فارس الروم، لأن قريشا كانوا يتشيّعون لفارس لأنهم غير دائنين بكتاب، والمسلمون يودّون غلب الروم لأنهم أهل كتاب، وفي كتب التفسير بسط ما وقع في ذلك بينهم.

وأبرويز هذا هو الّذي قتل النعمان بن المنذر ملك العرب وعامله على الحيرة سخّطه بسعاية عديّ بن زيد العباديّ وزير النعمان، وكان قد قتل أباه وبعثه إلى كسرى ليكون عنده ترجمانا للعرب كما كان أبوه قد فعل بسعايته في النعمان وحمله على أن يخطب إليه ابنته، وبعث إليه رسوله بذلك عديّ بن زيد فترجم له عنه في ذلك مقالة قبيحة أحفظت كسرى أبرويز مع ما كان تقدّم له في منعه الفرس يوم بهرام كما تقدّم، فاستدعاه أبرويز وحبسه بساباط، ثم أمر به فطرح للفيلة [2] ، وولّى على العرب بعده إياس بن قبيصة الطائيّ جزاء بوفاء ابن عمه حسّان يوم بهرام كما تقدّم.

[1] بلد في الشام مشهورة بصناعة السيوف.

[2]

أ (المعروف في كتب الأدب ان النعمان زوج ابنة عدي، وان بني مرينا- وهي اسرة تكره بني أيوب: أسرة عدي- قد احفظها هذا الزواج الّذي أدى الى ملكية النعمان لأنها كانت تريد ان يتولى الملك ولد آخر من أولاد المنذر الرابع فأخذت تتقرب إلى النعمان وتدس الدسائس على عدي- فغضب عليه النعمان وسجنه فشفع به كسرى فأخفقت الشفاعة ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل زاد النعمان على ذلك فقتل عديا فغضب زيد ابنه ودبّر مكيدة دفعت كسرى لقتل النعمان) .

ص: 213

ثم كان على عهده وقعة ذي قار لبكر بن وائل ومن معهم من عبس وتميم على الباهوت مسلحة كسرى بالحيرة ومن معه من طيِّئ، وكان سببها أنّ النعمان بن المنذر أودع سلاحه عند هانئ بن مسعود الشيبانيّ وكانت شكّة ألف فارس، وطلبها كسرى منه، فأبى إلّا أن يردّها إلى بيته، فآذنه كسرى بالحرب وآذنوه بها. وبعث كسرى إلى إياس أن يزحف إليه بالمسالح التي كانت ببلاد العرب بأن يوافوا إياسا، واقتتلوا بذي قار وانهزمت الفرس ومن معهم. وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا أوحى إليه بذلك أو نفث في روعه، قيل إنّ ذلك كان بمكّة وقيل بالمدينة بعد وقعة بدر بأشهر.

وفي أيام أبرويز كانت البعثة لعشرين من ملكه وقيل لاثنتين وثلاثين حكاه الطبريّ، وبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوه إلى الإسلام، كما تقدّم في أخبار اليمن وكما يأتي في أخبار الهجرة.

ولما طال ملك أبرويز بطر وأشر وخسر الناس في أموالهم وولّى عليهم الظّلمة وضيّق عليهم المعاش وبغّض عليهم ملكه. وقال هشام: جمع أبرويز من المال ما لم يجمعه أحد، وبلغت عساكره القسطنطينية وإفريقية، وكان يشتو بالمدائن ويصيّف بهمدان، وكان له اثنتا عشرة ألف امرأة، وألف فيل وخمسون ألف دابة. وبنى بيوت النيران وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ وأحصى جبايته لثمان عشرة سنة من ملكه فكان أربعمائة ألف ألف مكرّرة مرتين وعشرون ألف ألف مثلها فحمل إلى بيت المال بمدينة طبسون، وكانت هنالك أموال أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد منها اثنا عشر ألف بدرة في كل بدرة من الورق مصارفة أربعة آلاف مثقال فتكون جملتها ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال مكرّرة مرتين في صنوف من الجواهر والطيوب والأمتعة والآنية لا يحصيها إلا الله تعالى. ثم بلغ من عتوّه واستخفافه بالناس أنه أمر بقتل المقيدين في سجونه وكانوا ستة وثلاثين ألفا، فنقم ذلك عليه أهل الدولة وأطلقوا ابنه شيرويه واسمه قبّاذ وكان محبوسا مع أولاده كلهم لإنذار بعض المنجمين له بأن بعض ولده يغتاله فحبسهم، وأطلق أهل الدولة شيرويه وجمعوا إليه المقيدين الذين أمر بقتلهم، ونهض إلى قصور الملك بمدينة نهر شير فملكها وحبس أبرويز وبعث إلى ابنه شيرويه يعنّفه، فلم يرض ذلك أهل الدولة وحملوه على قتله، وقتل لثمان وثلاثين سنة من ملكه، وجاءته أختاه بوران وأزرميدخت فأسمعتاه وأغلظتا له فيما فعل فبكى

ص: 214

ورمى التاج عن رأسه، وهلك لثمانية أشهر من مقتل أبيه في طاعون وهلك فيه نصف الناس أو ثلثهم، وكان مهلكه لسبع من الهجرة فيما قال السهيليّ.

ثم ولي ملك الفرس من بعده ابنه أردشير طفلا ابن سبع سنين لم يجدوا من بين الملك سواه لأن أبرويز كان قتل المرشّحين كلهم من بينه وبني أبيه، فملّك عظماء فارس هذا الطفل أردشير وكفله بها در خشنش صاحب المائدة في الدولة، فأحسن سياسة ملكه وكان شهريران بتخوم الروم في جند ضمّهم إليه أبرويز وحموهم هنالك وصاحب الشورى في دولتهم، ولما لم يشاوروه في ذلك غضب وبسط يده في القتل، وطمع في الملك وأطاعه من كان معه من العساكر. وأقبل الى المدائن وتحصّن بهادر خشنش بمدينة طبسون دار الملك، ونقل إليها الأموال والذخائر وأبناء الملوك، وحاصرها شهريران فامتنعت، ثم داخل بعض العسس ففتحوا له الباب فاقتحمها وقتل العظماء واستصفى الأموال وفضح النساء.

وبعث أردشير الطفل الملك من قتله لسنة ونصف من ملكه، وملك شهريران على التخت ولم يكن من بيت الملك، وامتعض لقتل أردشير جماعة من عظماء الدولة وفيهم زادان فرّوخ وشهريران ووهب مؤدّب الأساورة، وأجمعوا على قتل شهريران.

وداخلوا في ذلك بعض حرس الملك فتعاقدوا على قتله، وكانوا يعملون قدام الملك في الأيام والمشاهد سماطين، ومرّ بهم شهريران بعض أيام بين السماطين وهم مسلحون فلما حاذاهم طعنوه فقتلوه وقتلوا العظماء بعد قتل أردشير الطفل.

ثم ملّكوا بوران بنت أبرويز ودفعت أمير الدولة إلى [1] قبائل شهريران من حرس الملك وهو فرّوخ بن ماخد شيراز من أهل إصطخر، ورفعت رتبته، وأسقطت الخراج عن الناس، وأمرت برم القناطير والجسور وضرب الورق، وردّت خشبة الصليب على الجاثليق ملك الروم، وهلكت لسنة وأربعة أشهر. وملّكوا بعدها خشنشده من عمومة أبرويز عشرين يوما فملك أقل من شهر. ثم ملك أزرميدخت بنت أبرويز وكانت من أجلّ نسائهم، وكان عظيم فارس يومئذ فرّوخ هرمز أصبهبذ خراسان فأرسل إليها في التزويج، فقالت هو حرام على الملكة ودعته ليلة كذا، فجاء وقد عهدت إلى صاحب حرسها أن يقتله ففعل، فأصبح بدار الملك قتيلا وأخفي أثره.

وكان لما سار إلى أزرميدخت استخلف على خراسان ابنه رستم، فلما سمع بخبر أبيه

[1] الواضح من سياق الجملة ان كلمة سقطت أثناء النسخ فتكون الجملة (الى رجل من قبائل شهريران) .

ص: 215

أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن وملكها، وسمل أزرميدخت وقتلها، وقيل سمّها فماتت وذلك لستة أشهر من ملكها، وملكوا بعدها رجلا من نسل أردشير بن بابك وقتل لأيام قلائل، وقيل بل هو من ولد أبرويز اسمه فرّوخ زاذ بن خسرو وجدوه بحصن الحجارة قريب نصيبين، فجاءوا به إلى المدائن وملّكوه ثم عصوا عليه فقتلوه.

وقيل لمّا قتل كسرى بن مهرخشنش طلب عظماء فارس من يولّونه الملك ولو من قبل النساء، فأتى برجل وجد بميسان اسمه فيروز بن مهرخشنش ويسمى أيضا خشنشدة أمّه صهاربخت بنت يراد قرّار بن أنوشروان فملّكوه كرها، ثم قتلوه بعد أيام قلائل.

ثم شخص رجل من عظماء الموالي وهو رئيس الخول إلى ناحية الغرب، فاستخرج من حصن الحجارة قرب نصيبين ابنا لكسرى كان لجأ إلى طبسون فملّكوه، ثم خلعوه وقتلوه لستة أشهر من ملكه.

وقال بعضهم: كان أهل إصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز فلما بلغهم أن أهل المدائن عصوا على ابن خسرو فرّوخ زاذ أتوا بيزدجرد من بيت النار الّذي عندهم ويدعى أردشير، فملّكوه بإصطخر وأقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرّوخ زاذ خسرو لسنة من ملكه. واستقلّ يزدجرد بالملك وكان أعظم وزرائه رئيس الموالي الّذي جاء بفرّخزاد خسرو من حصن الحجارة. وضعفت مملكة فارس، وتغلب الأعداء على الأطراف من كل جانب، فزحف إليهم العرب المسلمون بعد سنتين من ملكه، وقيل بعد أربع، فكانت أخبار دولته كلها هي أخبار الفتح نذكرها هنالك إلى أن قتل بمرو بعد نيف وعشرين سنة من ملكه.

هذه هي سياقة الخبر عن دولة هؤلاء الأكاسرة الساسانية عند الطبري. ثم قال آخرها:

فجميع سني العالم من آدم إلى الهجرة على ما يزعمه اليهود أربعة آلاف سنة وستمائة واثنان وأربعون سنة، وعلى ما يدّعيه النصارى في توراة اليونانيين ستة آلاف سنة غير ثمان سنين، وعلى ما يقوله الفرس إلى مقتل يزدجرد أربعة آلاف ومائة وثمانون سنة ومقتل يزدجرد عندهم لثلاثين من الهجرة، وأمّا عند أهل الإسلام فبين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم كذلك وبين إبراهيم وموسى كذلك ونقله الطبري عن ابن عبّاس وعن محمد بن عمرو بن واقد الإسلامي عن جماعة من أهل العلم وقال: إنّ الفترة بين عيسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة ورواه عن سلمان الفارسيّ وكعب الأحبار والله أعلم بالحق في ذلك والبقاء للَّه الواحد القهّار.

ص: 216