الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في هديه في الجهاد والغزوات
(1)
لمَّا كان الجهاد ذِروةَ سنام الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة= كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حقَّ جهاده بالقلب والجَنان، والدعوة والبيان، والسيف والسِّنان
(2)
، فكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفعَ العالمين ذكرًا وأعظمَهم عند الله قدرًا.
وأمَره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه فقال: {(50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا} [الفرقان: 51 - 52]. فهذه سورة مكية أُمِر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجّة
(3)
، وإلا فهُم تحت قهر أهل الإسلام؛ قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73]، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواصِّ الأمة وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في
(1)
طبعة الرسالة: «في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث» خلافًا للأصول الخطية والطبعات السابقة.
(2)
ص، ز:«واللسان» ، تصحيف.
(3)
المطبوع: «بتبليغ الحجة» ، والمثبت من الأصول.
العالم، والمشاركون فيه والمعاوِنون
(1)
عليه وإن كانوا هم الأقلِّين
(2)
عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِض، مثل أن يَتكلَّم به عند من يَخاف سطوتَه
(3)
وأذاه= كان للرسل
(4)
ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من ذلك الحظُّ الأوفر، وكان لنبيِّنا ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
ولمّا كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله
(5)
، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»
(6)
= كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما
(7)
لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرتْ به وتتركَ
(1)
ج، ن:«العاضُّون» ، والمثبت من سائر الأصول.
(2)
ج: «الأقلُّون» ، وله وجه، والمثبت هو جادّة المؤلف وشيخه، وبه جاء التنزيل.
(3)
ضبطت الجملة في ز هكذا: «يُتكلم
…
تُخاف سطوتُه».
(4)
ج: «للرسول» ، ثم سقط إلى قوله:«لنبيِّنا» .
(5)
المطبوع: «في طاعة الله» وفاقًا لبعض روايات الحديث كما سيأتي.
(6)
أخرجه أحمد (23951، 23958) والترمذي (1621) والنسائي في «الكبرى» (11794) وابن حبان (4624، 4706، 4862) والحاكم (1/ 10 - 11) من حديث فَضالة بن عبيد رضي الله عنه بنحوه. قال الترمذي: حديث فَضالة حديث حسن صحيح. ولفظه في الشطر الأول: «في طاعة الله» ، وفي بعض الروايات:«في الله» ، وفي بعضها:«لله» . ولفظه في الشطر الثاني: «هجر الخطايا والذنوب» ، وصحَّ باللفظ المذكور من حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (10).
(7)
ز: «لمّا» ، تصحيف.
ما نُهِيتْ عنه، ويحارِبْها في الله= لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصافُ منه وعدوُّه الذي بين جنبَيه قاهرٌ له متسلِّط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله
(1)
؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
فهذان عدوَّان قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما ويَخْذُله ويَرجُف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وتركِ الحظوظ وفوت اللذَّات والمشتهَيات، ولا يمكنه يجاهد
(2)
ذينك العدوَّين إلا بجهاده= كان
(3)
جهاده هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان؛ قال تعالى:{(5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]. والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، فإنه
(4)
عدو لا يَفْتُر ولا يَقْصُر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداءٍ أُمِر العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي العبد بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له
(5)
وابتلاءً،
(1)
ز: «في ذات الله» .
(2)
كذا في جميع الأصول دون «أن» . وفي ق، هامش ج:«جهاد» .
(3)
ز: «وكان» ، وفي النسخ المطبوعة:«فكان» . والمثبت من سائر الأصول، ولعل المؤلف كتبه على توهّم تقدُّم «لمَّا» قبله، كما عبّر في الفقرة السابقة بقوله: «ولمّا كان جهاد أعداء الله
…
= كان جهاد النفس مقدَّمًا».
(4)
المثبت من م، ق، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع:«كأنه» .
(5)
«له» سقطت من ص، ز، ن.
وأُعطِي العبد مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأُعطي أعداؤُه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبُلي أحدُ الفريقين بالآخر وجُعل بعضهم لبعض فتنةً؛ ليبلو أخبارَهم ويَمتحن من يتولَّاه ويتولى رسلَه ممن يتولَّى الشيطانَ وحزبه، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20].
وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]، وقال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته وقال لهم:{أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12]، وأمرهم مِن أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدُوِّه
(1)
، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إن سُلِّط
(2)
عليهم فلِتَرْكهم بعضَ ما أمروا به ومعصيتهم له، ثم لم يُؤْيِسْهم ولم يقنِّطْهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوُوا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم= يَنصُرْهم عليهم ويُظفِّرهم بهم، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يَدْفَع عن عباده المؤمنين ما لا يَدْفعون عن أنفسهم
(3)
، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعُه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.
(1)
ج، ن:«عدوِّهم» .
(2)
ص، ز، ج، ن:«سلَّطه» .
(3)
ص، ز، ج، ن:«نفوسهم» .
وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر= فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله
(1)
وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها، فجهاده بتكذيب وعده ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا.
واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد
(2)
:
- فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم.
- وقال مقاتل: اعملوا لله بالحقِّ
(3)
حقَّ عمله، واعبدوه حقَّ عبادته.
(1)
بعده في ج، ن، المطبوع:«فيكون كله لله» ، وهو مضروب عليه في ص، ولا يوجد في سائر النسخ.
(2)
الأقوال الآتية في «الكشف والبيان» للثعلبي (18/ 412 - 413) ط. دار التفسير، والمؤلف صادر عنه أو عن مختصره:«معالم التنزيل» للبغوي (5/ 402). وانظر: «تفسير مقاتل» (2/ 391) و «تفسير الطبري» (5/ 640)، (16/ 639، 640).
(3)
«بالحق» سقط من المطبوع.
- وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى.
ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا
(1)
الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء.
وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله: {اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ} [الحج: 78]ــ والحرج: الضيق ــ، بل جعله واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ، فكلَّف العبد ما
(2)
يسعه العبدُ ورزق العبدَ ما يسعُ العبدَ، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:«بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة»
(3)
أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل.
وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه
(1)
م، ق، ب، ج:«تضمَّنا» .
(2)
م، ب، ك، ع:«وكلَّف العبد بما» .
(3)
أخرجه أحمد (22291) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وله عدّة شواهد مسندة ومرسلة يصحُّ بها، منها حديث عائشة عند أحمد (24855) بنحوه، وحديث ابن عباس عند أحمد (2107) والبخاري في «الأدب المفرد» (287) بلفظ: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة» ، وقد علّقه البخاري في كتاب الإيمان فقال:«باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» . وانظر: «تغليق التعليق» (2/ 41 - 43).
ومغفرته؛ فبسط عليهم التوبة ما دامت الرُّوح في الجسد وفتح لهم بابًا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارةً تكفِّرُها من توبةٍ أو صدقةٍ أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفِّرةٍ، وجعل لِكُلِّ ما حرَّم عليهم عوضًا من الحلال أنفعَ لهم منه وأطيبَ وألذَّ يقوم مقامه ليستغني العبدُ عن الحرام ويسعه الحلالُ فلا يَضِيق عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنهم به يُسْرًا قَبْله ويسرًا بعده، فلن يغلب عسرٌ يُسرَين، فإذا كان هذا شأنه مع عباده فكيف يكلِّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عمَّا لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟!
فصل
إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:
أحدها
(1)
: أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه عِلْمُه ولا يُنْجيه من عذاب الله.
(1)
في المطبوع: «إحداها» على الجادة، والمثبت من الأصول له نظائر في كتب المؤلف.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدَّعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كلَّه لله.
وإذا استكمل هذه المراتبَ الأربع صار من الربَّانيِّين، فإن السلف مُجْمِعون على أن العالم لا يستحق أن يسمَّى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلِّمَه، فمن عَلِم وعَمِل وعلَّم فذاك يُدْعى عظيمًا في ملكوت السماء
(1)
.
فصل
وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:
إحداهما: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
والثانية
(2)
: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات والشهوات.
فالجهاد الأول يكون بِعُدَّة اليقين، والثاني بعُدَّة الصَّبر
(3)
. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ
(4)
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أنَّ إمامة الدين إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
(1)
أُثر هذا من كلام عيسى عليه السلام. أخرجه أحمد في «الزهد» (330) والبيهقي في «شعب الإيمان» (1660) والخطيب في «أخلاق الراوي» (1/ 90) عن عبد العزيز بن ظبيان (لعله من صغار التابعين) قال: قال المسيح عليه السلام: «من تعلَّم وعمل وعلَّم
…
» إلخ.
(2)
الواو ساقطة من ص، ز.
(3)
المطبوع: «بعدَه اليقين
…
بعدَه الصبر»، تحريف.
(4)
في الأصول: «وجعلناهم» ، سهو.
فصل
وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس. وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ
(1)
باللسان.
فصل
وأما جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبِدَع فثلاث مراتب، الأولى
(2)
: باليد إذا قَدَر، فإن عَجَز انتقل إلى اللسان، فإن عَجَز جاهد بقلبه.
فهذه ثلاثَ عَشْرةَ
(3)
مرتبةً من الجهاد؛ ومن مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق
(4)
.
فصل
ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].
وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحد ففرضٌ
(5)
عليه هجرتان في كل
(1)
ك، ع: «اختصّ باليد
…
اختصّ باللسان»، تصحيف.
(2)
في الأصول عدا م، ق، ب:«الأول» .
(3)
م، ب، ج:«ثلاثة عشرة» . ق، ن:«ثلاثة عشر» .
(4)
كما في حديث أبي هريرة عند أحمد (8865) ومسلم (1910).
(5)
ك، ع:«الفرض» .
وقت: هجرةٌ إلى الله عز وجل بالإخلاص
(1)
والتوحيد والإنابة والتوكُّل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة، وهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق لخبره
(2)
وتقديمِ أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه
(3)
.
وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهادُ شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده.
فصل
وأكمل الخلق عند الله عز وجل من كمَّل مراتب الجهاد كلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتَهم في مراتب الجهاد. ولهذا كان أكملُ الخلق وأكرمُهم على الله خاتمَ أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعِث إلى أن توفاه الله عز وجل، فإنه لما أنزل الله عليه:{رَحِيمٌ (20) يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} [المدثر: 1 - 4] شمَّر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتمَّ القيام
(4)
(1)
من «فرضٌ» إلى هنا ساقط من ق.
(2)
ز، ن:«بخبره» ، وكذا في المطبوع.
(3)
مقتبس من حديث عمر المشهور المتفق عليه: «إنما الأعمال بالنيات
…
».
(4)
ص، ز، ج، ن:«قيامٍ» .
ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا وسِرًّا وجهارًا، ولمَّا نزل عليه:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] صَدَع بأمر الله لا تأخذه فيه
(1)
لومة لائم، فدعا إلى الله الكبيرَ والصغير، والحرَّ والعبد، والذكرَ والأنثى، والأحمرَ والأسود، والجن والإنس.
ولمَّا صدع بأمر الله، وصرَّح لقومه بالدعوة، وبادأهم
(2)
بسبِّ آلهتهم وعيبِ دينهم= اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم
(3)
بأنواع الأذى. وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما قال تعالى:{(42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 43]، وقال:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112]، وقال:{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52 - 53].
فعزَّى سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوةً بمن تقدمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله:{آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 214]، وقولِه: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
(1)
ب، ز:«في الله» .
(2)
ب، ز، المطبوع:«ناداهم» ، تصحيف.
(3)
المطبوع: «ونالوه ونالوهم» زيادة على ما في الأصول.
(4)
مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)[وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)]
(1)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)} [العنكبوت: 1 - 10]
(2)
.
فليتأمل العبدُ سياقَ هذه الآيات وما تضمنته
(3)
من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أُرسِل إليهم الرُّسُل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر
(4)
، فمن قال: آمنَّا امتحنه ربُّه وابتلاه وفَتَنه ــ والفتنة: الابتلاء والاختبار ــ ليتبيَّن الصادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي
(5)
المراحلَ في يديه.
(1)
الآيتان بين الحاصرتين أخلت بهما جميع الأصول، ولعلهما سقطتا على المؤلف سهوًا ..
(2)
انظر: «تفسير أول سورة العنكبوت» لشيخ الإسلام (3/ 253 - جامع المسائل)، فإن المؤلف أفاد منه في الكلام على هذه الآيات.
(3)
ص، ز، ج، ن:«تضمّنت» .
(4)
«والكفر» ساقطة من ج، ن. وفي ع:«على الشقاق والكفر» .
(5)
ج: «نظر من» ، وكذا كان في ص ثم أُصلح «نظر» إلى «نظوي» ، وبقيت «من» وهي محرّفة عن الياء في الأصل. وفي ز:«يطوي مِن» ، ولعل زيادة «من» منشؤها ما في ص.
وكيف يفرُّ المرء عنه بذنبه
…
إذا كان يَطوي في يديه المراحلا
(1)
؟
(2)
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذَوه فابتُلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم أعظمَ وأدومَ من ألم اتِّباعهم. فلا بد من حصول الألم لكلِّ نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمُعْرِض عن الإيمان تحصل له اللذةُ ابتداءً ثم يصير في الألم الدائم.
وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى. والله عز وجل ابتلى أولي العزم من رُسُله، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنَّ أحد أنه يَخْلُص من الألم البتة، وإنما تفاوَت أهلُ الآلام في العقول
(3)
، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا عظيمًا بألمٍ منقطع يسير، وأسْفَهُهم
(4)
من باع الألمَ المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.
(1)
ص، ز، المطبوع: «تُطوى
…
المراحلُ»، والمثبت من سائر النسخ موافق للمصادر الآتية.
(2)
البيت لأبي العرب الصقلِّي (ت 506) باختلاف يسير في «تاريخ الإسلام» (11/ 83) و «فوات الوفيات» (4/ 145). وقد أنشده المؤلف أيضًا في «طريق الهجرتين» (1/ 271).
(3)
ك، ع:«بالعقول» .
(4)
ج: «أسعدهم» . ن، المطبوع:«أشقاهم» ، وكلاهما تصحيف.
فإن قيل: كيف يختار العقل
(1)
هذا؟ قيل: الحامل له على هذا النَّقْدُ والنسيئة، والنفسُ مُوكَّلة
(2)
بالعاجل؛ {كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ}
(3)
[القيامة: 20 - 21]، {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27]. وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدنيٌّ بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس
(4)
،
والناس لهم إرادات وتصوُّرات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارةً منهم وتارةً من غيرهم، كمن عنده دِين وتُقًى حلَّ بين قوم فُجَّار ظَلَمة ولا يتمكنون من فجورهم وظُلْمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سَلِم من شرِّهم في الابتداء، ثم يتسلَّطون عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافه ابتداءً لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بُدَّ أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم، فالحزمُ كلُّ الحزم في الأخذ بما قالت أم المؤمنين لمعاوية: من أرضى اللهَ بسخط الناس كفاه الله
(1)
المطبوع: «العاقل» ، والمثبت من الأصول. وزِيد في ص، ز بعده:«لِفعل» ، ومنشؤه أنه أولًا تصحَّف «العقل» إلى «لِفعل» في ص، ثم ألحقت كلمة «العقل» مصحَّحًا عليها في الهامش دون الضرب على التصحيف في الصُّلب. ولعله عنها نسخت الكلمتان معًا في نسخة ز.
(2)
أي: النفس مجبولة على حب العاجل وإيثاره. واستعمال «موكَّل» بهذا المعنى له نظائر في كتب المؤلف. انظر: «مدارج السالكين» (2/ 470) وتعليقي عليه. وانظر: «تكملة المعاجم» لدوزي (11/ 205).
(3)
كذا في ص، ج، ز، ع بالياء في الفعلين، وهي قراءة أبي عمرو التي كانت سائدة في الديار الشامية في زمن المؤلف، ورواية حفص عن عاصم بالتاء فيهما.
(4)
ك، ع:«بالناس» ..
مؤنة الناس، ومن أرضى الناسَ بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئًا
(1)
.
ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرًا فيمن يُعين الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهلَ البدع على بِدَعهم
(2)
هربًا من
(3)
عقوبتهم، فمن هداه الله وألهمه رُشْدَه ووقاه شرَّ نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرَّم وصبر على عداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت الرسلُ
(4)
وأتباعُهم كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرِهم.
ولما كان الألم لا مَخْلَص
(5)
منه البتة عزَّى سبحانه مَن اختار الألم اليسير المنقطع على العظيم المستمر بقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: 5]، فضرب لمدة هذا الألم أجلًا لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذُّ العبدُ أعظمَ لذَّةٍ بما تحمَّل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذَّتُه وسروره وابتهاجه بقدرِ ما تحمَّل من الألم في الله ولله.
(1)
أخرجه الترمذي (2414) وأحمد في «الزهد» (910) وأبو داود أيضًا في «الزهد» (329) وأبو القاسم البغوي في «حديث ابن الجعد» (1593) عن عائشة موقوفًا عليها بأسانيد صحاح. ورُوي ذلك مرفوعًا عنها عند الترمذي (2414) وابن حبان (276، 277) وغيرهما، ولا يصحّ. انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (1800) وللدارقطني (3524) و «الضعفاء» للعقيلي (4/ 436).
(2)
ص، ز:«بدعتهم» .
(3)
ص، ج:«هو يأمن» ، تحريف، وكذا كُتب في ز ثم أُصلح.
(4)
ص، ز، ج، المطبوع:«للرسل» .
(5)
ز: «يُخلَص» . والمطبوع: «محيص» ، تصحيف لأنه يقتضي أن يليه «عنه» .
وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه
(1)
ليَحمِل العبدَ اشتياقُه إلى لقاء ربه ووليِّه على تحمُّلِ مشقة الألم العاجل، بل ربما غيَّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه الشوقَ إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان
(2)
فالشوق يحمِل المشتاقَ على الجِدِّ في السَّير إلى محبوبه، ويقرِّب عليه الطريق ويطوي له البُعدَ
(3)
ويُهوِّن عليه الآلام والمشاقَّ، وهو من أعظم نعمة أنعمها الله
(4)
على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوالٌ وأعمال هما السبب الذي تُنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم
(1)
م، ق، ب:«لقاء ربه» .
(2)
أحمد (18325) وابن حبّان (1971)، وأخرجه أيضًا النسائي (1305، 1306) والحاكم (1/ 524)، من طريقين عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه. وهو حديث صحيح.
وفي الباب عن زيد بن ثابت وفَضالة بن عُبيد مرفوعًا، وعن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه.
(3)
ص، ز، ك، ع، ن:«البعيد» .
(4)
ص، ز، ج، ن:«أنعم الله بها» ، والمثبت ورد في هامش ص أيضًا وكتب عليه:«الأصل» .
بمن يصلح لهذه النعمة ويشكرها ويعرفُ قدرَها ويحبُّ المنعم عليها
(1)
، فتَصْلُح
(2)
عنده هذه النعمة
(3)
، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]. فإذا فاتت العبدَ نعمةٌ من نِعَم ربه فليقرأ على نفسه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} .
ثم عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر
(4)
، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سبحانه، ثم أخبر أنه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين.
ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرةٍ
(5)
، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له ــ وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعُهم ممن خالفهم ــ، جعل ذلك في فراره منه وتركه
(1)
أي يحبُّ العبدُ ربَّه على هذه النعمة. وفي المطبوع: «عليه» ، وفي ز ضرب بعضهم على «عليها» وكتب فوقه:«عليه بها» ، وكلُّ ذلك توهّمًا أن الضمير يرجع إلى العبد وأن الجار متعلق بـ «المنعم» ، وليس كذلك، وإنما يرجع الضمير إلى النعمة ويتعلّق الجار بـ «يحبُّ» .
(2)
ج: «فيضع» ، تصحيف.
(3)
بعده في المطبوع: «ويصلح بها» ، وليست في الأصول.
(4)
وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} في مطلع سورة العنكبوت.
(5)
وذلك في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ} الآية.
السببَ الذي ناله به كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان.
فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فرُّوا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحمَّلوا ما فيه من الألم الزائل المُفارق عن قُرب
(1)
. وهذا لضعف بصيرته فرَّ من ألمِ عذابِ أعداءِ الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنةِ الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كلَّ الغَبْن؛ إذ
(2)
استجار من الرمضاء بالنار، وفرَّ من ألم ساعةٍ إلى ألم الأبد. وإذا نصر الله جندَه وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم
(3)
بما انطوى عليه صدرُه من النفاق.
والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحنَ النفوسَ ويبتليَها، فيظهَر بالامتحان طيِّبُها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح، وليمحِّص النفوس التي تصلح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذهب الذي لا يصفُو ويَخْلُص من غشِّه إلا بالامتحان؛ إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السَّبْك والتصفية، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّي أُذِن له في دخول الجنة.
فصل
ولما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل استجاب له عبادُ الله من كل قبيلة، فكان
(1)
ك، ع:«قريب» .
(2)
في الأصول عدا ج: «إذا» ، والمثبت منه أشبه.
(3)
ك، ع:«أعلم» .
حائزَ قصبِ سَبْقِهم صدِّيقُ الأمة وأسبقُها إلى الإسلام أبو بكر رضي الله عنه، فآزره في دين الله ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر: عثمانُ بن عفَّان، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن أبي وقَّاص.
وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صدِّيقةُ النساء خديجةُ بنت خُوَيلد، وقامت بأعباء الصدِّيقيَّة، وقال لها: «لقد خشيتُ على عقلي
(1)
»، فقالت: أبشِر، فوالله لا يُخزِيك الله أبدًا، ثم استدلَّتْ بما فيه من الصفات والأخلاق والشِّيَم على أن من كان كذلك لا يَخْزى أبدًا
(2)
؛ فعَلِمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاقَ الفاضلةَ والشِّيَم الشريفةَ تُناسِبُ أشكالَها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخِزْيَ والخِذلان، وإنما يناسبه أضدادُها، فمن ركَّبه الله على أحسن الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامتُه وإتمامُ نعمته عليه، ومن ركَّبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقَّتْ أن يُرسِل إليها ربُّها السلامَ منه مع رسولَيه جبريلَ ومحمدٍ صلى الله عليه وسلم
(3)
.
فصل
وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب
(4)
ابنَ ثمان سنين، وقيل: أكثر من ذلك، وكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذه من عمِّه إعانةً له في سنةِ مَحْلٍ
(5)
.
(1)
كذا في الأصول، وفي هامش ز والمطبوع:«نفسي» وفاقًا للفظ الحديث.
(2)
أخرجه البخاري (3، 4953، 6982) ومسلم (160).
(3)
كما عند البخاري (3820) ومسلم (2432) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
زِيد بعده في ز بخط مغاير: «وهو» ، وفي المطبوع:«وكان» .
(5)
أي سنة جدب.
وبادر زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلامًا لخديجة فوهبَتْه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوَّجها، وقَدِم أبوه وعمُّه في فدائه فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابنَ عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدِ قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكُّون العاني وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا
(1)
عندك، فامنُنْ علينا وأحسِنْ إلينا في فدائه، قال:«من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فهَّلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيِّرُه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فواللهِ ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا» ، قالا: قد زِدتَنا
(2)
على النَّصَف وأحسنت، فدعاه فقال:«هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، قال:«من هذا؟» قال: هذا أبي وهذا عمي، قال:«فأنا مَن قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاختَرْني أو اخترهما» ، قال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكانَ الأب والعمِّ، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العُبودية على الحرية وعلى أبيك وعمِّك وعلى أهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحِجر فقال:«أشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه» ، فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه طابت نفوسهما فانصرفا، ودُعي زيدَ بن محمَّدٍ حتى جاء الله
(3)
بالإسلام فنزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5]، فدُعي يومئذ: زيدَ بن حارثة
(4)
.
(1)
ز: «ابن لنا» .
(2)
المطبوع: «رددتنا» ، تصحيف.
(3)
لفظ الجلالة سقط من م، ق، ب.
(4)
أخرج القصة بهذا السياق ابن سعد في «الطبقات» (3/ 39 - 41) والزبير بن بكّار ــ كما في «الاستيعاب» (2/ 543 - 545) واللفظ له ــ كلاهما من طريق ابن الكلبي عن أبيه وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما .. وابن الكلبي ــ هشام بن محمد بن السائب ــ أخباريٌّ نسَّابة، لكنه متروك الحديث كأبيه، وجميل بن مرثد لم أعرفه.
ورويت القصة من وجه آخر بسياق أطول، أخرجها تمَّام (1200) والحاكم (3/ 213) من طريق يحيى بن أيوب بن أبي عقال بن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة، عن عمِّه زيد بن أبي عقال، عن أبيه، عن آبائه. قال الحافظ في «الإصابة» (1/ 615): رجال إسناده مجهولون.
قال معمر في «جامعه»
(1)
عن الزُّهري: «ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة» . وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه وأنعم عليه رسولُه وسمَّاه باسمه
(2)
.
وأسلم القَسُّ ورقةُ بن نَوفَل وتمنى أن يكون جَذَعًا إذ يُخرِج رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قومُه
(3)
. وفي «جامع الترمذي»
(4)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة. وفي حديثٍ آخر
(5)
: أنه رآى عليه ثيابَ بياضٍ.
(1)
برقم (20393) مع «مصنف عبد الرزاق» .
(2)
وذلك في سورة الأحزاب: 37.
(3)
كما في حديث عائشة الطويل في بدء الوحي عند البخاري (3) ومسلم (160).
(4)
برقم (2288) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة بلفظ:«أُرِيتُه في المنام وعليه ثياب بياض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» . قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي» . قلت: بل إنه متروك ذاهب الحديث، وقد اتهمه ابن معين بالكذب.
وأخرج ابن أبي شيبة (37710) والآجري في «الشريعة» (973) والبيهقي في «الدلائل» (2/ 158) من مرسل التابعي الكبير عمرو بن شُرَحبيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد رأيت القسَّ في الجنة وعليه ثياب الحرير» ، ولفظ ابن أبي شيبة:«ثياب خضر» .
(5)
بل هو نفس حديث الترمذي السابق.
ودخل الناس في الدين واحدًا بعد واحدٍ، وقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم وسبِّ آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذٍ شمَّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة فحمى الله رسولَه بعمِّه أبي طالب، لأنه كان شريفًا معظَّمًا في قريشٍ، مُطاعًا في أهل مكة، لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى.
وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دينِ قومه لِما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها.
وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرُهم تصدَّوا له بالأذى والعذاب، منهم عمَّار بن ياسر وأمُّه وأهلُ بيته عُذِّبوا في الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرَّ بهم وهم يُعذَّبون يقول:«صبرًا يا آل ياسرٍ فإن موعدَكم الجنة»
(1)
.
ومنهم بلال بن رباح، فإنه عُذِّب في الله أشدَّ العذاب، فهان على قومه وهانت عليه نفسه في الله، وكان كلَّما اشتد به
(2)
العذاب يقول: أحدٌ أحدٌ،
(1)
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (1016 - بغية الباحث) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (6662) ــ وابن سعد في «الطبقات» (3/ 230) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي إسناده انقطاع. وله شاهد بنحوه من حديث أبي الزبير عن جابر عند الطبراني في «الأوسط» (1508) والحاكم (3/ 388 - 389). وله شواهد أخرى مرسلة من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، ويوسف بن ماهَك، ورجال من آل ياسر. انظر:«الطبقات الكبير» لابن سعد (3/ 230) و «شعب الإيمان» (1515) و «الإصابة» (11/ 375)، (13/ 493).
(2)
ز، ع:«عليه» .
فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال! أحدٌ أحدٌ، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنَّه حنانًا
(1)
.
فصل
ولما اشتد أذى المشركين على من آمن، وفُتِن منهم
(2)
من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللَّات
(3)
إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَل ليمرُّ بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم
(4)
.
ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُميَّةَ أمِّ عمار بن ياسر ــ وهي تُعذَّب وزوجَها وابنَها ــ فطعنها بحربةٍ في فرجها فقتلها
(5)
.
وكان الصدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يعذَّب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فُهَيرة، وأم عُبَيس، وزِنِّيرة، والنَّهْدية، وابنتها، وجاريةٌ لبني عدي
(6)
كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه. وقال له أبوه: يا بُنيَّ أراك
(1)
ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 318) ــ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه مرسلًا. وقوله: «حنانًا» أي مظنَّة حنانٍ من الله فأتمسَّح بقبره متبركًا، كما كانت النصارى تفعل بقبور صالحيهم. انظر:«النهاية» (حنن).
(2)
«منهم» ساقطة من ص. وفي ك، ع تقدَّمت إلى «آمن» .
(3)
زِيد في المطبوع: «والعزّى» أخذًا من «سيرة ابن هشام» ، وليس في الأصول.
(4)
أسنده ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (1/ 320) ــ عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(5)
فكانت أوَّلَ شهيدٍ في الإسلام. انظر: «مصنف بن أبي شيبة» (34570) و «طبقات ابن سعد» (10/ 251).
(6)
ص، ز، ج، ن:«ابن عدي» ، وتصحّفت أيضًا بعض الأسماء السابقة في بعض الأصول، والتصحيح من كتب السيرة والتاريخ.
تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر:«إني أريد ما أريد»
(1)
.
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير]
(2)
، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود
(3)
.
خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها
(4)
إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من
(5)
السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.
(1)
«سيرة ابن هشام» (1/ 318 - 319). وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (31939) و «معرفة الصحابة» لأبي نُعيم (8006) و «الإصابة» (6/ 276).
(2)
أخلّت به الأصول، واستدرك من المطبوع ومصادر السيرة، وبه يكتمل العدد.
(3)
انظر: «الطبقات» لابن سعد (1/ 173)، ولعل المؤلف صادر عن «السيرة النبوية» (ق 29 ــ نسخة شستربيتي) للحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (ت 705)، وسيأتي تصريح المؤلف بالنقل منه في بعض المواضع.
(4)
«فيها» ساقطة من ك، ع. والوجه:«فيهما» كما في المطبوع.
(5)
ص، ز، ج، ن:«في» .
ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانوا عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل من دخل منهم بجوارٍ. وفي تلك المرة دخل ابنُ مسعودٍ فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه
(1)
، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله قد أحدث مِن أمره أن لا تَكلَّموا في الصلاة»
(2)
.
هذا هو الصواب، وزعم ابنُ سعد
(3)
وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل، وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم. ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدرًا وأَجْهَزَ على أبي جهل
(4)
، وأصحابُ هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفرٍ وأصحابه بعد بدر بأربعِ سنين أو خمسٍ
(5)
.
قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قولَ زيد بن أرقم: «كنا نقوم في الصلاة فيكلِّم الرجلُ جليسَه حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام»
(6)
. وزيد بن أرقم من
(1)
«عليه» ساقطة من ص، ج، ز، ن.
(2)
أخرجه أحمد (3575) وأبو داود (924) وابن حبان (2243)، وعلّقه البخاري عن ابن مسعود مجزومًا به في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي} .
(3)
في «الطبقات» (1/ 175) فيما أسنده عن شيخه الواقدي عن محمد بن عبد الله (ابن أخي الزهري)، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلًا.
(4)
كما في البخاري (3961، 3962) من حديث ابن مسعود وأنس، وسيأتي مفصلًا في أحداث الغزوة.
(5)
وذلك حين افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، كما في البخاري (4230) من حديث أبي موسى الأشعري.
(6)
أخرجه البخاري (1200، 4534) ومسلم (539) بنحوه.
الأنصار والسورة مدنية، وحينئذٍ فابنُ مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه حتى سلَّم
(1)
وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث زيد بن أرقم.
قيل: يُبطل هذا شهودُ ابن مسعود بدرًا، وأهل الهجرة الثانية إنما قَدِموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل ذلك
(2)
لكان لقدومه ذِكر، ولم يَذكر أحد قدومَ مهاجري الحبشة إلا في القَدْمة الأولى بمكة والثانيةِ عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابنُ مسعود في غير هاتين المرّتين
(3)
؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال
(4)
: وبلغ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلامُ أهل مكة فأقبلوا، فلمَّا بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلًا لم يدخل أحد منهم
(5)
إلا بجوار أو مستخفيًا. وكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرًا وأُحُدًا
…
فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين:
(1)
أي النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته، وفي م، ق، ك، ع:«حين سلَّم» أي ابن مسعود.
(2)
ص، ز، ج، ن:«قبل بدرٍ» .
(3)
ص، ز، ج، ن، الطبعة الهندية:«ومع من» بدل «المرتين» ، والمثبت من سائر الأصول، وكتب عليه «صح» في م. وفي طبعة الرسالة أُثبت كلاهما.
(4)
«قال» ليست في ص، ز، ق. وانظر لقوله:«سيرة ابن هشام» (1/ 364 - 366).
(5)
م، ب:«منهم أحد» .
أحدهما: أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة، ثم أُذِن فيه بالمدينة ثم نُهي عنه.
والثاني: أن زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة فكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي، فلمَّا بلغهم انتهوا. وزيد لم يخبر عن جماعة المسلمين كلِّهم بأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قُدِّر أنه أخبر بذلك لكان وهمًا منه.
ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم، وسَطَت بهم عشائرُهم ولقوا منهم أذًى شديدًا، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرةً ثانيةً، فكان خروجهم الثاني أشقَّ عليهم وأصعب، ولَقُوا من قريش تعنيفًا
(1)
شديدًا ونالوهم بالأذى، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشيِّ مِن حسن جِواره لهم.
وكان عدةَ من خرج في هذه المرة ثلاثةٌ وثمانون رجلًا ــ إن كان فيهم عمارُ بن ياسر، فإنه يشك فيه، قاله ابن إسحاق
(2)
ــ ومن النساء تسع عشرة امرأةً
(3)
.
قلت: قد ذُكر
(4)
في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان وجماعة ممن شهد بدرًا فإما أن يكون هذا وهمًا وإما أن يكون لهم قَدْمة أخرى قبل بدرٍ،
(1)
ك، ع:«تعسُّفًا» ، وهو الظلم.
(2)
كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 330).
(3)
ذكره ابن سعد في «الطبقات الكبير» (1/ 176) عن شيخه الواقدي بأسانيد له عن أم سلمة وبعض التابعين. والمؤلف صادر عن «السيرة النبوية» للدمياطي (ق 31).
(4)
كما في المصدرين السابقين.
فيكون لهم ثلاث قَدَمات: قدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عام خيبر، وكذلك قال ابن سعد
(1)
وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا ومن النساء ثماني نسوةٍ، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نَفَرٍ، وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون
(2)
رجلًا.
فلما كان شهرُ ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيتُه.
وكتب إليه أن يُزوِّجَه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصَّر هناك ومات، فزوَّجه النجاشيُّ إياها وأصدقها عنه أربعمائة دينار
(3)
، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص.
وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملَهم، ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أميَّة الضَّمْري، فقدموا
(1)
في «طبقاته» ، والفقرات الآتية فيه أيضًا ضمن ما أسنده عن شيخه الواقدي بأسانيده. والنقل بواسطة «سيرة الدمياطي» .
(2)
ك، ع:«سبعة وعشرون» ، خطأ.
(3)
كما يدل عليه حديثها عند أحمد (27408) وأبي داود (2107) والنسائي (3350)، ففيه أن النجاشي أصدقها أربعة آلاف درهم، وهو في الصرف يساوي أربعمائة دينار.
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فوجدوه قد فتحها، فكلَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يدخلوهم في سُهمانهم
(1)
ففعلوا
(2)
.
وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين
(3)
حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ويكون ابن مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّم عليه حينئذ فلم يردَّ عليه، وكان العهد حديثًا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلام بالمدينة لا بمكة. وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين ووجوبِ الاجتماع لها.
فإن قيل: ما أحسنَه من جمعٍ وأبينَه لولا أن محمد بن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وهذا يدفع ما ذكرتم.
قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في «طبقاته»
(4)
: إن ابنَ مسعود مكث يسيرًا بعد مَقْدَمِه ثم رجع إلى أرض الحبشة. وهذا هو الأظهر؛ لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يَحمِيه، وما
(1)
ن، المطبوع:«سهامهم» .
(2)
هنا انتهى النقل من «الطبقات الكبير» . وإسهامُ النبي صلى الله عليه وسلم للقادمين من الحبشة قد ثبت في البخاري (3136) ومسلم (2502) من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي مفصّلًا في أحداث الغزوة.
(3)
ك، ع:«في» .
(4)
(1/ 175).
حكاه ابنُ سعد قد تضمن زيادة أمرٍ خفي على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق لم يذكر من حدَّثه ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المُطَّلِب بن عبدِ الله بن حَنْطَب
(1)
، فاتفقت الأحاديث وصدَّق بعضُها بعضًا، وزال عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر ابن إسحاق
(2)
في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبدَ الله بن قيس، وقد أنكر ذلك عليه أهلُ السير، منهم: محمد بن عمر الواقدي
(3)
وغيره، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه؟!
قلت: وليس ذلك مما يخفى على من هو دون محمد بن إسحاق فضلًا عنه، وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر
(4)
وأصحابه لما سمع بهم، ثم قدم معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، كما جاء مصرحًا به في «الصحيح»
(5)
، فعدَّ ذلك ابنُ إسحاق لأبي
(1)
بل إلى التابعي الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وأما المطلب بن عبد الله بن حنطب فأسند إليه قصة سبب رجوع المهاجرين من أرض الحبشة. انظر: «الطبقات» (1/ 174) و «سيرة الدمياطي» (ق 30).
(2)
كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 324) في جملة من هاجر إلى الحبشة.
(3)
لم أجد كلام الواقدي في الإنكار عليه. وانظر: «الطبقات» لابن سعد (4/ 98 - 99) و «الاستيعاب» (3/ 979 - 980).
(4)
«إلى عند» شائع في كلام المؤلف وشيخه، وقد عُدَّ لحنًا كما في «درَّة الغوَّاص» (19).
(5)
البخاري (3136) ومسلم (2502) من حديث أبي موسى، وفيه أنه هو ورهطه الأشعريّون إنما خرجوا من اليمن مهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ألقتْهم سفينتُهم إلى أرض الحبشة، فأقاموا هناك مع جعفر وأصحابه حتى قدموا جميعًا حين افتتح خيبر.
موسى هجرةً
(1)
، ولم يقل: إنه هاجر من مكة إلى الحبشة
(2)
ليُنْكَرَ عليه
(3)
.
فصل
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا وتُحَف من بلادهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وتشفَّعُوا إليه بعظماء جُنده
(4)
فلم يُجِبْهم إلى ما طلبوا، فوَشَوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، يقولون: إنه عبدٌ، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه ومقدَّمهم جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر: يستأذن عليك حزبُ الله، فقال للآذن: قل له: يعيد استئذانَه، فأعاده، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرًا من سورة كهيعص، فأخذ النجاشي عُودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى على هذا، ولا هذا العود، فتناخرت
(5)
بطارقته حوله، فقال:
(1)
بل قد عدَّ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم هجرةً حين قال: «ولكم أنتم ــ أهل السفينة ــ هجرتان» كما في البخاري (4231) ومسلم (2503)، فقول النبي صلى الله عليه وسلم يشمل بعمومه الأشعريين فإنهم كانوا في السفينة مع جعفر وأصحابه، ولذا قال أبو موسى الأشعري:«ما من الدنيا شيء هم [أي: الأشعريّون] به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
(2)
ق، ن، والنسخ المطبوعة:«أرض الحبشة» .
(3)
عليه يُحمَل قول ابن سعد في «الطبقات» (4/ 99): إن ابن إسحاق لم يذكر أبا موسى فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. أي: لم يذكره فيمن هاجر مِن مكة إلى أرض الحبشة.
(4)
طبعة الرسالة: «بطارقته» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية.
(5)
أي غضبت وثارت، والنخير في الأصل: مدّ الصوت والنَفَس في الخياشيم، وكثيرًا ما يكون ذلك من المُغضَب إظهارًا لغضبه ونفوره.
وإن نخرتم، وإن نخرتم
(1)
! ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيُوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم. و «السيوم» بلسانهم: الآمنون
(2)
. وقال للرسولين: لو أعطيتموني دَبْرًا من ذهب ــ يقول: جبلًا من ذهب ــ ما أسلمتهم إليكما، ثم أمر فرُدَّت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحَين
(3)
.
فصل
ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون وفشا الإسلام، فلما رأت قريش أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو الأمورَ ويتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب
(4)
ابنَي عبد مناف
(5)
: أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يجالسوهم حتى يُسلِّموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في سقف الكعبة يقال: كتبها: منصور بن عكرمة بن
(6)
عامر بن هاشم، ويقال: النضر بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلَّت يدُه، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهب فإنه ظاهرَ قريشًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب.
(1)
لم تتكرّر «وإن نخرتم» في ص، ز، ب، المطبوع.
(2)
ص، ز، ج، ن:«الآمنون بلسانهم» .
(3)
مختصر من حديث أم سلمة الطويل عند ابن إسحاق ــ ومن طريقه عند ابن هشام (1/ 334 - 338) وأحمد (1740) وابن راهويه (1835) والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 301) ــ، وإسناده جيّد.
(4)
ص، ز، ج:«بني عبد المطلب» ، خطأ.
(5)
ج والمطبوع: «وبَنِي عبد مناف» ، خطأ.
(6)
في الأصول عدا ج، ن: واو العطف بدل «بن» ، وهو خطأ.
وحُبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في الشِّعب شعبِ أبي طالب ليلةَ هلالِ المحرَّم سنةَ سبعٍ من البِعثة، وعُلِّقت الصحيفة في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسين محصورين مُضيَّقًا عليهم جدًّا مقطوعًا عنهم المِيرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجَهدُ وسُمِع أصواتُ صبيانهم بالبكاء من
(1)
وراء الشعب.
وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة أولها:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا
(2)
وكانت
(3)
قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك
(4)
الصحيفة بعضُ من كان كارهًا لها، وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيِّب بن نصر بن مالك
(5)
، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدي
(1)
«من» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
(2)
كذا قال المؤلف، ولم أجد من ذكر أنه قال اللاميَّة في الشعب. والذي ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 272 - 280) أن أبا طالب قالها قبل ذلك يتودَّد فيها أشرافَ قومه ويخبرهم أنه لن يترك النبي صلى الله عليه وسلم لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، ثم إن هذا الشطر لم يرد في أوَّلها كما قال المؤلف بل في أثنائها، وعجزه:
عقوبةَ شرٍّ عاجلًا غير آجلِ
وقد ورد هذا الشطر أيضًا في ميميَّة تُروى لأبي طالب يحرِّض فيها أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: «سيرة ابن هشام» (1/ 371).
(3)
ص، ز، ج، ن:«وكان» .
(4)
«تلك» ليست في م، ق، ب، ك، ع.
(5)
كذا ساق المؤلف نسبه تبعًا لابن إسحاق، وقال غيره: «
…
بن حُبيِّب بن جَذِيمة بن مالك». وعلى كلٍّ، كان هشام هذا من المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا بعد الفتح.
انظر: «سيرة ابن هشام» (1/ 374) و «الدرر في اختصار المغازي والسير» لابن عبد البر (ص 59 - 60) و «نسب قريش» لمصعب الزبيري (ص 429) و «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص 166 - 170) و «الإكمال» لابن ماكولا (2/ 298) و «أسد الغابة» (4/ 628) و «الإصابة» (11/ 234).
وجماعةٍ من قريش فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلع الله رسولَه على أمر صحيفتهم وأنَّه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميعَ ما فيها من جَوْرٍ وقطيعة وظلم إلا ذكرَ الله عز وجل، فأخبر بذلك عمَّه فخرج إلى قريش وأخبرهم بأنَّ ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب
(1)
، قال ابن عبد البر
(2)
: بعد عشرة أعوام من المبعث. قال: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غيرُ ذلك.
فصل
فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم
(3)
، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يرَ من
(1)
انظر خبر الصحيفة ونقضها عند موسى بن عُقبة كما في «دلائل النبوة» (2/ 311)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 374 - 376)، والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (1/ 159، 177، 178).
(2)
«الاستيعاب» (1/ 37 - 38) باختصار وتصرُّف.
(3)
«منهم» ساقطة من ك، ع.
يُؤوي ولم يرَ ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشدَّ الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه
(1)
وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغرَوا به سفهاءَهم، فوقفوا له سِماطَين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه، وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا.
وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاءِ الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقِلَّة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يتجهَّمني
(2)
؟ أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غيرَ أنَّ عافيتك هي
(3)
أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصَلَح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزلَ بي سخطُك؛ لك العُتْبى
(4)
حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»
(5)
.
(1)
ز: «حاجَّه» .
(2)
م، ق، ب:«يتهجَّمنِي» ، تصحيف. ومعنى «يتجهَّمني»: يلقاني بالغلظة.
(3)
«هي» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
(4)
أي إليك أتوب فأرجع عمّا تكره إلى ما تحب، فالعُتبى اسم من الإعتاب، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب، تقول: عتبتُ عليه (أو: عاتبته) فأعتبني، أي ترك ما عتبتُ عليه من أجله ورجع إلى ما يُرضيني عنه. انظر:«تهذيب اللغة» (عتب).
(5)
رواه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 419 - 422) و «تاريخ الإسلام» للذهبي (1/ 646) و «تفسير ابن كثير» (الأحقاف: 29) ــ عن يزيد بن زياد (في التفسير: يزيد بن رومان، ولعله تصحيف)، عن محمد بن كعب القُرظي مرسلًا.
ورواه بعضهم عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه موصولًا، أخرجه الطبراني في «الكبير» (14/ 139) ومن طريقه الضياء في «المختارة» (9/ 179 - 181). وهو غريب، والصحيح عن ابن إسحاق الإسناد الأول مرسلًا.
فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملَكَ الجبال يستأمره أن يُطبِق الأخشَبَين على أهل مكة ــ وهما جبلاها اللذان هي بينهما ــ، فقال:«بل أستأني بهم، لعل الله يُخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا»
(1)
.
فلما نزل بنخلةَ
(2)
في مرجعه قام يصلي من الليل، فصرف الله إليه نفرًا من الجن فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 29 - 32]
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (3231) ومسلم (1795) من حديث أم المؤمنين عائشة بلفظ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» .
(2)
هما نخلتان الشامية واليمانية، والمراد هنا اليمانية، وهي وادٍ على الطريق بين مكة والطائف. انظر:«معجم ما استعجم» للبكري (4/ 1304) و «المعالم الجغرافية في السيرة» للبلادي (ص 317).
(3)
قصة استماع الجن في تلك الليلة جزء من مرسل محمد بن كعب القرظي. وفيه نظر، إذ هو مخالف لحديث ابن عباس عند البخاري (773) ومسلم (449) أن الجنَّ استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر في طريقه صلى الله عليه وسلم إلى سوق عُكاظ. وفي حديثه أيضًا ما يدل على أن استماعهم كان في ابتداء الإيحاء، بخلاف خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فإنه كان بعد موت عمه وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين. انظر:«تفسير ابن كثير» (الأحقاف: 29).
وأقام بنخلةَ أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ــ يعني قريشًا ــ؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينَه ومظهر نبيَّه»
(1)
.
ثم انتهى إلى مكة
(2)
فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: «أدخل في جوارك؟» فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البَسوا السلاحَ وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلَّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مُحدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته
(3)
.
فصل
ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بجسده على الصحيح
(4)
ــ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبًا على البراق صُحبةَ
(5)
جبريل ــ عليهما
(1)
أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (1/ 180) عن الواقدي بإسناده إلى محمد بن جبير بن مطعم مرسلًا.
(2)
ج، ن:«حراء» وفاقًا للطبقات.
(3)
«الطبقات الكبير» (1/ 180). وانظر: «سيرة ابن هشام» (1/ 381).
(4)
«بجسده على الصحيح» سقط من م، ق، ب، ك، ع.
(5)
ك، ع:«وصَحِبَه» .
الصلاة والسلام ــ، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيت لحمٍ وصلى فيه
(1)
،
ولا يصحُّ عنه ذلك البتة.
ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتَحَ له جبريل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلَّم عليه، فرحَّبَ به وردّ عليه السلام وأقر بنبوَّته، وأراه الله أرواحَ السُّعَداء من بنيه عن يمينه وأرواحَ الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلَّم عليهما، فردَّا عليه ورحَّبا به وأقرَّا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف الصدِّيق
(2)
فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس، فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فلقي فيها هارون بن عمران فسلَّم عليه ورحَّب به وأقر بنبوته.
(1)
روي ذلك من حديث أنس وشدّاد بن أوس، فأما حديث أنس فأخرجه النسائي (450). قال ابن كثير في «الفصول» (ص 256): إنه حديث غريب منكر جدًّا، وإسناده مقارب، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على نكارته.
وأما حديث شدّاد فأخرجه البزار (3484) والطبراني في «الكبير» (7/ 282) والبيهقي في «الدلائل» (2/ 355 - 357) وصححه، وتُعقِّب بأن في إسناده إسحاق بن زِبْرِيق، وقد قال النسائي كما في «تاريخ دمشق» (8/ 109):«ليس بثقة عن عمرو بن الحارث» ، وروايته هنا عنه.
(2)
«الصديق» ساقط من ص، ج، ز، ن.
ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته
(1)
، فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن
(2)
غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثرُ مما يدخلها من أمتي.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم فسلَّم عليه ورحب به وأقر
(3)
بنبوته.
ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عُرج به إلى الجبار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى
(4)
، وفرض عليه خمسين صلاةً، فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أُمرتَ؟ قال: بخمسين صلاةً، فقال: إن أمتك لا تطيق
(5)
ذلك، ارجع إلى
(1)
ص: «وآمن به» ، وكذا في ز ثم أصلحه إلى المثبت. وفي ج:«وآمن بنبوّته» .
(2)
ص، ز، ج، ن:«لأن» .
(3)
ص، ج، ن:«وآمن» ، وكذا في ز ثم أصلحه إلى المثبت.
(4)
قوله: «فدنا منه
…
» روي في البخاري (7517) من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر ــ وليس بالقوي ــ عن أنس، وهو أحد الألفاظ التي تفرّد بها شريك في حديث الإسراء، وأنكرها الحفّاظ عليه. وسيأتي تنبيه المؤلف على غلط شريك في بعض ألفاظ الحديث بعد ثلاثة فصول، ولكن الظاهر أن المؤلف يرى أن هذا اللفظ ــ وكذا لفظ آخر سيأتي ــ ليس مما غلط فيه شريك، بل هو من زياداته المقبولة لعدم مخالفتها للروايات الأخرى، ولذا أورده ضمن سياق قصة الإسراء. وانظر:«تفسير ابن كثير» (الإسراء: 1) و «فتح الباري» لابن رجب (2/ 114).
(5)
م، ق، ب، ك، ع:«يطيقون» . وبكليهما روي الحديث في «الصحيح» .
ربك فسَلْه التخفيف لأمتك، «فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئتَ، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبَّارَ تبارك وتعالى وهو في مكانه» ــ هذا لفظ البخاري في «صحيحه» في بعض الطرق
(1)
ــ فوضع عنه عشرًا، ثم نَزَل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فَسَلْه التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربِّه
(2)
تبارك وتعالى حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلِّم، فلما نَفَذ
(3)
نادى منادٍ: «قد أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي»
(4)
.
(1)
يعني المؤلف قوله: «فالتفت إلى جبريل
…
وهو في مكانه»، فهو عند البخاري (7517) من طريق شَريك بن أبي نمر عن أنس، وهو إحدى الزيادات التي تفرّد بها شريك هذا في حديث الإسراء. وأما سائر الحديث فمروي من غير طريق، وسيأتي تخريجه.
(2)
ص، ز، ج:«الله» ..
(3)
ك، ع، ن، النسخ المطبوعة:«بَعُد» ، والمثبت من سائر النسخ يتوافق مع رواية عند أحمد (17835) بلفظ:«فلما نفذتُ نادى مناد» ، وهو بمعنى لفظ البخاري (3887):«فلمّا جاوزت» .
(4)
سياق المصنف لحديث الإسراء مختصر من مجموع رواياته، وهي:
- رواية البخاري (349، 3342) ومسلم (163) من طريق الزهري عن أنس عن أبي ذر رضي الله عنهما.
- رواية البخاري (3207، 3887) ومسلم (164) من طريق قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما.
- رواية مسلم (162) من طريق ثابت البناني عن أنس.
- رواية البخاري (7517) من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس، وفيها بعض الزيادات المتفرَّد بها عن سائر الطرق، كما سبق.
واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه
(1)
، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده
(2)
.
وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: {وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] إنما هو جبريل
(3)
.
وصحّ عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه؟» ، أي: حال بيني وبين رؤيته النورُ، كما قال في اللفظ الآخر:«رأيت نورًا»
(4)
.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي
(5)
اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ
(6)
: وليس قول ابن عباس: «إنه رآه» مناقضًا لهذا، ولا قوله «رآه بفؤاده»؛ وقد صح عنه أنه قال:«رأيت ربي تبارك وتعالى» ، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان بالمدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربِّه
(7)
تبارك
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (32463) والنسائي في «الكبرى» (11473) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (547) وغيرهم من طرق عنه.
(2)
أخرجه مسلم (176) من طريقين عنه، ولفظ أحدهما:«رآه بقلبه» .
(3)
أخرجه البخاري (3232 - 3235) ومسلم (174، 177) عنهما، وأخرجه مسلم (175) عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا.
(4)
أخرجهما مسلم في «صحيحه» (178/ 291، 292).
(5)
في «الرد على الجهمية» (ص 144).
(6)
«ابن تيمية قدس الله روحه» ليس في م، ق، ب، ك، ع. انظر:«مجموع الفتاوى» (6/ 509) و «منهاج السنة» (5/ 384 - 387) و «مسألة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربّه» ضمن «جامع المسائل» (1/ 103 - 108).
(7)
«ربّه» ساقط من ق. وفي ز: «رؤيته تبارك وتعالى» .
وتعالى تلك الليلة في منامه
(1)
. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه، فإن
(2)
رؤيا الأنبياء حق ولا بد، ولكن لم يقل أحمد: إنه رآه بعينَي رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن مرةً قال: رآه، ومرةً قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك.
وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]، ثم قال:{وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]، والظاهر أنه مستنده
(3)
= فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها
(4)
. وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.
(1)
هو حديث اختصام الملأ الأعلى. أخرجه أحمد (22109) والترمذي (3235) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح، ونقل عن شيخه أبي عبد الله البخاري أنه قال مثل ذلك. وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عباس وأنس وثوبان وغيرهم، ولكن لا يصح منها شيء. وروي من مراسيل عبد الرحمن بن عائش، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن سابط بأسانيد حسان. انظر:«العلل» للدارقطني (973) و «أنيس الساري» (11/ 1199 - 1214).
ولابن رجب رسالة في شرح هذا الحديث الجليل سمَّاها: «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» وهي مطبوعة.
(2)
«فإن» سقطت من ق، وتصحفت في ك، ع إلى «قال» .
(3)
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة (32463) والطبري (22/ 22 - 24).
(4)
أخرجه مسلم (177/ 287) عن عائشة مرفوعًا. وقد سبق أن ذلك أيضًا قول ابن مسعود وأبي هريرة موقوفًا عليهما.
وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8]، فهو غير الدنوّ والتدلّي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه فإنه قال:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} وهو جبريل {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 5 - 8]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلِّم الشديد القُوى، وهو ذو المرة أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قاب
(1)
قوسين أو أدنى.
وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدلِّيه، ولا تعرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل؛ رآه محمد صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين، مرةً في الأرض ومرةً عند سدرة المنتهى، والله أعلم.
فصل
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضراؤهم
(2)
عليه، وسألوه أن يصف لهم بيتَ المقدس، فجلَّاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا
(3)
.
(1)
ص، ز، ج، ن:«قدر» ، وهو بمعناه.
(2)
المطبوع: «ضرواتهم» . ومعنى «استضراؤهم عليه» أي مُكايدتهم له، من قولهم:«استضريتُ للصيد» إذا خَتَله من حيث لا يشعر.
(3)
أخرجه البخاري (3886) ومسلم (170) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بنحوه. وأخرجه ابن سعد (1/ 183) والنسائي في «الكبرى» (11220) من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.
وأخبرهم عن عِيرهم في مَسْراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها وعن البعير الذي يَقْدُمُها
(1)
، فكان الأمر كما قال، فلم يَزِدهم ذلك إلا نفورًا وأبى الظالمون إلا كفورًا
(2)
.
فصل
وقد نقل ابن إسحاق
(3)
عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء منامًا وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان منامًا، وإنما قالا: أُسرِي بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرِج به إلى السماء أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض وروحُه لم تصعد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ الرؤيا ضرب له المثال.
والذين قالوا: عُرِج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإنما أرادوا أن الروح ذاتَها أسري بها وعرج بها حقيقةً، وباشرت من
(1)
أي يتقدّمها، ومن قوله تعالى عن فرعون:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98].
(2)
أخرج أحمد (3546) والنسائي في «الكبرى» (11219) بمعناه من حديث ابن عباس. وإسناده صحيح كما قال ابن كثير في «تفسيره» (الإسراء: 1).
(3)
(1/ 399 - 400)، والإسناد إليهما لا يصحّ، وما نقله عن الحسن ليس صريحًا في ذلك، بل الصريح عنه يخالفه. انظر:«تفسير الطبري» (14/ 642).
جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً سماءً حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي الله عز وجل فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة.
ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى يُشقَّ بطنه وهو حي لا يتألم بذلك= عُرِج بذات روحه المقدَّسة حقيقةً من غير إماتة، ومَن سواه لا تَنال ذاتُ روحه الصعودَ إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرَّت أرواحُهم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا فلها
(1)
إشرافٌ على البدن وإشراقٌ وتعلُّقٌ به بحيث يردّ السلام على من سلَّم عليه.
وبهذا التعلُّق رأى موسى قائمًا يُصلي في قبره
(2)
ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرَج بموسى من قبره ثم رُدَّ إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبرُه مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها؛ فرآه يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة، كما أنه هو صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان في الرفيق الأعلى مستقِرًّا هناك وبدنُه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلّم عليه المُسلِّم رد الله عليه روحه حتى يردَّ عليه السلام ولم يفارق الملأ الأعلى.
ومن كَثُف إدراكُه وغَلُظت طباعُه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلِّها، وتعلُّقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها؛ هذا
(1)
ز: «فلهذا» ، تصحيف.
(2)
كما في حديث أنس عند مسلم (2375) وغيره.
وشأن الروح فوق هذا، فلها شأن وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في محلِّها وحرارتُها تؤثر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلُّق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل وأتم، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف.
فقل للعيون الرُّمْدِ: إياكِ أن تَرَي
…
سنا الشمس فاستغشِي ظلامَ اللياليا
(1)
فصل
قال الزهري
(2)
: عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة.
وقال ابن عبد البر
(3)
وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. انتهى.
وكان الإسراء مرةً واحدةً. وقيل: مرتين، مرةً يقظةً ومرةً منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك
(4)
وقوله: «ثم استيقظت» وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان مرتين؛ مرةً قبل الوحي لقوله في حديث شريك: «وذلك قبل أن يوحى إليه»
(5)
، ومرةً بعد الوحي كما دلت عليه
(1)
البيت من قصيدة ذكرها في «مدارج السالكين» (3/ 31)، ولعلها للمؤلف نفسه.
(2)
في المطبوع: «قال موسى بن عقبة عن الزهري» ، وليس في الأصول، لكنّ الرواية كذلك، أخرجها البيهقي في «الدلائل» (2/ 354) وابن عبد البر في «التمهيد» (8/ 50).
(3)
في «الاستيعاب» (1/ 40).
(4)
هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وروايته لحديث الإسراء عن أنس عند البخاري (7517).
(5)
قوله: «لقوله
…
إليه» ساقط من ص، ز.
سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرةً قبل الوحي ومرتين بعده. وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظةً تخالف سياق بعض الرواة
(1)
جعلوه مرةً أخرى، فكلما اختلف
(2)
عليهم الرواة عدَّدوا هم الوقائعَ، والصواب الذي عليه أئمة النقل
(3)
أن الإسراء كان مرةً واحدةً بمكة بعد البعثة.
ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تُفرَض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا فيقول: «أمضيت فريضتي
(4)
وخففت عن عبادي»، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرًا عشرًا؟!
وقد غلَّط الحُفَّاظ شَريكًا في ألفاظٍ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه
(5)
ثم قال: «فقدَّم وأخر وزاد ونقص» ولم يسرد الحديث، وأجاد رحمه الله
(6)
.
* * *
(1)
ك، ع:«الروايات» .
(2)
م، ق، ب، ك:«اختلفت» .
(3)
ك، ع:«أئمة أهل النقل» .
(4)
م، ق، ب:«فرضي» ، والمثبت هو لفظ الحديث، وقد سبق.
(5)
برقم (162/ 259) من طريق ثابت البُناني عن أنس، ثم ذكر طريق شريك هذا (162/ 262) وذكر طرفًا منه ثم قال:«وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدّم فيه شيئًا وأخّر وزاد ونقص» .
(6)
هنا انتهت نسخة الكتانية (ك). وتبدأ نسخة أحمد الثالث (ث).