الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حكمَ قتلِه لهم في ديارهم حيث لا حكمَ للإمام عليهم؛ فإن أبا بصير قتل أحد الرجلَين المعاهدَين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.
ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيَّزوا إلى الإمام= لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم ومنعهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم.
وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوَهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ
(1)
وسَبْيِهم مستدلًّا بقصة أبي بصير مع المشركين
(2)
. والله أعلم
(3)
.
فصل
في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة
وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.
(1)
مدينة قديمة من بلاد الروم مُتاخمة للشام. وهي اليوم مدينة في منطقة الأناضول الشرقية في تركيا.
(2)
انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص 456).
(3)
«والله أعلم» من ص، ز، د.
فمنها: أنها كانت مقدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومُؤْذِنًا بين يديه. وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العِظام التي يقضيها
(1)
شرعًا وقدرًا أن يُوطِّئ لها بين يديها مقدِّماتٍ وتوطئاتٍ تؤذن بها وتدل عليها.
ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناسَ أَمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤُوهم
(2)
بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة مَن شاء الله أن يدخل؛ ولهذا سمَّاه الله {فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية
(3)
.
وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة: فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين
(4)
بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضَيمًا وهضمًا للمسلمين وفي الباطن عزًّا ونصرًا وفتحًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر مِن وراء سترٍ رقيق، وكان
(1)
د، ب، ث:«يقتضيها» .
(2)
ز، ب، س، ث:«نادَوهم» بالنون، وفي ص مهمل بلا نقط، والمثبت من د حيث نُقِط بالباء، ورسمه يحتمل:«بادَوهم» بحذف الهمزة تخفيفًا.
(3)
انظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 412) و «تفسير الطبري» (21/ 238)، والمؤلف صادر عن «زاد المسير» (7/ 419 - 420).
(4)
د: «حصل للمشركين» ، تحصيف.
يعطي المشركين كلَّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].
وربما كان مكروه النفوس إلى
…
محبوبها سببًا ما مِثلُه سببُ
(1)
فكان يدخل على تلك الشروط دخولَ واثقٍ بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروطِ واحتمالَها هو عين النصرة، وهي من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذَلُّوا من حيث طلبوا العزَّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه؛ فدار الدَّورُ وانعكس الأمر وانقلب العزُّ بالباطل ذلًّا بحقٍّ وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمةُ الله وآياتُه وتصديقُ وعدِه ونَصْرُ رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.
ومنها: ما سبَّبه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده وانتظارِ ما وُعِدوا به وشهودِ منة الله عليهم ونعمته بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوجَ ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزعزَعُ لها الجبال، فأنزل عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسُهم
(1)
البيت للبُحتُري كما في «البصائر والذخائر» (6/ 190) و «أدب الدنيا والدين» (ص 310) و «التذكرة الحمدونية» (4/ 97). وقد أنشده المؤلف في مواضع من كتبه، منها:«إغاثة اللهفان» (2/ 818) و «طريق الهجرتين» (1/ 348).
وازدادوا به إيمانًا
(1)
.
ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونصرِه النصرَ العزيز؛ فَرِضاه به ودخولُه تحته، وانشراحُ صدره به مع ما فيه من الضيمِ وإعطاءِ ما سألوه= كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جزاءً وغايةً، وإنما يكون ذلك على فعلٍ قام بالرسول والمؤمنين عند حُكمِه تعالى
(2)
وفتحه.
وتأمل كيف وصف سبحانه النصرَ بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في
(3)
قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشدَّ القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم.
ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكَّدها بكونها بيعةً له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسوله
(4)
كذلك، وهو رسوله ونبيه،
(1)
يشير المؤلف إلى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وسيتناول المؤلف فيما يلي سائر السورة بذكر بعض الحكم والفوائد المستنبطة منها.
(2)
ث: «حكمة الله تعالى» ، خطأ.
(3)
قوله: «سبحانه النصرَ
…
السكينة في» جاء في هامش س مصححًا عليه، هامش ز بخط مغاير، ن، وسقط من سائر الأصول.
(4)
ب، ث، س:«رسول الله» .
فالعقد معه عقد مع مرسِله وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله ويد الله فوقَ يده. وإذا كان الحجر الأسود يمينَ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه
(1)
= فيدُ رسوله أولى بهذا من الحجر الأسود.
ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوْفي بها أجرًا عظيمًا، وكلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعةً على الإيمان
(2)
وحقوقِه، فناكثٌ ومُوفٍ.
ثم ذكر حال من تخلَّف عنه من الأعراب، وظنَّهم أسوأَ الظن بالله أنه يَخذُل رسولَه وأولياءه وجنده، ويُظفِر بهم عدوَّهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم. وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به، وجهلِهم برسوله وما هو أهلٌ أن يعامله به ربُّه ومولاه.
ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة
(3)
لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء وكمالِ الانقياد والطاعة وإيثار اللهِ ورسولِه على ما سواه، فأنزل السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وكان أولُ الفتح والمغانم فتحَ خيبر ومغانمَها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.
(1)
صحّ معناه عن ابن عبّاس موقوفًا عليه. أخرجه عبد الرزاق (8920) وابن أبي عمر في «مسنده» ــ كما في «المطالب العالية» (1223) ــ والأزرقي في «أخبار مكة» (1/ 324، 326). وروي مرفوعًا من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (2957)، ومن حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم (1/ 457)، ولكنهما ضعيفان.
(2)
ص، ز، د:«بيعةَ الإيمان» .
(3)
س، ن:«وقت البيعة» ، تصحيف، وفي س أُسقط «بدخولهم» ليستقيم الكلام.
ووعدهم سبحانه مغانم كثيرةً يأخذونها وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان، أحدهما: أنها
(1)
الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوِّهم، والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها
(2)
.
ثم قال: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} [الفتح: 20]، فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا مَن بالمدينة بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من الصحابة منها، وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرتهم من أسد وغطفان؛ والصحيح تناوُل الآية للجميع.
وقوله: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 20]، قيل: هذه الفِعلة التي فعلها بكم وهي كفُّ أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنه حينئذ كان أهل مكة ومَن حولها وأهلُ خيبر ومن حولها وأسد وغطفان وجمهور قبائل العرب أعداءً لهم، وهم بينهم كالشامة
(3)
، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم وشدَّة عداوتهم؛ وتَوَلَّى حراستهم وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم.
(1)
س، ث، المطبوع:«أنه» .
(2)
الأول روي من طريق العَوفيين عن ابن عباس، والثاني قول مجاهد وقتادة واختاره الطبري وجمهور المفسرين. انظر:«تفسير الطبري» (21/ 280) و «زاد المسير» (7/ 435).
(3)
«كالشامة» من هامش ز، هامش س، ن. وليس في سائر الأصول. وزِيد في الأخيرين بعدَه:«فمن آيات الله سبحانه كفُّ أيدي أعدائهم عنهم» ، وأخشى أن يكون زاده بعض النساخ أو القراء لربط الكلام وإيضاحه، وهو ثابت في الطبعة الهندية أيضًا إلا أنه زِيد قبلَه ــ أي بعد قوله «كالشامة» ــ زيادة أخرى وهي:«فلم يصلوا إليهم بشيء» ، وكذا في طبعة الرسالة إلا أن لفظها: «
…
بسوء»، وهو تكرار للكلام الآتي.
وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آيةً لعباده المؤمنين وعلامةً على ما بعدها من الفتوح، فإن الله وعدهم مغانم كثيرةً وفتوحًا عظيمةً، فعجَّل لهم فتح خيبر وجعلها آيةً لما بعدها وجزاءً لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية وشكرانًا، ولهذا خصَّ بها وبغنائمها من شهد الحديبية.
ثم قال: {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 20]، فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائمِ الهدايةَ، فجعلهم مهتدين
(1)
منصورين غانمين.
ثم وعدهم مغانمَ وفتوحًا أخرى لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: فارس والروم، وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها
(2)
.
ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلَهم، ولا تبديل لسنته.
فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أُحدٍ وانتصروا عليهم ولم يولُّوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلَّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرطُ يومَ أحدٍ بفشلهم المنافي للصبر وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرَفهم عن عدوِّهم
(3)
ولم يحصل الوعدُ لانتفاء شرطه.
(1)
س، ث، المطبوع:«مهديِّين» .
(2)
الأول قول قتادة واختاره الطبري، والثاني قول ابن عبّاس والحسن وابن أبي ليلى، والثالث قول مجاهد. وهناك قول رابع: إنها خيبر، قاله الضحاك وابن زيد وابن إسحاق. انظر:«تفسير الطبري» (21/ 284 - 286).
(3)
ث: «عن وعدهم» ، تصحيف.
ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كفَّ أيديَ بعضِهم عن بعضٍ من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لِما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا وهم يكتمون إيمانهم، لم
(1)
يعلم بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم لأصبتم أولئك بمَعَرَّة الجيش
(2)
، وكان يصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاعِ بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء الضعفاء المستخفِين لأنها موجَب المعرة الواقعة منهم بهم. وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم لعذَّب أعداءَه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب بوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذابَ الاستئصال ورسولُه بين أظهرهم.
ثم أخبر سبحانه عمَّا جعله الكفارُ في قلوبهم من حميَّة الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعباده عن بيته، ولم يقرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ولم يقروا لمحمدٍ بأنه رسول الله مع تحقُّقهم صِدقَه وتيقُّنهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدَّة عشرين سنةً. وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم.
ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حميَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله
(1)
ث: «ولم» .
(2)
المعرَّة: الأذى، ومعرَّة الجيش: هو أذاهم لغيرهم بغير حق، كأن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زرعهم بغير إذن، أو يقتلوا مَن مرُّوا به من مسلم أو معاهد.
وحزبه وحميةُ الجاهلية حظَّ المشركين وجندِهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنسٌ يعمُّ كلَّ كلمةٍ يتَّقى الله بها، وأعلى نوعها كلمةُ الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءَه وحزبه، وإنما حرمها أعداءَه صيانةً لها عن غير كُفُوِها، وألزمها من هو أحقُّ بها وأهلها؛ فوضعها في موضعها ولم يُضيعها بوضعها عند غير أهلها، وهو العليم بمحالِّ تخصيصه ومواضعه.
ثم أخبر سبحانه أنه صدق رسوله رؤياه في
(1)
دخولهم المسجد الحرام آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد أتى
(2)
وقت ذلك في هذا العام، وأنه سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجالَ ذلك والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا توطئةً له وتمهيدًا.
ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقةٍ من هذا الوعد الذي لا بد أن يُنجزه، فلا يَظُنُّوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يومَ الحديبية نصرةً لعدوه، ولا تخلِّيًا عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعدَه أن يُظهره على كل دينٍ سواه.
ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظمُ البراهين على
(1)
«في» ليست في ص، د.
(2)
ن، المطبوع:«آن» .
صدقِ من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ملكٍ ودنيا.
ولهذا لمَّا رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديَهم وسيرتَهم وعدلَهم وعِلمَهم ورحمتَهم وزهدَهم في الدنيا ورغبتَهم في الآخرة قالوا: ما الذين صحبوا المسيحَ بأفضلَ من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفهم بضدِّ ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]
(1)
.
* * *
(1)
هنا انتهت ما وجد من النسخة العراقية (ع).