المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمينواستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ٣

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصلفي هديه في الجهاد والغزوات

- ‌فصلفي مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه

- ‌فصلفي بناء المسجد

- ‌فصلفي هديه في الأسارى

- ‌فصلفي هديه فيمن جسَّ عليه

- ‌ أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له

- ‌فصلفي هديه في الأرض المغنومة

- ‌فصلفي ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقينمن حين بُعث(3)إلى حين لقي الله عز وجل

- ‌فصلفي سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار

- ‌فصلفي قتل كعب بن الأشرف

- ‌فصلفي غزوة أحد

- ‌فصلفيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه

- ‌فصلفي ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحُد

- ‌فصلفي غزوة دُومة الجندل

- ‌ سنة خمس

- ‌فصلفي غزوة المُرَيسِيع

- ‌فصلفي غزوة الخندق

- ‌فصلفي سريّة نجد

- ‌فصلفي غزوة الغابة

- ‌ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة

- ‌ سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف

- ‌ سريةُ عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل

- ‌فصلفي قصة الحديبية

- ‌فصلفي بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة

- ‌فصلفي غزوة خيبر

- ‌فصلفيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية

- ‌ جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استُغني عنهم

- ‌ جواز عتق الرجل أمتَه وجعلِ عتقها صداقًا لها

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌ سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قِبَلَ بني فزارة

- ‌ سرية بَشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفَدَكٍ

- ‌فصلفي سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي

- ‌فصلفي عمرة القضية

- ‌فصلفي غزوة مؤتة

- ‌ سنة ثمان

- ‌فصلفي غزوة ذات السُّلاسل

- ‌فصلفي سرية الخَبَط

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌ جواز أكل ميتة البحر

- ‌فصلفي الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحَرَمه الأمينواستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين

- ‌ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة

- ‌فصلفي الإشارة إلى ما في هذه الغزوة من الفقه واللطائف

- ‌فصلفيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم

- ‌«إن مكة حرَّمها الله ولم يحرمها الناس»

- ‌«فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا»

- ‌فصلفي غزاة حنين

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهيةوالنكت الحُكمية

- ‌ جواز انتظار الإمام بقَسْم الغنائمِ إسلامَ الكفار

- ‌فصلفي غزوة الطائف في شوال سنة ثمان

- ‌ سنةُ تسعٍ

- ‌فصلفي السرايا والبعوث في سنة تسع

- ‌ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم

- ‌فصلذكر سرية قُطبة بن عامر بن حَدِيدة إلى خَثْعَمَ

- ‌فصل(2)ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكِلابي إلى بني كلاب

- ‌فصلذِكر سرية علقمة بن مُجَزِّزٍ المُدْلِجي إلى الحبشة

- ‌ذكر سرية علي بن أبي طالب إلى صنم طَيِّئٍ ليهدمه

- ‌ذكر قصة كعب بن زُهَير مع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي غزوة تبوك

- ‌فصلفي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ

- ‌فصلفي خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته

- ‌فصلفي جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك

- ‌فصلفي رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به

- ‌فصلفي أمر مسجد الضِّرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد

- ‌ ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة

- ‌فصلفي قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر وفد بني عامر ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم على عامر بن الطفيل وكفاية الله له(3)شرَّه وشرَّ أَرْبَدَ بن قيسٍ بعد أن عصم منهما نبيه

- ‌فصلفي قدوم وفد عبد القيس

- ‌فصلفي قدوم وفد بني حنيفة

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد طيِّئٍ على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد كِندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم الأشعريين وأهل اليمن

- ‌فصلفي قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد هَمْدان عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد مُزَينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد دَوسٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم رسول فروة بن عمرو الجُذامي ملك عربِ الروم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم طارق بن عبد الله وقومه على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد تُجيب

- ‌فصلفي قدومِ وفد بني سعدِ هُذَيمٍ من قُضاعة

- ‌فصلفي قدوم وفد بني فَزارة

- ‌فصلفي قدوم وفد بني أسد

- ‌فصلفي قدوم وفد بَهْراء

- ‌فصلفي قدوم وفد عُذْرة

- ‌فصلفي قدوم وفد بَلِيٍّ

- ‌فصلفي قدوم وفد ذي مُرَّة

- ‌فصلفي قدوم وفد خَولان

- ‌فصلفي قدوم وفد مُحارب

- ‌فصلفي قدوم وفد صُداءٍ في سنة ثمان

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد غسَّان

- ‌فصلفي قدوم وفد سَلامان

- ‌فصلفي قدوم وفد بني عَبْس

- ‌فصلفي قدوم وفد غامد

- ‌فصلفي قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني المُنتفِق(1)على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد النَّخَع على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم

- ‌فصلفي كتابه إلى الحارث بن أبي شِمر الغَسَّاني

الفصل: ‌فصلفي الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمينواستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين

‌فصل

في الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحَرَمه الأمين

واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين

وهو الفتح الذي استبشر به أهلُ السماء، وضربت أطنابُ عزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به

(1)

وجه الدهر ضياءً وابتهاجًا.

خرج له رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب الإسلام وجنود الرحمن سنة ثمانٍ لعشرٍ مضَين من رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْم كُلثوم بن الحُصَين الغفاري

(2)

. وقال ابن سعد

(3)

: بل استعمل عبد الله بن أم مكتوم.

وكان السبب الذي جرَّ إليه

(4)

وحدا عليه فيما ذكر إمام المغازي والسير والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار

(5)

: أن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خُزاعة وهم على ماءٍ لهم يقال له: الوتير

(6)

، فبيَّتوهم وقتلُوا منهم، وكان الذي هاج ذلك أن رجلًا من بني الحضرمي يقال له مالك بن عباد

(1)

«به» ساقطة من ص، ز، د.

(2)

أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (2/ 399) وأحمد (2392) ــ قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. وإسناده جيد.

(3)

في «الطبقات» (2/ 125)، وهو قول شيخه الواقدي (1/ 8). والأول أسند وأصح.

(4)

ص، د:«جُري له» . وكذا كان في ز ثم أصلح إلى المثبت.

(5)

كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 389) باختصار وتصرف يسير. ولعل المؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 163).

(6)

جنوب غربيّ مكة على حدود الحرم جهة العُكيشية. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص 331) و «معجم معالم الحجاز» (ص 1791).

ص: 478

خرج تاجرًا، فلما توسَّط أرض خزاعة عدَوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة على بني الأسود

(1)

وهم: سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم.

هذا كله قبل المبعث، فلما بُعِث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجاء الإسلام حجز بينهم وتشاغل الناسُ بشأنه، فلما كان صلحُ الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش وقع الشرط أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

فلما استقرَّت الهدنة اغتنمها بنو بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الدِّيلي

(2)

في جماعة من بني بكرٍ فبيَّت خزاعة وهم على الوتير، فأصابوا منهم رجالًا وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريشٌ بني بكر بالسلاح وقاتل معهم مِن قريش مَن قاتل مستخفيًا ليلًا، ذكر ابن سعد

(3)

منهم: صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزَّى، ومِكرَز بن حفص؛ حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك! فقال كلمةً عظيمةً: لا إله له

(4)

اليوم يا بني

(1)

وهم من بني الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

(2)

نسبةً إلى الدُّئِل بن بكر.

(3)

في «الطبقات» (2/ 124). والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 164).

(4)

«له» كذا قال ابن إسحاق، والظاهر أن نوفل إنما قال:«لي» ، ولكن لقبح الكلمة وشناعتها أتى به ابن إسحاق بضمير الغيبة دون ضمير المتكلم. ومثله حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه لمَّا حضرت أبا طالب الوفاةُ كان آخر ما كلّمهم:«هو على ملّة عبد المطلب» . أخرجه البخاري (1360) ومسلم (24).

ص: 479

بكر أَصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟!

فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيل بن ورقاء الخزاعي ودار مولًى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة

(1)

، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال:

يا ربِّ إني ناشد محمدا

حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم وُلْدًا وكنا والدا

(2)

ثُمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرًا أيِّدَا

(3)

وادع عبادَ الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجرَّدا

أبيضَ مثل البدر يسمو صُعُدا

(4)

إن سِيم خسفًا وجهُه تربَّدا

في فَيلَقٍ كالبحر يجري مُزبِدا

إن قريشًا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كَدَاءٍ رَصَدا

(5)

وزعموا أن لست تدعو أحدا

(1)

«المدينة» ساقطة من ص، د.

(2)

قال السهيلي: يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة. «الروض الأنف» (7/ 84). قلت: وهي حُبَّى بنت حُلَيل الخزاعية، امرأة قصي بن كلاب، ولدت له عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى.

(3)

المطبوع: «أبدا» ، تصحيف.

(4)

هذا الشطر لم يذكره ابن هشام وابن سيد الناس في خبر ابن إسحاق، وقد ذكره فيه الطبري في «تاريخه» (3/ 45) وروايته:«ينمي صعدا» . وانظر: «المنمق في أخبار قريش» لابن حبيب (ص 90) و «الاستيعاب» (3/ 1176).

(5)

ص، ز، د:«مرصدا» .

ص: 480

وهم أذلُّ وأقلُّ عددا

هم بَيَّتونا بالوتير هُجَّدا

وقتلونا ركعًا وسُجَّدا

يقول: قُتِلنا وقد أسلمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نُصِرتَ يا عمرو بن سالم»

(1)

، ثم عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سحابة فقال:«إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب»

(2)

.

ثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفرٍ من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «كأنكم بأبي سفيان وقد جاء ليشدَّ

(3)

العقد ويزيد في المدة»

(4)

.

ومضى بُدَيل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعُسفان

(1)

هذا لفظ ابن إسحاق، وقد روي نحوه من حديث ميمونة عند الطبراني في «الكبير» (23/ 433) و «الصغير» (968) وإسناده ضعيف. له شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ:«لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب» ، أخرجه أبو يعلى (4380) بإسناد لا بأس به. وبنحوه أخرجه الواقدي (2/ 791) بإسناده عن ابن عباس.

(2)

رُوي ذلك في حديث ميمونة الآنف الذكر. وله شاهد من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عند ابن أبي شيبة (38055).

(3)

ص، د هنا وفي الموضع الآتي:«ليشهد» ، تصحيف، وكذا كان في ز ثم أُصلح.

(4)

أخرجه الواقدي (2/ 791) بنحوه عن حزام بن هشام بن حُبيش الخزاعي عن أبيه مرسلًا. وله شاهد من مرسل عكرمة الطويل في خبر الفتح ولفظه: «قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير حاجته» . أخرجه ابن أبي شيبة (38057) والطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 312) بإسناد صحيح إلى عكرمة.

ص: 481

وقد بعثته

(1)

قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سرتُ في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: أوَما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك

(2)

راحلته فأخذ من بعرها ففتَّه فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بُنيَّة، ما أدري أرغبتِ بي

(3)

عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابكِ بعدي شر!

ثم خرج حتى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فكلَّمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر وكلَّمه أن يكلم له رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فوالله لو لم أجد إلا الذرَّ لجاهدتكم به! ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمةُ وحسن غلام يدب بين يديها فقال: يا علي، إنك أمسُّ القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن

(1)

ص، د، ف، ب:«بعثت» .

(2)

كذا في س، ن، وهو الموافق لمصادر الخبر. وفي سائر الأصول:«منزل» .

(3)

«بي» ساقطة من ص، د.

ص: 482

نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة وقال

(1)

: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة فقم وأَجِرْ بين الناس ثم الحَقْ بأرضك، قال: أوترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني ما أجد لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق.

فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلمته، فواللهِ ما ردَّ عليَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو

(2)

، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم قد أشار عليَّ بشيءٍ صنعتُه، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا؟ قالوا: وبِمَ أمرك؟ قال: أمرني أن أجيرَ

(3)

بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك! قال: لا والله ما وجدتُ غير ذلك.

(1)

«فاطمة وقال» سقط من صلب ف وكتبه الناسخ في الهامش الأيسر مصححًا عليه. وكتب أيضًا في الهامش الأيمن مصححًا عليه: «فاطمة فقال يا بنت» ، وهو كذلك في مصادر التخريج إلا أن الناسخ سقط عليه «محمد» سهوًا، أي: «فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت [محمد] هل لك

». وأثبتُّ الأول لموافقته سائر الأصول.

(2)

أي أقربهم لنا عداوة، وفي المطبوع:«أعدى العدو» خلافًا للأصول ولفظ ابن إسحاق، وإنما هو لفظ ابن هشام كما صرَّح به مميزًا له عن لفظ ابن إسحاق في «سيرته» .

(3)

ص، ز، د، ث:«أجِرْ» بصيغة الأمر على أن «أن» تفسيرية.

ص: 483

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجَهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تُحرِّك بعض جَهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي بنيةُ أمركنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه؟ قالت: نعم فتجهَّزْ، قال: فأين تَرَينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناسَ أني

(1)

سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتجهيز، وقال:«اللهم خذ العيونَ والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها»

(2)

، فتجهز الناس.

فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابًا يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأةً وجعل لها جُعلًا على أن تُبلِّغه قريشًا، فجعلته في قرون رأسها ثم خرجت به، وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليًّا والزبير ــ وغير ابن إسحاق يقول: بعث عليًّا والمقداد

(3)

ــ فقال: «انطلقا حتى تأتيا رَوضة خاخٍ

(4)

فإن بها ظعينةً معها كتاب إلى قريش»، فانطلقا تَعادى بهما خيلُهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان فاستنزلاها وقالا: معكِ كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتَّشا رحلها فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليٌّ: أحلف بالله ما كَذَب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا كَذَبْنا، واللهِ

(1)

ز، المطبوع:«أنه» ، وهو كذلك في مصادر التخريج.

(2)

له شاهد من حديث ميمونة عند الطبراني في «الكبير» (23/ 433) و «الصغير» (968) بإسناد ضعيف. وآخَرُ من مرسل محمد بن جبير بن مطعم عند الواقدي (2/ 796).

(3)

المؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 167)، ومراد ابن سيد الناس بـ «غير ابن إسحاق» هو ابن سعد في «طبقاته» (2/ 125). والذي صحَّ من حديث عليٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه هو والزبير والمقداد. أخرجه البخاري (3007) ومسلم (2494).

(4)

خاخ: موضع جنوب غربي المدينة قرب حمراء الأسد، ولا يزال معروفًا بهذا الاسم، وكان يسمَّى روضةً لكثرة مياهه وأشجاره ..

ص: 484

لتُخرِجِنَّ الكتاب أو لنجردَنَّك! فلما رأت الجد منه قالت: أعرِضْ، فأعرض فحلَّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال:«ما هذا يا حاطب؟» فقال: لا تَعجل عليَّ يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما ارتددتُ ولا بدَّلت، ولكني كنت امرءًا مُلصَقًا في قريشٍ لست من أنفُسهم، ولي فيهم أهلٌ وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان مَن معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» ، فذَرَفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم

(1)

.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم والناس صيام حتى إذا كانوا بالكَدِيد

(2)

ــ وهو الذي تسميه الناس اليوم: قُدَيدًا

(3)

ــ أفطر وأفطر الناس معه

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري (3007، 3983، 6939) ومسلم (2494) من حديث عليٍّ بنحوه.

(2)

وصفه ابن إسحاق أنه بين عُسفان وأَمَجَ (المعروفِ اليوم بخُلَيص)، وفي البخاري: إنه ماء بين قُدَيد وعُسفان. ولا منافاة بينهما، فإن القادم من المدينة يمرّ بمحاذاة قُدَيدٍ أولًا ثم بأمج ثم بعُسفان. وانظر:«معجم المعالم الجغرافية» للبلادي (ص 263).

(3)

هكذا جاء مضبوطًا في ف، ز. والذي يقتضيه القلب عن «الكَدِيد» أن يكون بفتح القاف وكسر الدال، وعلى كل فهو غير وادي قُدَيد المعروف.

(4)

أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 399) ــ والبخاري (4275) ومسلم (1113) من حديث ابن عباس.

ص: 485

ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهران

(1)

ــ وهو بطن مرٍّ ــ ومعه عشرة آلاف، وعمى الله الأخبار عن قريش، فهم على وجل وارتقاب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسَّس

(2)

الأخبار، فخرج هو وحكيم بن حزام وبُدَيل بن ورقاء يتجسَّسون الأخبار.

وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا فلقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالجُحفة وقيل فوق ذلك. وكان ممن لقيه في الطريق ابنُ عمِّه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية

(3)

، لقياه بالأبواء ــ وهما ابنُ عمِّه وابن عمته ــ فأعرض عنهما لِما كان يلقى منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابنُ عمك وابن عمَّتك أشقى الناس بك.

وقال عليٌّ لأبي سفيان

(4)

فيما حكاه أبو عمر

(5)

: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91]، فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ منه قولًا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ

(1)

وهو معروف اليوم بوادي فاطمة، وقد سبق التعريف به (ص 297).

(2)

في المطبوع هنا وفي الموضع الآتي: «يتحسس» بالحاء، وهو بالجيم في عامّة الأصول.

(3)

المخزومي، أخو أم سلمة لأبيها، أمّه: عاتكة بنت عبد المطلب عمّة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمّ أم سلمة: عاتكة بنت عامر الكنانية من بني فراس.

(4)

زِيد في ف بخط صغير بين السطرين: «بن الحارث» ، وهي زيادة توضيحية من الناسخ أو غيره لئلا يلتبس على القارئ أبو سفيان هذا بأبي سفيان بن حرب.

(5)

في «الاستيعاب» (4/ 1674)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 167). ولم أجد الحكاية مسندة.

ص: 486

الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].

فأنشده أبو سفيان أبياتًا منها:

لعمرك إني حين أحمل رايةً

لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمد

لكالمُدلج الحيران أَظلم ليلُه

فهذا أواني حين أُهدى فأهتدي

هدانيَ هاد غير نفسي ودلني

على الله من طَردتُه كل مَطْرَدِ

(1)

فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «أنت طرَدتني كل مَطْرَدٍ؟!»

(2)

.

وحَسُن إسلامه بعد ذلك.

ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم حياءً منه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبُّه، وشهد له بالجنة، وقال: «أرجو أن تكون

(3)

خلفًا من

(1)

كذا في الأصول وفاقًا لـ «عيون الأثر» . وفي المطبوع: «طرَّدتُ كلَّ مُطَرَّدِ» ، وهو كذلك في عامّة المصادر.

(2)

زاد الواقدي: «بل الله طردك كلَّ مَطرد» . «المغازي» (2/ 811).

والحديث ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 401) ــ والواقدي معلّقًا بلا إسناد. ووقع الحديث في «مستدرك الحاكم» (3/ 43 - 44) مسندًا من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس. والظاهر أنه وهم من بعض الرواة على ابن إسحاق حيث أدرج المعلّق في المسند، فإن الذي أسنده ابن إسحاق بهذا الإسناد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة أبا رهم وخرج لعشر مضَين من رمضان فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكَدِيد أفطر، وأما ما ذكره ابن إسحاق بعد ذلك من قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث فليس مسندًا بالإسناد السابق، بل هو معلق. وقد فصل وميَّز بينهما ابنُ هشام في «سيرته» وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (6231).

(3)

النقط من ص. وفي ن، المطبوع:«يكون» .

ص: 487

حمزة»

(1)

. ولما حضرته الوفاة قال: لا تبكوا عليَّ، فما تَنَطَّفتُ

(2)

بخطيئة منذ أسلمت

(3)

.

عاد الحديث

(4)

: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ الظهران نزله عشاءً، فأمر الجيش فأوقدوا النِّيران، فأُوقدت عشرةُ آلاف نارٍ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب

(5)

.

وركب العباسُ بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاءَ، وخرج يلتمس لعلَّه يجد بعض الحَطَّابة أو أحدًا يخبر قريشًا، ليخرجوا يستأمنون

(6)

رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها عنوةً، قال: فوالله إني لأسير عليها إذ سمعتُ كلام أبي سفيان

(7)

وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت

(1)

ذكره البلاذري في «الأنساب» (4/ 296) دون ذكر شهوده صلى الله عليه وسلم له بالجنة، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (4/ 1675) بتمامه ــ وعنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (2/ 168) ــ بلا إسناد.

(2)

أي: ما تلطَّختُ. وتصحَّف في المطبوع إلى: «نطقت» .

(3)

أخرجه ابن سعد (4/ 49) وأبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (1/ 645) والبغوي في «معجم الصحابة» (3251) والدِّينَوَري في «المجالسة وجواهر العلم» (1688) عن أبي إسحاق السبيعي مرسلًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» .

(4)

أي: بعد الاستطراد بذكر قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية. قوله: «عاد الحديث» ساقط من المطبوع.

(5)

هذه الفقرة ليست عند ابن إسحاق، وإنما ذكرها الواقدي (2/ 814) وابن سعد (2/ 125).

(6)

ص، ز، د:«يستأمنوا» .

(7)

زيد في هامش ف: «بن حرب» .

ص: 488

كالليلة نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا، قال: يقول بُدَيل: هذه واللهِ خزاعةُ حَمَشَتْها الحربُ

(1)

، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفتُ صوتَه فقلت: أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قال: قلتُ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباحَ قريشٍ واللهِ! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قلت

(2)

: والله لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنَه لك، فركب خلفي ورجع صاحباه

(3)

.

قال: فجئت به، فكلما مررت بنارٍ

(4)

من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضتُ البغلةَ فسبقتُ، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله، إني قد أجرتُه، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلةَ أحدٌ دوني.

(1)

أي: أغضبَتْهم وأثارتهم.

(2)

زِيد بعده في س، هامش ز:«هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، ولعله خطأ بانتقال النظر إلى ما سبق.

(3)

هامش ف: «بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام» زيادة توضيحية.

(4)

المطبوع: «به على نار» خلافًا للأصول وللفظ ابن إسحاق.

ص: 489

فلما أكثر عمرُ في شأنه قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلتَ مثل هذا، قال: مهلًا يا عباس، فواللهِ لإسلامُك كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به» ، فذهبت.

فلما أصبح

(1)

غدوتُ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصَلك! لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إلهٌ غيرُه لقد أغنى شيئًا بعد، قال:«ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا

(2)

، فقال له العباس: ويحك أسلِمْ واشهدْ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادةَ الحق، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، قال:«نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»

(3)

.

(1)

طبعة الرسالة: «أصبحت» خلافًا للأصول والطبعة الهندية ومصدر النقل.

(2)

في الأصول عدا ث، ن:«شيء» ، خطأ.

(3)

قصة العباس مع أبي سفيان أخرجها إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (4301) ــ والطبراني في «الكبير» (8/ 11) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (3836) والضياء في «المختارة» (11/ 133) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس مطولًا. وروى أبو داود (3021) طرفًا منه مختصرًا جدًّا. قال الحافظ في «المطالب»:«هذا حديث صحيح» .

وقد روي أيضًا من طرق أخرى عن ابن عباس عند ابن سعد (6/ 8) وأبي داود (3022) والبيهقي في «الدلائل» (5/ 32 - 35) مطولًا ومختصرًا. وأخرج مسلم (1780/ 86) عن أبي هريرة قولَه صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» .

ص: 490

وأمر العباسَ أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنودُ الله فيراها، ففعل، فمرَّت القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سُلَيم، قال: يقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت

(1)

القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء

(2)

فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملكُ ابن أخيك اليوم عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلت: النجاء إلى قومك

(3)

.

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليومُ تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا. فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد؟ قال:«وما قال؟» فقال: قال

(1)

ص، د، ز:«نفَذت» بالذال المعجمة.

(2)

أي التي يعلوها سواد الحديد، والعرب تطلق الخُضرة على السواد، والعكس.

(3)

وهذا أيضًا جزء من حديث ابن عباس الطويل الذي سبق تخريجه. وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (4280).

ص: 491

كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون منه

(1)

في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بل اليوم يوم تُعظَّم فيه الكعبة، اليوم أعزَّ الله فيه قريشًا» ، ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعدٍ إذ صار إلى ابنه

(2)

.

قال أبو عمر

(3)

: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزع منه الراية دفعها إلى الزبير.

ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشًا صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن

(4)

، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحَمِيت الدَّسِم الأحمس

(5)

، قُبِّح مِن طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنَّكم هذه من أنفسكم، فإنه

(1)

ن، المطبوع:«له» .

(2)

هذه الفقرة عند الواقدي (2/ 821) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (23/ 454) ــ بنحوها، ولفظ النبي صلى الله عليه وسلم عنده:«اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشًا» . وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (4280) بلفظ: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم اللهُ فيه الكعبة، ويومٌ تُكسى فيه الكعبة» ، وليس فيه ذكر نزع اللواء.

(3)

في «الدرر» (ص 231)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 172).

(4)

بعده في س: «قالوا: قاتلك الله

ومن دخل المسجد فهو آمن». وهو كلام مُحال عن موضعه لانتقال النظر، وسيأتي في موضعه قريبًا.

(5)

في النسخ المطبوعة: «الأحمش الساقين» ، تحريف وزيادة على ما في الأصول. والحَمِيت: وعاءٌ من جلد يُجعل فيه السمن، والأحمس: الشديد، والمراد تشبيه سِمَنه وشحامته، ويمكن أن يكون المراد بالأحمس: الذي لا خير عنده من قولهم: أرضٌ أحامِس، إذا كانت جدبة ليس بها كلأٌ ولا مرتع. انظر:«الروض الأنف» (7/ 94)، و «عيون الأثر» (2/ 183)، و «تاج العروس» (حمس).

ص: 492

قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن

(1)

، قالوا: قاتلك الله وما تُغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرَّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد

(2)

.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة من أعلاها

(3)

، وضُربت له هنالك قبَّتُه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها وكان على المجنِّبة اليمنى وفيها أسلم وسُلَيم وغِفار ومُزَينة وجُهَينة وقبائلُ من قبائل العرب، وكان أبو عبيدة على الرَّجَّالة والحُسَّر وهم الذين لا سلاح معهم

(4)

، وقال لخالد ومن معه:«إن عرض لكم أحدٌ مِن قريش فاحصُدوهم حصدًا حتى تُوافوني على الصفا» ، فما عرض لهم أحد إلا أناموه

(5)

.

وتجمَّع سفهاءُ قريش وأَخِفَّاؤها مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان حِماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له امرأته: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أُخدِمك بعضَهم ثم قال:

(1)

بعده في المطبوع وعامّة النسخ عدا ن: «ومن دخل المسجد فهو آمن» ، ولكن عليه علامة الحذف في ف، وهو الصواب الموافق لمصدر النقل.

(2)

وهذه الفقرة تتمة حديث ابن عباس الطويل الذي سبق تخريجه.

(3)

من ثنيّة يقال لها كَدَاء ــ وهي تُعرَف اليوم بالحَجُون ــ كما عند البخاري (4290) ومسلم (1258/ 225) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

ص، ز، د:«لهم» .

(5)

أخرجه أحمد (10948) ومسلم (1780/ 84، 86) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه، وسيأتي لفظ أحمد.

ص: 493

إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّهْ

هذا سلاح كامل وألَّهْ

وذو غِرارين سريع السَّلَّهْ

(1)

ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل، فلما لقيهم المسلمون ناوشوهم شيئًا من قتالٍ، فقُتِل كُرز بن جابرٍ الفِهري وخُنَيس بن خالد بن ربيعة من المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذَّا عنه فسلكا طريقًا غير طريقه فقُتلا جميعًا، وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلًا ثم انهزموا، وانهزم حِماسٌ صاحب السلاح حتى دخل بيته فقال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي

(2)

، فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنكِ لو شهدتِ يوم الخندمه

إذ فرَّ صفوان وفرَّ عكرمهْ

واستقبلَتْنا بالسيوف المسلمه

يَقطعن كلَّ ساعد وجمجمهْ

ضربًا فلا نسمع إلا غمغمه

لهم نَهِيتٌ حولنا وهمهمهْ

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمهْ

وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة، فبعث الزبير على إحدى المُجنِّبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته، قال: وقد وَبَّشت قريش أوباشًا لها فقالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لقريش

(3)

شيء

(1)

الأَلَّة: الحَربة، وذو غرارين: سيف ذو حدَّين.

(2)

ص، ز، د:«بابي عليَّ» ، تقديم وتأخير.

(3)

كذا في الأصول. وفي مصادر التخريج: «فإن كان لهم» ، أي: إن كان للأوباش شيءٌ من النصر كنا ــ نحن قريش ــ معهم، وإلَّا استسلمنا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأعطيناه ما يريد.

ص: 494

كنا معهم، وإن أصيبوا أَعطينا الذي سُئلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا أبا هريرة!» ، فقلت: لبيك رسول الله، فقال:«اهْتِف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري» ، فهتف بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا» ، فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يُوجِّه إلينا شيئًا

(1)

.

وركزت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحَجُون عند مسجد الفتح

(2)

.

ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويقول:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49]، والأصنام تتساقط على وجوهها

(3)

.

وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذ فاقتصر على الطواف،

(1)

أخرجه أحمد (10948) ــ ومن طريقه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (2/ 174) واللفظ له ــ ومسلم (1780) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

انظر: «صحيح البخاري» (4280).

(3)

أخرجه البخاري (4720) ومسلم (1781) من حديث ابن مسعود بنحوه، وأخرجه مسلم (1780/ 84) أيضًا من حديث أبي هريرة بنحوه، إلا أنه ليس فيهما ذكر تساقط الأصنام، وقد روي ذلك من حديث ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (10/ 338) و «الصغير» (1152) وأبي نعيم في «حلية الأولياء» (3/ 212) والضياء في «المختارة» (12/ 320) بإسناد حسن.

ص: 495

فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها فرأى فيها الصور ورأى صورةَ إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال:«قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط» ، ورأى في الكعبة حمامةً من عيدان فكسرها بيده، وأمر بالصور فمُحيت

(1)

.

ثم أغلق عليه البابَ وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدارَ الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدرُ ثلاثة أذرعٍ وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت وكبَّر في نواحيه ووحَّد الله

(2)

.

ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجدَ صفوفًا ينظرون

(3)

ماذا يصنع، فأخذ بعِضادتَي الباب

(4)

وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

(1)

قوله صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله

» وأمرُه بمحو الصور أخرجه البخاري (3352) من حديث ابن عباس. وذِكرُ طوافه صلى الله عليه وسلم على البعير وكسره لحمامة عيدانٍ أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (2/ 411) وابن ماجه (2947) والحاكم (4/ 69) ــ من حديث صفية بنت شيبة بن عثمان العبدريّة، وإسناده حسن.

(2)

أخرجه مالك في «الموطأ» (1186) وأحمد (6231) والبخاري (468، 506) ومسلم (1329) من حديث ابن عمر دون ذكر التكبير والتهليل في نواحيه، وإنما صحَّ ذلك من حديث أسامة بن زيد عند أحمد (21823) والنسائي (2914) وابن خزيمة (3004). وصحّ ذكر التكبير فقط من حديث ابن عباس عند البخاري (398، 1601).

(3)

المطبوع: «ينتظرون» خلافًا للأصول.

(4)

عِضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان في الحائط على جانبي الباب، وفيهما يُثبَّت مصراعا الباب. وأَخْذ النبي صلى الله عليه وسلم بعضادتي الباب صحّ من حديث أبي هريرة الذي سيأتي تخريجه عند قوله: «لا تثريب عليكم

».

ص: 496

صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كلُّ مأثرةٍ أو مال أو دم فهو تحت قدمَيَّ هاتين، إلَّا سِدانةَ البيت وسقاية الحاج. ألا وقتلُ الخطإ شِبْهُ العمد السوطُ والعصا ففيه الديةُ مغلظةً مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.

يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَظُّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا هذه الآية {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:«فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»

(1)

.

(1)

خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 412) ــ عن بعض شيوخه من أهل العلم مرسلة. ولها شواهد حسان تعضدها، منها:

ما أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (2/ 121) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن عطاء والحسن وطاوس مرسلًا بنحوه أطول مما هنا. ومسلم بن خالد فيه لين، ولكن تابعه إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أشياخه ــ دون أن يسميهم ــ ببعضه. أخرجه البلاذري في «فتوح البلدان» (ص 57).

وللفقرة الأولى شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بمثله. أخرجه أبو داود (4547) وابن حبان (6011) بإسناد جيِّد.

وللفقرة الثانية شاهد من حديث ابن عمر عند الترمذي (3270) وابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (الحجرات: 13) ــ بإسنادين ضعيفين. ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة عند أحمد (8736) وأبي داود (5116) بإسناد حسن إلا أنه ليس فيه ذكر الخطبة والآية.

وللفقرة الثالثة شاهد من حديث أبي هريرة عند النسائي في «الكبرى» (11234) والطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 325) والبيهقي في «الدلائل» (5/ 58) بإسناد جيّد، إلا أنه ليس فيه قوله:«اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، ولكن يشهد له أن مسلمة الفتح كان يقال لهم «الطلقاء» كما في حديث أنس عن أحداث غزوة حنين عند البخاري (4333) ومسلم (1059/ 135).

ص: 497

ثم جلس في المسجد، فقام إليه عليٌّ ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحِجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له فقال: «هاك مفتاحَك يا عثمان، اليوم يوم بِرٍّ ووفاء»

(1)

.

وذكر ابن سعد في «الطبقات»

(2)

عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظتُ له ونِلت منه، فحَلُم عني، ثم قال:«يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت» ، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذٍ وذلَّت، فقال:«بل عَمَرت وعزَّت يومئذ» ، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان

(1)

ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 412) ــ عن بعض أهل العلم. وله شاهد من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (38055) ضمن حديثهما الطويل في غزوة الفتح.

(2)

(5/ 16) عن شيخه الواقدي ــ وهو عنده في «مغازيه» (2/ 837) بنحوه بلا ذكر الإسناد ــ عن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه عن عثمان بن طلحة. إسناده ضعيف من أجل الواقدي، ولكن لبعضه شواهد يأتي ذكرها عند الجزء المشهود له.

ص: 498

يوم الفتح قال: «يا عثمان، ائتني بالمفتاح» ، فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إليَّ وقال:«خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف»

(1)

.

قال: فلما ولَّيتُ ناداني فرجعت إليه، فقال:«ألم يكن الذي قلت لك؟» قال: فذكرتُ قولَه لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت» ، فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله.

وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة

(2)

.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حربٍ وعَتَّاب بن أَسِيد والحارث بن هشام وأشرافُ قريشِ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أَسِيدًا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما

(1)

قوله: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم» له شاهد من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (11/ 120) و «الأوسط» (488)، وإسناده ضعيف، وقد روي عن ابن أبي مليكة مرسلًا عند عبد الرزاق (9076)، وهو أشبه. وآخر من حديث شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ــ ابن عمّ عثمان بن طلحة ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إليه المفتاح وإلى عثمان بن طلحة فقال: «خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة

» ذكره أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (1674) عن أحمد بن زهير، عن مصعب بن عبد الله الزبيري (ت 236) عن شيبة معضلًا. وذكر الحافظ في «الفتح» (8/ 19) شاهدًا له من مرسل عبد الرحمن بن سابط رواه محمد بن عائذ القرشي (ت 233) في «مغازيه». وانظر:«أخبار مكة» للأزرقي (1/ 265 - 267).

(2)

أسنده ابن سعد في «الطبقات» (5/ 17) بإسناد ضعيف. وله شاهد من مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (9076).

ص: 499

يَغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتَّبعتُه، فقال أبو سفيان: والله لا أقول شيئًا، لو تكلَّمتُ لأَخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم:«قد علمتُ الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، واللهِ ما اطَّلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك

(1)

.

فصل

ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمانِ ركعاتٍ في بيتها

(2)

، وكانت ضحًى فظنَّها من ظنها صلاةَ الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنًا أو بلدًا صلَّوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

. وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرًا لله عليه، فإنها قالت: ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها

(4)

.

وأجارت أم هانئ حَمْوَين لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ»

(5)

.

(1)

ذكره ابن هشام (2/ 413) عن بعض أهل العلم. ولأذان بلال فوق الكعبة يوم الفتح شاهد من حديث سلمان الفارسي عند عبد الرزاق (19464) وفي سنده انقطاع. وآخر من مرسل عروة عند ابن أبي شيبة (2344) وأبي داود في «المراسيل» (23).

(2)

أخرجه البخاري (1103) ومسلم (336) من حديث أم هانئ.

(3)

يُروى أن سعدًا صلَّاها في إيوان كسرى عندما فتح المدائن، وأن خالدًا صلَّاها لمّا فتح الحِيرة. انظر:«تاريخ الطبري» (3/ 366، 4/ 16) و «البداية والنهاية» (9/ 524، 10/ 13).

(4)

أخرجه أحمد (27391) ومسلم (336/ 81).

(5)

أخرجه أحمد (26892، 26896) والبخاري (357) ومسلم (336/ 82) والنسائي في «الكبرى» (8631)، وليس في «الصحيحين» ذكر الحموين.

ص: 500

فصل

ولما استقر الفتح آمن

(1)

رسول الله صلى الله عليه وسلم الناسَ كلَّهم، إلا تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خَطَل

(2)

، والحارث بن نُقَيد بن وهب

(3)

،

ومِقْيَس بن صُبابة، وهَبَّار بن الأسود، وقَينتان لابن خطل

(1)

المطبوع: «أمَّن» ، والمثبت من ص، د، ز، وهو محتمل في سائر الأصول.

(2)

كذا ورد اسمه في بعض الروايات، منها حديث أبي برزة الأسلمي قال:«قتلتُ عبد العزى بن خطل وهو متعلق بستر الكعبة» ، أخرجه أحمد (19794) بإسناد حسن. وفي بعض الروايات سُمِّي: عبد الله بن خَطَل، وكذا سمَّاه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 409) ــ والواقدي (2/ 825). والجمع بينهما أنه كان يُسمَّى عبد العزى، فلمَّا أسلم سُمِّي عبد الله، ثم قتل رجلًا من الأنصار وارتدَّ ولحق بالمشركين. انظر:«فتح الباري» (4/ 61).

(3)

اختُلِف في ضبط اسمه واسمه أبيه:

الحارث: كذا في الأصول، وهو كذلك في خبر موسى بن عقبة عند البيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 120) و «معرفة السنن» (13/ 299)، وكذا ذكره مُغلطاي في «الإشارة» (ص 310). والذي في عامة المصادر:«الحويرث» مصغرًا، وهو كذلك في خبر موسى بن عقبة في مطبوعة «دلائل النبوة» (5/ 41).

نقيد: وقع في ب، ث، المطبوع:«نفيل» ، تصحيف. و «نقيد» بالدال المهملة في عامّة المصادر، ونصَّ عليه البَلاذُري في «أنساب الأشراف» (9/ 416). ووقع في مطبوعة بعض المصادر كـ «سيرة ابن هشام» (2/ 410) و «معرفة السنن» و «الدلائل»:«نُقيذ» بالذال المعجمة، وفي موضع آخر من «الدلائل» (5/ 63):«نُقَيدر» بزيادة راءٍ في آخره، وبه ضبطه الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (5/ 340). والأول أصح.

ص: 501

كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب

(1)

.

فأما ابن أبي سرح فأسلم فجاء به عثمان بن عفان فاستأمن له رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاءَ أن يقوم إليه بعضُ الصحابة فيقتلَه، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ثم ارتد ورجع إلى مكة

(2)

.

وأما عكرمة بن أبي جهل فاستأمنت له امرأته بعد أن فرَّ، فأمنه

(1)

أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل أخرجه البخاري (1846) ومسلم (1357) من حديث أنس. وأما الأمر بقتل سائرهم عدا هبار بن الأسود فروي مفرّقًا في عدة أحاديث، منها: حديث سعد بن أبي وقاص عند النسائي (4067) والدارقطني (3022) والحاكم (2/ 54) بإسناد حسن، وحديث سعيد بن يربوع المخزومي ــ وكان من الطلقاء ــ عند أبي داود (2684) والدارقطني (2793) بإسناد لا بأس به في الشواهد، وفي مرسل عكرمة الطويل في أحداث الغزوة عند ابن أبي شيبة (38057)، وفي خبر موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (5/ 41)، واجتمع ذكر هؤلاء الثمانية عند ابن إسحاق في «مغازيه». انظر:«سيرة ابن هشام» (2/ 409 - 411).

وأما هبَّار بن الأسود فروي الأمر بقتله مع رجل آخر اسمه نافع بن عبد القيس في حديث أبي هريرة عند البزار (8067) وابن حبّان (5611)، ولكن ليس فيه أنه كان يوم الفتح، والحديث في البخاري (2954) دون تسمية الرجلين. وقد ذكره الواقدي (2/ 825) وكاتبه في «الطبقات» (2/ 126) في الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح، وزادا شخصًا عاشرًا، وهو: هند بنت عتبة بن ربيعة ــ امرأة أبي سفيان ــ، وفيه نظر فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليؤمّن أبا سفيان ويؤمّن من دخل داره ثم يُهدر دم امرأته، وقد أسلمت بعد الفتح وأتت النبي صلى الله عليه وسلم لتُبايع دون أن يجيرها أحد أو يستأمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2)

انظر قصته في حديث سعد بن أبي وقاص وحديث ابن عباس عند أبي داود (4358، 4359) والحاكم (3/ 45).

ص: 502

النبي صلى الله عليه وسلم، فقَدِم وأسلم وحَسُن إسلامه

(1)

.

وأما ابن خطل والحارث ومِقْيَس وإحدى القينتين فقتلوا

(2)

. وكان مقيس قد أسلم ثم ارتد وقتل ولحق بالمشركين

(3)

.

وأما هبار بن الأسود فهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرةٍ وأسقطت جنينها، ففر ثم أسلم وحسن إسلامه

(4)

.

واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارة ولإحدى القينتين فأمَّنهما فأسلمتا

(5)

.

(1)

انظر خبر إسلامه في حديث سعد عند النسائي (4067)، ومرسل ابن أبي مليكة عند ابن سعد (6/ 87) والطبراني في «الكبير» (17/ 372)، ومغازي عروة عند الحاكم (3/ 241)، ومغازي موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (5/ 47)، ومغازي ابن إسحاق عند ابن هشام (2/ 410).

(2)

انظر: حديث سعيد بن يربوع المخزومي عند أبي داود (2684) والدارقطني (2793) والبيهقي في «الدلائل» (5/ 63)، وانظر:«سيرة ابن هشام» (2/ 410 - 411) و «مغازي الواقدي» (2/ 859 - 860).

(3)

انظر: «سيرة ابن هشام» (2/ 293) و «مغازي الواقدي (2/ 860 - 862) و «طبقات ابن سعد» (5/ 127).

(4)

روي خبر جريمته في حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري في «التاريخ الأوسط» (1/ 251) والطبراني في «الكبير» (22/ 431) والحاكم (4/ 43) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 156)، وفي مرسل ابن أبي نجيح عند سعيد بن منصور في «السنن» (2646 - كتاب الجهاد) وابن سعد في «الطبقات» (6/ 62)، وفي مغازي ابن إسحاق كما عند ابن هشام (1/ 653 - 654) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 155).

وروي قصة إسلامه عند الواقدي (2/ 857، 858) وعنه ابن سعد (6/ 61).

(5)

انظر المصادر المذكورة في الهامش الأول من الصفحة السابقة، وقد زعم الواقدي خلافًا لابن إسحاق أن سارة قُتلت يوم الفتح.

ص: 503

فلما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ومجَّده بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسفك بها دمًا أو يَعضِد بها شجرةً، فإنْ أحد ترخص بقتال

(1)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أُحِلَّت لي

(2)

ساعةً من نهار، وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»

(3)

.

ولما فتح الله مكة على رسوله ــ وهي بلده ووطنه ومولده ــ قالت الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ وهو يدعو على الصفا رافعًا يديه، فلما فرغ من دعائه قال:«ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«معاذ الله، المَحيا محياكم والممات مماتكم»

(4)

.

(1)

المطبوع: «لقتال» وهو لفظ البخاري، والمثبت من الأصول لفظ مسلم وغيره.

(2)

«لي» ساقطة من ص، د.

(3)

أخرجه البخاري (104، 4295) ومسلم (1354) من حديث أبي شريح الخزاعي بنحوه، وبعض ألفاظ الخطبة أشبه بحديث ابن عباس عند البخاري (1834) ومسلم (1353).

(4)

ذكره ابن هشام (2/ 416) فيما بلغه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا. والقصة في «صحيح مسلم» (1780/ 84) من حديث أبي هريرة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه الوحي يُعلمه بما قالوا، فقال:«كلَّا! إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم» .

ص: 504

وهمَّ فَضالةُ بن عمير بن المُلوَّح أن يقتل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:«استغفرِ الله» ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئًا أحبَّ إليَّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأةٍ كنت أتحدث إليها فقالت: هلُمَّ إلى الحديث فقلت: لا، يأبى الله عليكِ والإسلام.

لو قد رأيتِ محمدًا وقبيلَه

بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ

لرأيتِ دين الله أضحى بيِّنًا

والشركُ يَغشى وجهَه الإظلامُ

(1)

وفرَّ يومئذ صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، فأما صفوان فاستأمن له عُمَير بن وهب الجُمَحي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأمَّنه، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فردَّه، فقال

(2)

: اجعلني بالخيار شهرين، فقال:«أنت بالخيار أربعة أشهر»

(3)

. وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت واستأمنت له

(1)

ذكره ابن هشام (2/ 417) عمَّن يثق به من أهل الرواية. وفي سياق المؤلف اختصار سقط به البيت الأول من أبياته الثلاثة، ولا أدري أمقصود هو أم حصل بانتقال النظر، وفي المطبوع جُعل السياق موافقًا لـ «سيرة ابن هشام» دون تنبيه.

(2)

أي صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم.

(3)

أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 417 - 418) ــ عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير مرسلًا. وأخرج مالك في «الموطأ» (1565) وعبد الرزاق (12646) نحوه عن الزهري بلاغًا. وانظر: مغازي موسى بن عقبة في «الدلائل» (5/ 46).

ص: 505

رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأمَّنه، فلحقته باليمن فردَّته. وأقرَّهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو وصفوان على نكاحهما الأول

(1)

.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم[تميم] بن أَسَد

(2)

الخزاعي فجدد أنصاب الحرم

(3)

.

وبثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سراياه إلى الأوثان التي كانت حول الكعبة فكسِّرت كلُّها، منها: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونادى مناديه بمكة:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره»

(4)

.

فبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان ليهدمها، فخرج إليها في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها،

(1)

أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 418) ــ ومالك في «الموطأ» (1565، 1568) وعبد الرزاق (12464) عن الزهري مرسلًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (2/ 180).

(2)

مكان الحاصرتين بياض في ف، ص، د، س. وفي ب كتب مكانه:«فصل» (؟!). وفي سائر الأصول لم يُترك بياض وكتب «ابن» بالألف. هذا، وفي ز، س، ن، المطبوع:«أُسيد» ، وهو قول في اسم أبيه. انظر:«معرفة الصحابة» لأبي نعيم (1/ 452) و «الإصابة» (2/ 7).

(3)

أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (5/ 199) والأزرقي في «أخبار مكة» (2/ 127) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (1297) من طرق كلّها واهية عن ابن خُثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس. والصواب ما رواه عبد الرزاق (8862) والأزرقي (2/ 128) من طريق ابن جريج عن ابن خثيم عن محمد بن الأسود بن خلف القرشي مرسلًا.

(4)

ذكره الواقدي عن أشياخه، وأسند نحوه أيضًا بإسناده عن جبير بن مطعم. «المغازي» (2/ 870، 871).

ص: 506

ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «هل رأيت شيئًا؟» قال: لا، قال:«فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» ، فرجع خالد وهو متغيِّظ فجرَّد سيفه، فخرجت إليه امرأة

(1)

عريانةٌ سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:«نعم، تلك العزى وقد أيست أن تُعبد في بلادكم أبدًا»

(2)

. وكانت بنخلةَ

(3)

، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظمَ أصنامهم، وكان سدنتها بني شيبان.

ثم بعث عمرو بن العاص إلى سُواع ــ وهو صنم لهُذَيل ــ ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادِن فقال: ما تريد؟ فقلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، فقال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تُمنَع، قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟! ويحك وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه

(1)

بعده في طبعة الرسالة: «عجوز» ، وليس في شيء من الأصول، ولا في الطبعة الهندية، ولا في مصادر التخريج.

(2)

أخرجه الواقدي (3/ 873) ــ وعنه كاتبه في «الطبقات» (5/ 32) ــ عن عبد الله بن يزيد الهُذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي به، ولعله لسعيد هذا صحبة، فإن أباه كان شيخًا كبيرًا قد أدرك الجاهلية الأولى والإسلام. انظر:«معرفة الصحابة» (4/ 2043). وله شاهد بنحوه من حديث أبي الطفيل عند النسائي في «الكبرى» (11483) وأبي يعلى (902) والضياء في «المختارة» (8/ 219) بإسناد حسن، إلَّا أنه ليس فيه قوله: «وقد أيست

» إلخ.

(3)

هما نخلتان كما سبق: الشامية واليمانية، والعُزَّى كانت بوادٍ من نخلةَ الشامية يُقال له حُراض. انظر:«معجم البلدان» لياقوت (4/ 116). ويقال له اليوم: حُراض بني عُمير، شمال شرقي مكة المكرمة على قرابة 45 كيلًا.

ص: 507